ه - التضارب الفاضح في عدد ركعات (التراويح)
على الرغم من الاصرار الكبير لدى البعض للتمسك بمشروعية (التراويح)، والقول بانَّها كانت قائمة في زمن النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم إلا انه تركها مخافة أن تفترض على الامة، إلا ان هؤلاء لم يتفقوا على صيغة محددة وواضحة لكيفية هذهِ الصلاة، وعدد ركعاتها، فجاءت أقوالهم متضاربة ومتعارضة بشكل فاضح، الأمر الذي لم يعهده المسلمون في أية فريضة اسلامية اُخرى، فانَّ من الممكن أن تتعدد الأقوال والآراء في بعض المسائل الفرعية من الدين، أما أن يقع مثل هذا النحو من التضارب في أصل العبادات، التي يدّعى انّها منتسبة إلى التشريع وصادرة عنه، فهذا ما لا يصح بحالٍ من الأحوال، وخصوصاً في عبادةٍ مثل الصلاة التي هي أمر توقيفي لا يؤخذ في هيئته وطريقته إلا عن مصدر تشريعي موثوق الصدور، فلننظر إلى هذا التضارب العجيب.
يقول (ابن حجر) في (فتح الباري):
«لم يقع في هذهِ الرواية عدد الركعات التي كان يصلي بها اُبي بن كعب، وقد اختُلف في ذلك، ففي (الموطأ) عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد انَّها إحدى عشرة، ورواه سعيد بن منصور من وجهٍ آخر، وزاد فيه (وكانوا يقرؤن بالمائتين، ويقومون على العصا من طول القيام).
ورواه محمد بن نصر المروزي من طريق محمد بن اسحق، عن محمد بن يوسف،
[ 309 ]
فقال: ثلاث عشرة.
ورواه عبد الرزاق من وجهٍ آخر عن محمد بن يوسف فقال: إحدى وعشرين.
وروى مالك من طريق يزيد بن حضيفة، عن السائب بن يزيد: عشرين ركعة، وهذا محمول على غير الوتر.
وعن يزيد بن رومان قال: (كان الناس يقومون في زمان عمر بثلاث وعشرين).
وروى محمد بن نصر من طريق عطاءٍ قال: (أدركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة، وثلاث ركعات الوتر).
والجمع بين هذهِ الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويُحتمل انَّ ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يطيل القراءة تقل الركعات وبالعكس.
وبذلك جزم الداودي وغيره، والعدد الأول موافق لحديث عائشة المذكور بعد هذا الحديث في الباب، والثاني قريب منه، والاختلاف فيما زاد عن العشرين راجع إلى الاختلاف في الوتر، وكأنَّه كان تارةً يوتر بواحدةٍ، وتارةً بثلاث.
وروى محمد بن نصر من طريق داود بن قيس قال: (أدركتُ الناس في إمارة أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز - يعني بالمدينة - يقومون بست وثلاثين ركعة، ويوترون بثلاث، وقال مالك هو الأمر القديم عندنا).
وعن الزعفراني عن الشافعي (رأيت الناس يقومونَ بالمدينة بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق).
وعنه قال: إن أطالوا القيام وأقلّوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود وأخفوا القراءة فحسن، والأول أحبُّ اليَّ.
وقال الترمذي: أكثر ما قيل فيه انَّها تُصلى إحدى وأربعين ركعة يعني بالوتر - كذا قال -.
وقد نقل ابن عبد البر، عن الاسود بن يزيد: تُصلى أربعين، ويوتر بتسع، وقيل:
[ 310 ]
ثمان وثلاثين، وذكره محمد بن نصر عن ابن أيمن عن مالك، وهذا يمكن ردّه إلى الأول بانضمام ثلاث الوتر، ولكن صرَّح في روايته بأنَّه يوتر بواحدة فتكون أربعين إلا واحدة، قال مالك: وعلى هذا العمل منذ بضع ومائة سنة.
وعن مالك: ست وأربعين وثلاث الوتر، وهذا هو المشهور عنه، وقد رواه ابن وهب، عن العمري، عن نافع، قال: لم اُدرك الناس إلا وهم يصلّون تسعاً وثلاثين يوترون منها بثلاث.
وعن زرارة بن أوفى انَّه كان يصلي بهم بالبصرة أربعاً وثلاثين ويوتر.
وعن سعيد بن جبير: أربعاً وعشرين.
وقيل ست عشر غير الوتر.
وروي عن أبي مجلز عن محمد بن نصر، وأخرج من طريق محمد بن اسحق حدثني محمد بن يوسف، عن جدِّه السائب بن يزيد قال: كنّا نصلّي زمن عمر في رمضان ثلاث عشرة.
قال ابن اسحق: وهذا أثبت ما سمعتُ في ذلك، وهو موافق لحديث عائشة في صلاة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من الليل، واللّه أعلم»(1)!!!
فانظر أيها القارئ أين يؤدي الابتعاد عن الشرع المبين، والى أيّ طريق يوصل...
فهل يمكن للشريعة الاسلامية أن تقع في مثل هذا التضارب والتهاتر؟.
وهل يمكن أن تضطرب تعاليمها إلى هذا المستوى الغريب من التشويش؟!
إنَّ الاسلام لأسمى من أن تَعلُقَ به هذهِ الترهات والأقاويل، وأقدس من أن تُنسب إليه مثل هذهِ السفاسف والأباطيل.
______________________________
(1) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج: 4، ص: 253 - 254.
[ 311 ]
ومن الغريب حقاً ما قامَ به صاحب كتاب (المغني) من محاولات متعسفة لتبرير هذهِ (البدعة) حيث يقول:
«وإذا كان فيه الدعاء إلى الصلاة، والتشدد في حفظ القرآن، فما الذي يمنع أن يعمل به على وجه أنه مسنون؟»(1).
فهل انَّ الامر المختلف فيه أمر ذوقي يمكن بشأنه الارجاع إلى حكم العقل البشري القاصر عن إدراك المصالح والمفاسد بأبعادها وتفاصيلها الغائبة عنه؟! على انَّ الادلة الشرعية القاطعة تضافرت على نبذ هذا النمط من الاستدلال الذي يعتمد على العقل والذوق، والردع عن ذلك، باعتبار انَّ دين اللّه لا يُصابُ بالعقول.
وهل هذا إلا تحكيم للرأي الذي يتقاطع مَعَ تعاليم الشرع المبين، ويخالف فلسفة التشريع من الأساس؟
وهل يمكن لنا من خلال إدراك مصلحة معينة في فعلٍ معين من أن نشرّع ذلك العمل، ونعدّه مندوباً؟!
ثم ما أدرانا انَّ الدعاء إلى الصلاة، والتشدد في حفظ القرآن الكريم، يتوقف على الالتزام بمثل هذا العمل، وإضفاء صفة الشرعية عليه؟
ولو كان الأمر كذلك فلماذا لم يكن أصل الائتمام بالنافلة مشروعاً ومندوباً؟ ولماذا هذا التخصيص بنافلة شهر رمضان دون بقية النوافل الاُخرى؟ أليس في بقية النوافل دعاء إلى الصلاة، وتشدد في حفظ القرآن الكريم؟
يقول اللّه عزَّ وجلَّ: (وَما كانَ لِمُؤمِنٍ ولا مُؤمِنَةٍ إذا قَضَى اللّهُ وَرسُولُه أَمراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الِخيَرةُ مِن أَمرِهِم وَمَن يَعصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً)(2).
______________________________
(1) نقله الشريف المرتضى في الشافي في الامامة، ج: 4، ص: 217.
(2) الأحزاب: 36.
[ 312 ]
وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في الحديث المتفق عليه:
«من أحدثَ في أمرنا هذا ما ليسَ منه فهو ردٌّ»(1).
إنَّ هذا الاستدلال لا يعدو أن يكون محاولة يائسة، وخارقة لجميع الاُسس التي اتفق عليها المسلمون بمختلف المذاهب والمشارب.
يقول الدكتور (يوسف القرضاوي) بشأن التوقيف في العبادات:
«قال شيخ الاسلام ابن تيمية: (انَّ تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون اليها في دنياهم، فباستقراء اُصول الشريعة نعلم انَّ العبادات التي أوجبها اللّه، أو أحبَّها، لا يثبت الأمر بها الا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الخطر، فلا الحظر منه إلا ما حظره اللّه سبحانه وتعالى، وذلكَ لأنَّ الأمر والنهي هما شرع اللّه، والعبادة لا بدَّ أن تكون مأموراً بها، فما لم يثبت انَّه مأمور به كيف يحكم عليه بأنَّه محظور).
ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: انَّ الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها الا ما شرعه اللّه، والا دخلنا في معنى قوله تعالى: (أَم لَهُم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُم مّنَ الدينِ ما لَم يَأذَن بِهِ اللّهُ)(3).
فهل غابت كل هذهِ الأدلة عن بال صاحب (المغني) فادّعى ذلكَ غفلةً، أو علم بذلك إلا أنَّه كابر متعسفاً؟!
على أنَّ الأكثر غرابةً من ادّعاء صاحب (المغني) المذكور حول (التراويح)، هو المغالطة التي حاول من خلالها (ابن أبي الحديد المعتزلي) تبرير هذهِ (البدعة)، والانتصار إلى محدثها، حيث يقول:
______________________________
(1) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1101، ص: 219.
(2) الشورى: 21.
(3) د. يوسف القرضاوي، الحلال والحرام في الاسلام، ص: 36.
[ 313 ]
«أليس يجوز للانسان أن يخترع من النوافل صلوات مخصوصة بكيفيات مخصوصة وأعداد ركعات مخصوصة، ولا يكون ذلك مكروهاً ولا حراماً، نحو أن يصلّي ثلاثين ركعة بتسليمة واحدة، ويقرأ في كل ركعة منها سورةً من قصار المفصل! أفيقول أحد انَّ هذا بدعة، لانه لم يرد فيه نص ولا سبق إليه المسلمون من قبل!..».
ثم أضاف مبرراً ل(التراويح) دخولها في دائرة الجواز بزعمه:
«فان قال: هذا يسوغ، فانَّه داخل تحت عموم ما ورد في فضل صلاة النافلة، قيل له: والتراويح جائزة ومسنونة لأنَّها داخلة تحت عموم ما ورد في فضل صلاة الجماعة»(1).
ولنا على كلام (المعتزلي) هذا ملاحظتان:
أولاً: إنَّ العمل العبادي الذي نعته (ابن أبي الحديد) بالجواز، وادّعى انَّه ليس بمكروه ولا حرام باتفاق الجميع، لا يخلو من نقاش، إذ انَّ هناك خلافاً مستفيضاً بين الفقهاء في انَّه هل يجوز الاتيان بالنوافل على أية هيئة كانت، أو انَّ صلاة النافلة لا بدَّ أن تُراعى فيها الشروط التوقيفية التي ذكرتها الشريعة الاسلامية لها، فالرأي الذي عليه أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام هو عدم جواز الاتيان بالنافلة التطوعية إلا بصورتها التوقيفية التي رويت عن النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، وهي أن تكون ركعتين ركعتين.
قال السيّد (محمد كاظم اليزدي) في (العروة الوثقى):
«يجب الاتيان بالنوافل ركعتين ركعتين»(2).
فصلاة النافلة وان كان أصلها عملاً تطوعياً مندوباً، وداخلاً في صميم التشريع، إلا انَّ الاتيان بها بقصد التقرب إلى اللّه جل ثناؤُه لا بدَّ أن تُلحظ فيه المقومات الدخيلة في
______________________________
(1) ابن ابي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج: 12، ص: 283.
(2) محمد كاظم اليزدي، العروة الوثقى، ج: 1، ص: 515، مسألة: 1.
[ 314 ]
أصل ماهيتها، فمثلاً من شروط إيقاع النافلة أن تكون مَعَ فاتحة الكتاب، وأن يكون المصلّي على طهور، فقد ورد انَّه (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، و(لا صلاة إلا بطهور)، ولا يمكن تعدّي هذهِ الشروط، والاتيان بصلاة النافلة من دون فاتحة الكتاب، أو من دون طهورٍ مثلاً، وهكذا الأمر بالنسبة إلى تحديد ركعات النافلة، إذ لا يمكن على رأي مدرسة أهل البيت عليهم السلام أن يؤتى بها بأية هيئة أو كيفية كانت، وانّما يجب التقيد بالاتيان بها ركعتين ركعتين.
نعم هناك أفعال مرنة ضمن اطار صلاة النافلة نفسها، يمكن للمكلف أن يتحرك في ظلِّها باختياره، كالتحكّم في طبيعة (السورة) التي يقرأها بعد فاتحة الكتاب، أو نوع الدعاء الذي يدعو به، أو كميّة الذكر الذي يأتي به.. أو غير ذلك من الاُمور التي أُوكل التصرف فيها إلى نفس المكلَّف، شريطة أن تبقى محتفظة بسمة الشرعية، ومندرجة تحت العموميات الثابت ورودها عن الشريعة المقدسة.
يبقى أمر يجدر التنبيه عليه، وهو أنَّ الخروج من كيفية الركعتين في النافلة لا يتم إلا عن طريق الدليل الشرعي، إذ الأصل هو الركعتان إلا ما خرجَ بالدليل، ومثال ما خرجَ بالدليل ركعة الوتر التي تُختم بها صلاة الليل.
وأما أبناء العامة، فقد اختلفوا في ذلك ايضاً، وان كان أكثرهم على الجواز، إلا انَّ بعضهم نصَّ على انَّ الزيادة على الركعتين أمر مكروه، وبعضهم قصر الزيادة على الأربع.. وهكذا.
قال الامام (القدوري الحنفي):
«ونوافل النهار إن شاءَ صلّى ركعتين بتسليمة واحدة، وإن شاءَ أربعاً، وتُكره الزيادة على ذلك، فأمّا نافلة الليل فقال أبو حنيفة: إن صلّى ثمان ركعات بتسليمة واحدةٍ جاز، وتُكره الزيادة على ذلك»(1).
______________________________
(1) اللباب في شرح الكتاب لعبد الغني الحنفي، ج: 1، ص: 91 - 92، وانظر: (الفقه الاسلام وأدلته) للدكتور وهبة الزحيلي، ج: 2، ص: 50.
[ 315 ]
وقال (أبو يوسف ومحمَّد):
«لا يزيد بالليل على ركعتين بتسليمة واحدة»(1).
وقال في (المهذَّب):
«والسنة أن يسلّم من كل ركعتين، لما روي عن ابن عمر رضي الله عنه انَّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا رأيت انَّ الصبح تداركك فأوتر بواحدة)، وإن جمع ركعات بتلسيمة جاز، لما روت عاشة رضي اللّه عنها انَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم (كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، ويوتر من ذلك بخمس، يجلس في الآخرة ويسلِّم، وانَّه أوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهنَّ بسلام)، وإن تطوَّع بركعةٍ جاز لما روي انَّ عمر رضي اللّه عنه (مرَّ بالمسجد فصلى ركعة فتبعه رجل، فقال يا أمير المؤمنين انَّما صليت ركعة، فقال: انَّما هي تطوع فمن شاء زاد ومَن شاء نقص».
وعقَّب على ذلك (النووي) بالقول:
«... في مذاهب العلماء في ذلك: قد ذكرنا انَّه يجوز عندنا أن يجمع ركعات كثيرة من النوافل المطلقة بتسليمة، وانَّ الافضل في صلاة الليل والنهار أن يسلّم من كل ركعتين، وبهذا قال مالك وأحمد وداود وابن المنذر، وحكي عن الحسن البصري وسعيد بن جبير، وقال أبو حنيفة: التسليم من ركعتين أو أربع في صلاة النهار، سواء في الفضيلة، ولا يزيد على ذلك، وصلاة الليل ركعتان وأربع وست وثمان بتسليمة، ولا يزيد على ثمان، وكان ابن عمر يصلي بالنهار أربعاً، واختاره اسحق»(2).
فكيف يمكن أن يُدَّعى بعد كل هذهِ الأقوال والآراء انَّ أحداً لم يقل بكراهة أو حرمة صلاة ثلاثين ركعة بتسليمة واحدة، كما قال ذلك المعتزلي بشكل قاطع، وأرسله
______________________________
(1) اللباب في شرح الكتاب لعبد الغني الحنفي، ج: 1، ص: 91 - 92 وانظر: (الفقه الاسلامي وأدلته) للدكتور وهبة الزحيلي، ج: 2، ص: 50.
(2) أبو زكريا النووي، المجموع من شرح المهذب، ج: 4، ص: 49 - 51.
[ 316 ]
أرسال المسلَّمات.
وهذا كلّه طبعاً لو جاء المكلّف بالعمل على سبيل القربة المطلقة، ولم ينسبه إلى الشريعة الاسلامية المقدسة، وأما إذا تمت نسبة هذا العمل العبادي المخترع بكيفيته المذكورة والمخصوصة هذهِ إلى الشريعة، وادُّعي انَّه مستفاد منها، وانَّه جزء من تعاليمها، فلا شكَ ولا ريب في كونه عملاً محَّرماً، بل هو من أبرز مصاديق قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«مَن أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ».
وقد مرَّت الاشارة إلى موضوع (قصد التشريع) فيما تقدم، وذكرنا الضابطة التي يتم بموجبها دخول العمل من هذهِ الناحية في الدين أو خروجه عنه.
قال الشيخ (يوسف البحراني) في (الحدائق الناضرة):
«لا ريب في انَّ الصلاة خير موضوع، إلا انه متى اعتقد المكلف في ذلكَ أمراً زائداً على ما دلَّت عليه هذهِ الأدلة من عددٍ مخصوص، وزمانٍ مخصوص، أو كيفية خاصة، ونحو ذلك، مما لم يقم عليه دليل في الشريعة، فانَّه يكون محرَّماً، وتكون عبادته بدعة، والبدعية ليست من حيث الصلاة، وانَّما هي من حيث هذا التوظيف الذي اعتقده في هذا الوقت، والعدد، والكيفية، من غير أن يرد عليه دليل»(1).
ومن الواضح لدينا انَّه حينما سُنَّت هذهِ الصلاة، واُمر المسلمون بها، وُعيِّن لهم امام خاص يقيمها، واستُحسنَ ذلك بعد ذلك، فانّه لم يُعمد إلى هذا العمل بما هو عمل عام، يأتي به الشخص بنية القربة المطلقة، وامتثال عموميات الادلة التي تحث المسلمين على صلاة النوافل، أو صلاة الجماعة - على الرغم من أننَّا لا نسلم حتى هذا المقدار لما ذكرناه آنفاً - وانَّما الملاحظ انَّه قد اُريد لهذا العمل أن يكون عملاً دورياً وثابتاً، وبهذا فهو مقصود بكيفيته الخاصة، ومنسوب إلى التشريع بما يحمل من مواصفات وخصوصيات معيّنة، وهذا يعني قصد التشريع المنافي والمبطل لاندراجه تحت العموميات المشار اليها في كلام
______________________________
(1) يوسف البحراني، الحدائق الناضرة، ج: 6، ص: 80.
[ 317 ]
(ابن أبي الحديد)، لو توافقنا معه جدلاً بشأنها.
وقد حصل هذا الأمر فعلاً، وجيء بهذهِ النافلة تحت عنوان الندب الشرعي، وأخذ بعض المسلمين يتعاهدون هذا العمل دهراً بعد دهر على انَّه سنة ثابتة من صميم التشريع، ولذا رأينا فيما سبق انَّ المصلين الذين نهاهم أمير المؤمنين عليه السلام عن أداء هذهِ الصلاة وأوضح لهم انَّها (بدعة)، ومخالفة لحكم اللّه تعالى، وسنة رسوله الكريم صلى اللّه عليه وآله وسلم، اعترضوا عليه ونادوا: واعمراه، ومن بعد ذلك أصروا على مزاولتها، والاقامة عليها.
ثانياً: إنَّ ما يمكن أن تشمله عموميات ما ورد في فضل صلاة الجماعة، والدعوة إلى إقامتها على ما ذكره (المعتزلي) هو خصوص الأمر القابل للاتصاف بهذا العنوان، والذي يمكن بشأنه ذلك، لا الأمر المنهي عنه والخارج عن دائرة الصلوات بشكل عام (إمّا لورود الدليل على عدم صحة الاتيان به، أو لعدم الدليل عليه)، أو الخارج عن دائرة الصلوات التي تُسن فيها صلاة الجماعة، على أحسن التقديرين.
وقد ورد عن الشريعة الاسلامية ثبوت بعض الصلوات المستحبة التي يجوز أن تُصلّى جماعةً بالأصالة أو بالعارض، ولم نرَ فيما بين هذهِ الصلوات صلاةً يُقال لها (التراويح)، على انَّ هناك نهياً عاماً يشمل الصلاة جماعة في النافلة غير ما ذُكر بخصوصه من استثناء.
قال السيّد (محمد كاظم اليزدي) في (العروة الوثقى):
«لا تشرع الجماعة في شيء من النوافل الأصلية وإن وجبت بالعارض بنذرٍ أو نحوه، حتى صلاة الغدير على الأقوى، إلا في صلاة الاستسقاء، نعم لا بأس بها فيما صارَ نفلاً بالعارض، كصلاة العيدين، مَعَ عدم اجتماع شرائط الوجوب، والصلاة المعادة جماعةً، والفريضة المتبرّع بها عن الغير، والمأتي بها من جهة الاحتياط الاستحبابي»(1).
______________________________
(1) محمد كاظم اليزدي، العروة الوثقى، ج: 1، ص: 764 - 765، مسألة: 2.
[ 318 ]
من أمثلة (الابتداع) الاخرى التي لا أصل لها في الدين، ولم تأمر بها الشريعة الاسلامية المقدسة هو النداء الثاني يوم الجمعة، فقد روى علماء العامة ومحدثوهم في مصادرهم المعتبرة انَّ هذا الأذان لم يكن موجوداً على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وانَّ (عثمان بن عفان) هو الذي استحدثه من تلقاء نفسه من دون سابق مثال، ولا شكَّ في انَّ هذا المقدار كافٍ لانطباق تعريف (الابتداع) عليه.
جاء في صحيح البخاري:
«كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الامام على المنبر على عهد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وأبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما، فلما كان عثمان رضي اللّه عنه، وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء»(1).
وورد في (سنن ابن ماجة):
«ما كان لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إلا مؤذن واحد، إذا خرج أذَّن، وإذا نزلَ أقام، وأبو بكر وعمر كذلك، فلما كان عثمان، وكثر الناس، زاد النداء الثالث على دارٍ في السوق يُقال لها الزوراء»(2).
وورد في (سنن النسائي):
«انَّما أمَرَ بالتأذين الثالث عثمان حين كثر أهل المدينة، ولم يكن لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم غير مؤذن واحد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الامام»(3).
______________________________
(1) البخاري، صحيح البخاري، ج: 1، ص: 219، باب: الاذان يوم الجمعة، وعنه: مصابيح السنة للبغوي، ج: 1، ص: 475، ح: 984.
(2) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ج: 1، ح: 1135، ص: 359.
(3) النسائي، سنن النسائي بشرح السيوطي، ج: 3، ص: 100 - 101.
[ 319 ]
وفيه أيضاً:
«كان بلال يؤذن إذا جلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم على المنبر يوم الجمعة، فإذا نزل أقام، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما»(1).
وفي (مجمع البيان) للعلامة (الطبرسي):
«عن السائب بن يزيد قال: كان لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم مؤذن واحد بلال، فكان إذا جلس على المنبر أذَّن على باب المسجد، فإذا نزل أقام الصلاة، وكان أبو بكر وعمر كذلك، حتى إذا كانَ عثمان، وكثر الناس، وتباعدت المنازل، زاد أذاناً، فأمر بالتأذين الأول على سطحِ دارٍ له بالسوق يُقال لها: الزوراء، وكان يُؤذَّن له عليها، فإذا جلس عثمان على المنبر أَذَّنَ مؤذنه، فإذا نزل أقام للصلاة»(2).
ففي هذهِ النصوص دلالة صريحة على انَّ هذا النداء انَّما كان محض ابتداع، ولم يكن له أيُّ أثر في حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ولم يرد به الأمر من قبل الشريعة، لا بالدليل العام، ولا بالدليل الخاص، فهو وارد إلى الدين - إذن - من خارج حياطه وحدوده، وبهذا فقد اُدخل في الدين ما ليس منه، وهذا حدّ (الابتداع) كما هو واضح.
ويؤيد هذا المعنى ما نقله العامة في كتبهم عن (ابن عمر) انه قال صريحاً:
«الأذان الأول يوم الجمعة بدعة»(3).
وممن نصَّ على عدم وجود هذا الأذان في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم (ابن تيمية) حيث يقول في فتاواه:
«أما النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فانَّه لم يكن يصلّي قبل الجمعة بعد الأذان شيئاً، ولا نقل هذا عنه أحد، فانَّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان لا يؤذَّن على عهده إلا إذا قَعَد على المنبر، ويؤذِّن بلال، ثمَّ
______________________________
(1) النسائي، سنن النسائي بشرح السيوطي، ج: 3، ص: 100 - 101.
(2) الفضل بن الحسن الطبرسي، مجمع البيان، ج: 10، ص: 366 - 367.
(3) الشوكاني، نيل الاوطار من أحاديث سيد الاخيار، ج: 3، ص: 100 - 101، وانظر: فتح الباري لابن حجر العسقلاني، ج: 2، ص: 394.
[ 320 ]
يخطب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الخطبتين، ثم يقيم بلال، فيصلّي بالناس»(1).
ومن الملاحظ انَّ هذا النداء المبتدع تارة يسمى ب(الأذان الثالث)، واُخرى ب(الأذان الثاني)، وثالثة ب(الأذان الأول)، وكل هذهِ المصطحات تشير إليه، وتعبّر عنه من لحاظٍ معيَّن، فقد سُمي ثالثاً باعتبار إضافته إلى الأذان والاقامة المعهودين في الصلاة من باب إطلاق اسم الأذان على الاقامةِ تغليبياً، وسُمي ثانياً باعتبار الأذان الحقيقي لا الاقامة، فهو ثانٍ إلى الأذان الحقيقي، وسُمي أوّلاً باعتبار أنَّه يؤذَّن به قبل الأذان والاقامة.
ومن خلال النظر في النصوص المتقدمة يظهر انَّ المدافعين عن هذهِ (البدعة) حاولوا أن يوجهوها بالكثرة السكانية الحاصلة في المدينة في عهد عثمان على ما يُدَّعى، لأنَّهم لم يجدوا مبرراً مشروعاً لها غير ذلك على حدِّ زعمهم، وهذا وحده كافٍ للدلالة على عدم ارتباط هذا النداء بالدين كما هو واضح.
ولكنَّ الطريف انَّ هؤلاء المدافعين قد أخفقوا حتى في هذا التبرير والتوجيه المزعوم، ولم يحسنوا تمرير المغالطة التي موَّهوا بها هذا الأمر، وأضفوا عليه طابع الشرعية الزائف.
على أنَّ الذي ينبغي أن يلتفت إليه قارئنا الكريم هو انَّ هذا التبرير سواء أصحَّ أم لم يصح فهو لا يشفع في إخراج هذا الأمر الحادث عن دائرة (الابتداع)، لانه شُرِّع في مقابل السنة الالهية الثابتة بالنصوص الصريحة التي لا تقبل التلاعب والتغيير بأي حال كان.
فسواء برَّر هؤلاء تشريع النداء المحدث بالكثرة السكانية أو بغيرها من التبريرات، فانَّ النداء يبقى مطبوعاً بالابتداع من دون ترديد.
أما لماذا أحفق هؤلاء في توجيه هذه (البدعة)، والقول بأنَّها شرعت لتلافي
______________________________
(1) ابن تيمية، الفتاوى الكبرى، ج: 1، ص: 150.
[ 321 ]
الكثرة السكانية الحاصلة في المدينة آنذاك، فللاُمور التالية:
أولاً: انَّنا لو سلمنا انّ الكثرة كانت حاصلة في أهل المدينة آنذاك وانَّ الضرورة كانت تدعو لاستيفاء كثرة المسلمين هذه بالنداء، وتغطية عددهم المتزايد، فانَّ هذا الأمر يدعو لان يناقض الحديث نفسه، ويقع في التهافت والاضطراب، إذ انَّ النداء الجديد كان يؤتى به على موضعٍ يُقال له (الزوراء)، وقد فُسرت (الزوراء) بمعانٍ ومواضع متعددة، لا تبتعد في جميع معاينها المذكورة بمسافة كبيرة عن المسجد النبوي، وهذا مما لا يفي بالغرض المذكور من دون ريب، إذ ينبغي أن يكون هذا النداء بفرض صحة الفلسفة من تشريعه، (وإن كان هذا الأمر لا يصح إلا من قبل صاحب الشريعة) في موضع بعيد عن المسجد ليسُمعَ مَن لا يسمع الأذان الشرعي، لا أن يكون الأذانان في دائرة سمعية واحدة!
فقد ذكر (الحموي) في (معجم البلدان):
«انَّ الزوراء: موضع عند سوق المدينة قرب المسجد.. وقيل بل الزوراء سوقُ المدينة نفسه، ومنه حديث ابن عباس رضي الله عنه، انه سمع صياح أهل الزوراء»(1).
وجاءَ في كلٍّ من (القاموس) و(تاج العروس) انَّ الزوراء بالمدينة قرب المسجد(2).
وجاءَ في (فتح الباري):
«وجزمَ ابنُ بطّال بأنَّه - أي الزوراء - حجر كبير عند باب المسجد، وفيه نظر لما في رواية ابن اسحق عن الزهري عند ابن خزيمة وابن ماجة بلفظ (زادَ النداء الثالثَ على دارٍ في السوق يُقال لها الزوراء)، وفي روايته عند الطبراني: (فأمرَ بالنداءِ الأول على دارٍ له يُقال لها الزوراء، فكان يؤذَّن له عليها، فإذا جلسَ على المنبر أذَّنَ مؤذنُه الأوَّل، فإذا
______________________________
(1) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج: 3، ص: 156.
(2) النظر القاموس المحيط للفيروزآبادي، ج: 2، ص: 42، وتاج العروس للحنفي، المجلد الثالث، ص: 346.
[ 322 ]
نزل أقامَ الصلاة)، وفي رواية له من هذا الوجه (فأذن بالزوراء قبلَ خروجه ليُعلم الناسَ انَّ الجمعة قد حضرت)، ونحوه في مرسل مكحول المتقدم.
وفي (صحيح مسلم) من حديث أنس: «انَّ نبيَّ اللّه وأصحابه كانوا بالزوراء، والزوراء بالمدينة عند السوق»(1).
فانتَ ترى - أيُّها القارئ الكريم - من خلال هذهِ الأقوال انَّ (الزوراء) التي كانت موضعاً يؤتى النداء الجديد بالقرب منه، ليست ببعيدة في جميع معاينها المتقدمة عن باب المسجد النبوي الذي يؤذن من عنده لصلاة الجمعة بالأذان الشرعي المسنون.
فلماذا إذن ضمُّ النداءِ إلى النداء، والخروج عن تعاليم الشريعة السمحاء؟!
ثانياً: لو سلمنا أنَّ هناكَ كثرة سكانية قد حصلت لأهل المدينة آنذاك، ولو افترضنا أنَّ ( الزوراء) كانت موضعاً بعيداً عن المسجد النبوي، وانَّ هناكَ ضرورة قائمة لاعلام البقية المتبقية من المسلمين بشروع صلاة الجمعة، فانَّ الأمر لا يشفع أيضاً في قبول تبرير هذهِ (البدعة) بما ذُكر ولا بغيره من ألوان الانتحالات والأعذار، إذ إنَّ من الممكن أن يتعددَ المؤذنونَ، ويلبّوا هذهِ الحاجة من دونِ أن يتكرر النداء، ويُعمد إلى التشريع في مقابل السنة الثابتة.
وتعدد المؤذنين لصلاةٍ واحدةٍ أمر جائز ومسنون، وقد أفتى به علماء العامة في كتبهم، ورووا له ما صحَّ من الأخبار.
قال في (الشرح الكبير):
«ولا تستحب الزيادة على مؤذنّين كما روي انَّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان له بلال وابن اُم مكتوم، إلا أن تدعو الحاجة فيجوز، فانَّه قد روي عن عثمان رضي اللّه عنه انّه، اتخذَ أربعةَ مؤذنين، وإذا كانوا أكثر من واحد، وكان الواحد يُسمعُ الناسَ، فالمستحب أن يؤذِّنَ واحدٌ بعد واحد، كما روي عن مؤذني النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فإذا كان الإعلام لا يحصل بواحدٍ أذَّنوا على
______________________________
(1) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج: 2، ص: 394.
[ 323 ]
حسب الحاجة، إما أن يؤذِّن كلُّ واحدٍ في ناحيةٍ، أو دفعةٍ واحدةٍ في موضعٍ واحد»(1).
وقال في (المغني):
«وان كانَ الاعلام لا يحصل بواحدٍ أذَّنوا على حسب ما يحتاج إليه، إمّا أن يؤذِّن كلُّ واحدٍ في منارة، أو ناحية، أو دفعة واحدة في موضعٍ واحد.
قال أحمد: إن أذَّن عدةٌ في منارة فلا بأسَ، وإن خافوا من تأذين واحدٍ بعد الآخر فواتَ أول الوقت، أذَّنوا جميعاً دفعةً واحدة»(2).
وقال العلامة (الاميني) في (الغدير):
«ولا أجدُ خلافاً في جواز تعدد المؤذنين، بل رتَّبوا عليه أحكاماً مثل قولهم: هل الحكاية المستحبة أو الواجبة كما قيل تتعدد بتعدد المؤذنين أم لا؟ وقولهم: إذا أذَّن المؤذن الأول، هل للامام أن يبطئ بالصلاة ليفرغ من بعده، أو له أن يخرج ويقطع من بعد أذانه؟ وقولهم: إذا تعدد المؤذنونَ لهم أن يؤذّن واحد بعد واحد، أو يؤذّن كلهم في أول الوقت»(3).
ثالثاً: إنَّ هناك تجمعات كبيرة وهائلة حصلت في مقاطع زمنية متعددة من تاريخ نبي الاسلام صلى اللّه عليه وآله وسلم، في الغزوات وغيرها، ومن أبرزها التجمع الذي حَصَلَ في غدير خم عند النص على خلافة أمير المؤمنين علي عليه السلام، وقبل ذلك في أثناء أداء مناسك الحج... ولكنَّنا نرى أنَّه على الرغم من كثرة الناس الذين رافقوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، لم يُعهد بأنَّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، قد أمرَ بتشريع أذانين قط، الأمر الذي يدل على أن قضية الأذان للصلاة قضية لا ترتبط بكثرة الناس ولا بغيرها من الأسباب.
قال العلامة (الاميني) في (الغدير):
______________________________
(1) ابن قدامة المقدسي، الشرح الكبير، ج: 1، ص: 419، وانظر: ابن مسلم، الجامع الصحيح، ج: 2، ص: 3.
(2) موفق الدين بن قدامة، المغني، ج: 1، ص: 445.
(3) عبد الحسين الأميني، الغدير في الكتاب والسنة والأدب، ج: 8، ص: 127.
[ 324 ]
وعند خروجه صلى اللّه عليه وآله وسلم أصاب الناس بالمدينة جُدَري (بضم الجيم وفتح الدال وبفتحهما)، أو حصبة منعت كثيراً من الناس من الحج معه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ومَعَ ذلكَ كانَ معه جموع لا يعلمها إلا اللّه تعالى، وقد يُقال: خرج معه تسعونَ ألف، ويُقال مائة ألف وأربعة عشر ألفاً، وقيل مائة ألف وعشرونَ ألفاً، وقيل مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، ويُقال أكثر من ذلك، وهذهِ عدّة من خرجَ معه، وأمّا الذين حجّوا معه فأكثر من ذلك، كالمقيمين بمكة، والذينَ أتوا من اليمن مَعَ علي (أمير المؤمنين) وأبي موسى»(1).
رابعاً: قد قيل بأنَّ العلة تخصص وتعمم على حدٍ سواء، فإذا كانت الكثرة السكّانية المدّعاة سبباً لاختلاق نداءٍ ثانٍ يجمع الناس إلى الصلاة، ويعلمهم بدخول وقتها، فلماذا لا يكون ذلك بشأن الفرائض اليومية، ولماذا هذا التخصيص بصلاة الجمعة دون الغير، علماً بأنَّ التجمع للفرائض اليومية لم يكن بأقل من التجمع لصلاة الجمعة، لعدم وجود كثرة في مساجد المدينة آنذاك ليتفرق الناس فيها؟!
خامساً: لو سلَّمنا جدلاً انَّ هناك كثرةً في المدينة قد دعت إلى نداءٍ ثانٍ لصلاة الجمعة، فما بال بقية المناطق والبلدان الاسلامية الاُخرى التي اتخذت هذا الأمرَ سنّةً، وتعاملت معه من باب الالزام؟!
وكيف نبرر مشروعية هذا النداء (الذي هو مختلق من الأصل) لمنطقةٍ صغيرة لا تضم الا مجموعة قليلة من الناس يمكن أن يتحقق بها النصاب الكامل لأداء هذهِ الصلاة؟!
انظر - أيها القارئ الكريم - إلى ما يقوله (ابن حجر) حرفياً في (فتح الباري): «والذي يظهرُ أنَّ الناس أخذوا بفعلِ عثمان في جميع البلادِ إذ ذاكَ لكونِهِ خليفةً مطاع
______________________________
(1) عبد الحسين الاميني، الغدير، ج: 1، ص: 9، عن السيرة الحلبية، ج: 3، ص: 283، وسيرة أحمد زيني دحلان، ج: 3، ص: 3، وتاريخ الخلفاء لابن الجوزي في الجزء الرابع، وتذكرة خواص الامة، ص: 18، ودائرة المعارف لفريد وجدي، ج: 3، ص: 542.
[ 325 ]
الأمر»(1).
وعلى أية حال فانَّه سواء أصحَّ وجود كثرة في نفوس المسلمين آنذاك أم لم يصح، فانَّ القول بأنَّ النداء الثاني (بدعة) لا محيصَ عنه، لأنَّه اُدخل في الدين من خارج حدوده، وتعاليمه المشروعة، ولو أنَّ بطون الكتب والأسفار مُلئت بالتبريرات لهذا الأمر لما كان هناك أدنى شفاعة لقبول جواز تشريعه بشكل مطلق.
إنَّ الامور العبادية في الشريعة المقدسة - بما فيها الأذان - اُمور توقيفية لا يصح الأخذُ بها إلا من قبل الشارع المقدَّس، ولا تصح الزيادة أو النقيصة فيها بأي حال من الأحوال، وذلك لأنَّها شُرِّعت بنحوٍ يسدُّ حاجةَ الانسان مهما تقدَّمَ به الزمن، وتغيّرت ظروف الحياة من حوله، وهذا هو أحد أسرار إعجاز الشريعة الاسلامية ودوامها، كما تقدمت الاشارةُ إليه في صدر هذهِ الدراسة.
فمثلاً وردَ في الشريعة وجوب قصر الصلاة الرباعية في السفر إلى ركعتين، وعُيّنت المسافة التي يتم في حدودها قصر الصلاة، وكانَ ملحوظاً لدى الشريعة أنَّ هذهِ المسافة التي يقطعها الانسان في ذلك الوقت بوسائل النقل المتاحة قد تستغرق يوماً كاملاً أو ينقص أو يزيد عن ذلك بمقدار، وأنَّ نفس هذهِ المسافة سوفَ يقطعها الانسانُ المتمدِّن خلالَ دقائق معدودة، عند تقدم الزمن وانفتاح مجالات المعرفة وآفاق العلم أمامه، إلا اننا مَعَ ذلك نرى أنَّ الشريعة الاسلامية قد جعلت هذا الحكم أمراً عبادياً ثابتاً، لا يقبل التغيير والتبديل، ولم تسمح بأن تمدَّ إليه يدُ التعديل مهما كان موقعها ومركزها، باعتبار انّ هذا الأمر أمر عبادي توقيفي يلبّي حاجة ثابتةً في نفس الانسانِ، لا تربطها أية علاقة بالامور المستجدة والمتطورة من حوله.
وهكذا الأمر بالنسبة إلى الأذان، فقد تمَّ تشريع أذانٍ واحدٍ باجماع المسلمين قاطبةً، وقد لاحظت الشريعة المقدسة من خلال هذا الأمر حاجة الانسان الثابتة التي لا
______________________________
(1) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج: 2، ص: 394، وراجع: نيل الاوطار للشوكاني، ج: 3، ص: 263.
[ 326 ]
تتأثز بالظروف المحيطة به، وانَّ هذا التشريع يفي بتلبية هذهِ الحاجة، مهما تطورت حياة الانسان، وتقدم العلم به، واختلفت طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه، ولذا فانَّ أي تغيير في هذا الامر سوف يدخل في حيِّز (الابتداع) من دون تردد، ويكون من أبرز مصاديقه وموارده، فسواء أكثر الناس أم لم يكثروا، فانَّ الأذان المشروع واحد، كما ثبت عن طريق الدليل الشرعي القاطع، وسيبقى واحداً إلى آخر لحظة في الحياة.
ثمَّ انَّ هذا النداء المبتدع، ونتيجة لاختراقه غطاء الحصانة الشرعية، وإصرار البعض على قبوله، ومحاولة تبرير تشريعه.. قد صارَ مدعاةً للتخبط وتضارب الأقوال والافعال، ونشوء البدع الاضافية، والتجر على اللّهِ ورسوله، والتلاعب بتعاليم الاسلام المقدسة، وفقَ الميول والرغبات والأهواء.
قال في (شرح التاج الجامع للاصول) بخصوص هذا النداء:
«وعندي انّه يتأكّد عمله، فانَّ الناسَ في الأرياف ليس معهم ساعات، وربما يكونونَ في أعمالهم في ضواحي البلاد والحقول، ويعتمدونَ في الذهاب للجمعة على سماع التذكير من المؤذِّن قبل الزوال، واعتادوا ذلك».
ثم يضيف:
«ولو قيل بوجوبه لم يبعد، لتوقف الواجب، وهو الذهاب للجمعة عليه، ولقوله تعالى: (وَمَن أَحَسنُ قَولاً مِمَّن دَعَا إِلى اللّهَ وعَمِلَ صالِحاً)(1)، ولحديث: مَن دلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله، واللّه أعلم»(2)!!
فما هو رأيكَ بهذهِ الطريقة من الاستدلال - أيُّها القارئ المنصف - وهل تعتقد أنَّ مثل هذا الأمر لو تمَّ في بقية التعاليم السماوية، وجرى في أحكام اللّه المنزلة، أنَّه سوفَ يبُقي للتشريع قدسيته وحرمته؟!
______________________________
(1) فصلت: 33.
(2) منصور علي ناصيف، التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول، ج: 1، ص: 218، وقت الجمعة والنداء.
[ 327 ]
وتعالَ معنا - أيها القارئ - لنطالع معاً ما قاله شارح (سنن الترمذي) لنرى ما فُتح على ديننا من جرّاء هذهِ التشريعات من باب، وما ابتُليَ به من مُصاب!
يقول (أحمد محمد شاكر):
«ولفظ (الثالث) أوجبَ شبهةً عجيبة، فقد نَقَل القاضي أبو بكر العربي (ج: 2، ص: 305) انّه كان بالمغرب يؤذّن ثلاثة من المؤذنين، بجهل المفتين، فانَّهم لما سمعوا انَّها ثلاثة لم يفهموا أنَّ الاقامة هي النداء الثالث، فجمعوها وجعلوها ثلاثة غفلةً وجهلاً بالسنة»!!
ويضيف إلى ذلك:
«في رواية عند أبي داود في هذا الحديث (كان يؤذَّن بينَ يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا جلسَ على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد)، فظنَّ العوام، بل كثير من أهل العلم أنَّ هذا الأذان يكونُ أمامَ الخطيب مواجهةً، فجعلوا مقامَ المؤذّن في مواجهة الخطيب، على كرسي أو غيره، وصارَ هذا الأذان تقليداً صرفاً، لا فائدةَ له في دعوة الناسِ إلى الصلاة، وإعلامهم حضورها، كما هو الأصل في الأذان والشأنُ فيه، وحرصوا على ذلكَ حتى لينكرونَ على مَن يفعل غيره.
واتّباع السنة أن يكونَ على المنارة أو عند باب المسجد، ليكونَ إعلاماً لمن لم يحضر، وحرصوا على إبقاء الأذان قبل خروج الامام، وقد زالت الحاجةُ إليه، لأنَّ المدينةَ لم يكن بها إلا المسجد النبوي، وكانَ الناس كلهم يجتمعونَ فيه، وكثروا عن أن يسمعوا الأذان عندَ باب المسجد، فزاد عثمان الأذانَ الأول، ليُعلم مَن بالسوق ومَن حولَه حضورَ الصلاة».
ثمَّ يرى الشارحُ بأن لا ضرورةَ الانَ إلى هذا النداء باعتبار كثرة المؤذنين وكثرة المنائر!!؟ فيقول:
«أمّا الآن وقد كثرت المساجد، وبُنيت فيها المنارات، وصارَ الناس يعرفون وقتَ
[ 328 ]
الصلاة بأذان المؤذن على المنارة: فانّا نرى أن يُكتفى بهذا الأذان، وأن يكونَ عند خروج الامام، اتّباعاً للسنة، أو يؤمر المؤذنونَ عند خروج الامام أن يؤذنوا على أبواب المساجد»(1).
وقال الشافعي:
«واُحب أن يكون الأذان يوم الجمعة حين يدخل الامام المسجد، ويجلس على موضعه الذي يخطب عليه خشب أو جريد أو منبر أو شيء مرفوع له، أو الأرض، فإذا فَعَل أخَذَ المؤذن في الأذان، فإذا فرغَ قامَ فخطبَ لا يزيدُ عليه».
وأضاف:
«وأيهما كان فالأمر الذي على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أحبّ اليَّ»(2).
فأحدهم يضع والآخر يرفع، وكأنَّ الدينَ الحنيف ليس فيه أصل يُقتفى أو سنة تُتّبع!
ومما وقَعَ فيه المدافعون عن هذا النداء من تهافت، ما ذكروه من نسبة ابتداع هذا النداء إلى هشام بن عبد الملك، وانَّه نَقَل الأذان إلى المنارة، واتفقوا على نعت عمل هشام هذا بالابتداع، ولم تطاوعهم ألسنتهم على القول بانَّ (عثمان) هو المبتدع لهذا النداء.
جاءَ في (الاعتصام) ما نصه:
«قال ابن رشد، الاذان بينَ يدي الامام في الجمعة مكروه لأنَّه محدث، قال: وأول مَن أحدثه هشام بن عبد الملك:
وانما كان رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا زالت الشمس وخرج رقي المنبر، فإذا رآه المؤذنونَ - وكانوا ثلاثة - قاموا فأذَّنوا في المشرفة واحداً بعد واحدٍ، كما يؤذَّن في غير الجمعة، فإذا فرغوا أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في خطبته، ثم تلاه أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما، فزاد عثمانُ رضي اللّه عنه
______________________________
(1) سنن الترمذي، بشرح: أحمد محمد شاكر، ج: 2، ص: 393.
(2) الشافعي، الاُم، ج: 1، ص: 224، وقت الاذان للجمعة.
[ 329 ]
لما كثر الناس أذاناً بالزوراء عند زوال الشمس، يؤذَّن للناس فيه بذلك انَّ الصلاة قد حضرت، وتَركَ الأذان بالمشرفة بعد جلوسه على المنبر على ما كان عليه، فاستمر الأمر على ذلكَ إلى زمانِ هشام، فنقَل الأذان الذي كانَ بالزوراء إلى المشرفة، ونَقَل الأذانَ الذي كانَ بالمشرفة بينَ يديه، وأمرهم أن يؤذِّنوا صفاً، وتلاه على ذلكَ مَن بعدَهُ من الخلفاء إلى زماننا هذا، قال ابن رشد: وهو بدعة»(1).
فإذا كان نقل (هشام بن عبد الملك) للأذان الذي كانَ بالزوراء إلى المشرفة، ونقل الأذان الذي كانَ بالمشرفة إلى ما بينَ يديه (بدعة) على ما صُرِّح به، فما ظنك بأصل إحداث هذا النداء على (الزوراء) الذي دلَّ الدليل القاطع وحسب اعتراف الجميع بعدم وجوده في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم؟!!
______________________________
(1) أبو اسحق الشاطبي، الاعتصام، ج: 2، ص: 16.
الفصل الثاني : حديث سنّة الخلفاء الراشدين
الحديث ذريعة لنفي الابتداع
إنَّ الكثير من الدعوات التي يطلقها البعض لنفي (الابتداع) عن مثل (التراويح) و (النداء الثالث يوم الجمعة)، وغيرها من البدع المحدثة، تستند أساساً إلى حديث (سنة الخلفاء الراشدين)، وتصح نسبة هذهِ الأعمال إلى الشريعة الاسلامية من هذا المنطق، على الرغم من تلك المهاترات والتناقضات التي وقع فيها المدافعون عن هذهِ (البدع)، وعلى الرغم مما جرَّته تلك (المحدثات) على عقائدِ المسلمين من دخائل وتقولات وأباطيل.
بل رأينا أنَّ بعضهم كان يناقش في أمر تشريع تلك المحدثات، ويطرح الآراء الفقهية المخالفة، على الرغم من بقاء إصراره على هذا الحديث كما هو الأمر في (النداء الثاني) على ما تقدَّم، فلماذا لا يعض على هذهِ السنة المزعومة المدافعونَ عنها أولاً لكي يأمروا الناسَ باتّباعها بعدَ ذلك؟!
إنّ حديث (سنة الخلفاء الراشدين) يستحق منّها وقفةً متأنية، ننظر فيها إلى سندهِ أولاً، ومضمونه ثانياً، لأنَّه أصبح يمثل الخط الخلفي العام في مواجهة المتعصبين مَعَ أهل الحق والبصيرة، وصارَ الذريعة التي يتشبث بها كلّ مَن تُعييه الحججُ، وتُسدُّ في وجهه المنافذ، لتبرير دعوات الضلال، وبدع المبتدعين.
وقبل أن ندخل في صميم البحث عن هذا الحديث لا بأس بأن نطالع بعض الأقوال التي تستند في تبرير مثل هذهِ (البدع) إلى حديث (سنة الخلفاء الراشدين)، وتعتبره السند الأخير في توجيه القول بمشروعية تلك (المحدثات)، من بعد أن تعجز من
[ 333 ]
الاجابة على الاشكالات التي تثار حول تلكَ الأعمال وتوكّد عدم ارتباطها المطلق بالدين.
يقول الشيخ (الفوزان) نافياً أن يكون (النداء الثاني) (بدعةً) في أحد فتاواه:
«والأذان الأول يوم الجمعة أمَرَ به أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ثالث الخلفاء الراشدين، وقد قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين»(1).
ويقول الشيخ (عبد العزيز عيسى) بهذا الصدد:
«الحكم الشرعي بهذا الأمر يستشهد بقوله تعالى: (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ من يَومِ الجُمُعَةِ فَاسعَوا إِلى ذَكرِ اللّهِ وَذَرُوا الَبيعَ ذلكُم خَيرٌ لَكُم إِن كُنتمُ تَعَلمُون)(2)، والمراد بالنداء في هذهِ الآية الكريمة هذا النداء الثاني الذي كان يؤدّى بين يدي النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا خرج فجلس على المنبر، فانَّه كان يؤذن بين يديه قبل الشروع في الخطبة، وأما النداء الأول الذي زاده الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، فانّما كانَ لكثرة الناس، وكانَ الغرض منه الاعلام بدخول الوقت، ليتأهب المسلمون بالتوجه إلى المسجد لسماع الخطبة، وذلكَ بعد اتساع المدينة وكثرة أهلها، فإذا سمعوا النداء أقبلوا حتى إذا جلسَ عثمان على المنبر أذَّنَ المؤذِّن، ثم يخطب عثمان، روى البخاري عن السائب بن يزيد رضي اللّه عنه قال: ما كانَ لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إلا مؤذن واحد، إذا خرج - أي من حجرته - أذَّن، وإذا نَزَلَ - أي من فوق المنبر - أقام، وأبو بكر وعمر كذلك، فلما كان عثمان، وكثر الناس، زاد النداء الثالث على دارٍ في السوق يُقال لها الزوراء، فإذا خرجَ أذَّنَ، وإذا نَزَلَ أقام، وانّما سمي في الحديث ثالثاً لانَّه أضافه إلى الاقامة، ومن هذا يتضح لنا مشروعية كلٍّ من الحالتين.
فمن أخذَ بما كان متبعاً في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر فحسن، ومَن أخَذَ
______________________________
(1) مجلة (المسلمون)، 27 نوفمبر - 1992 م - العدد: 408.
(2) الجمعة: 9.
[ 334 ]
بما كان متبعاً في عهد عثمان فلا بأسَ ولا حَرَجَ عليه في ذلك»(1).
ويقول (سعيد حوّى) في (الاساس في السنة وفقهها):
«ألا ترى انَّ اجماع الصحابة على جمع عمر الناس في صلاة التراويح على امامٍ واحدٍ وجعلها عشرين، وقول عمر (نعمت البدعة هذه)، وكل ذلكَ قد صحَّ عن عمر وعن الصحابة، ألا ترى انَّ الذين يضللون عمر بسبب ذلك قد دخلوا في دائرة الضلال، فعمر من الخلفاء الراشدين المهديين الذين اُمرنا بالاقتداء بهم، والاقتداء بهديهم»(2).
وجاءَ في كتاب (البدعة) للدكتور (عزت علي عطية) ما نصه:
«قرن الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم سنة الخلفاء الراشدين بسنته.. ففي حديث العرباض بن سارية قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضّوا عليها بالنواجذ).
وانما أمر صلى اللّه عليه وآله وسلم باتباعهم، لانّه علم أنهم لا يخطئون فيما يستخرجونه بالاجتهاد، ولانّه علم أنَّ بعض سنته لا يثبت إلا في عصرهم.
وعلى ذلك فالقول: (بأنَّ كل اجتهاد وقياس من الخلفاء الراشدين يخالف السنة الصحيحة لا ينبغي أن يتمسك به) هو قول بغير علم.. إذ كيف يأمر صلى اللّه عليه وآله وسلم باتّباع ما يخالف سنته؟ وكيف تحدث المخالفة بين ما أمر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم باتباعه وبين سنته؟..»(3).
«وفي الصحيح قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الامور) فأعطى الحديث - كما ترى - أنَّ ما سنَّه الخلفاء الراشدون لاحق بسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، لأنَّ ما سنّوه لا يعدو أحدَ أمرَين: إما أن يكون مقصوداً بدليل شرعي، فذلك سنّة لا بدعة، وإمّا بغير دليل -
______________________________
(1) مجلة المسلمون، نفس العدد السابق.
(2) سعيد حوّى، الأساس في السنّة وفقهها، ص: 354.
(3) د. عزت علي عطية، البدعة: تحديدها وموقف الاسلام منها، ص: 149.
[ 335 ]
ومعاذ اللّه من ذلك - ولكنَّ هذا الحديث دليل على إثباته سنة، إذ قد أٌبته ذلك صاحب الشريعة صلى اللّه عليه وآله وسلم»(1).
فمن الملاحظ انَّ عمليات الاستدلال التي تمَّ بموجبها نفي (الابتداع) عن (النداء الثاني يوم الجمعة) وعن صلاة (التراويح) في النصوص المتقدمة قد استندت بشكل واضح على حديث (سنة الخلفاء الراشدين)، واتخذته أساساً مفروغاً عنه، وأرسلت ذلكَ بشكل عابرٍ من دون النظر إلى خلفيات الأمر الذي تم بشأنه هذا الاستدلال.
ومن الطبيعي انَّ هذهِ الطريقة لا تكلِّف الباحث أو المفتي عناءً طويلاً لكي يظفر بنتائج الاحكام الشرعية، كما انّها لا تجعله يقف عند الزوايا الحرجة التي تُثار حول الكثير من الامور المنسوبة إلى أبي بكر وعمر وعثمان مما هو خارج عن حياط الشرع المبين.
ومن الغريب حقاً انَّ هؤلاء القوم يسمحونَ لأنفسهم بركوب هذا النمط من الاستدلال على نحو الاستئثار والاستقلال، في الوقت الذي لا يَدَعونَ فيه أية فرصة من هذا القبيل للطرف الآخر لكي يمارس منهجه الاستدلالي على ضوء مبانيه ومرتكزاته الخاصة.
فمن الجائز لديهم الأخذ بسنة (الخلفاء الراشدين)، بل وضرورة العض عليها بالنواجذ، في مختلف الرؤى والاحكام، اعتماداً على حديث مروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فيه ما فيه، بينما ليسَ من الجائز في وجهة نظرهم أن يأخذ أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام بخط أئمتهم ونهجهم، على الرغم من تواتر الروايات الدالة على وجوب الرجوع اليهم وأخذ معالم الدين عنهم عليهم السلام.
كما أنَّ من المفترض لديهم أن يؤمن الآخرون بكل ما وَرَدَ من طرقهم الخاصة، ويعدّونَ الخارجَ عن ذلك خارجاً عن الدين وتعاليم شريعة سيد المرسلين صلى اللّه عليه وآله وسلم، بينما لا
______________________________
(1) أبو إسحق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 187.
[ 336 ]
يرونَ أنَّ الواجب عليهم الايمان والاذعان لما رواه الآخرون بأي شكل كان، وليسَ في ذلكَ خروج لهم عن الدين فالدين هو ما يريدونه وما يكتبونه بطريقتهم الخاصة، لا ما يعتقده ويكتبه الآخرون!!
إنَّ هذا لوحده كافٍ لأن يدعونا إلى التوقف في منهجهم في التعامل مَعَ أحكام الشريعة الاسلامية المقدسة، والنظر في أصل الحديث الذي زعموا فيه الارجاع إلى (سنة الخلفاء الراشدين)، وشيدوا على أساسه اُصول عقائدهم، واُسس أحكامهم في مختلف الجوانب والمجالات.
فالى حيث حديث (سنة الخلفاء الراشدين) ندعوك - أيها القارئ الكريم - أن تُلقي معنا فيه نظرة بانصاف!!
جاءَ في اُمهات الكتب الحديثية لدى أبناء العامة بأسانيد مختلفة:
«عن عرباض بن سارية قال: صلّى بنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم صلاة الفجر، ثمَّ وعظنا موعظةً بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول اللّه كأنَّها موعظة مودِّعٍ فأوصنا، فقال: اُوصيكم بتقوى اللّه والسمعِ والطاعة وإن كانَ عبداً حبشياً، فانَّه مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضّوا عليها بالنواجذ»(1).
______________________________
(1) الدارمي، سنن الدارمي، ج: 1، ص: 57، ح: 59، باب اتباع السنة.
وسنن أبي داود، ج: 4، ص: 200، باب: لزوم السنة، ح: 4607، وفيه (وسنة الخلفاء المهديين الراشدين).
وسنن التزمذي، المجلد الخامس، كتاب العلم، ص: 43، باب: 16، ح: 2676.
وسنن ابن ماجة، ج: 1، ص: 16، ح: 43، باب: اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين.
ومسند أحمد، ج: 5، ص: 109، ح: 16692، وح: 16694، وح: 16695.
وكنز العمال، ج: 6، ص: 55، ح: 14818، وفيه: (ولا تنازعوا الأمَر أهله، وان كانَ عبداً أسودَ، عليكم بما تعرفون من سنة نبيكم والخلفاءِ الراشدين المهديين).
وتلبيس ابليس، تحقيق: الدكتور الجميلي، ص: 21.
[ 337 ]
فيُدّعى انَّ المراد من (الخلفاء الراشدين) الوارد ذكرهم في هذا الحديث هم (أبو بكر) و(عمر) و(عثمان) والامام علي عليه السلام، وانَّ هذا الحديث قد نصَّ على وجوب اتّباعهم، والأخذ بسنتهم، وجعلوا ذلكَ من المسلَّمات المفروغ عنها، والتي لا ينبغي أن تخضع للنقاش والتحقيق.
ونحن نعتقد بأنَّ هذا الحديث لا يمتلك أهلية الدلالة على المعنى المذكور، ولا ينهض للوفاء بذلك الأمل الكبير الذي عُقد عليه!
ولنا على إثبات صحة ما نذهُب إليه طريقان:
الطريق الأول: إننا نعتقد بأنَّ هذا الحديث من الأحاديث الضعيفة جداً، ولعلَّه أيضاً من الاحاديث الموضوعة في عصر متأخر عن زمن النبي الأكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، والمنسوبة إليه بغير حق، على غرار المئات من الأحاديث الاُخرى التي وضعها الواضعون بدوافع مختلفة، وسوف نبيِّن القرائن التي توجِّه الحديث نحو هذا المسار.
الطريق الثاني: انَّنا على فرض التسليم لصحة الحديث، والتنازل عن القرائن التي أقمناها على ضعفه، فانَّنا سوفَ نثبت انّه ليس المقصود من (الخلفاء الراشدين) فيه ما قصدَهُ أبناء العامة، وانَّما المقصود منهم أئمة أهل البيت عليهم السلام.
[ 338 ]
الطريق الاول : ضعف الحديث واحتمال الوضع فيه
هناك ثلاث قرائن أساسية تدل على كون حديث (سنة الخلفاء الراشدين) حديثاً ضعيفاً وساقطاً عن الاعتبار هي:
أ - ضعف سند الحديث.
ب - إنتهاء أسانيد الحديث جميعاً إلى راوٍ واحد.
ج - إشتراك مضمون الحديث مع أحاديث اُخرى مقطوعة الوضع.
وسوفَ نقوم باستعراض هذهِ القرائن الثلاث على الترتيب بنحوٍ من الايجاز:
وردَ حديث (سنة الخلفاء الراشدين) في كتب أبناء العامة بأسانيد محدودة، يمكن حصرها بالسلاسل الستة التالية ليس غير:
السلسلة الاولى: عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن ساورية(1).
______________________________
(1) سنن ابن ماجة، ج: 1، ص: 16، وفيه (حدثنا يحيى بن حكيم، حدثنا عبد الملك بن الصباح السلمي، حدثنا ثور بن يزيد..). وفي سنن الترمذي، ج: 5، كتاب العلم، ص: 43، باب: 16، وفيه: (حدثنا الحسن بن علي الخلال وغير واحد قالوا: حدثنا أبو عاصم، عن ثور بن يزيد... وقد روي هذا الحديث عن حجر بن حجر، عن عرباض بن سارية).
وفي سنن الدارمي، ج: 1، ص: 57، وفيه: (أخبرنا أبو عاصم، أخبرنا ثور بن يزيد..).
وفي مسند أحمد: ج: 5، ص: 109، وفيه: (حدثنا عبد اللّه، حدثني أبي، حدثنا الضحاك بن مخلد، عن ثور..
وحدثنا عبد اللّه، حدثني أبي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ثور بن يزيد...).
وفي سنن أبي داود، ج: 4، ص: 200، وفيه: (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ثور بن يزيد...).
وفي مستدرك الحاكم، ج: 1، ص: 96 - 97، وفيه: (حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا عاصم، حدثنا ثور بن يزيد..).
[ 339 ]
وهذهِ السلسلة تُعدُّ من أوثق وأشهر السلاسل التي يعتمد عليها المتمسكون بحديث (سنة الخلفاء الراشدين)، وتناقلتها أغلب كتبهم الحديثية المعتبرة، وقد وقع في هذهِ السلسلة (ثور بن يزيد) الذي نقل عنه (ابن حجر) في (تهذيب التهذيب) أنَّه كان يبغض أمير المؤمنين علياً عليه السلام، ويصرِّح عن ذلك بالقول: «لا اُحب رجلاً قتل جدي»، وذلكَ لأنَّ جدَّه قد قُتل في صفين إلى صف معاوية بن أبي سفيان في حربه مَعَ أمير المؤمنين علي عليه السلام.
جاءَ في (تهذيب التهذيب) ما نصُّه:
«ويُقال انَّه كان قدرياً، وكان جدُّه قُتل يوم صفين مَعَ معاوية، فكان ثور إذا ذكر علياً قال: لا اُحبُّ رجلاً قتل جدّي»(1).
ونحن نظن انَّ هذا وحدَه كافٍ في وجهة نظر جميع الفرق والطوائف الاسلامية لاسقاط عدالة المرء، وردِّ حديثه، وعدم قبول روايته، فممن لا تُقبل روايته بالاتفاق الناصب العداء لأهل بيت النبوة الطاهرين عليهم السلام الذين ورد الامر بوجوب محبتهم ومودتهم في صريح قوله تعالى:
______________________________
(1) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 2، ص: 33.
وانظر: جمال الدين المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ج: 4، ص: 425.
[ 340 ]
(قُل لا أَسئَلُكُم عَلَيهِ أَجراً إلا المَوَّدةً في القُربى)(1).
وقد وردت الروايات الكثيرة المتظافرة في كتب الفريقين لتشير إلى هذا المعنى أيضاً، وتؤكد على انَّ حبَّ أهل البيت عليهم السلام من الايمان، وبغضهم من الكفر والنفاق، ونكتفي هنا بايراد بعض النماذج الواردة في كتب أبناء العامة من هذهِ الأحاديث.
جاءَ في (مستدرك الحاكم) عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انه قال:
«والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله اللّه النار»(2).
وروى عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم انّه قال:
«أحبوا اللّهَ لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني بحبِّ اللّه، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي»(3).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«خيركم خيركم لأهلي من بعدي»(4).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: انَّه قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام:
«أنا حربٌ لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم»(5).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«ينقطع يومَ القيامة كل سبب ونسب إلا سببي ونسبي»(6).
فكيف يمكن مَعَ كل هذا أن تُقبل رواية شخصٍ يبغض علياً أمير المؤمنين عليه السلام الذي قررَ النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه عليه السلام يدور مَعَ الحق أينما دار؟ وأين يا ترى يكون موضع
______________________________
(1) الشورى: 23، وقد مرَّت الاشارة إلى المصادر العامية التي بيَّنت سبب نزول الآية الكريمة فيما سبق.
(2) الحاكم في المستدرك، ج: 3، ص: 150.
(3) الترمذي، سنن الترمذي، ج: 5، كتاب المناقب، باب: 32 مناقب أهل بيت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، ح: 3789، ص: 622.
وانظر: المستدرك للحاكم، ج: 3، ص: 150.
(4) نور الدين الهيثمي، مجمع الزوائد، ج: 6، 9، ص: 174.
(5) الحاكم في المستدرك، ج: 3، ص: 149.
(6) نور الدين الهيثمي، مجمع الزوائد، ج: 9، ص: 173.
[ 341 ]
المبغض لأهل البيت عليهم السلام من خلال هذهِ الاحاديث وأمثالها؟
هذا كله من جانب، ومن جانب آخر فقد اتفق المؤرخون والعلماء على انَّ (ثور بن يزيد) الراوي لحديث (سنة الخلفاء الراشدين) كان قدرياً، وقد نصّوا على ذلك بشكل صريح.
جاءَ في (تهذيب التهذيب):
«وقال عبد اللّه بن أحمد عن أبيه: ثور بن يزيد الكلاعي كان يرى القدر، كان أهل حمص نفوه لأجل ذلك...»(1).
وقال أبو مسهر عن عبد اللّه بن سالم:
«أدركتُ أهل حمص، وقد أخرجوا ثور بن يزيد، وأحرقوا داره لكلامه في القدر»(2).
«وقال علي بن عياش، عن اسماعيل بن عياش، قال لنا عطاء الخراساني: لا تجالسوا ثور بن يزيد»(3).
«وقال أبو توبة الحلبي: حدَّثنا أصحابنا أنَّ ثوراً لقي الأوزاعي، فمدَّ يدَهُ إليه، فأبى الاوزاعي أن يمدَّ يده إليه، وقال: يا ثور، لو كانت الدنيا لكانت المقاربة، ولكنَّه الدين»(4).
«وقال عبد اللّه بن موسى: اتقوا ثوراً لا ينطحنكم بقرنيه»(5)!
______________________________
(1) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 2، ص: 34، وانظر: شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: 6، ص: 344، وانظر: محمد بن أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، ج: 1، ص: 374.
(2) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 2، ص: 34، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 6، ص: 345، وتهذيب الكمال، ج: 4، ص: 427.
(3) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: 4، ص: 425.
(4) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: 6، ص: 344 - 345، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 4، ص: 425.
(5) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: 6، ص: 345.
[ 342 ]
ورويت هذهِ المقولة عن سفيان الثوري وعن أبي روّاد أيضاً(1).
«وقال أبو عمير بن النحاس: حدثنا ضمرة عن ابن أبي روّاد، قال: كان الرجل إذا أتاه، قال له: أين تريدُ إلى الشام؟ قال: إنَّ بها ثوراً فاحذر لا ينطحك بقرنيه»(2)!
وقال عباد بن أحمد العرزمي: سمعتُ عمّي محمد بن عبد الرحمان، قال: ذهبتُ إلى ثور لأسمع منه، فأبطأتُ وكانَ يوماً حاراً، فلما رجعتُ قال لي أبي: أينَ كنتَ؟ قال: كنتُ عند ثور، قال: فقال لي: يا بنيّ اتقِ لا ينطحكَ بقرنيه»(3)!
وفي نفس الوقت نرى أنَّ محدّثي العامة قد رووا في كتبهم المعتبرة انَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد أمر بمقاطعة القدريين وهجرانهم، وحذَّر من مجالستهم والتعامل معهم بأي شكل كان، وبيَّن صلى اللّه عليه وآله وسلم انّهم خارجون عن الاسلام، وليس لهم فيه أدنى نصيب، ووجَّه اليهم الذم العنيف، واعتبرهم مجوس هذه الامة، من خلال مجموعة كبيرة من الاحاديث(4)، فكيف يمكن لنا بعد ذلك الركون والاطمئنان لما يرويه لنا (ثور بن يزيد) من أحاديث؟!
أضف إلى ذلكَ انّ علماء الرجال من أبناء العامة قد ضعَّفوا هذا الرجل بأنفسهم، وجاءت النصوص المستفيضة للدلالة على عدم أهليته للرواية، وعدم الاحتجاج به، وهذا ما يعزز لنا رفضه أيضاً، ورفض حديث (سنة الخلفاء الراشدين) معه!
واليكَ أيها القارئ الكريم بعض الأقوال المشهورة فيه:
______________________________
(1) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: 4، ص: 434.
(2) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: 4، ص: 424.
(3) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: 4، ص: 424.
(4) راجع على سبيل المثال: ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: 1، باب: 10 في القدر، ح: 92، ص: 35، وأبا داود، سنن أبي داود، ج: 4، باب: في القدر، ص: 222، ح: 4691، وح: 4692، وفي مسند أحمد، ج: 2، ص: 82، وج: 5، ص، 406 و 407، والترمذي، سنن الترمذي، ج: 4، كتاب القدر، باب 6: 13، ص: 395، ح: 2149، وعلاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ص: 362، ح: 1597، وانظر لمزيد من التفصيل: كنز العمال، ح: 1، ص: 363 - 364، الاحاديث: 1597 - 1603، وابن الأثير في جامع الاصول في أحاديث الرسول، ج: 10، ص: 128 - 132.
[ 343 ]
«وقال أبو مسهر وغيره: كان الاوزاعي يتكلَّم فيه ويهجوه»(1).
وقال أبو مسهر أيضاً: حدثني سلمة بن العيّار قال: كانَ الاوزاعي يسيء القول في ثلاثة: في ثور بن يزيد، ومحمد بن اسحق، وزرعة بن ابراهيم»(2).
وجاءَ عنه أيضاً في (تهذيب الكمال) انَّه:
«..قدم المدينة فنهى مالك عن مجالسته، وليس لمالك عنه رواية لا في الموطأ، ولا في الكتب الستة، ولا في غرائب مالك للدارقطني، فما أدري أين وقعت روايته عنه مَعَ ذمِّه له»(3).
«وقال أبو مسهر: حدثنا أبو مسلم الفزاريُّ، قال: ما سمعتُ الأوزاعي يقول في أحدٍ من الناس إلا في ثور بن يزيد، ومحمد بن اسحق، قال: وقلتُ له: يا أبا عمرو حدثنا ثور بن يزيد، قال: فغضبَ عليَّ غضبةً ما رأيتُ مثلها، ثم قال: قال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (ستة لعنتُهم، فلعنهم اللّه وكلُّ نبي مجاب: الزائد في كتاب اللّه، والمكذِّب بقدر اللّه..)، ثور بن يزيد أحدهم تأخذ دينَكَ عنه؟ وأمّا محمَّد بن اسحق فكانَ يرى الاعتزال، قال: فجئتُ إلى كتابي الذي سمعتُه من ثور ومحمد بن اسحق، فألقيته في التنّور»(4).
«وقال نعيم بن حمّاد، قال عبد اللّه بن المبارك:
أيها الطالبُ علماً***ائتِ حمّادَ بنَ زيد
فاطلبنَّ العلمَ منهُ***ثمَّ قيِّده بقيد
لا كثورٍ وكجهم***وكعمرو بنِ عُبيد (5)
______________________________
(1) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب: ج: 2، ص: 34.
(2) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: 4، ص: 425.
(3) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 2، ص: 35.
(4) جمال الدين المزي: تهذيب الكمال، ج: 4، ص: 425.
(5) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 2، ص: 35، وانظر: تهذيب الكمال للمزي، ج: 4، ص: 426.
[ 344 ]
السلسلة الثانية: «الوليد بن مسلم، عن العلاء بن زبر، عن يحيى بن أبي المطاع، قال: سمعت العرباض بن سارية..»(1).
ففي هذهَ السلسلة (الوليد بن مسلم)، ولكي تطّلع - أيها القارئ الكريم - على حال (الوليد) ننقل لكَ بعض أقوال علماء العامة ورواتهم فيه:
«..وقال أبو بكر المزوري: قلتُ لأحمد بن حنبل في الوليد، قال: هو كثير الخطأ»(2).
«وقال أبو بكر الاسماعيلي: سمعتُ مَن يحكي عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، عن أحمد، وسُئلَ عن الوليد بن مسلم فقال: كانَ رفّاعاً»(3).
«وقال حنبل بن اسحق: سمعتُ يحيى بن معين يقول: قال أبو مسهر: كانَ الوليد يأخذ من ابن أبي السَّفر حديث الأوزاعي، وكان ابن أبي السَّفر كذّاباً، وهو يقول فيها: قال الأوزاعي»(4).
«وقال أبو الحسن الدارقطني - في كتاب (الضعفاء والمتروكون) -: الوليد بن مسلم يرسل، يروي عن الاوزاعي أحاديث عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء»(5).
«وقال أبو مسهر: الوليد مدلِّس عن كذّابين»(6).
«وقال مؤمَّل بن إهاب عن أبي مسهر: كانَ الوليد بن مسلِّم يحدِّث بأحاديث
______________________________
(1) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: 1، ص: 16، فيه: (حدثنا عبد اللّه بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم..).
(2) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 11، ص: 154، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 31، ص: 96.
(3) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: 31، ص: 96.
(4) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 11، ص: 154 وتهذيب الكمال للمزي، ج: 31، ص: 96 - 97، وميزان الاعتدال لمحمد بن أحمد الذهبي، ج: 4، ص: 348، وسير اعلام النبلاء للذهبي، ج: 9، ص: 215.
(5) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: 9، ص: 216 - 217، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 31، ص: 97.
(6) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: 9، ص: 216، وانظر: ميزان الاعتدال للذهبي، ج: 4، ص: 347.
[ 345 ]
الاوزاعي عن الكذّابين، ثم يدلسها عنهم«(1).
«وقال صالح بن محمد الأسدي الحافظ، سمعتُ الهيثم بن خارجة يقول: قلتُ للوليد بن مسلم: قد أفسدتَ حديث الاوزاعي، قال: كيف؟ قلتُ تروي عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري، وعن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد، وغيرُكَ يُدخل بينَ الأوزاعي وبينَ نافع عبد اللّه بن عامر الأسلمي، وبينه وبينَ الزهري ابراهيم بن مرّة وقرة وغيرهما، فما يحملكَ على هذا؟
قال: اُنبِّل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء، قلتُ: فإذا روى الأوزاعي عن هؤلاء، وهؤلاء ضعفاء، أحاديث مناكير، فأسقطتهم أنتَ، وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات، ضَعُفَ الأوزاعي.
فلم يلتفت إلى قولي»(2).
وفي هامش كتاب (سير أعلام النبلاء) قال المحقق معلقاً على هذا الحديث:
«وهذا النوع من التدليس يسمى عند المتقدمين تجويداً، فيقولونَ: جوَّدة فلان، يريدونُ ذكر فيه من الأجواد، وحذفَ الأدنياء، وسمّاه المتأخرون: تدليس التسوية، وذلكَ انَّ المدلِّس الذي سمع الحديث من شيخه الثقة عن ضعيف عن ثقة، يسقط الضعيف من السند، ويجعل الحديث عن شيخه الثقة، عن الثقة الثاني بلفظ محتمل، فيستوي الاسناد كلّه ثقات، وهو شرُّ أنواع التدليس وأفحشها، لانَّ الثقة الاول ربَّما لا يكون معروفاً بالتدليس، فلا يحترز الواقف على السنة عن عنعنةٍ وأمثالها من الألفاظ المحتملة التي لا يُقبل مثلها من المدلّسين، ويكون هذا المدلِّس الذي يحترز من تدليسه قد أتى بلفظ السماع الصريح عن شيخه، فأمنَ بذلكَ من تدليسه، وفي ذلكَ غرر شديد»(3).
______________________________
(1) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 11، ص: 154، وفي تهذيب الكمال للمزي، ج: 31، ص: 97.
(2) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 11، ص: 154، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 31، ص: 97، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 9، ص: 215 - 216، وميزان الاعتدال للذهبي، ج: 4، ص: 348.
(3) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، بتحقيق: كامل الخرّاط، ج: 9، ص: 216 (الهامش).
[ 346 ]
«وقال الآجري سمعتُ أبا داود يقول: روى الوليد عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل، منها عن نافع أربعة»(1).
«وقال أبو داود: كل منكر يجيء عن الوليد بن مسلم، إذا حدَّث عن الغرباء يخطئ»(2).
«وقال: بقية أحسن حالاً من الوليد بن مسلم»(3).
وسيأتي الكلام عن (بقية) الذي هو أحسن حالاً من (الوليد) لاحقاً إن شاءَ اللّه تعالى، ويثبت انَّه ضعيف أيضاً، فكيف بالذي أضعف منه.
وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء): «قلتُ: البخاري ومسلم قد احتجّا به، لكنهما ينتقيان حديثَه، ويتجنبان ما يُنكر له»(4).
ومما تجدر الاشارة إليه أنَّ كلاً من (مسلم) و(البخاري) لم يرويا حديث (سنة الخلفاء الراشدين) على نحو الخصوص.
السلسلة الثالثة: «يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن خالد بن معدان، عن العرباض بن سارية..»(5).
وقد وقع في هذهِ السلسلة راويان ضعيفان: أحدهما (يحيى بن أبي كثير)،
______________________________
(1) جمال الدين المزي تهذيب الكمال بتحقيق الدكتور بشار عواد معروف، ج: 31، ص: 99، (الهامش) عن سؤالاته: 5 الورقة 15، وعن ميزان الاعتدال للذهبي، ج: 4، ص: 347.
(2) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: 31، ص: 99 (الهامش).
(3) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: 31، ص: 99 (الهامش).
(4) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: 9، ص: 216، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 31، ص: 99 (الهامش).
(5) مسند أحمد بن حنبل، ج: 5، ص: 109 فيه: (حدثنا عبد اللّه، حدثني أبي، حدثنا اسماعيل بن هشام الدستوائي، عن يحيى بن كثير، عن محمد بن إبراهيم).
وفي مستدرك الحاكم، ج: 1، ص: 96 - 97، وفيه: (حدثنا أبو عبد اللّه عبد اللّه الحسين بن الحسن بن أيوب، حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، حدثنا عبد اللّه بن يوسف التينسي، حدثنا الليث بن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمر السلمي، عن العرباض بن سارية..).
[ 347 ]
والآخر (محمد بن إبراهيم بن الحارث).
فأمّا (يحيى بن أبي كثير) فقد جاءَ عنه:
قال (الذهبي) في (سير أعلام النبلاء): «وقال العقيلي: كان يُذكر بالتدليس»(1).
وفيه أيضاً: «وقال يحيى بن قطّان: مرسلات يحيى بن أبي كثير شبه الريح»(2).
وفيه أيضاً: «وقال يزيد بن هارون عن همام قال: ما رأيتُ أصلبَ وجهاً من يحيى بن أبي كثير، كنّا نحدّثه بالغداة، فنروح بالعشي فيحدثناه»(3).
وقال في (تهذيب التهذيب): «قلتُ: تتمة: كلام ابن حبان: كان يدلِّس، فكلما روى عن أنس فقد دلَّس عنه، لم يسمع من أنس، ولا من صحابي»(4).
وقال (الذهبي) في (ميزان الاعتدال): «يروي عن أنس ولم يسمع منه»(5).
وفيه أيضاً: «وقال نعيم بن حماد: حدثنا المبارك عن همام، قال: كنّا نحدِّث يحيى بن أبي كثير بالغداة، قإذا كانَ بالعشي قلبه عنّا»(6).
هذا حال (يحيى بن أبي كثير)، وأما (محمد بن إبراهيم بن الحارث) فقد ضعَّفه (أحمد بن حنبل)، حيث جاءَ في (سير أعلام النبلاء) و(تهذيب التهذيب) و(ميزان الاعتدال):
«وقال العقيلي: حدثنا عبد اللّه بن أحمد: قال: سمعتُ أبي ذكر محمد بن إبراهيم
______________________________
(1) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: 6، ص: 28، وميزان الاعتدال لمحمد بن أحمد الذهبي، ج: 4، ص: 402، وتهذيب التهذيب للعسقلاني، ج: 11، ص: 269، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 31، ص: 509.
(2) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: 6، ص: 30، وتهذيب التهذيب للعسقلاني، ج: 11، ص: 269. وميزان الاعتدال للذهبي، ج: 4، ص: 403، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 31، ص: 509.
(3) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: 6، ص: 30 - 31، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 31، ص: 509.
(4) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 11، ص: 269.
(5) محمد بن أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: 4، ص: 402.
(6) محمد بن أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: 4، ص: 402، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 31، ص: 509.
[ 348 ]
التيمي، فقال: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير أو منكرة»(1).
السلسلة الرابعة: «معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي: أنَّه سمع العرباض بن سارية....»(2).
أما هذهِ السلسلة ففيها (معاوية بن صالح)، وقد جاءَ فيه:
في (تهذيب التهذيب): «وقال صالح بن أحمد بن حنبل، عن علي بن المديني: سألتُ يحيى بن سعيد عنه، فقال: ما كنّا نأخذ عنه ذلك الزمان ولا حرفاً»(3).
«وقال أبو صالح الفراء: حدثنا أبو اسحق يعني الفزاريّ يوماً بحديث عن معاوية بن صالح، ثم قال أبو اسحق: ما كانَ بأهلٍ أن يُروى عنه»(4).
«وقال ابن أبي خثيمة والدوري في تأريخيهما عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد لا يرضاه»(5).
______________________________
(1) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: 5، ص: 295، وتهذيب التهذيب للعسقلاني، ج: 9، ص: 600، وميزان الاعتدال للذهبي، ج: 3، ص: 445، المحمدون 7097، وتذيب الكمال للمزي، ج: 34، ص: 304، ولسان الميزان لابن حجر العسقلاني، ج: 5، ص: 20.
(2) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: 16، ح: 43، فيه: (حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور، وإبراهيم السواق قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح..).
وفي مسند أحمد، ج: 5، ص: 109، وفيه: (حدثنا عبد اللّه، حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية...).
وفي مستدرك الحاكم، ج: 1، ص، 96 - 97، وفيه: (أبو الحسن أحمد بن محمد العنبري، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، (وأخبرنا) أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي، حدثنا عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن يعني ابن مهدي، عن معاوية بن صالح...).
(3) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 10، ص: 210، والامام الرازي في الجرح والتعديل، ج: 4، ص: 382، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 28، ص: 190.
(4) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 10، ص: 210، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 7، ص: 160، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 28، ص: 190.
(5) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 10، ص: 210، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 7، ص: 160، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 28، ص: 189.
[ 349 ]
«وعن عباس عن يحيى في موضع آخر: ليس برضي»(1).
«وقال الليث بن عبده: قال يحيى بن معين: كان ابن مهدي إذا تحدث بحديث معاوية بن صالح زبره يحيى بن سعيد، وقال: ايش هذهِ الاحاديث، وكان ابن مهدي لا يبالي عن مَن روى»(2)
«وقال يعقوب بن شيبة السدوسي: قد حمل الناس عنه، ومنهم مَن يرى أنَّه وسط ليس بالثبت ولا بالضعيف، ومنهم مَن يضعّفه»(3).
«وقال أحمد بن سعد بن أبي مريم عن عمِّه سعيد بن أبي مريم: سمعتُ خالي موسى بن سلمة، قال: أتيتُ معاوية بن صالح لأكتب عنه، فرأيتُ أُراه قال: الملاهي - فقلتُ: ما هذا؟ قال: شيء نهديه إلى صاحب الأندلس!! قال: فتركته ولم أكتب عنه»(4).
«وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يحتج به»(5).
«وقال محمد بن عبد اللّه بن عمّار الموصلي: الناس يروون عنه، وزعموا انَّه لم يكن يدري أيَّ شيء الحديث»(6).
وفي (ميزان الاعتدال): «وقال أبو حاتم لا يحتج به، وكذا لم يخرِّج له البخاري..»(7).
______________________________
(1) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 10، ص: 210، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 7، ص: 160، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 28، ص: 189.
(2) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: 28، ص: 193، وتهذيب التهذيب للعسقلاني، ج: 10، ص: 210، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 7، ص: 162، وميزان الاعتدال للذهبي ج: 4، ص: 135.
(3) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 10، ص: 211، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 28، ص: 192.
(4) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: 7، ص: 160 - 161، وتهذيب التهذيب للعسقلاني، ج: 10، ص: 190، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 28، ص: 190.
(5) الرازي، الجرح والتعديل، ج: 4، ص: 382 وتهذيب الكمال للمزي، ج: 28، ص: 191.
(6) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 1، ص: 211، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 28، ص: 192.
(7) محمد بن أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: 4، ص: 135.
[ 350 ]
السلسلة الخامسة: «عمرو بن أبي سلمة التينسي، أنبأنا عبد اللّه بن العلاء بن زيد، عن يحيى بن أبي المطاع، قال سمعت العرباض..»(1).
ولنطالع شيئاً مما يقوله علماء أبناء العامة حول (عمرو بن أبي سلمة التينسي) الذي وقع في هذه السلسلة:
قال عنه (الذهبي) في (ميزان الاعتدال): «وقال أبو حاتم لا يحتج به»(2).
وقال (ابن حجر العسقلاني) في (تهذيب التهذيب):
«وقال أحمد: روى عن زهير أحاديث بواطيل»(3).
وفيه أيضاً: «وقال الساجي: ضعيف»(4).
وفيه أيضاً: «وقال العقيلي في حديثه وهم»(5).
وفي (الجرح والتعديل): «حدثنا عبد الرحمن، قال ذكره أبي، عن اسحق بن منصور، عن يحيى بن معين، انَّه قال: عمرو بن أبي سلمة ضعيف»(6).
وفيه أيضاً: «حدثنا عبد الرحمن قال: سألتُ أبي عن عمرو بن أبي سلمة، فقال: يكتب حديثه، ولا يحتج به»(7).
السلسلة السادسة: «بقية بن الوليد بن بُجير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن
______________________________
(1) الحاكم في المستدرك، ج: 1، ص: 96 - 97، وفيه: (يحيى بن أبي المطاع القرشي، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد التينسي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة التينسي).
(2) ميزان الاعتدال للذهبي، ج: 3، ص: 262.
(3) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 8، ص: 44، وميزان الاعتدال للذهبي، ج: 3، ص: 262.
(4) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 8، ص: 44، وميزان الاعتدال للذهبي، ج: 3، ص: 262.
(5) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 8، ص: 44، وميزان الاعتدال للذهبي ج: 3، ص: 262.
(6) الجرح والتعديل، ج: 6، ص: 230، وانظر، سير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 10، ص: 21، وميزان الاعتدال للذهبي، ج: 3، ص: 262، وتهذيب التهذيب للعسقلاني، ج: 8، ص: 43.
(7) الرازي، الجرح والتعديل، ج: 6، ص: 235 - 236، وتهذيب التهذيب للعسقلاني، ج: 8، ص: 43.
[ 351 ]
عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن سارية..»(1).
روي الحديث في هذه السلسلة عن (بقية بن الوليد)، وهو ليس بأحسن حالاً من الرواة الذين سبقوه، واليك - أيها القارئ الكريم - بعض أقوال علماء العامة فيه:
«قال ابن عيينة: لا تسمعوا من بقية ما كانَ في سُنّة، واسمعوا منه ما كانَ في ثوابٍ وغيره»(2).
«وقال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، سُئل أبي عن بقية واسماعيل بن عياش، فقال: بقية أحب إليَّ، وإذا حدَّثَ عن قومٍ ليسوا بمعروفينَ، فلا تقبلوه»(3).
«وقال ابن أبي خَثيمة سُئل يحيى عن بقية، فقال: إذا حدَّث عن الثقات مثل صفوان بن عمرو وغيره فاقبلوه، وإذا ما حدَّث عن اُولئك المجهولين فلا، وإذا كنّى الرجل ولم يسمّه فليس يساوي شيئاً»(4).
«وقال يحيى، ولقد قال لي نُعيم يعني ابن حمّاد: كان بقية يضنُّ بحديثه عن الثقات، قال: طلبتُ منه كتابَ صفوان، فقال: كتاب صفوان؟ أي كأنه قال: - يحيى بن معين - كان يحِّدث عن الضعفاء بمائة حديث قبل أن يحدِّث عن الثقات»(5).
«وقال يعقوب... ويحدِّث عن قومٍ متروكي الحديث، وعن الضعفاء، ويحيد عن أسمائهم إلى كناهم، وعن كناهم إلى أسمائهم، ويحدِّث عمَّن هو أصغر منه»(6).
______________________________
(1) الترمذي، سنن الترمذي، ج: 5، ص: 43، باب: 16: (حدثنا علي بن حجر حدثنا بقية بن الوليد..).
(2) الرازي، الجرح والتعديل، ج: 2، ص: 345، وتهذيب التهذيب للعسقلاني، ج: 1، ص: 474، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 4، ص: 196، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 8، ص: 520.
(3) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 1، ص: 474، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 8، ص: 521، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 4، ص: 196 - 197.
(4) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 1، ص: 474 - 475، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 8، ص: 521، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 4، ص: 197.
(5) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 1، ص: 475، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 8، ص: 521، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 4، ص: 197.
(6) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 1، ص: 475، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 8، ص: 522، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 4، ص: 197.
[ 352 ]
وقال أبو زرعة:..فأمّا في المجهولين فيحدِّث عن قومٍ لا يُعرفونَ ولا يضبطون»(1).
«وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه ولا يُحتج به»(2).
«وقال ابن عدي: يخالف في بعض رواياته عن الثقات»(3).
«وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: روى بقية عن عبد اللّه بن عمر مناكير»(4).
«وقال الجوزقاني في كتاب (الموضوعات) تأليفه: ضعيف الحديث لا يُحتج به«(5).
«وقال الجوجزاني: رحم اللّه بقية ما كانَ يبالي إذا وَجَدَ خرافة عمَّن يأخذ»(6).
«وقال ابن خزيمة: لا احتج ببقية، حدثني أحمد بن الحسن الترمذي: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: توهمت انَّ بقية لا يحدِّث المناكير إلا عن المجاهيل، فإذا هو يحدِّث المناكير عن المشاهير، فعلمتَ من أين أتى؟ قلتُ: من التدليس»(7).
«وقال البيهقي في الخلافيات: أجمعوا أنَّ بقية ليس بحجة»(8).
(وقال عبد الحق في الاحكام في غير ما حديث: بقية لا يُحتج به»(9).
______________________________
(1) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 1، ص: 475.
(2) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 1، ص: 475، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 8، ص: 522 وميزان الاعتدال للذهبي، ج: 1، ص: 332، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 4، ص: 198.
(3) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 1، ص: 475 - 476.
(4) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 1، ص: 476، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 8، ص: 530.
(5) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: 4، ص: 199 (الهامش).
(6) محمد بن أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: 1، ص: 332، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 8، ص: 523، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 4، ص: 199 (الهامش).
(7) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 1، ص: 476، وميزان الاعتدال للذهبي، ج: 1، ص: 332. وتهذيب الكمال للمزي، ج: 4، ص: 197 (الهامش).
(8) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 1، ص: 477.
(9) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 1، ص: 477، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 8، ص: 528.
[ 353 ]
وجاءَ في (ميزان الاعتدال) وغيره:
«وقال ابن القطان: بقية يدلِّس عن الضعفاء، ويستبيح ذلك، وهذا إن صحَّ مفسد لعدالته»(1).
فقال (الذهبي) معلِّقاً على هذا القول:
«قلتُ: نعم، واللّه صحَّ هذا عنه، انَّه يفعله، وصحَّ عن الوليد بن مسلم، بل وعن جماعة كبار فعله، وهذه بلية منهم...«(2).
وقال (الخطيب) في (تاريخ بغداد):
«وقدم بقية بغداد، وفي حديثه مناكير إلا انَّ أكثرها عن المجاهيل»(3).
«وقال غير واحدٍ انَّه كان مدلِّساً، فإذا قال عن، فليس بحجة»(4).
«وقال أبو أيوب القيرواني: يروي عن كثير من الضعفاء والمجهولين«(5).
وفي (سير أعلام النبلاء): «وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: لا أحتج ببقية»(6).
وفيه أيضاً: «وحاصل الأمر انَّ لبقية عن الثقات أيضاً ما يُنكر وما لا يُتابع عليه»(7).
«وقال أبو مسهر: بقية ليست أحاديثه نقية، فكن منها على تقية»(8).
______________________________
(1) محمد بن أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: 1، ص: 339، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 8، ص: 528، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 4، ص: 200 (الهامش)، وتهذيب التهذيب للعسقلاني، ج: 1، ص 477.
(2) محمد بن أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: 1، ص: 339.
(3) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج: 7، ص: 123.
(4) محمد بن أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: 1، ص: 231.
(5) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: 4، ص: 199، (الهامش).
(6) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: 8، ص: 523.
(7) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: 8، ص: 527.
(8) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: 1، ص: 476، الجرح والتعديل للرازي، ج: 2، ص: 435، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 8، ص: 523، وتاريخ بغداد للبغدادي، ج: 7، ص: 124، وتهذيب الكمال للمزي، ج: 4، ص: 198.
[ 354 ]
وبهذا فانَّ حديث (سنة الخلفاء الراشدين) حديث ساقط عن الاعتبار سندياً، وأقرب الظن أنَّه حديث مختلق، وليس له أصل مطلقاً، وقد نُسب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم كذباً وزوراً، وقد رأينا ضعف جميع أسانيده المذكورة في أكثر الكتب إعتباراً لدى أبناء العامة، وبهذا فهو لا يمتلك أية قيمة علمية للتعويل عليه.