د: زيارة قبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ومراقد الأئمة عليهم السلام
ومن الاساليب المندوبة الاُخرى لتجسيد هذا السلوك الهادف، والاشتراك مَعَ ما تقدم في الدوافع والمعطيات زيارة قبر النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم تبركاً، والدعاء عنده تقرباً الى اللّه تعالى، وكذلك زيارة مراقد أئمة أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، لما لهم من وجاهةٍ، ومقام محمود عند اللّه سبحانه وتعالى.
فاضافة الى ما ورد من عموميات متقدمة بشأن إحترام وتوقير النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، وردت الأدلة الخاصة... أيضاً للحث على ذلك، فيكون هذا العمل منتسباً الى التشريع من هذين الطريقين معاً.
فمن ذلكَ الحديث الذي أخرجته اُمّة من الحفّاظ وأئمة الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انَّه قال:
«مَن زار قبري وجبت له شفاعتي»(1).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«مَن حجَّ فزار قبري بعدَ وفاتي، كان كمن زارني في حياتي»(2).
وغير ذلك من عشرات الاحاديث الاخرى المروية من طرق الفريقين، والتي ندبت الى زيارته صلى اللّه عليه وآله وسلم، والدعاء عنده، والتبرك بقبره(3)، وكذلك أهل بيته الطاهرين عليهم السلام، باعتار الاشتراك في الدوافع والآثار والمعطيات المترتبة على هذا الاهتمام، بينهم عليهم السلام وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، لأنَّهم يمثلون الامتداد الشرعي لموقعه الديني
______________________________
(1) ذكره الاميني في (الغدير)، ج: 5، ص: 93، عن أكثر من أربعين راوياً ومحدثاً من أئمة المذاهب الاربعة.
(2) ذكره الاميني في الغدير، ج: 5، ص (98 - 100) عن خمسة وعشرين حافظاً ومحدّثاً، وانظر على سبيل المثال بعض مدارك الحديث في كنز العمال لعلاء الدين الهندي، ج: 15 ص: (646 - 657)، الاحاديث: (42551 - 42607).
(3) راجع (الغدير) للاميني، ج: 5، ص (86 - 208)، باب زيارة مشاهد العترة الطاهرة، فقد روى عن مصادر العامة اثنين وعشرين حديثاً حول زيارة قبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، ونقل كلمات أربعين علماً من أعلام المذاهب الأربعة حول زيارته صلى اللّه عليه وآله وسلم، وَبَسط الكلام في ذلك بالحجة البالغة، والقول السديد.
[ 265 ]
في الرسالة الاسلامية.
وكتُبُنا الحديثية المعتبرة مليئة بالروايات الصحيحة التي تحث على هذا السلوك، وتوضِّح تعاليمه وآدابه وخصائصه التفصيلية الاُخرى.
وفي الحقيقة انَّ قضية التبرك بآثار الانبياء والأوصياء قد وردت فيها الدلالة واضحة من قبل الشريعة، وعلى رأس ذلك ما ورد في قوله تعالى:
(اذهَبُوا بِقَميصي هذا فَأَلقُوهُ على وَجهِ أَبي يَأتِ بَصيراً)(1).
فنلاحظ ان النبي يوسف عليه السلام يرسل قميصه الى أبيه لكي يكون وسيلة وواسطة لارتداد البصر اليه باذن اللّه تعالى، وهذا من أظهر مصاديق التبرك، وقد قال تعالى بعد ذلك:
(فَلَمّا أَن جَاءَ البَشِيرُ أَلقاهُ عَلى وَجهِهِ فارتَدَّ بَصيراً)(2).
وأما الأحاديث فهي كثيرة منها ما رواه (البخاري) عن أبي جحيفة انّه قال:
«خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالهاجرة، فاُتي بوضوء، فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه، فيتمسحون به«(3).
وروى (البخاري) عن الجعد انَّة قال:
«سمعتُ السائب بن يزيد يقول ذهبت بي خالتي الى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقالت: يا رسول اللّه انَّ ابن اختي وقع، فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، ثمَّ توضأ فشربت من وضوئه..»(4).
وفيه عن (ابن يرين) انَّه قال:
«قلت لعبيدة عندنا من شعر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أصبناه من قبل أنس، أو من قبل أهل
______________________________
(1) يوسف: 93.
(2) يوسف: 96.
(3) البخاري، صحيح البخاري، ج: 1، كتاب الوضوء، ص: 55.
(4) البخاري، صحيح البخاري، ج: 1، كتاب الوضوء، ص: 56.
[ 266 ]
أنس، فقال: لأن يكون عندي شعرة منه أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها»(1).
وفيه أيضاً عن (أنس) انَّه قال:
«انَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لمّا حلقَ رأسه كان أبو طلحة أوّل مَن أخذ من شعره»(2).
وقال (ابن حجر) في (الاصابة):
«كل مولود ولد في حياة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يُحكم بأنَّه رآه، وذلك لتوفّر دواعي إحضار الأنصار أولادهم عند النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم للتحنيك والتبرّك، حتى قيل: لما افتُتحت مكة جعل أهل المدينة يأتون الى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بصبياتهم، ليمسح على رؤوسهم، ويدعو لهم بالبركة»(3).
وجاء في (مسند أحمد) عن (عائشة) انَّها قالت:
«كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يؤتى بالصبيان فيحنكهم ويبرّك عليهم..»(4).
وجاءَ في (اُسد الغابة):
«انَّ بلالاً رأى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في منامه وهو يقول: ما هذهِ الجفوة يا بلال؟ ما آن لكَ أن تزورنا؟ فانتبه حزيناً، فركب الى المدينة، فأتى قبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وجعل يبكي عنده، ويتمرّغ عليه، فاقبل الحسن والحسين، فجعل يقبّلهما ويضمهما..»(5).
وفي (البخاري) عن أبي جحفة قال:
«خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالهاجرة الى البطحاء، فتوضأ، ثم صلّى الظهر ركعتين والعصر ركعتين.. الى أن قام وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فاذا هي أبرد من الثلج، وأطيب
______________________________
(1) البخاري، صحيح البخاري، ج: 1، كتاب الوضوء، ص: 50 - 51.
(2) البخاري، صحيح البخاري، ج: 1، كتاب الوضوء، ص: 51.
(3) جعفر السبحاني، الوهابية في الميزان، ص: 214، عن الاصابة، ج: 3، ص: 631.
(4) أحمد بن حنبل، ج: 6، ح: 25243، ص: 212.
(5) ابن الاثير، اُسد الغابة، ج: 1، ص: 208.
[ 267 ]
رائحةً من المسك»(1).
وورد في (الطبقات الكبرى):
«عن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنَّه نظر الى ابن عمر وقد وضع يده على مقعد المنبر حيث كان النبي يجلس عليه، ثم وضعها على وجهه»(2).
وروي عن علي أمير المؤمنين أنَّه قال:
«قدِم علينا أعرابي بعد ما دفنّا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بثلاثة أيام، وحثى من ترابه على رأسه، وقال: يا رسول اللّه! قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن اللّه سبحانه فوعينا عنك، وكان فيما أنزل اللّه عليك: (وَلَو أَنَّهُم إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُم جاءُوكَ..)(3).... وقد ظلمتُ وجئتكَ تستغفر لي، فنودي من القبر، قد غُفر لك»(4)
ولكنّن نرى أيضاً على الرغم من عمق انتساب هذا العمل للدين، وقوة ارتباطه بالتشريع قد نُعتَ من قبل الكثيرين بالابتداع، وحاول البعض أن يصوّر زيارة مراقد أهل البيت عليهم السلام، والدعاء عندها، والتبرك بها، عبادة لأصحاب هذهِ القبور، بهتاناً وزوراً وافتراءاً، وقلباً للحقائق، والتفافاً حولها، مَعَ أنَّ الذي يطالع ويطّلع على لغة الزيارة التي يلهج بها أتباع منهج أهل البيت عليهم السلام لهؤلاء الابرار عليهم السلام، يلمس الأدبَ الرسالي الرفيع، والروحَ التوحيدية الخالصة التي تطفح بوضوح من بين جنبات هذهِ المقاطع الاسلامية الموروثة عن أهل البيت عليهم السلام أنفسهم بنحوٍ غالب.
فلننظر الى ما يقوله (الفوزان) حول هذا الموضوع:
«ولكنَّ التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة، فمنها ما هو كفر صراح، كالطواف
______________________________
(1) البخاري، صحيح البخاري، ج: 4، كتاب المناقب، ص: 165.
(2) جعفر السبحاني، الوهابية في الميزان، ص: 216، عن الطبقات الكبرى، ج: 1، القسم الثاني، ص: 13.
(3) النساء: 64.
(4) عبد الحسين الاميني، الغدير، ج: 5، ص: 148، عن الحافظ ابي عبد اللّه بن نعمان المالكي في مصباح الظلام، والشيخ شعيب الحريفيش في (الروض الفائق) ج: 2، ص: 137، والسيد نور الدين السمهودي في (وفاء الوفا) ج: 2، ص: 412، والقسطلاني في (المواهب اللدنية)... وآخرين.
[ 268 ]
بالقبور تقرّباً الى أصحابها، وتقديم الذبائح والنذور لها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم.. ومنها ما هو من وسائل الشرك كالبناء على القبور، والصلاة والدعاء عندها»(1).
ونحن لا نريد هنا أن نتبنّى الاجابة على ما ذكره (الفوزان) وما يذكره غيره من المغرضين من طعنٍ وتجريح لأتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام في خصوص الموارد التي ذكرها، لانّا قلنا بانَّ لمثل هذهِ الاجابات التفصيلية موضعها الخاص من كتب ومصنفات علمائنا المتقدمين والمتأخرين.
ولكننا نعجب حقاً لهذهِ اللغة الرخيصة التي لا تنسجم مَعَ الأعراف، والأخلاق، والمنطق العلمي السليم، ونعجب من هذا التسامح المفرط في تكفير الطوائف الاسلامية، وإلغاء عقائد الملايين من الموحدين من أبناء الاسلام بكلمة واحدةٍ لا يعرف هؤلاء المتحجرون من مفردات الثقافة الاسلامية المترامية سواها، وهي كلمة (بدعة)، فكل أمرٍ لا ينسجم مَعَ أهوائهم وميولهم الخاصة أطلقوا عليه هذا اللفظ، ونعتوه بهذا الوصف.
وفي الواقع انَّ ما يقوله (الفوزان) اليوم وما يقوله غيره من الوهابيين، هو ترديد وتكرار لما قاله اُستاذهم (ابن تيمية) الذي نظَّر لهذا الأمر في مصنفاته المختلفة، وشكّل بذلكَ باعثاً على زرع التفرقة بين المسلمين، وشق عصا وحدتهم وتماسكهم.
على أنّا نجد ان نفس (ابن تيمية) يتناقض مَعَ نفسه، حين تفرض الحقائق نفسها على كتاباته، ولا يجد من ذلكَ بدّاً ومخرجاً، فعلى الرغم من أنَّ مصنفاته تطفح بالتشنيع والنيل من أتباع مذهب أهل عليهم السلام، ومؤاخذتهم بعنف على ما يمارسونه من زيارةٍ لمراقد أهل البيت عليهم السلام، وتبركٍ بآثارهم المقدسة، وتوسلٍ الى اللّه تعالى بجاههم العظيم، نجد انه يصرِّح بأصل مشروعية الاتيان للمشاهد في (اقتضاء الصراط المستقيم) حيث يقول:
«قال سندي الخواتيمي: سألنا أبا عبد اللّه عن الرجل يأتي هذهِ المشاهد ويذهب اليها: ترى ذلك؟ قال: أمّا على حديث ابن اُم مكتوم انَّه سأل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يصلي في بيته
______________________________
(1) صالح الفوزان، البدعة، ص: 17.
[ 269 ]
حتى يتخذ ذلك مصلى، وعلى ما كان يفعل ابن عمر رضي اللّه عنهما، يتبع مواضع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وأثره، فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد، إلا انَّ الناس قد أفرطوا في هذا جداً وأكثروا فيه.
وكذلكَ نقل عنه أحمد بن القاسم ولفظه: سُئل عن الرجل يأتي هذهِ المشاهد التي بالمدينة وغيرها، يذهب اليها؟ قال: أمّا على حديث ابن اُم مكتوم انَّه سأل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجداً، وعلى ما كان يفعله ابن عمر، يتبع مواضع سير النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وفعله حتى رؤيَ يصب في موضع ماء، فسُئل عن ذلك؟ فقال: رأيتُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يصب ههنا ماء، قال أمّا على هذا فلا بأس»(1).
فهذا الكلام الذي ينقله عن الامام (أحمد بن حنبل)، يدل بشكل واضح وصريح على أصل مشروعية إتيان المشاهد، والتبرك بآثار النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم.
ويقول في موضعٍ آخر في نفس الموضوع:
«فكما انَّ تطوع الصلاة فرادى وجماعة مشروع من غير أن يتخذ جماعة عامة متكررة تشبه المشروع: من الجمعة، والعيدين، والصلوات الخمس، فكذلك تطوّع القراءة والذكر والدعاء جماعة وفرادى، وتطوع قصد بعض المشاهد، ونحو ذلك كلُّه من نوعٍ واحد..»(2).
فاذا كان اتيان المشاهد مشروعاً، والتبرك أيضاً مشروعاً، فلماذا هذا التهجم على الموحدين من أبناء الاسلام، ونعت عملهم بالابتداع؟ ولماذا تحميل هذا العمل المشروع عناوين اُخرى لا واقع لها من الأساس؟ ولماذا لا يُحمل عمل المسلمين على الصحة وفقاً لتلك العموميات التي ندبت الى تبجيل النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، وأهل بيته عليهم السلام، وتوقيرهم، ونصرتهم أحياءً وأمواتاً؟
______________________________
(1) ابن تيمية، إقتضاء الصراط المستقيم، ص: 305 - 306.
(2) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم، ص: 305.
[ 270 ]
ولكنَّ العجب العجاب أنَّ نفس ما لم يكن يسمح به (ابن تيمية) من تبرك بالاموات، ونفس ما كان يعتبر فاعله مشركاً وخارجاً عن الدين.. قد حصل بشأنه بعد الموت، ولكنَّ أحداً من خواصه ومريديه والمدافعين عن عقائده المضللة ومبانيه لم ينبس ببنت شفة، ولم يقل بأنَّ هذا الأمر مشمول بالابتداع، عدا ما أظهره محقق كتاب (العقود الدرّية) عند هذا الموضع من إمتعاض باهتٍ وسريع.
فقد ورد في الكتاب المذكور بلهجة الاطراء والثناء على (ابن تيمية) بعد موته:
«وحضر جمع الى القلعة، فاُذن لهم في الدخول، وجلسَ جماعة قبل الغسل، وقرأوا القرآن، وتبركوا برؤيته وتقبيله، ثم انصرفوا.
وحضر جماعة من النساء، ففعلنَ مثل ذلك ثمَّ انصرفنَ.. وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم للتبرك.
وشرب جماعة الماءَ الذي فضل من غسله، واقتسم جماعة بقية السدر الذي غُسِّل به.
وقيل: إنَّ الطاقية التي كانت على رأسه دُفع فيها خمسمائة درهم، وقيل: الخيط الذي فيه الزئبق الذي كان في عنقه بسبب القمل، دفع فيه مائة وخمسونَ درهماً».
ثم يضيف قائلاً:
«وتردد الناس الى قبره أياماً كثيرة ليلاً ونهاراً، ورؤيت له منامات كثيرة صالحة»(1).
______________________________
(1) الحافظ أحمد بن عبد الهادي، العقود الدرية في مناقب شيخ الاسلام أحمد بن تيمية، بتحقيق محمد حامد الفقي، ص: 369 - 371.
[ 271 ]
ه: اِقامة المآتم ومجالس العزاء
وردت الأحاديث المتظافرة الدالة على استحباب الترحم على الموتى، وضرورة مواساة المسلمين بعضهم للبعض الآخر عند نزول الموت، والمشاركة في مراسيم التشييع والدفن، وبقية مراسيم العزاء.
وقد اعتاد المسلمون في الفترات الأخيرة على تجسيد هذا الندب الشرعي المؤكّد، من خلال إقامة مجالس الفاتحة على أرواح اُولئكَ الموتى، وذكرهم بالخيرات، وقراءة القرآن والدعاء، واطعام المعزّين من باب أدب الضيافة.
ولم يكن ليدّعي أحد من هؤلاء المسلمين بأنّ هذا العمل ضروري أو واجب، وانّما يقوم به أولياء المتوفى كل بحسب شأنه وطاقته، بل وقد لا يقوم به البعض الآخر لقلّة ذات يساره، على أنَّ دعم بقية المسلمين لهؤلاء المصابين، وقيامهم بأغلب نفقات هذهِ المآتم، يحول غالباً دون عدم تحقيق هذا الأمر المندوب.
فهذا أيضاً من نوع تطبيق وتجسيد عموميات الشريعة المقدسة.
ولكنَّ المؤسف انّ البعض قد عدَّ هذا العمل من قبيل البدعة المحرّمة، وتسرَّعَ الى اطلاق هذا العنوان عليه من دون محاولة التأمل في خلفياته ومبرراته الشرعية، جاءَ في (الفقه الاسلامي وأدلته):
«أما صنع أهل البيت طعاماً للناس فمكروه وبدعة لا أصلَ لها، لأنّ فيه زيادة على مصيبتهم، وشغلاً لهم الى شغلهم، وتشبهاً بصنع أهل الجاهلية، وإن كان في الورثة قاصر دونَ البلوغ، فيحرم إعداد الطعام وتقديمه، قال جرير بن عبد اللّه: كنا نعدّ الاجتماع الى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة»(1).
ويفصّل (الفوزان) هذا التحريم بالقول:
______________________________
(1) د. وهبة الزحيلي، الفقه الاسلامي وأدلتُه، ج: 2، ص: 549.
[ 272 ]
«ومنها: إقامة المآتم على الأموات، وصناعة الأطعمة، واستئجار المقرئين، يزعمون أنَّ ذلكَ من باب العزاء، أو انَّ ذلك ينفع الميت، وكل ذلكَ بدعة لا أصل لها، وآصار وأغلال ما أنزل اللّه بها من سلطان»(1).
فمتى كانت قراءة القرآن، والدعاء، واطعام الطعام (بدع) لا اصل لها؟! وما معنى النصوص الشرعية الخاصة والعامة التي حثت المسلمين على هذهِ الاُمور جميعاً، وأكدت على ضرورة مواساة أولياء الميت، ومشاركتهم في العزاء، وتقديم العون لهم، وندبت المسلمين الى كل ذلك في مختلف الاُزمان والعصور؟
فقد ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انه قال:
«مَن عزّى مصاباً فله مثل أجره»(2).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«ما من مؤمن يعزّي أخاه بمصيبةٍ إلا كساه اللّه من حلل الكرامة يوم القيامة»(3).
فهذه أدلة عامة تنص على مشروعية الاجتماع واللقاء عند المصاب، وزيارة أولياء الميت، ومواساتهم، وتقديم العزاء لهم.. إضافة الى الأدلة العامة الواردة بشأن التعاون على البر والتقوى، ومواساة الاخوان، وزيارة المؤمنين، وإدخال السرور على قلوبهم، وصلة الأرحام.. وغيرها من العموميات التي تشمل هذا النوع من الاجتماع والائتلاف والتعاون، وتدفع الانسان المؤمن للوقوف إلى جنب أخيه المؤمن في الشدائد ومواطن الابتلاء.
وأمّا قضية إطعام المعزّين فهي قضية جرى عليها عرف الانسان، واندفع نحوها بايحاء فطرته البشرية، كما انَّها وجدت حوافزها ودوافعها الشرعية من خلال النصوص الكثيرة الواردة في الحث على إكرام الضيف، وإيصال البر والمعروف الى الناس، وإنفاق
______________________________
(1) صالح الفوزان، البدعة، ص: 31.
(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 15، ح: 42608، ص: 658.
(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 15، ح: 42615، ص: 659.
[ 273 ]
ما زاد عن الحاجة، وبذل المستطاع من المال والمتاع.. وأوضح مصاديق ذلك هو إطعام الطعام، وإشباع المؤمنين تقرباً الى اللّه تعالى.
فما دخل هذا العمل الذي يقوم به أولياء الميت بالابتداع، وكيف يمكن لمتشرع يخاف يوم الحساب من أن يطبق عليه حدّ (البدعة) ويقول بانَّ هؤلاء قد أدخلوا في الدين ما ليس منه؟.
وهل يُعقل أن تحرِّم الشريعة الاسلامية اكرام الضيف المعزّي وتقديم الطعام له، لا سيما وانَّ أغلب هؤلاء المعزّين يأتون من مناطق بعيدة ونائية، ويتركون أعمالهم وشؤونهم الخاصة، قاصدين مواساة أولياء الميت والشد على أيديهم، علاوةً على انَّهم يتحملون في الغالب عملية إعداد الطعام ونفقاته والاُمور الاُخرى المتعلقة به؟
من هنا نرى انَّ البعض حين يصطدم بالواقع الذي يرفض هذا الاتهام المجحف أشدَّ الرفض، يستدرك ما أطلقه من تحريم بالقول:
«وإن دعت الحاجة الى ذلكَ جاز، فانهم ربَّما جاءَهم مَن يحضر ميتهم من القرى والأماكن البعيدة، ويبيت عندهم، ولا يمكنهم إلا أن يضيفوه»(1).
إنَّ الاسلام أسمى وأقدس من أن يُفهم بهذهِ الطريقة الشلاء التي يلصقها به الجهلاء والمضلّلون، أو يُنظر اليه بهذهِ النظرة السوداوية القاتمة التي تحجبه عن المجتمع، وتمنعه من التفاعل معه وفيه.
إنّ الاسلام دين الحياة الذي ينفتح معها في مختلف الخصوصيات والأبعاد، ويستجيب لمتطلباتها مهما اتسعت وتقدمت بالانسان، والا فيكف يمكن أن نأمن على الدين الاسلامي من أن يواكب المجتمع المتمدن ويحاكي تطور الحياة؟!
ولكنا لا نستغرب كثيراً إذا ما أدركنا بانَّ الدين الذي يريده هؤلاء هو دين السلاطين والملوك، ودين التحجر والانزواء.
______________________________
(1) د. وهبة الزحيلي، الفقه الاسلامي وأدلتُه، ج: 2، ص: 550.
[ 274 ]
وأمّا استحباب تلاوة القرآن الكريم، والتجمع للاستماع له، فهو لا يتطلب منّا مزيداً من البيان، ولا يحتاج الى أن نذكر له دليلاً أو برهاناً، لكونه أمراً جلياً لا يشكك فيه إلا الجاهل المتعنت، ولا ينكره إلا من لا حظَّ له من العلم بشريعة سيد المرسلين صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وأما ايصال ثواب هذهِ القراءة الى الميت فهو أمر مندوب بالأدلة العامة والخاصة، فروي مثلاً عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انَّه قال:
«اقرؤها على موتاكم، يعني يس»(1).
وفي رواية اُخرى عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم انَّه قال:
«...، ويس قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد اللّه تبارك وتعالى والدارَ الآخرة إلا غُفر له، واقرءوها على موتاكم»(2).
وروي عنه صلى اللّه عليه واله وسلم:
«من مرَّ على المقابر فقرأ فيها إحدى عشرة مرةً (قُل هُوَ اللّه أحد)، ثم وهبَ أجرهُ الامواتَ، اُعطي من الأجر بعدد الاموات»(3).
وعن أبي هريرة عن رسول اللّه:
«مَن دَخَل المقابر، ثم قرأ فاتحة الكتاب وقل هو اللّه أحد، وألهاكم التكاثر، ثم قال: إنّي جعلتُ ثواب ما قرأتُ من كلامك لأهل المقابر من المؤمنين والمؤمنات، كانوا شفعاء له الى اللّه تعالى»(4).
وعن عائشة:
______________________________
(1) أحمد بن حنبل، مسند أحمد، ج: 5، ح: 19790، ص: 26.
(2) أحمد بن حنبل، مسند أحمد، ج: 5، ح: 19789، ص: 26.
(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال: ج: 15، ح: 42596، ص: 655.
(4) عبد اللّه بن عبد الاله الحسيني، صاروخ القرآن والسنة، ص: 82، عن ابي محمد السمرقندي في فضائل (قُل هُوَ اللّه أحد)، والرافعي في تأريخه، والدارقطني.
[ 275 ]
انَّ رجلاً قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: إنَّ امي افتُلتت نفسها، وانَّها لو تكلمت تصدَّقت، أفأتصدق عنها؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: نعم، فتصدَّق عنها»(1).
وعن كعب بن عجرة قال:
«... قلتُ: يا رسول اللّه! انّي اُكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لكَ من صلاتي؟ فقال: ما شئت، قال، قلت: الربع، قال: ما شئت، فان زدت فهو خير لكَ، قلت: النصف، قال: ما شئت، فان زدتَ فهو خير لكَ، قال: قلت: فالثلثين، قال: ما شئت، فان زدت فهو خير لكَ، قلت: أجعل لكَ صلاتي كلَّها، قال: إذاً تكفى همك ويغفر لك ذنبك»(2).
فهذه الأحاديث والكثير غيرها تدل بوضوح على مطلوبية ذكر الأموات بالدعاء، والقرآن، وأعمال البر الاُخرى، وانَّ ثواب هذه الاعمال يصل الى الميت في قبره وينتفع به. قال صاحب كتاب (صاروخ القرآن والسنة) حول هذا الموضوع:
«قال مفتي الديار الحضرمّية في رسالته المذكورة: أما قراءة القرآن العظيم للاموات، ثم الدعاء بعدها بأن يوصل ثواب القراءة الى روح فلان.. الخ، فقد كفانا المؤونة في ذلك الامام العلامة الشيخ محمد العربي التباني، المدرس بالمسجد الحرام، وأحد أساتذة مدرسة الفلاح بمكة سابقاً، فانّه صنف في هذا الموضوع رسالة سماها (إسعاف المسلمين والمسلمات بجواز القراءة ووصول ثوابها للأموات)، ذكر في صدرها انَّ قراءة القرآن على الأموات جائزة، يصل ثوابها لهم عند جمهور فقهاء الاسلام أهل السنة، وإن كانت بأُجرة على التحقيق...
ثم نقل عن الامام شيخ الاسلام زكريا في (شرح الروض) ما مثاله: (فرع) الاجارة للقراءة على القبر مدة معلومة، أو قدراً معلوماً، جائزة للانتفاع بنزول الرحمة
______________________________
(1) النسائي، سنن النسائي، ج: 3، ح: 3651، ص: 560، كتاب الوصايا (7)، إذا مات الفجأة.
(2) الترمذي، سنن الترمذي، ج: 4، ح: 2457، ص: 549، كتاب: صفة القيامة / 23.
[ 276 ]
حين يُقرأ القرآن. كالاستئجار للأذان، وتعليم القرآن، ويكون الميِّت كالحي الحاضر، سواء عقَّب القرآن بالدعاء، أو جعل أجر قراءته له، أم لا، فتعود منفعة القرآن الى الميِّت في ذلك...
ثم قال: بل قال السبكي تبعاً لابن الرفعة على انّز الذي دلَّ عليه الخبر بالاستنباط انَّ القرآن إذا قُصد به نفع الميت نفعه...
ثم نقل عن الامام الرملي في (النهاية) والشبراملسي في حاشيته عليها، وعن شيخ الاسلام في فتاويه، وعن الحافظ السيوطي، وابن الصلاح ما يؤيد ذلك، الى أن قال: وقال النووي رحمه اللّه في (شرح المهذب): يستحب لزائر القبور أن يقرأ ما تيسر من القرآن، ويدعو لهم عقبها، نصَّ عليه الشافعي واتفق عليه الاصحاب، وزاد في موضع آخر: إن ختموا القرآن على القبر كان أفضل ا ه».
ثم نقل عن علماء بقية المذاهب الأربعة ما لا يخرج عمّا ذكر، الى أن قالَ في الخاتمة: «والخلاصة قد تحقق وتلخص من كلام العلماء كابن قدامة، وابن القيمِّ، وغيرهما المنقول عن الائمة الاقدمين من أهل الأثر، إنَّ القراءة على الاموات فعلها السلف الصالح، وانَّ عمل المسلمين شرقاً وغرباً لم يزل مستمراً عليها، وانَّهم وقفوا على ذلك أوقافاً، وأطال في ذلك.
ثم نقل عن الشيخ تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية انَّه قال: مَن اعتقد انَّ الانسان لا ينتفع إلا بعمله، فقد خرق الاجماع، وذلك باطل من وجوه كثيرة، أحدها انَّ الانسان ينتفع بدعاء غيره، وهو انتفاع بعمل الغير، وأطال الى أن عدَّ واحداً وعشرين وجهاً.
ثم قال: ومَن تأمل العلم وجد من إنتفاع الانسان بما لم يعمله ما لا يكاد يُحصى ا ه كلام ابن تيمية»(1).
______________________________
(1) عبد اللّه بن عبد الاله الحسيني، صاروخ القرآن والسنة، ص: 81 - 84.
[ 277 ]
فهذهِ هي نصوص الشريعة الاسلامية الناصعة، وآراء أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام المستقاة منها، وهذهِ أقوال أهل السنة وفتاواهم التي يحكى عنها الاجماع، فأين نضع قول مَن يقول: «ومنها إقامة المآتم على الاموات، وصناعة الأطعمة، واستئجار المقرئين يزعمون انَّ ذلكَ من العزاء، أو انَّ ذلك ينفع الميّت، وكل ذلك بدعة لا أصل لها، وآصار وأغلال ما أنزل اللّه بها من سلطان»(1).
فلماذا التسرع في إطلاق لفظ (البدعة) على الاُمور المقطوعة الثبوت في التشريع؟ ولماذا الاستعجال بتكفير آلاف الموحدين من الطوائف الاسلامية المختلفة لانَّهم يعتقدون بأمرٍ منتزع من صميم التشريع، ويمارسونه على هذا الأساس المشروع؟
إِنَّ التهاون في مثل هذهِ الاُمور، والتسامح في إطلاق لفظ (البدعة) مَعَ ما له من خطورة وحساسية في التصور الاسلامي، لا يمكن أن يُغتفر ويُتجاوز عنه، خصوصاً إذا ما صدر من شخصيات لها وزنها وموقعها، في مختلف المقاييس والاعتبارات.
جاءَ في كتاب (الروح) ل(ابن القيِّم الجوزية):
«قال الخلال: وأخبرني الحسن بن أحمد الوراق: حدثني علي بن موسى الحدّاد وكان صدوقاً، قال: كنت مَعَ أحمد بن حنبل، ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة، فلما دُفن الميت، جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر، فققال له أحمد: يا هذا إنَّ القراءة عند القبر بدعة!
فلما خرجنا من المقابر، قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد اللّه ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة، قال: كتبتَ عنه شيئاً؟ قال: نعم، قال: فأخبرني مبشر عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنَّه أوصى إذا دُفن أن يُقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعتُ ابن عمر يوصي بذلك، فقال له أحمد، فارجع وقل للرجل
______________________________
(1) - صالح الفوزان، البدعة، ص: 31.
[ 278 ]
يقرأ»(1)!!
ويحاول الشيخ (الغزالي) أن يبني نسبة (الابتداع) إلى إطعام الطعام، وتلاوة القرآن وتوزيع الأشربة والسجائر!! في المآتم.. على قاعدةٍ عقلية عثر عليها في كلمات المتقدمين! وهامَ إعجاباً بها، وجعلها شاهداً لكثير من أحكامه بالابتداع على ما لا ينسجم معها من الامور الحادثة في حياة المسلمين، فيقول عند التعرض لموضوع الابتداع:
«ومن الفقهاء الذينَ في هذا الميدان أبو اسحق الشاطبي، وأظنه واضع هذهِ القاعدة: (ما تركه النبي عليه الصلاة والسلام مَعَ وجود الداعي، وانتفاء المانع، فتركه سنة، وفعله بدعة)، وهي قاعدة جليلة تحمي الاسلام من تقاليد رديئة اختلقها المسلمون في مناسبات كثيرة، وحسبها العامة ديناً، وما هي بدين»(2).
يستعين (الغزالي) بهذه القاعدة على نسبة (الابتداع) إِلى مَن يقيم مآتم العزاء، ومجالس الترحم على الموتى، ويطعم الطعام، ويقرأ القرآن، ويوزِّع السجائر والاشربة! فيقول:
كانَ الناس يموتون، ولم يتجاوز الأمر عند موتهم الدفن بعد صلاة الجنائز، ثم قبول العزاء على نحوٍ عابر لا افتعال فيه.
وربما كلف جيران الميت باعداد الطعام لأهله، فانَّ مصابهم شغلهم عن إعداده لأنفسهم، لكنَّ مسلمي اليوم رأوا أن يجتمعوا عقب الوفاة في أندية أو سرادقات، يستمعون فيها الى القرآن، ويستقبلونَ فيها الوفود، وتوزع فيها السجائر والأشربة، ويتكلَّف فيها أهل الميت ما يبهظهم.
والجماهير ترى أنَّ قراءة القران في حشدٍ يضم المعزّين لا بدَّ منه، ولكنَّ العلماء
______________________________
(1) ابن القيم الجوزية، الروح، ص: 10.
(2) محمد الغزالي، تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل، ص: 103.
[ 279 ]
مجمعون على أنَّ الرسول وصحابته لم يفعلوا هذا مَعَ وجود الداعي له وهو الموت، وطلب الثواب، وانتفاء المانع فالأمن مستقر والتجمع سهل.
وما دام الأمر كذلك فالترك سنة، والفعل بدعة»(1).
ونحن نعجب لصاحب هذهِ الشخصية العلمية كيف ينحى هذهِ الطريقة الخطيرة من التفكير، وكيف يسمح لنفسه نعت مثل هذهِ الأعمال المشروعة بالابتداع، في الوقت الذي لم يُعهد من ممارسي هذهِ الاعراف القول بانَّها ضرورة لا بدَّ منها كما ذكر في كلامه.
وحتى القاعدة التي تم استشهاده بها، والتي كانت تمثل ظفراً علمياً نفيساً بالنسبة اليه، لا تصلح لأن تكون ضابطة لحد الابتداع، إذ ليس المدار في انطباق مفهوم (البدعة) على الاُمور الحادثة هو عدم فعلها في حياة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم مَعَ وجود الداعي لذلك وارتفاع المانع عنه، على ما صوَّره (الغزالي) في كلامه المتقدم، إذ انَّ هناك خصوصيات أساسية متمِّمة قد أغفلها صاحب القاعدة، ومَن هامَ إعجاباً بها في آن واحد، تلك هي مراعاة طبيعة المجتمع، وعاداته، وأعرافه... ومثل هذا الأمر موكول الى سليقة الناس، وطبائعهم، وتقاليدهم الخاصة، يعبّرون عنه كيف يشاؤون، ويأتون به بالطريقة التي تفرضها ضرورات الحياة، ومتطلبات العصر، وأعراف المجتمع، بشرط أن لا يصطدموا مَعَ خطوط الشريعة الحمراء، ولا ينسبوا العمل بكيفيته التفصيلية الى الشرع المقدس، عندما لا يرد بشأنه دليل خاص، وهذا ما يحصل في هذهِ المجالس والمآتم، فهي تشتمل على الذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن الكريم، وإطعام الطعام، وإكرام الضيف، ومواساة المؤمنين، وتسلية المصاب.. وكل هذهِ الامور قضايا مندوبة ومستحبة، ولا توجد أية مساحة للمخالفة الشرعية في عناوينها وتطبيقاتها في هذهِ المجالس.
أضف الى انَّ مقيمي هذهِ المجالس وحضّارها لا يدّعون وجوبها وحتميتها، ولذا نرى أنَّ بعضهم يكتفي بمراسيم التشييع والدفن ليس غير، وأما البعض الآخر فيبذل ما
______________________________
(1) محمد الغزالي، دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، ص: 143.
[ 280 ]
يقدر عليه من برٍّ وإحسان حسب وسعه وطاقته.
فطبيعة المجتمع إذن لها مدخلية في رسم الصورة النهائية لهذا النمط من التعبير العاطفي المسموح به في ثوابت الشريعة، وهو أمر مغروس في نفوس الناس، ومختزن في أعماقهم، غاية الأمر انَّ هناك اختلافاً في طريقة ترجمته على الواقع العملي المعاش، وهذا الاختلاف ينتج عن الاختلاف في أعراف الناس وطبائعهم.
بل ويمكن أن نلتمس من نفس كلام (الغزالي) شاهداً ومؤشراً على كون اُصول هذا العمل كانت موجودةً فيما سبق، إلا انَّها كانت بدرجة محدودة، وبمستوىً ضئيل، يتناسب مَعَ طبيعة المجتمع القائم آنذاك، ونوع الأعراف والتقاليد التي كانت تحكمه وتسوده، لا سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنَّ الناس كانوا جديدي عهدٍ بأحكام الشريعة وتعاليمها وأسرارها، فقد مرَّ معنا انّه يقول: «ثم قبول العزاء بنحوٍ عابرٍ لا افتعال فيه».
ويقول: «وربما كُلِّف جيران الميت باعداد الطعام لأهله».
وفي هذا إشارة الى ما ورد في الأثر:
«ولما جاءَ نعي جعفر بن أبي طالب الى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: إصنعوا لآل جعفر طعاماً، فانَّه قد أتاهم ما شغلهم»(1).
وفي رواية اخرى انَّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال:
«لا تغفلوا آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاماً فانَّهم قد شُغلوا بأمرِ مصابهم»(2).
وهذا يدلل على انَّ جذور هذهِ المراسيم كانت قد بدأت تضرب بجذورها في نفوس المسلمين وطبائعهم، باعتبار استجابتهم لارشادات الشريعة التي توصي بالاهتمام بآل المتوفى من جانب، وتوصي باكرام الضيف وإطعامه والتصدّق عن الموتى بمختلف أعمال البر والمعروف من جانبٍ آخر، ثم أخذت هذهِ الممارسة تقوى وتشتد وتستجيب
______________________________
(1) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 15، ح: 42630، ص: 663.
(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 15، ح: 42629، ص: 262.
[ 281 ]
لواقع العصر مَعَ مرور الزمن، الى أن اتصفت بالطابع الذي هي عليه الآن.
وربما ينتقل أحد هؤلاء المسلمين الذين نعتهم (الغزالي) بالابتداع الى أحد البلدان التي لا تسود فيها مثل هذهِ الاعراف، فيبدأ يتكيف مَعَ الجو الجديد، ويقتصر من مجمل هذهِ المراسيم المتعارفة على ما هو سائد ومألوف في ذلك المجتمع.
ولا يحس من نفسه بانّه ترك واجباً، أو يشعر بأنّه ارتكب حراماً!!
فالأمر إذن مرتبط بأعراف الناس ومشاعرهم من ناحية، وبمستجدات الزمن وتطوراته من ناحية اُخرى... هذا بالنسبة الى هيكليته العامة وطابعه الشكلي، وأمّا في واقع تشريعه وانتساب مفرداته الى الدين، فهو مشمول بالأدلة التي أشرنا الى بعضها آنفاً.
هذا ونجد أنَّ (الغزالي) يصرِّح بنفسه في موضع آخر بما يخالف دعواه هذهِ بشكل معلن، ويستدرك الاذعان المطلق الى القاعدة التي ذكرها سابقاً، فيقول:
«ونحن نحترم هذهِ القاعدة مَعَ إضافة وجيزةٍ تشرحها!
هناك أدلة عامة في الدين يجب النزول عندها، بيد أنَّ صورتها تتجدد على اختلاف الليل والنهار، كفعل الخير مثلاً - وهناك أمر به - وكالتواصي بالحق والصبر، والتعاون على البر والتقوى، والجهاد بالمال والنفس واللسان... الخ.
إنَّ صور الطاعات هنا تكثر وتتغاير، فهل تدخل في باب الابتداع؟ كلا! لكن ما الضابط الذي نحترز به من البدع؟.
المخوف هو تحويل الصورة التي يقوم بها امرؤ ما الى قانون عام يُحمد فاعلُه، ويُذم تاركه، وكأنّما هو وحي من عند اللّه».
ويضيف:
«سُئلت عن التلاوة الجماعية للقرآن الكريم في بعض مساجد المغرب؟ فقلت: لا آمر بها ولا أنهى عنها، والأحبُّ اليِّ أن أقرأ وحدي، وليس لمن يفعلها أن يشد الناس
[ 282 ]
اليها، أو يلوم مَن تخلَّف عنها.
وسُئلت عن شيخٍ ينصح تلاميذه ومريديه بالمحافظة على الوضوء وتجديده كلَّما انتفض قائلاً: إنَّ الشعور بالطهارة الحسية يعين على الطهارة الروحية، ويبعث على التسامي!
فقلت: لم يرد أمر بذلك، وللصفاء الروحي طرق شتى، قد يكون من بينها أن يجدد المسلم وضوءَه كلَّما أحدث.
على أنَّ عدَّ ذلك قانوناً عاماً ملزماً لا أصل له»(1).
فهلا تعامل (الغزالي) مَعَ مجالس الفاتحة كما تعامل مَعَ مجالس تلاوة القرآن الكريم، ومَعَ قضية تجديد الوضوء... فهل انَّ مجالس التلاوة الجماعية كانت موجودةً في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم؟ أليس المقتضي لذلك كان موجوداً وهو طلب الثواب، وتعاهد القرآن الكريم، والتقرب به الى اللّه تعالى، وأليس المانع كانَ مرتفعاً إذ الأمن مستقر، والتجمع سهل؟!!
ألم يقل (الغزالي) انَّ تجديد الوضوء لم يرد به أمر، أفلا يمكن لقاعدة (المقتضي والمانع) أن تشمله وتنطبق عليه أيضاً، فنقول انَّ مقتضيه كانَ موجوداً وهو طلب الصفاء الروحي، والمانع كانَ مرتفعاً إذ الماء متوفر، والعمل سهل؟!
ألم يقل (الغزالي) انَّ فعل الخير يتجدد على اختلاف الليل والنهار، أفليسَ هذا العمل خيراً ومشتملاً على الخير، أوَليس هو من باب التواصي بالحق والصبر، والتعاون على البر والتقوى كما قال؟!
وهل أضاف (الغزالي) جديداً حين قال: «على انَّ عدَّ ذلك قانوناً عاماً ملزماً لا أصل له»، فهل ينكر هذهِ الحقيقة مَن كان له أدنى مستوى من الثقافة الاسلامية والوعي الديني؟
______________________________
(1) محمد الغزالي، تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل، ص 103 - 104.
[ 283 ]
فلماذا هذهِ المفارقة؟ ولماذا هذا اللف والدوران؟
والأنكى من ذلك أنَّ (الغزالي) ينكر على الشهيد (حسن البنا) تجويزه لهذا الأمر، ويعتبر قوله بالجواز مناورةً لتوحيد الاُمة، ورصِّ صوفها.
يقول الشيخ (الغزالي):
«والاستاذ حسن البنا رأى فراراً من الاصطدام بحرّاس البدع الاضافية والتركية أن يدخل الموضوع في دائرة الخلاف الفقهي، والخلاف الفقهي يتحمل وجهات النظر المتباينة.
ومن ثم لم يرَ حرجاً من ترك مؤذن يضم الصلاة على رسول اللّه الى ألفاظ الأذان، ولم يرَ حرجاً من ترك الاُسر الكبيرة والصغيرة تتكلّف فوق طاقتها، لأداء مراسم التعزية المخترعة».
ويوجِّه (الغزالي) ما ذهب اليه الاستاذ (حسن البنا) بالقول:
«والواقع انَّ صنيعه رضي اللّه عنه كان سياسة مؤقتة لتجميع الاُمة على اُمهات الدين، وقواعده الممهدة، فقَبِل المكروه إتقاءاً للحرام، من باب أخف الضررين»(1).
فقل لي أيها القارئ الكريم ماذا يكره الشيخ (الغزالي) من تجميع الامة على اُمهات الدين وقواعده الممهدة، ولماذا يعدّ ذلك العمل سياسةً مؤقتة، ويجعل السياسة الثابتة خلافَ ذلك، فيقبل الحرام، ويرتكب أبشع الضررين؟!
فانّا للّه وإنّا اليه راجعون.
______________________________
(1) محمد الغزالي، دستور الوحدة الثقافية، ص: 143.
[ 284 ]
لا شكَّ في انَّ نسبة العمل الى الدين تتوقف على ورود النص الاسلامي الصريح الذي يذكره بالتفصيل، ويعينه على نحو الخصوص، كما هو الأمر في نسبة العبادات والمعاملات والأحكام الشرعية المسلّمة الاُخرى إلى الشريعة، والقول بانَّها مأخوذة منها.
كما انَّ العمل الذي يشمله الدليل العام يمكن أن ينتسب الى التشريع عن طريق تلك العموميات أيضاً، ولكن لا يصح أن تتجاوز هذهِ النسبة أصل العمل الى حيث الخصوصيات والتفاصيل غير المذكورة في لسان الدليل.
وبعبارة اُخرى انَّ العمل الذي يشمله العنوان العام يتصف بعنوانين:
الأول: هو العنوان العام الذي يكون مشمولاً بالدليل الشرعي الذي يبرر صدوره من المكلف بصورة مشروعة.
الثاني: هو العنوان الخاص الذي أتى به المكلف، والذي قد يحمل عناوين تفصيلية غير مذكورة في الدليل.
فمن جهة العنوان الأول يمكن نسبة العمل الى الشريعة، وأمّا من جهة العنوان الثاني فلا يصح نسبة العمل الى الشريعة، وإذا ما نُسب العمل الى الشريعة كذلك، فهو يدخل في حيِّز (الابتداع) لانّه إدخال ما ليس من الدين فيه، وهو ما يُطلق عليه عادةً ب(قصد التشريع).
فمثلاً نجد في الأدلة الشرعية العامة انَّها تندب المسلمين الى الصيام طيلة أيام السنة، باستثناء يومي العيدين المحرّم صيامهما بالدليل الخاص، فلو أنَّ شخصاً صامَ يوماً معيناً غير مشمول بأي دليل معين يذكره على نحو الخصوص، فقد امتثل ذلك الدليل
[ 285 ]
العام، واستمد صيامُه لذلك اليوم الشرعيةَ من خلال هذا الدليل، فيستطيع أن ينسب صيامه الى الشريعة، ويقول بانَّ هذا الصيام مستفاد من الشريعة الاسلامية وهو جزء من تعاليمها الثابتة.
وأمّا إذا نُسب خصوص العمل الذي مارسه الى الدين، وقال بأنَّ صيام هذا اليوم بعينه وخصوصياته مطلوب من قبل الشريعة، في الوقت الذي لا يوجد بشأنه أي دليل خاص، فقد قصد التشريع، ولا يُشك في كونه قد أدخل في الدين ما ليس منه، إذ انَّ الشريعة لم تطلب صيام ذلك اليوم بعنوانه الخاص، وانَّما ندبت الى الصيام بشكل عام.
وهكذا لو اتخذ الانسان ذكراً، أو دعاءاً، أو نسكاً معيناً، لم يرد به دليل خاص، ولكنّه يندرج تحت عموميات التشريع، كأن ألزم نفسه بالاستغفار في كل يوم، أو بعد كل فريضة (أربعين مرةً) مثلاً، أو بالصلاة عدداً من الركعات تطوعاً للّه مثلاً، فان ادّعى انَّ هذا العمل مطلوب بخصوصه من قبل الشرع، وقصد نسبته الى الدين بالعنوان الخاص فهو مبتدع، وإن كان يأتي به بعنوان الامتثال والجري على مقتضى الأدلة العامة، فهو داخل في دائرة الندب.
ومن الطبيعي انَّ كل تلك الممارسات المشروعة والمنسوبة الى الدين عن طريق الدليل العام يجب أن لا تصطدم مَعَ أي عنوان تحريمي آخر، ولا تكتسب هذا الطابع بأي نحو كان، وإلا فانّ التحريم يشملها من هذا الوجه، كما لو شقَّ الانسان على نفسه بالعبادة والنوافل والاذكار المشروعة بالدليل العام الى درجة الرهبنة والقسوة بالنفس والاضرار بها، فان العمل يخرج بذلك عن نطاقه المشروع، ويكتسب عناوين ثانوية اُخرى.
ونفس الامر يقال بصدد الأعمال المباحة التي لم يرد فيها دليل خاص أو عام، فحين يأتي بها المكلف من دون قصد التشريع، ولا تكتسب عنواناً تحريمياً معيَّناً، فهي باقية على وضعها الأولي، وأمّا إذا قصد المكلف نسبتها الى الشريعة، فانها تتحول الى (بدعة)، لانَّه أدخل في الدين ما ليس منه.
[ 286 ]
ومثال ذلك ما لو نام الشخص في وقت معيَّن من النهار لم يرد بشأنه دليل خاص، وأدّعى انَّ هذا الأمر مطلوب بخصوصيته التفصيلية من قبل الشريعة، أو أكلَ طعاماً معيناً لم يرد بخصوصه دليل شرعي خاص، وادّعى استحبابه، أو كراهته، أو حرمته مثلاً، ونسبَ ذلك الى التشريع.
والخلاصة انَّ نسبة العمل الذي لم يرد بشأنه الدليل الخاص الى التشريع بخصوصياته التفصيلية، والقول بانَّه مطلوب مَعَ هذهِ الخصوصيات من قبل الشريعة، يعدّ من (الابتداع) لأنَّه إدخال لما ليس من الدين فيه.
من هنا ندرك انَّ بعض مَن حاول معالجة موضوع (الابتداع) قد خلط بين هذين العنوانين، وحاول أن يرمي المسلمين بذلك غفلة عن جواز نسبة هذهِ الامور إلى الدين من جهة الأدلة العامة الشاملة لها، وانّ الأمر غير مقتصر على القول بتشريعه من حيث الخصوصيات التفصيلية.
ونجد الجذور العميقة لهذا النحو من الخلط أيضاً تمتد الى صدر الاسلام الأول، حيث كان يظن البعض انَّ الاتيان بأي أمرٍ حادث لم يرد بشأنه الدليل الخاص، أو انَّه لم يكن موجوداً في عصر التشريع، يعدّ من الابتداع، ولم يلتفتوا إلى إمكانية نسبة مثل هذهِ الاُمور الحادثة الى الدين عن طريق الادلة العامة الواردة بشأنها.
وفي الحقيقة انَّ هذا الامر راجع الى نوايا المكلفين ودوافعهم النفسية نحو القيام بالممارسات التي تنضوي تحت العموميات والأدلة الكلية المشروعة، ولا يصح التسرّع باطلاق لفظ (البدعة) على تلك الممارسات بمجرد وقوعها، لانَّ هذا سيؤدي الى الخلط في المفاهيم، والاضطراب في تطبيقاتها على مواردها الحقيقية.
ولولا أن يطول بنا المقام لاستعرضنا نماذج كثيرة من أقوال البعض حول رمي مثل هذه الممارسات المشروعة بالابتداع، مَعَ إمكانية تصحيح صدورها عن طريق النية المذكورة.
[ 287 ]
على أنّا نكتفي بايراد مظاهر وقوع هذا الخلط في حياة المسلمين الأوائل، والتي نقلها البعض في كتبهم من دون أن يوردوا عليها تعليقاً، أو انَّ البعض كان يعدّ معالجتها بهذهِ الطريقة الخاطئة ناتجة من دوافع الحرص على التشريع، وانَّها كانت من حالات (الابتداع) المحرَّمة في حياة المسلمين.
فمن تلك المظاهر ما مرَّ معنا من: «أنَّ سعد بن مالك سمع رجلاً يقول: لبّيكَ ذا المعارج فقال: ما كنّا نقول هذا على عهد رسول اللّه»(1).
فمن الواضح انَّ هذهِ المقولة يمكن أن تدرج تحت عموميات التشريع، ولا تكون من قبيل الابتداع.
وجاءَ في مدخل (ابن الحاج):
«ومن كتاب الامام أبي الحسين رزين قال: وعن نافع قال: عطسَ رجل الى جنب عبد اللّه بن عمر، فقال: الحمد للّه والسلام على رسول اللّه، فقال ابن عمر، وأنا أقول الحمد للّه والسلام على رسول اللّه، ما هكذا علَّمنا رسول اللّه أن نقول إذا عطسنا، وانما علَّمنا ان نقول: الحمد للّه ربِّ العالمين»(2).
فقد يكون هناك ذكر مخصوص لأمر معيَّن يصح التوجيه له، والمحافظة عليه، ولكنَّ هذا لا يعني إلغاء ما تشمله عموميات الشريعة من أدعية وأذكار تشتمل على الحمد والثناء على اللّه تعالى، والصلاة على رسوله الكريم صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وذكر (ابن الحاج) في المدخل أيضاً نظير ذلك قائلاً:
«وقد كان عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما ماراً في طريق بالبصرة، فسمع المؤذن، فدخل الى المسجد يصلّي فيه الفرض، فركع، فبينما هو في أثناء الركوع، وإذا بالمؤذن قد وقف على باب المسجد وقال: حضرت الصلاة رحمكم اللّه، ففرغ من ركوعه، وأخذ
______________________________
(1) ابن الجوزي، تلبيس إبليس، ص: 25.
(2) ابن الحاج، المدخل، ج: 2، ص: 251.
[ 288 ]
نعليه، وخرج وقال: واللّه لا اُصلي في مسجد فيه بدعة»(1).
وهنا يتضح كل الوضوح انَّ مجرّد القول (حضرت الصلاة رحمكم اللّه)، لا يشكل ظاهرة مخالفة للدين، لو لم يقصد منها التشريع على النحو المتقدم، وانَّما تبقى محتفظة بالعنوان الأولي لها، والتسرع بوصفها بالابتداع في غير محلِّه.
وروي كذلك انه:
«سئل سفيان عن رجل يكثر قراءة قل هو اللّه أحد، لا يقرأ غيرها كما يقرأها، فكرهها وقال: إنَّما أنتم متبعون، فاتبعوا الاولين، ولم يبلغنا عنهم نحو هذا، وانّما نزل القرآن ليُقرأ، ولا يخص شيء دون شيء»(2).
فتخصيص شيء دون شيء من القرآن إن كان بقصد الجزئية والتشريع وادّعاء نسبة الأمر إلى الدين من دون دليل شرعي خاص، فهو من باب (الابتداع) وإلا فلا يكون كذلك، فاطلاق القول بكراهة الأمر، وعدِّه على خلاف الاتباع أمر غير مقبول.
ويأتي في نفس هذا الاتجاه ما جاءَ في (تلبيس إبليس) انَّه:
«أخبر رجل عبد اللّه بن مسعود انَّ قوماً يجلسونَ في المسجد بعد المغرب، فيهم رجل يقول: كبّروا اللّه كذا وكذا، وسبحوا اللّه كذا وكذا، واحمدوا اللّه كذا وكذا، قال عبد اللّه: فاذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني وأخبرني بمجلسهم، فأتاهم فجلس، فلما سمع ما يقولونَ، قامَ فأتى ابنَ مسعود، فجاءَ وكان رجلاً حديداً، فقال: أنا عبد اللّه بن مسعود! واللّه الذي لا اله غيره، لقد جئتم ببدعة ظلماً، ولقد فضلتم أصحاب محمد علماً، فقال عمرو بن عتبة: استغفر اللّه، فقال عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتضلنَّ ضلالاً بعيداً»(3).
______________________________
(1) ابن الحاج، المدخل: ج: 2، ص: 262.
(2) ابن وضّاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: 43.
(3) ابن الجوزي، تلبيس إبليس، ص: 25.
[ 289 ]
فهذهِ المعالجة غير صحيحة على إطلاقها لما ذكرناه من تفصيل، على الرغم من انَّ أغلب مَن ذكر هذهِ الواقعة من علماء العامة عدَّها من مصاديق محاربة (الابتداع) ومواجهته.
وسوف نأتي في لاحق دراستنا هذهِ على نماذج اُخرى مشابهة لما ذكرناه قد عُدّت من باب الحرص على تعاليم الشريعة السمحاء، إلا انَّ تأثيرها كان عكسياً على الدين.
[ 291 ]
الباب الثالث : تطبيقات للابتداع
الفصل الأول : نموذجان بارزان للابتداع
1 - صلاةُ التراويح
ورد في اُمهات الكتب الحديثية لدى أبناء العامة بما في ذلك (البخاري) و(الموطأ) (واللفظ للبخاري):
«وعن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريِّ أنه قال: خرجتُ مَعَ عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه ليلةً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرّقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاءِ على قارئ واحدٍ لكان أمثل.
ثمَّ عزم فجمعهم على اُبي بن كعب، ثم خرجتُ معه ليلةً اُخرى، والناس يصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعةُ هذه، والتي ينامونَ عنها أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل - وكان الناس يقومون أوَّله»(1).
وفي (الموطأ) انَّ عمر قال:«نعمت البدعة هذه».
ولنا قرائن عديدة تشير إلى انَّ (التراويح) من محدثات الامور في الشريعة الاسلامية، ولا يوجد بينها وبين الدين أيُّ ارتباط، ومن هذهِ القرائن ما يلي:
______________________________
(1) البخاري، صحيح البخاري، ج: 2، ص: 252، ومالك بن أنس، الموطأ، ص: 73، وانظر: كنز العمال، ج: 8، ح: 23466، ص: 408.
[ 296 ]
أ - اطلاق لفظ (البدعة) على (التراويح)
يشكّل إطلاق لفظ (البدعة) في الحديث المتقدم على هذهِ الصلاة قرينةً واضحة على عدم وجود أيّ ارتباط بين هذهِ الصلاة وبين الدين.
فمن الواضح أنَّ مفهوم (البدعة) قد أخذ بعده الاصطلاحي في مرتكزات الأصحاب، نتيجةً لتناول النصوص النبوية له بكثرة وتكرار، وتأكيدها على ذمِّه وانتقاده، ودعوتها إلى ضرورة مواجهته ومكافحته واستئصاله.
فلفظ (البدعة) الوارد في هذا الحديث إما ان يُراد به المعنى الاصطلاحي، أو المعنى اللغوي، فان اُريد منه المعنى الاصطلاحي، فهذا يعني الحادث الذي لا أصل له في الدين، وهو ثابت بالاتفاق.
وان اُريد منه المعنى اللغوي فهو يعني الأمر الحادث من دون مثال سابق، كما نقلنا ذلك آنفاً عن الكتب اللغوية، وهذا يعني انَّ هذهِ الصلاة المخترعة ليست مسبوقة بمثال، وليس لها أصل، فيثبت انَّها (بدعة).
وممّا يؤيّد عدم وجود الارتباط بينَ هذه الصلاة وبين الدين، وكونها تشريعاً ابتدائياً قول عمر في نفس الحديث:
«إني أرى لو جمعت هؤلاءِ على قارئ واحدٍ لكان أمثل».
فحسب المداليل اللغوية التي نمتلكها لا نفهم من القول «إنّي أرى» إلا التشريع الابتدائي، والاجتهاد الشخصي في مقابل الوحي المنزل.
ونحن لم نعهد على طيلة المسيرة الرسالية من النبي الأكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه كان يقول «إنّي أرى» ويشرِّع أمراً من قبل نفسه، ولم يكن يتبع إلا ما يُوحى إليه، ولا ينطق عن الهوى، إن هو الا وحي يوحى، ولا يحيد عن الحكم الالهي قيد شعرة، وكيف يكون ذلك وقد قال اللّه تعالى عنه وهو صاحب الرسالة وربيب الوحي:
(وَلَو تقَّول عَلَينا بَعضَ الأقاويل* لأَخَذنا مِنهُ باليَمينِ* ثم لَقطَعنا منه
[ 297 ]
الوتينَ)(1).
ب - النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ينهى عن صلاة النوافل جماعة و...
يحث على إخفائها في البيوت
إنَّ من الامور التي تؤيِّد منافاة صلاة (التراويح) لمبادئ الشريعة وتعاليمها، وانَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يصلِّها، هو الطائفة الكبيرة من الأحاديث النبوية التي دلَّت على حث المسلمين على صلاة النوافل عموماً في البيوت، لأنَّ هذا الأمر أقرب للاخلاص، وأدعى للقبول، بل وورد النهي من قبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن صلاة النوافل جماعةً لمّا رأى بعض الاصحاب يصلّون خلفه، ووجَّههم إلى إخفاء النوافل، وعدم تشريع الجماعة فيها.
وقد وردت روايات كثيرة في كتب العامة تدل على استحباب إخفاء النوافل والاتيان بها في البيوت، وأفتى بهذا الأمر علماء العامة في مصنفاتهم فقد ورد في (الترغيب والترهيب) عن عبد اللّه بن مسعود انَّه قال:
«سألتُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: أيُّما أفضل: الصلاة في بيتي، أو الصلاة في المسجد؟ قال، ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد، فلان اُصلي في بيتي أحبُّ إليَّ من أن اُصلّي في المسجد، إلا أن تكون صلاةً مكتوبة. رواه أحمد وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه»(2).
وجاءَ فيه أيضاً:
«وعن أبي موسى رضي اللّه عنه قال: خرج نفر من أهل العراق إلى عمر، فلَّما قدموا عليه يسألون عن صلاة الرجل في بيته، فقال عمر: سألتُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقال: أما صلاة الرجل في بيته فنور، فنوِّروا بيوتكم. رواه ابن خزيمة في صحيحه»(3).
_____________________________
(1) الحاقة: 44 - 45 - 46.
(2) المنذري، الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، تعليق: مصطفى محمد عمارة، ج: 1، ص: 379، ح: 4.
(3) المنذري، الترغيب والترهيب، ج: 1، ص: 379، ح: 5، وانظر: كنز العمال، ج: 8، ح: 23360، ص: 384.
[ 298 ]
وفي (كنز العمال):
«سُئل عمر عن الصلاة في المسجد فقال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: الفريضة في المسجد، والتطوع في البيت»(1).
من هنا رأى بعض علماء العامة أفضلية قيام المرء في رمضان ببيته على صلاة (التراويح) المدّعاة، فقد «قال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية انَّ فعلها (الصلاة ليلاً في رمضان) فرادى في البيت أفضل لحديث: خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة»(2).
وقال (ابن قدامة) في (المغني):
(والتطوع في البيت أفضل لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «عليكم بالصلاة في بيوتكم فانَّ خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» رواه مسلم، وعن زيد بن ثابت انَّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة» رواه أبو داود»(3).
ولا يمكن الادّعاء بانَّ هذهِ الروايات مطلقة فتُخصص بما دل على استحباب صلاة (التراويح) المدّعاة، لانَّه لا يوجد أيّ سند شرعي، ودليل صحيح على كون النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم قد صلّى هذهِ النافلة في حياته الشريفة، غير ما يُدعى بهذا الشأن من النزر القليل المفتعل من الأحاديث التي يتشبث بها البعض، إذ الغريق يتشبث بكل حشيش!
بل وقد صرَّح إمامان كبيران من أئمة العامة بأنَّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قد نهى القوم عن هذهِ الصلاة وعنَّفهم على فعلها، وأمرهم أن يصلّوا النوافل في بيوتهم على طبق تلك القاعدة العامة.
______________________________
(1) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 8، ح: 23363، ص: 384.
(2) راجع صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 6، ص: 39 - 40، وفتح الباري للعسقلاني، ج: 4، ص: 252، والتاج الجامع للاصول لناصيف، ج: 2، ص: 67.
(3) موفق الدين بن قدامة، المغني، ج: 1، ص: 775.
[ 299 ]
جاء في (المغني):
«وقال مالك والشافعي: قيام رمضان لمن قوي في البيت أحب الينا لما روى زيد بن ثابت قال: احتجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم حجيرة بخصفة أو حصير، فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فيها فتتبع إليه رجال، وجاؤوا يصلّون بصلاته، قال: ثم جاؤوا ليلةً فحضروا، وأبطأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عنهم، فلم يخرج اليهم، فرفعوا أصواتهم، وحصبوا الباب، فخرج اليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم مغضباً فقال:
(ما زال بكم صنيعكم حتى ظننتُ انّه سيُكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فانَّ خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة) رواه مسلم»(1).
ومما يدل على أنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يقم بالناس في نافلة شهر رمضان ما روي في (كنز العمّال):
«عن أبي بن كعب أنَّ عمر بن الخطّاب أمره أن يصلّي بالليل في رمضان، فقال: إنَّ الناس يصومونّ النهار، ولا يحسنون أن يقرأوا، فلو قرأت عليهم بالليل، فقال: يا أمير المؤمنين هذا شيء لم يكن، فقال: قد علمتُ، ولكنّه حسنٌ! فصلّى بهم عشرين ركعة»(2).
وروى (الزيغلي) في (نصب الراية) عن نافع:
«انَّ ابن عمر كان لا يصلي خلفَ الامام في شهر رمضان»(3).
وجاء في (الاعتصام):
«وخرَّج سعيد بن منصور واسماعيل القاضي عن أبي امامة الباهلي رضي الله عنه أنه قال:
______________________________
(1) موفق الدين بن قدامة، المغني، ج: 1، ص: 800، انظر نص الحديث في صحيح البخاري، ج: 7، ص: 99، باب: ما يجوز من الغضب والشدة لأمر اللّه، ح: 4، وكنز العمال، ج: 7، ح: 21541، ص: 816، وح: 21543، و 21545، ص: 817.
(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 8، ح: 23471، ص: 409.
(3) الزيغلي، نصب الراية، ج: 2، ص: 154.
[ 300 ]
أحدثتم قيام شهر رمضان ولم يُكتب عليكم، انما كُتب عليكم الصيام...»(1).
وجاءَ في (صحيح البخاري) في باب (فضل مَن قامَ رمضان):
«عن أبي هريرة رضي اللّه عنه انّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: مَن قامَ رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه.
قال ابن شهاب: فتوفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم والناس على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر رضي اللّه عنهما»(2).
فقال (العسقلاني) في (فتح الباري) ضمن شرح الحديث ما نصه:
«قال ابن شهاب فتوفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم والناس، في رواية الكشميهني: والأمر (على ذلك): أي على ترك الجماعة في التراويح».
وأضاف الى ذلك القول:
«ولأحمد من رواية ابن أبي ذئب عن الزهري في هذا الحديث (ولم يكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم جمع الناس على القيام)، وقد أدرج بعضهم قول ابن أبي شهاب في نفس الخبر، أخرجه الترمذي عن طريق معمَّر بن أبي شهاب»(3).
فهذا تصريح واضح من (ابن حجر العسقلاني) بأنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يصلِّ هذهِ الصلاة، ولم يجمع الناس لها.
ثم يضعّف (ابن حجر) بعد ذلك الحديث المنتحل الذي يُروى فيه أنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد استحسن هذهِ الصلاة حين رآها! فيذكر انَّ لضعفه سببين:
الاول: انَّ فيه مسلم بن خالد وهو ضعيف، والثاني: انَّ الحديث يذكر انَّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قد جَمعَ الناس على اُبي بن كعب، بينما المعروف انَّ عمر هو الذي صنع ذلك،
______________________________
(1) أبو اسحق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 291.
(2) البخاري، صحيح البخاري، ج: 2، ص: 249 - 250.
(3) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج: 4، ص: 252.
[ 301 ]
حيث يقول:
«وأما ما رواه ابن وهب عن أبي هريرة (خرجَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وإذا الناس في رمضان يصلّون في ناحية المسجد، فقال: ما هذا؟ فقيل: ناس يصلّي بهم اُبي بن كعب، فقال: أصابوا ونعم ما صنعوا)، ذكره ابن عبد البر، وفيه مسلم بن خالد وهو ضعيف، والمحفوظ انَّ عمر هو الذي جمع الناس على اُبي بن كعب»(1).
ولكي نطلع على حال (مسلم بن خالد) الذي روى انَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد استحسن صلاة التراويح وأقرَّها، يكفينا أن نطّلع على ما ذكره (المزي) في (تهذيب الكمال)، حيث يقول حوله:
«..وقال علي بن المديني: ليس بشيء.
وقال البخاري: منكر الحديث.
وقال النسائي: ليسَ بالقوي.
وقال أبو حاتم: ليسَ بذلك القوي، منكر الحديث، يُكتب حديثه ولا يحتج به، تعرف وتنكر»(2).
______________________________
(1) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج: 4، ص: 252.
(2) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، ج: 27، ص: 512.
وأضاف محقق الكتاب في الهامش: (وذكره أبو زرعة الرازي في كتاب «أسامي الضعفاء»، (أبو زرعة الرازي: 657)، وكذلك ذكره العقيلي وابن الجوزي في جملة الضعفاء، وقال يعقوب بن سفيان: سمعت مشايخ مكة يقولون: كان له حلقة أيام ابن جريح، وكان يطلب ويسمع ولا يكتب، وجعل سماعه سُفتجة، فلما احتيج إليه وحدَّث، كان يأخذ سماعة الذي قد غاب عنه، وكان علي بن المديني يضعفه (المعرفة والتاريخ: 3 / 51)، وقال علي: سمعت ابن نمير يقول: مسلم بن خالد الزنجي ليس يُعبأ بحديثه (تقدمة الجرح والتعديل: 323).
وقال البزاز: لم يكن بالحافظ (كشف الاستار - 1716).
وقال الدارقطني: سيئ الحفظ (السنن 3 / 46).
وقال: ثقة الا أنه سيئ الحفظ، وقد اضطرب في هذا الحديث - يعني الحديث: «ابن عباس لما أراد رسول اللّه أن يخرج بني النضير...» (السنن 3 / 46).
وساق له الذهبي في (الميزان) عدة أحاديث وقال: هذهِ الأحاديث وأمثالها ترد بها قوة الرجل ويُضعف (4 / الترجمة 84854).
وقال ابن حجر في «التهذيب»: قال الساجي: صدوق كان كثير الغلط، حدثنا أحمد بن محرز، سمعت يحيى بن معين يقول: كان مسلم بن خالد ثقة صالح الحديث فما أنكروا عليه حديث أبي هريرة «البيِّنة على مَن ادعى واليمين على مَن انكر إلا في القسامة» وحديث ابن عباس: «ملعون مَن أتى النساء في أدبارهنّ» وحديث أنس: «بعثت على أثر ثمانية آلاف نبي....» وغير ذلك من المناكير.
وذكره ابن البرقي في باب مَن نُسب إلى الضعف ممن يكتب حديثه.
وقال الدارقطني: ثقة حكاه ابن القطان (10 / 130).
وقال ابن حجر في «التقريب»: فقيه صدوق كثير الأوهام).
(تهذيب الكمال في معرفة الرجال للمزي، ج: 27، ص: (513 - 514)).
[ 302 ]
وذكر (النووي) في شرحه على (صحيح مسلم) ما نصه:
«قوله (فتوفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم والأمر على ذلك، ثم كانَ الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر) معناه: استمر الأمر هذه المدّة على أنَّ كلَّ واحدٍ يقوم رمضان في بيته منفرداً، حتى انقضى صدر من خلافة عمر، ثم جمعهم عمر على اُبي بن كعب، فصلّى بهم جماعة، واستمر العمل على فعلها جماعة»(1).
وقال (القسطلاني) في (ارشاد الساري):
«(قال ابن شهاب) الزهري (فتوفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم والأمر على ذلك)أي: على ترك الجماعة في التراويح، ولغير الكشميهني كما في الفتح: والناس على ذلك (ثم كان الأمر على ذلك) أيضاً (في خلافة أبي بكر) الصدّيق (وصدراً من خلافة عمر) رضي اللّه عنهما»(2).
وقال في موضع آخر:
«(قال عمر): لما رآهم (نعم البدعة هذه)، سماها بدعة لانه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يسن لهم الاجتماع لها، ولا كانت في زمن الصدّيق، ولا أول الليل، ولا كل ليلة، ولا هذا العدد»(3).
______________________________
(1) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 3، ص: 40.
(2) شهاب الدين القسطلاني، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، ج: 4، ص: 655.
(3) شهاب الدين القسطلاني، إرشاد الساري، ج: 4، ص: 656.
[ 303 ]
وجاءَ في (الفقه الاسلامي وأدلته) للدكتور الزحيلي عن (ابن عباس) أنَّه قال متحدثاً عن صلاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في شهر رمضان وفي غيره من الشهور:
«كان يصلي في شهر رمضان، في غير جماعة، عشرين ركعة والوتر»(1).
فقيد (في غير جماعة) في هذا الحديث مؤشر على انَّ النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يشرع صلاة (التراويح) ولم يأتِ بها.
وتتحدث (عائشة) عن صلاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في شهر رمضان، فلا نرى في حديثها أية اشارة الى (التراويح) من قريب أو من بعيد، ولو كان النبي الأكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم قد صلّى هذهِ النافلة، في المسجد أو في أي مكانٍ آخر لما كان يخفى علينا خبر هذهِ الصلاة، ولجاء نقله في كتب الحديث في غاية الوضوح، ولكن لأنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يشرع هذهِ الصلاة جاءَ العكس على ذلك، فقد روى البخاري في صحيحه قائلاً:
«حدثنا اسماعيل قال حدّثني مالك عن سعيد المغبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن انَّه (سأل عائشة رضي اللّه عنها: كيف كانت صلاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في رمضان؟ فقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلّي أربعاً فلا تسأل عن حسنهنَّ وطولهنَّ، ثمَّ يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهنَّ وطولهنَّ، ثم يصلي ثلاثاً.
فقلت: يا رسول اللّه أتنامُ قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة انَّ عيني تنامان، ولا ينام قلبي»(2).
فأين هو موضع صلاة (التراويح) من كلِّ ذلك، وأين الاصل المدّعى لها في الدين.
قال تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلِسنَتُكُمُ الكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ
______________________________
(1) د. وهبة الزحيلي، الفقه الاسلامي وأدلته، ج: 2، ص: 44، وانظر: نيل الأوطار، ج: 3، ص: 53.
(2) البخاري، صحيح البخاري، ج: 2، ص: 252 - 253، وانظر: كنز العمال، ج: 7، ح: 17989، ص: 67.
[ 304 ]
لِتَفتَروا عَلى اللّهِ الكَذِبَ إِن الَّذينَ يَفتَرُونَ عَلى اللّهِ الكَذِبَ لا يُفلِحُونَ)(1).
قال أبو عبد اللّه الصادق عليه السلام:
«صوم شهر رمضان فريضة، والقيام في جماعة في ليلته بدعة، وما صلاها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في لياليه بجماعة، ولو كانَ خيراً ما تركه، وقد صلّى في بعض ليالي شهر رمضان وحده، فقام قوم خلفه، فلَّما أحسَّ بهم، دخل بيته، فعل ذلكَ ثلاثَ ليالٍ، فلما أصبحَ بعد ثلاث، صعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال:
أيُّها الناس لا تصلّوا النافلة ليلاً في شهر رمضان، ولا في غيره في جماعة فانّها بدعة، ولا تصلوا ضحىً فانّها بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة سبيلها الى النار، ثم نزل وهو يقول: قليل في سنة خير من كثير في بدعة»(2).
وقال الامام موسى الكاظم عليه السلام:
«قيام شهر رمضان بدعة، وصيامه مفروض، قال الراوي، فقلت: كيف اُصلّي في شهر رمضان؟ فقال: عشر ركعات والوتر والركعتان قبل الفجر، كذلك كان يصلي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ولو كان خيراً لم يتركه»(3).
ج - (التراويح): أمر مبتدع في وجهة نظر الكثير من علماء العامة
ورد في كثير من أقوال علماء العامة أنَّ عمر هو أول مَن شرع صلاة التراويح، وجمع الناس عليها، وهذا يعني انَّها لم تكن موجودة في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وانَّما هي (بدعة) محدثة، وسوف ننقل للقارئ الكريم طائفة من هذهِ الأقوال:
______________________________
(1) النحل: 116.
(2) أبو جعفر الطوسي، تهذيب الاحكام، ج: 3، ص: 69، ح: 226. وانظر: وسائل الشيعة للحر العاملي، ج: 5، ص: 192، ح: 1، وبحار الانوار للمجلسي، ج: 94، ص: 381، ح: 4.
(3) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 93، ص: 384، ح: 3.
[ 305 ]
«قال العلامة أبو الوليد محمد بن الشحنة حيث ذكر وفاة عمر في حوادث سنة (23) من تاريخه - روضة المناظر:
هو أول مَن نهى عن بيع اُمهات الأولاد، وجَمَع الناس على أربع تكبيرات في صلاة الجنائز، وأول مَن جَمَع الناس على إمامٍ يصلّي بهم التراويح.. الخ.
ولما ذكر السيوطي في كتابه - تاريخ الخلفاء - أوليات عمر نقلاً عن العسكري قال:
هو أول مَن سمي أمير المؤمنين، وأول مَن سنَّ قيام شهر رمضان - بالتراويح - وأول مَن حَّرمَ المتعة، وأول مَن جَمَع الناسَ في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات... الخ.
وقال محمد بن سعد - حيث ترجم عمر في الجزء الثالث من الطبقات:
وهو أول مَن سنَّ قيام شهر رمضان - بالتراويح - وجمعَ الناس على ذلك، وكتب به إلى البلدان، وذلكَ في شهر رمضان سنة أربع عشرة، وجعل للناس بالمدينة قارئَين، قارئاً يصلي التراويح بالرجال، وقارئاً يصلي بالنساء.. الخ.
وقال ابن عبد البر في ترجمة عمر من الاستيعاب:
وهو الذي نوَّرَ شَهر الصوم بصلاة الاشفاع فيه»(1).
(فَماذا بَعدَ الحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنّى تُصرَفُونَ)(2).
د - أمير المؤمنين عليه السلام ينهي عن صلاة (التراويح)
من المتفق عليه أنَّ أمير المؤمنين علياً عليه السلام هو أعلم الصحابة وأفقههم وأقضاهم بنص من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم على ذلك، وقد روى علماء العامة في كتبهم بهذا الصدد الكثير من الأحاديث التي تدل على هذا المعنى.
فمن ذلك أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال:
______________________________
(1) عبد الحسين شرف الدين، النص والاجتهاد، ص: 213 - 214.
(2) يونس: 32.
[ 306 ]
«أعلم اُمتي بالسنة والقضاء بعدي عليُّ بن أبي طالب»(1).
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«أعلم اُمتي من بعدي علي بن أبي طالب»(2).
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام:
«أنتَ بَيِّن لاُمتي ما اختلفوا فيه بعدي»(3).
وعن أنس قال:
«قيل يا رسول اللّه، عمَّن نأخذ العلمَ بعدَكَ؟ فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم عن علي»(4).
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«علي وعاء علمي، ووصيي، وبابي الذي اُوتى منه»(5).
وكان جميع الصحابة يقرّون لعلي عليه السلام بالأعلمية، ويرجعون إليه عندما تشكل عليهم اُمور الدين، ويقبلون حكمه من دون توقف لمعرفتهم بانَّه باب مدينة علم
______________________________
(1) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والنسة، ج: 2، ص: 141، عن الاستيعاب، ج: 2، ص 29، والرياض النضرة: ج: 2، ص: 194، وتفسير النيسابوري في سورة الاحقاف، ومناقب الخوارزمي، ص: 48، وتذكرة الخواص، ص: 87، ومطالب السؤول، ص: 12، وفيض القدير، ج: 4، ص: 257، وأخرجه أحمد، والعقيلي، وابن السمّان.
(2) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: 2، ص: 140، عن الخوارزمي في المناقب، ص: 49، ومقتل الحسين، ج: 1، ص: 42، والمتقي في كنز العمال، ج: 6، ص: 152.
(3) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: 2، ص: 142، عن الحاكم في المستدرك، ج: 2، ص: 122، والذهبي في ميزان الاعتدال، ج: 1، ص: 472، والقندوزي في ينابيع المودة، ص: 203، وانظر لمزيد من الاطلاع على مصادر الحديث إحقاق الحق، ج: 6، ص: 52 - 55، وج: 16، ص: 435 و 436، وج: 20، ص: 318 و316.
(4) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: 2، ص: 143، عن العلامة قطب الدين شاه في قرة العينين، ص: 234.
(5) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: 2، ص: 140، عن كفاية الطالب، ص: 70 و 92، وشمس الاخبار، ص: 29.
[ 307 ]
النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، ووارث حكمته، وقد قال فيه أبو الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:
ما كنتُ أحسبُ انَّ الامر منصرف***عن هاشم ثمَّ منها عن أبي حَسَنِ
أليسَ أول مَن صلّى لقبلتكم***وأعلم الناس بالقرآنِ والسننِ
وقد ثبت تأريخياً انَّ أمير المؤمنين عليه السلام قد نهى عن صلاة (التراويح)، وزجر الناس عندما ررآهم يؤدّونها، فقد روي أنَّه:
«لمّا اجتمع الناس على أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة سألوه أن ينصب لهم إماماً يصلّي بهم نافلة شهر رمضان، فزجرهم، وعرَّفهم انَّ ذلك خلاف السنة، فتركوه، واجتمعوا، وقدَّموا بعضهم، فبعث اليهم الحسن عليه السلام، فدخل عليهم المسجد ومعه الدرّة، فلما رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا: واعمراه«(1).
ولنقرأ معاناة أمير المؤمنين عليه السلام، ومشاعره التي تجيش بالألم واللوعة، من خلال ما ورد عنه بهذا الشأن:
«قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم متعمدين لخلافه، ولو حملتُ الناس على تركها لتفرَّقوا عنّي...
واللّه لقد أمرتُ الناسَ أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة، وأعلمتهم انَّ اجتماعهم في النوافل (بدعة)، فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الاسلام غُيِّرت سنة عمر! ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعاً، ولقد خفتُ أن يثوروا ناحية جانب عسكري، ما لقيتُ من هذهِ الامة من الفرقة، وطاعة أئمة الضلال، والدعاة إلى النار؟..»(2).
فأمير المؤمنين عليه السلام ينص هنا على كون الجماعة في نافلة شهر رمضان (بدعة)،
______________________________
(1) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج: 12، ص: 283، وانظر: التهذيب للشيخ الطوسي، ج: 3، ص: 70، ح: 227، ووسائل الشيعة للحر العاملي، ج: 5، ص: 192، ح: 2.
(2) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: 5، ص: 193، ح: 4، وانظر: بحار الانوار للعلامة المجلسي، ج: 93، ص: 384، ح: 1.
[ 308 ]
وانَّ الجماعة لا تشرع إلا في الفريضة، ونصَّ في صدر هذا الحديث أيضاً على انَّ هذهِ الاُمور قد أصبحت بمثابة السنة الثابتة في نظر عوام الناس على الرغم من أنها لم تشرّع من قبل صاحب الرسالة صلى اللّه عليه وآله وسلم، وانه عليه السلام كان يعاني من تمسك الناس بهذهِ البدع، وتركهم لسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ولكنه عليه السلام يؤثر السكوت، ويفضّل الغض عن ذلك، خوفاً من وقوع الفتنة بين المسلمين، وحفظاً لمصلحة الاسلام العليا.