استثناء ما ورد فيه دليل خاص

إذا ورد دليل شرعي خاص بشأن أمرٍ معيَّن، ولم يكن ذلك الأمر موجوداً في حياة النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، أو في طيلة عصر التشريع، فانَّ هذا الأمر يأخذ العنوان الشرعي، الذي ذكره الدليل الخاص بشأنه، ولا يدخل أخذه لهذا العنوان الشرعي ضمن دائرة (الابتداع)، إذ ليس المدار في الأمر المبتدع هو وجوده أو عدم وجوده في عصر التشريع، وانَّما المدار هو انَّه هل ينطبق عليه دليل خاص أو عام، أم لا ينطبق عليه ذلك.

ولنوضح هذهِ الفكرة من خلال بعض النماذج.

أ - وردت أدلة شرعية توجب صلاة الآيات عند حدوث (الزلزلة)، فلو افترضنا انَّ زلزلةً لم تقع في عصر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، أو طيلة زمان عصر التشريع، ثم وقعت في زمانٍ متأخر عن ذلك، فانَّ القول بوجوب صلاة (الزلزلة) حينئذٍ ليس ( بدعة)، باعتبار انَّ هذا الأمر حادث، ولم يقع في زمان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، بل هو من صميم السنة الشريفة، لأنَه وجب عن طريق الدليل الشرعي الخاص، غاية الأمر أن مورده لم يكن متحققاً في صدر التشريع.

ورد عن عبد اللّه بن الحارث:

«انَّ الأرض زلزلت بالبصرة، فقام ابن عباس فصلّى بهم، فركع ثلاث ركعات،

[ 230 ]

ثم سجد سجدتين، ثم قامَ فركع ثلاث ركعات، ثم سجد سجدتين»(1).

وفي رواية اُخرى عن عبد اللّه بن الحارث أيضاً قال:

«صلّى بنا ابن عباس بالبصرة في زلزلة كانت، صلّى ست ركعات في ركعتين، فلما انصرف قال: هكذا صلاة الآيات»(2).

فهل يمكن أن يدّعي أحد أن القول بوجوب صلاة الآيات (بدعة) باعتبار انَّها لم تُصلَّ في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم؟ وهل يمكن أن يُنظر اليها من زاوية كونها أمراً حادثاً مَعَ قصر النظر عن الدليل الخاص؟

إنَّ الذي نريد قوله هو انَّ مثل هذا الامر لا يقبل الاتصاف بالابتداع بشكل مطلق.

ب - وردت نصوص شرعيّة تحرِّم على الرجل أن يتزيّى بزي النساء، وتحرِّم على المرأة أن تتزيّى بزي الرجال.

فعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انه قال:

«لعن اللّه الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل»(3).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«ليس منّا مَن تشبَّه بالرجال من النساء، ولا مَن تشبَّه بالنساء من الرجال»(4).

فتشبه الرجال بالنساء، وتشبه النساء بالرجال، أخذ عنوانه الشرعي من خلال النص الخاص، وإن كان أمراً حادثاً بعد عصر التشريع، فلا معنى لدرجه ضمن مفهوم (البدعة)، والادّعاء بأنَّ القول بتحريم هذا الأمر من البدع باعتبار انَّه لم يكن موجوداً فيما سبق، وانّما ينبغي درج القول بتحريمه في صميم الاُمور الشرعية.

______________________________

(1) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 8، 23555، ص: 441.

(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 8، ح: 23556، ص: 441.

(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 15، ح: 41235، ص: 323.

(4) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 8، ح: 41237، ص: 324.

[ 231 ]

ج - هناك أحاديث كثيرة تنص على النهي عن زخرفة المساجد، فلو افترضنا انَّه لم يكن في عصر التشريع مسجد مزخرف، ثم سادت هذهِ الظاهرة في العصور اللاحقة، فان هذا لا يجعل القول بكراهة هذا الأمر من موارد الابتداع، باعتبار كونه أمراً حادثاً لم يكن له وجود في عصر التشريع، وانَّما ينبغي إدخاله في الدين، باعتبار ارتباطه فيه من خلال النص الخاص.

والخلاصة أنَّ النص الخاص يبعد الأمر الحادث عن مفهوم الابتداع، ويخرجه عن موضوعه من الأساس، ويبقى الأمر الحادث مَعَ عنوانه الشرعي الذي اكتسبه من خلال ذلك النص الخاص.

استثناء ما ورد فيه دليل عام

هناك اُمور عامة تناولتها تعاليم الشريعة الاسلامية، وتركت تشخيص مواردها وموضوعاتها موكولاً الى المكلف نفسه، شريطة أن يضمن اتصاف عمله التفصيلي بعنوان ذلك العام المقطوع الورود.

وهذهِ النقطة في التشريع هي سرّ عمومية الرسالة، وشموليتها، وانطباقها على مختلف موارد الحياة، ومستجدات الوجود، والا لو كانت موارد الاحكام الشرعية منحصرة في فترة زمنية محددة، أو ظرف حياتي خاص، لما بقي للشريعة الاسلامية أيّ أثر، ولما امتدَّ وجودها الى آخر لحظات وجود الانسان على وجه هذهِ الأرض.

وقد جاءت دلالات الكثير من الاحكام الشرعية الاسلامية عامة وكلية، يُترك الأمر لنفس المكلف في تطبيقها على مواردها، من خلال نصوص عديدة نستعرض ادناه قسماً منها.

[ 232 ]

قال اللّه تعالى: (فَمَنِ اضطُرَّ غَيرَ باغٍ وَلا عادٍ فلا إِثمَ عَليهِ)(1).

وقال تعالى: (وَلا تَأكُلُوا أَموالَكُم بَينَكُم بالباطل)(2).

وقال تعالى: (وَلَن يَجعلَ اللّهُ لِلكافِرينَ عَلى المُؤمِنينَ سَبِيلاً)(3).

وقال تعالى: (وَتعاوَنُوا عَلى البِرّ والتَّقوى وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإِثمِ وَالعُدوانِ)(4).

وقال تعالى: (وَالمُؤمُنونَ والمُؤمِناتُ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ)(5).

وقال تعالى: (مَا عَلى المُحسِنينَ مِن سَبِيلٍ)(6).

وقال تعالى: (وَما جَعَلَ عَلَيكُم في الدّينِ مِن حَرَجٍ)(7).

وقال تعالى: (إِن جاءَكُم فاسِق بِنبإٍ فَتبيَّنوا)(8).

وقال تعالى: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُم عَنهُ فانتَهُوا)(9).

فمن الواضح أنَّ هذهِ الآيات القرآنية تمتلك دلالات كلية عامة قابلة للانطباق على مختلف الازمنة والعصور، شريطة أن تتحقق موضوعات الأحكام المذكورة فيها على نحو الدقة، وتُحرز على نحو اليقين.

كما انَّ هناك مجاميع اُخرى من الآيات القرآنية الكريمة تمتلك شبيه هذهِ الدلالات، لم ندرجها هنا مراعاةً للاختصار.

وورد نظير ذلكَ في الأحاديث الشريفة أيضاً، فقد ذُكرت قواعد كلية لمختلف

______________________________

(1) البقرة: 173.

(2) البقرة: 188.

(3) النساء: 141.

(4) المائدة: 2.

(5) التوبة: 71.

(6) التوبة: 91.

(7) الحج: 78.

(8) الحجرات: 6.

(9) الحشر: 7.

[ 233 ]

القضايا التي تكتظّ بها حياة الانسان، ويحفل بها سلوكه الفردي والعام.

فمن هذهِ الاحاديث ما ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انَّه قال:

«رُفع عن اُمتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما اُكرهوا عليه، وما لا يطيقون، وما لا يعلمون، وما اضطرّوا اليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة»(1).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«انَّ الناسَ مسلَّطون على أموالهم»(2).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«لا ضررَ ولا ضرارَ على مؤمن»(3).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«المسلمون عند شروطهم»(4).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«المغرور يرجع الى مَن غرَّه»(5).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«الاسلام يعلو ولا يُعلى عليه، والكفّار بمنزلة الموتى، لا يحجبون، ولا يورثون»(6).

وعن أمير المؤمنين عليه السلام:

«مَن كان على يقين، فأصابه شك، فليمضِ على يقينه، فانَّ اليقين لا يُدفَع

______________________________

(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، تحقيق: هاشم الطهراني، ص: 353.

(2) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: 2، باب: 33، ح: 7، ص: 272.

(3) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: 7، باب: عدم جواز الاضرار بالمسلم، ح: 4، ص 341.

(4) أبو جعفر الصدوق، مَن لا يحضره الفقيه ج3، ح: 3765، ص: 202.

(5) حسن البجنوردي، القواعد الفقهية، ج: 1 ص: 47.

(6) حسن البجنوردي، القواعد الفقهية، ج: 1 ص: 159.

[ 234 ]

بالشك»(1).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«ليسَ على المؤتمن ضمان»(2).

وعن موسى بن بكر قال:

«قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام: الرجل يُغمى عليه اليوم أو يومين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك، كم يقضي من صلاته؟، فقال عليه السلام: ألا اُخبركم بما ينتظم هذا وأشباهه، فقال عليه السلام: كل ما غلب اللّهُ عليه من أمرٍ، فاللّه أعذر لعبده.

وزاد فيه غيره انه عليه السلام قال: وهذا من الأبواب التي يفتح كلّ باب منها ألف باب»(3).

وعنه عليه السلام:

«لا سهو على مَن أقرَّ على نفسه بالسهو»(4).

وعنه عليه السلام:

«انّما علينا أن نلقي اليكم الاصول، وعليكم أن تفرِّعوا»(5).

وعن محمد بن حكيم قال: سألت أبا الحسن عليه السلام: «عن القرعة في أيِّ شيء؟ فقال لي: كل مجهولٍ ففيه القرعة»(6).

وقد دلَّت الشواهد التاريخية على انَّ المسلمين كانوا يمارسون عملية تطبيق مثل هذهِ الاحكام الكلية العامة على الموارد المختلفة، فيأتي التأييد من قبل الشارع المقدس على نحو الاقرار، أو التشجيع، أو الاستحسان، أو الى غير ذلك من الحالات، التي توحي

______________________________

(1) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: 2، باب: 33، ح: 2، ص: 272.

(2) حسن البجنوردي، القواعد الفقهية، ج: 2 ص: 5.

(3) أبو جعفر الصدوق، بصائر الدرجات، ص: 307.

(4) محمد بن النعمان المفيد، الارشاد، ج: 1، ص: 302.

(5) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 29، ح: 54، ص: 245، كتاب السرائر.

(6) حسن البجنوردي، القواعد الفقهية، ج: 1، ص: 47.

[ 235 ]

بانَّ مثل هذهِ الممارسات نابعة من صميم الدين الاسلامي الذي يواكب الحياة على مرّ الازمنة والعصور.

فاذا حدث في حياة المسلمين أمر معيَّن لم يكن له وجود في عصر التشريع الاسلامي، فان وجدَ هذا الأمرُ الحادث له عنواناً كلياً عاماً يندرج تحته من أحكام الشريعة العامة، فانَّه يخرج بذلك عن دائرة (الابتداع)، ويكتسب شرعيته من خلال ذلك النص الكلي العام حتى لو لم يرد فيه نص خاص، يذكره على نحو الاستقلال والانفراد.

ومن النماذج التأريخية التي أقرَّت الشريعة الاسلامية فيها هذا النمط من السلوك التطبيقي ما ورد في (الطبراني) بسنده:

«انَّ النبي عليه الصلاة والسلام مرَّ على أعرابي وهو يدعو في صلاته ويقول: (يا مَن لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيِّره الحوادث، ولا يخشى الدوائر، يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وعدد ما أظلم عليه الليل، وأشرقَ عليه النهار. لا تواري سماء منه سماء، ولا أرض أرضاً، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره، اجعل خيرَ عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوماً ألقاكَ فيه).

فوكل رسول اللّه بالأعرابي رجلاً، وقال: إذا صلّى فأتني به، وكان قد اُهدي بعض الذهب الى رسول اللّه، فلما جاءَ الأعرابي، وهبَ له الذهب، وقال له: تدري لم وهبتُ لك؟!

قال الأعرابي: للرحم التي بيني وبينَك!

قال الرسول الكريم: إنَّ للرحم حقاً، ولكنّي وهبتُ لكَ الذهب لحُسن ثنائكَ على اللّه»(1).

______________________________

(1) محمد الغزالي، تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل، ص: 102.

[ 236 ]

فنرى هنا انَّ هذا الاعرابي قد دعا بدعاءٍ رفيع، أخذ مضامينه السليمة والعالية من تعاليم الرسالة الاسلامية وأحكامها العامة، وان لم تكن الفاظه وتراكيبه اللغوية مما وردت على نحو الخصوص في لسان الشرع.

ونظير هذا الحادث ما روي عن أنس انَّه قال:

«اُقيمت الصلاة فجاء رجل يسعى، فانتهى وقد خفره النفس أو انبهر، فلما انتهى الى الصف قال: الحمدُ للّهِ كثيراً طيِّباً مباركاً فيه.

فلما قضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم صلاته قال: أيكم المتكلم؟، فسكت القوم، فقال: أيكم المتكلِّم، فانَّه قال خيراً، أو لم يقل بأساً.

قال: يا رسول اللّه أنا، أسرعت المشي، فانتهيتُ الى الصف، فقلت الذي قلت، قال: لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يرفعها، ثم قال: إذا جاءَ أحدكم الى الصلاة، فليمشِ على هينته، فليصلِّ ما أدرك، وليقضِ ما سبقه»(1).

فهذا الحديث أيضاً على فرض صحته يدل على ما تمت الاشارة اليه من جواز ابتكار أذكار معيَّنة ودعوات خاصة، لم تكن موجودة بتراكيبها اللفظية الخاصة في عصر التشريع، ما دامت منسجمة مَعَ مضامين التعاليم الشرعية العامة، وغير مخالفة لها.

فكلّ أمر حادث ورد بشأنه الدليل العام - إذن - لا يعدّ من مصايق (الابتداع)، وانما هو منبثق من صميم السنة والتشريع. ومن هنا ندرك سذاجة التفكير الذي كان يحصر الامور الشرعية في خصوص ما ورد بشأنه الدليل الخاص فقط، ويُعدّ الزائد على ذلك من (البدع) الدخيلة على الدين، فقد مرَّ معنا انَّ سعداً حينما سمع رجلاً يقول: (لبيكَ ذا المعارج)، علَّق على عبارته هذهِ بالقول: «ما كنّا نقول هذا على عهدِ رسول اللّه»(2)!

وكذلك ما روي عن (الشاذلي) انَّه كان يقول: «مَن دعا بغير ما دعا به رسول اللّه

______________________________

(1) أحمد بن حنبل، مسند الامام أحمد بن حنبل، ج: 3، ح: 11623، ص: 106.

(2) ابن الجوزي، تلبيس ابليس، ص: 25.

[ 237 ]

فهو مبتدع»(1).

وقد اشترك مَعَ هذا النمط الخاطئ من التفكير مجموعة اُخرى من علماء العامة، واتهموا من خلال ذلك أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام بشتّى ألوان التهم والافتراءات، وأطلقوا على أغلب العبادات الشرعية التي يمارسها الموحدون بقصد التقرب الى اللّه تعالى، ومن باب انسجامها مَعَ مضامين الشريعة العامة، والأمر بها من خلال الادلة الكلية.. أطلقوا على هذهِ العبادات لفظ (البدعة) بعفوية واسترسال، ومن دون أن يكلِّفوا أنفسهم النظر في خلفيات هذه الممارسات ودوافعها الشرعية، والتثبّت عند اطلاق لفظ (البدعة) على مثل هذهِ الامور المنتسبة الى الدين عن طريق الادلة القطعية العامة إذا لم يكن وارداً بشأنها الدليل الخاص، كما هو الغالب في هذهِ الممارسات.

ولكي نستوعب هذا القيد بصورة أفضل نحاول أن نذكر بعض النماذج والأمثلة التوضيحية لبعض الامور الحادثة، التي لم يرد فيها دليل خاص، إلا انَّها ترتبط بالدين عن طريق الدليل الشرعي العام:

أ - الاهتمام بالقرآن الكريم

إنَّ الشريعة الاسلامية قد ندبت المسلمين الى الاهتمام بالقرآن الكريم، وحفظه، وتعاهد أمره، وصيانته، والاعتزاز به، وكانَ من موارد حفظه آنذاك أن يتدارسه المسلمون، ويتعاطوه باستمرار، ثم حَدَثَ أن شرعَ المسلمون بأمر تدوينه، وكتابته.. ثم تطوَّر الأمر في الأزمنة اللاحقة الى طباعته وتكثيره، بالأساليب الحديثة والاجهزة المتطورة، وإخراجه بالحروف الفنية الرائقة، وقد خُصصت لأجل حفظ القرآن وتلاوته في الآونة الأخيرة مؤتمرات دورية عامة، ومحافل متنوعة، ومسابقات إقليمية وعالمية

______________________________

(1) البروسوي، تفسير روح البيان، ج: 9، ص: 385.

[ 238 ]

متتابعة، واتُّفق على قواعد عامة للتحكيم، وضوابط مشخصة للمفاضلة بين القرّاء، وخُصصت هدايا لتكريم الفائزين في الحفظ والتلاوة.. وما الى ذلك من الاُمور التي تعكس الاهتمام الجدّي والمشروع بالقرآن الكريم.

فكل هذهِ الاهتمامات تعبِّر عن مصاديق بارزة وجلية لتلكَ الاحكام العامة التي دعت الى الاهتمام بالقرآن الكريم، والاعتزاز به، كمعجزة خالدة للاسلام العظيم، ولا تمت مثل هذه الاُمور الى (الابتداع) المصطلح بأَيّةٍ نسبةٍ تُذكر.

ب - صيام يوم الخامس عشر من شعبان وقيام ليلته

حثت الشريعة الاسلامية أتباعها على الاهتمام بالصيام، وندبت اليه طيلة أيام السنة، واستثنت من ذلك يومي العيدين (الفطر) و(الاضحى)، وعدَّت صيامها محرَّماً.. وأمّا ما عدا ذلك فبابه مفتوح لمن يحب الاستزادة من فعل الخير والعمل الصالح.

وكذلك ندبت الشريعة الاسلامية الى الاهتمام بقيام الليل وإحيائه، بالذكر، والعبادة، والتهجد، والدعاء، يقول اللّه تعالى:

(وَمَا تَفَعَلُوا مِن خَيرٍ يَعلَمهُ اللّهُ وَتَزوَّدُوا فَإنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوَى..)(1).

ويتأكد هذان الأمران في الأيام والليالي الفاصلة في تاريخ الاسلام، كليلة القدر، ويوم المبعث النبوي الشريف، وليلة الخامس عشر من شعبان، ويومه.

وعلى الرغم من وضوح هذا الأمر، وجلاء اتصاله بالشرع المبين، إلا انَّ بعض علماء العامة لم يرضَ لنفسه إلا أن يدرج بعض مفردات هذا الأمر العبادي، ضمن دائرة (الابتداع) وخصوصاً تلك المظاهر التي يمارسها أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فيقول (الفوزان) فيما يعد من النماذج المعاصرة للبدع على حدِّ زعمه:

______________________________

(1) البقرة: 197.

[ 239 ]

«ومن ذلكَ تخصيص ليلة النصف من شعبان بقيام، ويوم النصف من شعبان بصيام، فانَّه لم يثبت عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في ذلكَ شيء خاص به»(1).

ويقول في موضعٍ آخر تحت عنوان (أنواع البدع):

« ما يكون بتخصيص وقتٍ للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع، كتخصيص يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام، فانَّ أصل الصيام والقيام مشروع، ولكنَّ تخصيصه بوقتٍ من الأوقات يحتاج الى دليل»(2).

وقد سبق (الفوزان) الى ذلك بعض علماء العامة أيضاً، فقد نقل (ابن وضّاح) عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم انَّه قال:

«لم اُدرك أحداً من مشيختنا وفقهائنا يلتفتون الى ليلة النصف من شعبان..»(3).

وذكر أيضاً عن ابن أبي مليكة انه قيل له:

«انَّ زياداً النميري يقول انَّ ليلة النصف من شعبان أجرها كأجر ليلة القدر، فقال ابن أبي مليكة: لو سمعته منه، وبيدي عصا، لضربته بها، وكانَ زياد قاضياً»(4).

ولا يخفى على القارئ الكريم انَّ طبيعة النهج الاستدلالي الذي تم بموجبه اطلاق (البدعة) على صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته، قد بُني في الكلمات المتقدمة على اُسس خاطئة وغير مقبولة، فنرى انَّ (الفوزان) يدَّعي عدم وجود النص الخاص بشأن صيام هذا اليوم وقيام ليلته فهو يقول:

«ولم يثبت عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في ذلكَ شيء خاص به»(1).

ويقول: «ولكنَّ تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج الى دليل».

وفي نفس الوقت يُقر بانَّ هذا العمل مندرج تحت العموميات الشرعية الثابتة التي

______________________________

(1) صالح الفوزان، البدعة، ص: 32، وانظر التوحيد له، طبعة عام 1992 م، ص: 107.

(2) صالح الفوزان، التوحيد، ص: 93.

(3) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: 46.

(4) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: 46.

[ 240 ]

حثت المسلمين على الصيام والقيام، فيقول: «فانَّ أصل الصيام والقيام مشروع».

ونحن على الرغم من أننا سننقل ورود النص الخاص بهذا الشأن والمروي من قبل الفريقين، ومن الكتب الحديثية المعتبرة عند أبناء العامة على نحو الخصوص إلا اننا نعود فنقول بأنَّه يكفي لتصحيح العمل ورود النصوص العامة بشأنه، وبامكان هذهِ النصوص أن تحرِّك المكلف نحو الاتيان بهذا العمل، وتحثه عليه، ويقع في النتيجة العمل مقبولاً ومرضياً، ويترتب الثواب الموعود عليه.

كما انَّ بامكان المكلف نسبة هذا العمل الى الدين من خلال هذهِ النصوص الكلية الثابتة كما أوضحناه سابقاً، وأما تخصيصه بالعبادة والاتيان به بهذا العنوان الخاص، وانَّه مطلوب من قبل الشريعة بعنوانه المشخَّص، فهو ما وردت بشأنه الأدلة الوافية من قبل الفريقين، والتي سوف نتعرض لها بعد قليل إن شاء اللّه تعالى.

فقصر النظر على ورود النص الخاص - إذن - ليس صحيحاً على اطلاقه، إذ يمكن أن يؤتى بالعمل من زاوية كونه أمراً عبادياً مندرجاً تحت العموميات المتفق على ثبوتها على حدّ قول الجميع، وتصحيح أعمال المسلمين وعقائدهم انطلاقاً من هذا الأساس، إن كان هناك دوافع خيّرة في النفوس نحو جمع شتات المسلمين، ووحدة كلمتهم، وان انطوت النوايا على تطلعات مخلصة لصالح رسالة

الاسلام واعلاء كلمته في الأرض.

على اننا نمتلك علاوة على ذلك النص الشرعي الخاص الذي يقطع النزاع، ولا يدع للمنتحلينَ مسلكاً آخر يركبوه.

فسوف يأتي بعد قليل أن أصل هذا الأمر (وهو صيام اليوم الخامس عشر من شعبان، وقيام ليلته) مشمول بأدلة صريحة عامة مقطوعة الصدور، كما انَّ تخصيصه كذلك مما وردت فيه الأدلة الصريحة من قبل الفريقين. وأمّا ما نقله (ابن وضّاح) عن محمد بن زيد بن أسلم من انَّه لم يدرك أحداً من مشايخه يلتفت الى ليلة النصف من شعبان، فهو مما لا نلتفت نحن اليه، ولا نعدّ له أية قيمة في الاستدلال، ولا نرى له اعتباراً

[ 241 ]

في مقام الطرح العلمي مطلقاً.

وقال (أبو اسحق الشاطبي)، فيما يذكر من البدع.

«ومنها التزام العبادات المعيَّنة في أوقات معيَّنة، لم يوجد لها ذلكَ التعيين في الشريعة، كالتزام صيام يوم النصف من شعبان، وقيام ليلته»(1).

وقد حاول أن يؤطّر القول بتحريم قيام ليلة النصف من شعبان، وصوم يومه، وعدِّه من (البدع)، عن طريق عناوين جانبية اُخرى، إلتفافاً على أصل المطلب، وتمويهاً لحقيقة الأمر فيه بعد أن اتضحت حقيقة ارتباطه بالدين بشكل واضح وصريح، فيقول (الشاطبي) بهذا الشأن:

«فنحن نعلم انَّ ساهر ليلة النصف من شعبان لتلكَ الصلاة المحدثة لا يأتيه الصبح إلا وهو نائم، أو في غاية الكسل، فيُخل بصلاة الصبح، وكذلك سائر المحدثات»(2).

ومن الواضح أنَّ الاخلال بصلاة الصبح أمر مستقل، لا علاقة له بأصل إحياء ليلة النصف من شعبان، واستحباب هذا الأمر.

وإذا ما حصل في مورد من موارد الاحياء حصول بعض حالات الاخلال بالواجبات بشكل نادر وغير مطّرد، باعتبار انَّ الذي يندفع لممارسة هذهِ الاعمال العبادية المستحبة، ويحيي الليل بالتهجد، والذكر، والعبادة، والدعاء غالباً ما يندفع الى التمسك بالامور الواجبة، فانَّ حصول مثل هذهِ الموارد لا يستلزم القول بعدم استحباب الاحياء، ولا نظن انَّ هذا الأمر يحتاج منا الى فريد من البيان، ألا ترى انَّ الانسان قد يتهجد بالليل، ويسهر بالعبادة والدعاء، فتفوته في بعض الاحيان صلاة الصبح، أفهل يقول أحد هنا بأنَّ صلاة الليل (بدعة) لأنَّها اضرَّت بالصلاة الواجبة، وأدت الى

______________________________

(1) أبو اسحق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 39.

(2) أبو اسحق الشاطبي، الاعتصام، ج: 2، ص: 4 - 5.

[ 242 ]

فواتها، أو انَّ النهي يتوجه الى خصوص هذهِ المفردة من العبادة التي فوَّتت على الانسان ذلك الفرض الواجب. كما هو معلوم في الشرع من النهي عن النوافل إذا أدت ممارستها الى ترك شيء من الواجبات؟؟

وماذا يقول (الشاطبي) بشأن التهجد في لية القدر، وإحيائها بالعبادة والدعاء إذا حصلت في بعض مواردها مثل هذهِ الحالات النادرة الوقوع، بل حتى لو حصلت فيها حالات كثيرة من هذا القبيل، فهل يصفها بالابتداع، ويطلق القول بذلك كما صنع هنا؟؟

وما هو دخل أصل تشريع صلاة الليل أو إحيائه بما لو أدّى ذلك الى فوات الفريضة، بعد أن قامت الادلة على النهي عن النوافل التي تخل بالواجبات، وما دام بالامكان التفكيك بين أصل مشروعية العبادة، وبين اتصافها بوصفٍ يخرجها عن طابع الندب أو الجواز، ولا يؤثر على أصل مشروعيتها ويمتد الى قلع جذورها من الدين، ويدرجها ضمن قائمة (الابتداع)؟؟

انَّ مما يؤسف له انَّ هذا النمط من التمويه قد مارسه الكثير من الباحثين الذين تعرَّضوا لتطبيقات (البدعة) على موارد إدّعائية تحكماً، وأضفوا عليها عناوين جانبية، لا تمس أصل تشريع العمل.. ولولا أن يطول بنا المقام لاستعرضنا ما يشير الى هذهِ الحقيقة من أقوال الكثيرين، على انَّه تكفينا هذهِ الاشارة التي سجّلناها على كلام (الشاطبي) المتقدم، ونستغني عن الخوض في هذا المطلب بما ستتم الاشارة اليه أيضاً بين طيّات الحديث.

وعلى أية حال فانَّ من الطريف أن نجد انَّ قيام ليلة النصف من شعبان، وصيام نهارها الذي رماها هؤلاء بالابتداع، من الموارد التي تندرج تحت كلٍّ من الدليل العام والدليل الخاص معاً، وتتصل بالشريعة المقدسة عن هذين الطريقين معاً، ومن خلال ذلك نرى أنَّ المسلمين الموحدين من اتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام قد واظبوا على الاتيان بهذا الأمر، واهتموا به اهتماماً بالغاً، لأنّه نابع من صميم الدين.

[ 243 ]

وسوف نتناول كلاً من الدليل الخاص والدليل العام على قيام ليلة النصف من شعبان، وصيام نهارها.

فأمّا بالنسبة الى قيام ليلة النصف من شعبان، فهو مشمول بالأدلة العامة التي حرَّضت المسلمين على إحياء الليل بالعبادة، واكتساب أكثر ما يمكن اكتسابه واستثماره من ساعات الليل في هذا المجال، كرصيد روحي وأخلاقي لتربية النفس وتهذيبها، والفوز بالنعيم الاخروي المقيم.

فمن ذلك قوله تعالى: (وَمِنَ اللّيلِ فَتَهجَّد بِهِ نافِلةً لَّكَ عَسَى أَن يَبعثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَّحموداً)(1).

وقوله تعالى: (إِنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وَعُيُونٍ* آخِذِينَ ما ءَاتاهُم رَبُّهُم إِنَّهُم كَانُوا قَبلَ ذلِكَ مُحسِنينَ* كَانُوا قَليلاً مِنَ اللَّيلِ ما يَهجَعُونَ* وَبِالأَسْحارِ هُم يَستَغَفِرُونَ)(2).

وقوله تعالى: (تَتَجافى جُنُوبُهُم عَنِ المَضاجِعِ يَدعُونَ رَبَّهُم خَوفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقناهُم يُنفِقونَ* فَلا تَعلَمُ نَفس ما أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعمَلون)(3).

وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انه قال:

«يُحشر الناس على صعيد واحدٍ يوم القيامة، فينادي منادٍ فيقول: أينَ الذين كانوا تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون وهم قليل، فيدخلونَ الجنةَ بغير حساب، ثمَّ يؤمر بسائر الناس الى الحساب»(4).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

______________________________

(1) الاسراء: 79.

(2) الذاريات: (15 - 18).

(3) السجدة: (16 - 17 ).

(4) المنذري، الترغيب والترهيب، تعليق: مصطفى محمد عمارة، ج: 1، ص: 425، ح: 9.

[ 244 ]

«عليكم بقيام الليل، فانَّه دأبُ الصالحين قبلكم، ومقربة لكم الى ربِّكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الاثم، ومطردة للداء عن الجسد»(1).

وعن علي عليه السلام أنَّه قال:

«قيام الليل مصحة للبدن، ورضاء الرب، وتمسك باخلاق النبيين، وتعرّض للرحمة»(2).

وقد ورد علاوة على هذهِ الأدلة العامة الدليل الخاص على الندب لاحياء هذهِ الليلة المباركة على نحو الخصوص بالدعاء، والعبادة، والاستغفار أيضاً، وذلكَ من خلال طائفة معتد بها من الأحاديث الواردة في المصادر المعتبرة لدى أبناء العامة، وهذا فضلاً - بطبيعة الحال - عن مصادرنا وطرقنا الخاصة.

فمن ذلك ما ورد عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنَّه قال:

«إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها، وصوموا نهارها، فانَّ اللّهَ ينزل(3) فيها لغروب الشمس الى سماء الدنيا فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فاُعافيه، ألا كذا، ألا كذا.. حتى يطلع الفجر»(4).

وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم انَّه قال:

______________________________

(1) المنذري، الترغيب والترهيب، ج: 1، ص: 426، ح: 10.

(2) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: 1، ص: 125، ح: 89.

(3) ليلتفت القارئ الكريم الى انّا نستشكل على ظاهر هذهِ الرواية بفرض صحة ثبوتها، وذلك لتضمنها ما لا يمكن قبوله، وهو نزول اللّه تعالى شأنه الى السماء الدنيا، الأمر الذي يقتضي نسبة المكان والتحيّز اليه، ووصفه بما لا يليق بشأنه من عوارض الأجسام، فتعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً، وانما أوردناها من باب إلزام الغير بما ألزم به نفسه، لكونها مروية في المصادر الموثوقة والمعتبرة لدى أبناء العامة، فمضمون هذهِ الرواية إذن غير مقبول على ظاهره، إلا إذا تأول عن هذا الظاهر، وحملت الراوية على ما يصح نسبته اليه تعالى، كما فعل (مصطفى محمد عمارة) عندما علّق عليها بالقول: «بمعنى أن تصب رحماته، وتغذق بركاته، وينزل نعيمه، ويعم خيره، وتفتح أبواب السماء، فيستجاب الدعاء، وينظر اللّه نظر رأفة واحسان طيلة النصف منه ويومه من غروب الشمس». (الترغيب والترهيب للمنذري، تعليق مصطفى محمد عمارة، ج: 2، ص: 119)

(4) - ابن ماجة، سنن ابن ماجة، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ج: 1، ح: 1388، ص: 444، والترغيب والترهيب للمنذري، ج: 2، ص: 119، ح: 14. والتاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول لمنصور علي ناصيف، ج: 2، ص: 93.

[ 245 ]

«إنَّ اللّهَ ليطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشركٍ، أو مشاحن»(1).

وروي عن عائشة انّها قالت:

«فقدتُ النبي صلي اللّه عليه وآله وسلم ذات ليلة، فخرجتُ أطلبه فاذا هو بالبقيع، رافع رأسه الى السماء، فقال: يا عائشة أكنتِ تخافينَ أن يحيف اللّه عليكِ ورسوله، قلتُ: ظننتُ أنكَ أتيت بعض نسائك، فقال: إنَّ اللّه تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان الى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب»(2).

وفي كنز العمّال عن علي عليه السلام انّه قال:

«رأيتُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ليلة النصف من شعبان قامَ فصلّى أربع عشرة ركعة، ثم جلس بعد الفراغ فقرأ بأُم القرآن أربع عشرة مرّة، و(قُل هُوَ اللّهُ أحَد)(3) أربع عشرة مرّة: و(قُل أعُوذ بِرَبِّ الفَلَقِ)(4) أربع عشرة مرّة، و(قُل أَعوُذُ بِربُّ النّاسِ)(5) أربعَ عشرة مرّة، وآية الكرسي مرّة، و(لَقَد جاءَكُم رَسُول مّن أَنفُسِكُم.. الآية)(6) فلمّا فرغ من صلاته، سألته عمّا رأيت من صنيعه، قال: مَن صنَع مثل الذي رأيت كان له كعشرين حجةً مبرورة، وصيام عشرين سنة مقبولة، فان أصبح في ذلكَ اليوم صائماً، كان له كصيام سنتين: سنةٍ ماضيةٍ، وسنة مستقبلة»(7).

وقال الدكتور الزحيلي في كتابه (الفقه الاسلامي وأدلته):

«ويُندب إحياء ليالي العيدين (الفطر) و(الأضحى)، وليالي العشر الأخير من

______________________________

(1) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: 1، ح: 1390، ص: 445، والترغيب والترهيب، ج: 2، ص: 118، ح: 10. وانظر كذلك مسند أحمد بن حنبل، ج: 2، ح: 6604، ص: 368.

(2) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: 1، ح: 1389، ص: 444.

(3) الاخلاص: 1.

(4) الفلق، 1.

(5) الناس: 1.

(6) التوبة: 128.

(7) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 14، ح: 38293، ص: 177 - 178.

[ 246 ]

رمضان لاحياء ليلة القدر، وليالي عشر ذي الحجة، وليلة النصف من شعبان، ويكون بكلِّ عبادة تعمُّ الليل أو أكثره، للأحاديث الصحيحة الثابتة في ذلك»(1).

هذا بالنسبة الى قيام ليلة النصف من شعبان، وأمّا صيام يوم النصف من هذا الشهر، فهو مشمول بالنحوين من الأدلة أيضاً، إذ هو مندرج تحت أدلة الندب العامة، كقوله تعالى:

(فَمَن تَطوَّعَ خَيراً فَهُوَ خَير لَّهُ)(2).

وقوله تعالى: (وما تُقدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِن خَيرٍ تَجدُوهُ عِندَ اللّه هُوَ خَيراً وأَعظَمَ أَجراً)(3).

وورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انه قال:

«لو أنَّ رجلاً صامَ يوماً تطوعاً، ثم اُعطي ملء الأرض ذهباً، لم يستوفِ ثوابه دونَ يوم الحساب»(4).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«مَن صامَ يوماً في سبيل اللّه، جعل اللّه بينه وبين النار خندقاً، كما بين السماء والأرض»(5).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«مَن صامَ يوماً تطوّعاً ابتغاء ثواب اللّه، وجبت له المغفرة»(6).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«مَن صامَ يوماً في سبيل اللّه في غير رمضان بَعُد من النار مائة عام، تسير المضمر

______________________________

(1) د. وهبة الزحيلي، الفقه الاسلامي وأدلته، ج: 2، ص: 47.

(2) البقرة: 184.

(3) المزمل: 20.

(4) المنذري، الترغيب والترهيب، ج: 2، ح: 17، ص: 84.

(5) المنذري، الترغيب والترهيب، ج: 2، ح: 24، ص: 86.

(6) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: 4، ح: 21، ص: 293.

[ 247 ]

الجواد»(1).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«مَن صامَ يوماً في سبيل اللّه، باعَدَ اللّه وجهه عن النار سبعين خريفاً»(2).

وأما الدليل الخاص الوارد في الندب لصيام اليوم الخامس عشر من شهر شعبان فقد اتخذ ثلاثة أنحاء:

النحو الاول: الحث على صيام أيام شهر شعبان على الخصوص، فمن ذلكَ ما روي عن عائشة انها قالت:

«ما رأيت رسول اللّه استكمل صيام شهرٍ إلا رمضان، وما رأيته اكثر صياماً منه في شعبان، كان يصومه إلا قليلاً، بل كان يصومه كلَّه»(3).

وروي عن اُم سلمة انّها قالت:

«ما رأيتُ النبي يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان»(4).

وعن الامام الباقر عليه السلام انَّه قال:

«إنَّ صوم شعبان صوم النبيين، وصوم أتباع النبيين، فمن صامَ شعبان فقد أدركته دعوة رسول اللّه، لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: رحم اللّه مَن أعانني على شهري»(5).

وعن الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السلام: هل صامَ أحد من آبائكَ شعبان قط؟ قال عليه السلام: صامه خير آبائي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم»(6)

النحو الثاني: الحث على صيام الأيام البيض من كلِّ شهر، وهي عبارة عن اليوم

______________________________

(1) المنذري، الترغيب والترهيب، ج: 2، ح: 25، ص: 86.

(2) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: 1، ح: 1717، ص: 548.

(3) منصور علي ناصيف، التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول، ج: 2، ص: 93.

(4) منصور علي ناصيف، التاج الجامع للاصول، ص: 93. وانظر كنز العمال، ج: 8، ص (654 - 655) باب: صوم شعبان، الأحاديث ( 24583 - 24587).

(5) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: 4، ح: 22، ص: 366.

(6) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: 4، ح: 1، ص: 360.

[ 248 ]

الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، ومن الواضح انَّها تنطبق على اليوم الخامس عشر من شهر شعبان، باعتباره واحداً منها:

فقد ورد عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم انَّه قال:

«صيام ثلاثة أيام من كلِّ شهر، صيام الدهر أيام البيض، صبيحة ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة»(1).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«إن كنتَ صائماً فعليكَ بالغُرِّ البيض ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة»(2).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«صوموا أيام البيض ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، هنَّ كنز الدهر»(3).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«مَن كان منكم صائماً من الشهر، فليصم الثلاثَ البيض»(4).

وعن ابن عمر قال:

«انَّ رجلاً سأل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الصيام، فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: عليكَ بالبيض: ثلاثة أيام من كلِّ شهرٍ»(5).

وروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام انَّه كان ينعت صيام رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالقول:

«صامَ رسول اللّه الدهر كلَّه ما شاءَ اللّه، ثم تركَ ذلك وصامَ صيام داود يوماً للّه

______________________________

(1) المنذري، الترغيب والترهيب، ج: 2، ح: 18، ص: 124.

(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 8، ح: 24180، ص: 562.

(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 8، ح: 24186، ص: 563.

(4) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 8، ح: 24198، ص: 566.

(5) المنذري، الترغيب والترهيب، ج: 2، ح: 19، ص: 124.

[ 249 ]

ويوماً له ما شاء اللّه، ثم تركَ ذلك فصام الاثنين والخميس ما شاء اللّه، ثم ترك ذلك وصامَ البيض ثلاثة أيام من كلِّ شهر، فلم يزل ذلك صيامه، حتى قبضه اللّهُ اليه»(1).

وعنه عليه السلام قال:

«سُئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن صوم أيام البيض، فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: صيام مقبول غير مردود»(2).

النحو الثالث: الحث على صيام يوم الخامس عشر من شعبان بخصوصه، وتعيينه باسمه، كما ورد في الحديث المروي في (سنن ابن ماجة) من انَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال:

«إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها، وصوموا نهارها..»(3).

وقال أيضاً:

«فان أصبحَ في ذلكَ اليوم صائماً، كان له كصيام سنتين: سنه ماضية، وسنة مستقبلة»(4).

وقد مرَّ ذكر الحديثين.

فكيف يمكن لمتشرع بعد أن يطّلع على هذه النصوص الصريحة والواضحة من أن يحكم بالابتداع على قيام ليلة النصف من شعبان وصيام نهارها؟

وهل يمكن لنا أن نفسِّر هذهَ المخالفة للنصوص الشرعية المتظافرة إلا على أساس التعصب، وحبِّ اثارة الفتن، والتفرقة بين المسلمين؟

وأي ضير في أن تلتقي ذكرى ولادة مهدي أهل البيت عليهم السلام مَعَ هذا اليوم، فتتعانق

______________________________

(1) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: 4، ح: 2، ص: 321.

(2) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: 4، ح: 4، ص: 321. وانظر لمزيد من الاطلاع كنز العمال، ج: 8، ص: 562 - 569، الأحاديث: (24179 - 24211)، وص: (659 - 669)، الأحاديث: (24611 - 24637).

(3) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: 1، ح: 1388، ص: 444.

(4) علاء الهندي، كنز العمال، ج: 14، ح: 38293، ص: 178.

[ 250 ]

الذكريات الاسلامية، وتتوافق في الأهداف والمعطيات؟!

إننا على يقين من انَّ هذا اليوم لو لم يقترن بهذهِ الذكرى المقدسة في حياة أتباع مدرسة أهل البيت عليهم، لما قال (الفوزان) ومَن سبقه ما قالوا، ولما نعتوا هذا العمل بالابتداع، ولكنَّهم عمدوا الى تشويه معالم الشريعة الاسلامية المقدسة، وقلب حقائقها من أجل النيل من مبادئ مدرسة أهل البيت عليهم السلام المعطاء:

(وَيأبى اللّهُ إِلا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَو كَرِهَ الكافِرونَ)(1).

ج - الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والذكريات الاسلامية

تظافرت الأدلة الشرعية على ضرورة احترام شخصية الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، وتبجيله، وتوقيره، حيّاً وميّتاً، من خلال مجاميع كبيرة من الآيات والروايات، وكذلك ورد نفس هذا المعنى في حق أهل البيت عليهم السلام، وقد دأب المسلمون من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام على إقامة الاحتفالات البهيجة في يوم مولده صلى اللّه عليه وآله وسلم، ومواليد أئمة أهل البيت عليهم السلام، إعتزازاً منهم بهؤلاء الأبرار، وتخليداً لذكراهم، وتجسيداً لتوصيات القرآن الكريم بحقِّهم.

ولكن على الرغم من وضوح انتساب هذا الأمر الى الشريعة، وارتباطه بالدين، إلا انَّ البعض أصرَّ على إقحام هذا العمل المشروع ضمن دائرة (الابتداع)، والصاق هذا الأمر به.

فيقول (ابن تيمية): «وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إمّا مضاهاةً للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإمّا محبة للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، واللّه قد يثيبهم على هذهِ المحبة والاجتهاد، لا على البدع، من اتخاذ مولد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عيداً، مَعَ اختلاف الناس في مولده، فانَّ هذا لم

______________________________

(1) التوبة: 32.

[ 251 ]

يفعله السلف، مَعَ عدم قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كانَ هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف (رض) أحقُّ به منّا، فانَّهم كانوا أشد محبةً لرسول اللّه وتعظيماً له منّا..»(1).

ويضيف القول:

«كما انَّ ابن الحاج رغم اعترافه بما ليوم مولد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من الفضل، لا يوافق على الاحتفال بالمولد لما فيه من المنكرات، ولأنَّ النبي أراد التخفيف عن امته، ولم يرد في ذلكَ شيء بخصوصه، فيكون بدعة»(2).

ويقول (الفاكهاني):

«لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتابٍ ولا سنة، ولا يُنقل عمله عن أحدٍ من علماء الامة الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطّالون«(3).

ويقول محمد بن عبد السلام خضر الشقيري عن الاحتفال بالمولد النبوي:

«بدعة منكرة ضلالة، لم يرد بها شرع ولا عقل، ولو كانَ في هذا اليوم خير كيف يغفل عنه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وسائر الصحابة، والتابعون، وتابعوهم، والأئمة، وأتباعهم»(4).

وقال (الحفّار):

«ليلة المولد لم يكن السلف الصالح وهم أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم والتابعون لهم

______________________________

(1) ابن تيمية، إقتضاء الصراط المستقيم، ص: 294.

(2) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، عن المدخل لابن الحاج / ج: 2 / ص 3 فما بعدها الى عدة صفحات.

(3) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: 51 - 52، عن القول الفصل، ص: 50 و 53، والحاوي للفتاوي للسيوطي، ص: 190 - 192.

(4) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: 53، عن منهاج الفرقة الناجية، عن كتاب السنن والمبتدعات، ص: 138 / 139.

[ 252 ]

يجتمعون فيها للعبادة، ولا يفعلون فيها زيادة على سائر ليالي السنة»(1).

وقد اعتبر الشيخ (عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب) الموالد من البدع المنهي عنها، حيث لم يأمر بها الرسول، ولا فعلها الخلفاء الراشدون، ولا الصحابة، ولا التابعون(2).

ويقول (ابن الحاج):

«ومن جملة ما أحدثوه من البدع مَعَ اعتقادهم أنَّ ذلكَ من أكبر العبادات، وإظهار الشعائر، ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد، وقد احتوى على بدع، ومحرَّمات جملة»(3).

ويقول (محمد جميل زينو):

«إنَّ الذي يجري في أكثر الموالد لا يخلو من منكرٍ وبدع ومخالفات، والاحتفال لم يفعله الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم، ولا الصحابة والتابعون، ولا الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل القرون المفضلة»(4).

ويقول (الفوزان):

«ولكن لا يخصص لمدحه صلى اللّه عليه وآله وسلم وقت ولا كيفية معينة، إلا بدليل صحيح من الكتاب والسنة، فما يفعله أصحاب الموالد من تخصيص اليوم الذي يزعمون انَّه يوم مولده لمدحه بدعة منكرة».

ويقول في موضع آخر:

«فانَّ غالب الناس من المسلمين قلّدوا الكفّار في عمل البدع والشركيات،

______________________________

(1) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: 52، عن القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد سيد الرسل ص53. عن كتابل الاعيار المعرب ص 99 - 101.

(2) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: 53، عن منهاج الفرقة الناجية، ص: 555 عن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، قسم: 2، ص: 357 - 358، والدرر السنية، ج: 4، ص: 389.

(3) ابن الحاج، المدخل، ج: 2، ص: 2.

(4) محمد جميل زينو، منهاج الفرقة الناجية، ص: 107.

[ 253 ]

كأعياد الموالد، وإقامة الأيام والأسابيع لأعمال مخصصة، والاحتفال بالمناسبات الدينية والذكريات..»(1).

ويقول الوهابي (محمد حامد الفقي) رئيس جماعة (أنصار السنّة المحمديّة) في حواشيه على كتاب الفتح المجيد:

«الذكريات التي ملأت البلاد باسم الاولياء هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم»(2).

فالذي نلاحظه من خلال كل هذهِ المقولات المتقدمة انَّ الذين حظروا على الناس الاحتفال بيوم المولد، والمناسبات الاسلامية الاُخرى، وعدّوا هذا الأمر عملاً محرَّماً، قد بنوا استدلالهم هذا على فهم مغلوط لمعنى (الابتداع)، فقد تصوّروا أن معنى عدم الارتباط بالدين هو عدم وجود الأمر في الصدر الأول للتشريع، أو عدم ورود الدليل الخاص الذي يذكره بشخصه وعنوانه، ومعنى الارتباط بالدين هو وجود ذلك الأمر في عصر التشريع الأول، أو ورود أمرٍ فيه بخصوصه.

وقد بيَّنا سابقاً انَّ المدار في الابتداع ليس هو ورود الدليل الخاص أو عدم وروده فحسب، وانَّما يجب النظر في عموميات التشريع والأدلة الكلية التي تخرج العمل عن حيِّز (الابتداع)، كما انَّ عدم وجود العمل في العصر الاول للتشريع لا يساوق عدم مطلوبية الشريعة له، ووجودُه لا يساوق مطلوبيته، لأنَّ المدار في (الابتداع) ليس هو وجود العمل أو عدم وجوده في عصر التشريع، كما مرّ معنا سابقاً.

وأما التذرع بعدم فعل السلف للمولد والذي لمسناه في أغلب الأقوال المتقدمة، فقد مرَّ الحديث عنه آنفاً، فليراجع.

وقد حاول البعض أن يضيف دليلاً آخر لتحريم الاحتفال بالمولد النبوي، وهو

______________________________

(1) صالح الفوزان، البدعة: تعريفها - أنواعها - أحكامها، ص: 17.

(2) جعفر السبحاني، الوهابية في الميزان، ص: 195، عن الفتح المجيد، ص: 154.

[ 254 ]

اشتمال هذهِ الاحتفالات على الامور المحرَّمة غالباً كالموسيقى، والغناء، واختلاط النساء بالرجال.. وغير ذلك.

ونحن في الوقت الذي نرفض فيه وجود هذا النمط المدّعى من السلوك المحرَّم في احتفالات المولد التي يقيمها أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام رفضاً قاطعاً، ونعتبر ذلكَ تهمة لا أساس لها.. نؤكد على أنَّ الاقتران بحدِّ ذاته لا يشكل الغاءاً لأصل العمل، ولا يؤدي الى القول بتحريمه، إذا انَّ القول بذلك يستلزم القول ببطلان اُصول العبادات المسلَّمة فيما لو اقترنت بأي عنوان تحريمي، وهذا ما لايتفوه به أحد، فلو اقترنت الصلاة الواجبة بالنظر الى المرأة الأجنبية مثلاً الذي عمل هو محرَّم قطعاً، فهل يُقال هنا بأنَّ الصلاة الواجبة أصبحت (بدعة) يحرم الاتيان بها (والعياذ باللّه)، وهل يسري التحريم بطريقة تصاعدية الى أصل تشريعها وإيجابها بمجرد هذا الاقتران؟!

وعلى أية حال فانَّ مناقشة هذهِ الآراء، والخوض في تفاصيلها، خارج عن طبيعة الطرح الذي تخضع له هذهِ الدراسة، على أنَّها قد أخذت موقعها الخاص، واُشبعت بحثاً وتحليلاً في دراسات الكثير من علمائنا السابقين واللاحقين جزاهم اللّه عن ذبّهم ودفاعهم عن رسالة الاسلام أوفر الجزاء(1)، كما وتوجد مصنفات معتبرة لدى بعض أبناء العامة في الرد على القول بتحريم الاحتفال بيوم المولد النبوي الشريف، قد نتعرض الى ذكر أقوال البعض منها في ذيل هذا الحديث.

والذي يهمنا ذكره هنا هو أنَّ النصوص الشرعية العامة الواردة في مقام التأكيد على ضرورة احترام شخصية الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، وتبجيله، وتوقيره، حياً وميتاً، وكذلك الواردة في شأن أهل البيت عليهم السلام، مما لا يسع أحداً إنكارها، أو التشكيك فيها لكثرتها وتواترها، وهي كافية لأن تصحح عمل المولد، وتضفي عليه طابع الشرعية،

______________________________

(1) انظر لمزيد من الاطلاع حول هذا الموضوع البحثَ القيِّم الموسوم ب(المواسم والمراسم) للعلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي (حفظه اللّه تعالي).

[ 255 ]

وتجعله من مظاهرها البارزة، ومصاديقها الواضحة والجلية.

فمما ورد بشأن الحث على احترام شخصية الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم في الكتاب العزيز قوله تعالى:

(فَالَّذينَ آمَنُوا بِهِ وَعزَّرُوه وَنَصَرُوهُ واتَّبَعوا النُّورَ الَّذي أُنزِلَ مَعَه أُولئِكَ هُم المُفلُحون)(1).

وقد ذكر المفسرون انَّ المراد من (التعزير) في الآية ليس مطلق النصرة، إذ إِنَّه اُفرد عن قوله: (نصروه)، ولو كان بمعنى مطلق النصرة لما كان هناكَ داعٍ للتكرار، فالمراد من (التعزير) هو التبجيل والتوقير والتعظيم، أو النصرة مَعَ التعظيم(2).

كما ذكر القرآن الكريم الأدب الخاص الذي ينبغي أن يتعامل به المسلمون مَعَ رسول الانسانية صلى اللّه عليه وآله وسلم، والمكانة التي يتحتم عليهم حفظها له، ورعايتها بشأنه، فقد ورد النهي عن أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته، أو يجهروا له بالقول، لان ذلك سيكون مدعاة الى أن تحبط أعمالهم، بخلاف اُولئك الذين يظهرون أمامه الأدب الرفيع، ويغضّونَ أصواتهم عنده، كما يقول اللّه تعالى:

(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا أَصواتَكُم فَوقَ صَوتِ النَّبي وَلا تَجهَرُوا لَهُ بالقَولِ كَجَهرِ بَعضِكُم لِبَعضٍ أَن تَحبَط أَعمالُكُم وَأَنتُم لا تَشعُرُونَ* إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصواتَهُم عِندَ رَسُولِ اللّهِ أُولئكَ الَّذِينَ امتَحَنَ اللّهُ قُلوبَهُم لِلتَّقوى لَهُم مَّغفِرةٌ وأَجرٌ عَظيمٌ)(3).

كما ورد النهي في القرآن الكريم عن أن يُدعى النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم باسمه كما يُدعى

______________________________

(1) الاعراف: 157.

(2) قال (الطباطبائي) في تفسير الميزان، ج: 8، ص: 296: «التعزير: النصرة مَعَ التعظيم»، وقال (الطبرسي) في مجمع البيان، ج: 4، ص: 604: «وعزروه: أي عظموه ووقروه ومنعوا عنه أعداءه»، وقال (ابو حيان الاندلسي) في البحر المحيط، ج: 5، ص: 196: «وعزروه أثنوا عليه ومدحوه»، وقال (ابن كثير) في تفسير القرآن العظيم، ج: 9، ص: 265: «ونصروه: أي عظموه ووقروه».

(3) الحجرات: 2 - 3.

[ 256 ]

سائر الناس، وذلكَ في قوله تعالى:

(لا تَجعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَينكُم كَدُعاءِ بَعضِكُم بَعضاً)(1).

وكذلكَ ورد النهي عن التسرع في إبداء الرأي والنظر بين يديه، كما قال تعالى:

(يا أَيُّها الَّذِينَ آمنُوا لا تُقدِّموا بَينَ يَديِ اللّهِ ورسُولهِ واتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سميعٌ عليمٌ)(2).

وجاءَ صريح القرآن يأمر المسلمين أن يذكروا رسولهم بالدعاء، والصلاة والتسليم، لما له من منزلة عظيمة عند اللّه جلَّ شأنه، ومن مقام محمودٍ لديه، كما قال تعالى:

(إِنَّ اللّهَ وَملائِكتَهُ يُصَلُّون عَلى النَّبيِّ يا أَيُّها الَّذينَ آمنُوا صلُّوا عَلَيهِ وَسلِّمُوا تسليِماً)(3).

وقد ورد في الأثر عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم انَّه قال:

«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ اليه من ماله وأهله والناس أجمعين»(4).

وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم انّه قال:

«ثلاث مَن كنَّ فيه وجَدَ حلاوة الايمان: أن يكون اللّه ورسوله أحبَّ اليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لِلّه، وأن يكره أن يعود في الكفر، كما يكره أن يقذف في النار»(5).

______________________________

(1) النور: 63.

(2) الحجرات: 1.

(3) الاحزاب: 56.

(4) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 3، ص: 275، وج: 4، ص: 183، وفي مسند أحمد: ج: 4، ح: 1399، ص: 183، وفي النسائي بشرح السيوطي: ج: 8، ح: 5029، ص: 488، وفيه أيضاً عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ اليه من ولدِهِ ووالده»، النسائي، ج: 8، ح: 5030، ص: 489، وفي البخاري، ج: 1، ص: 9، باب: حب الرسول من الايمان، ح: 1 و 2.

(5) البخاري، صحيح البخاري، ج: 1، باب: حلاوة الايمان، ح: 1، ص: 9، وفي مسند أحمد، ج: 3، ح: 11591، ص: 539، وج: 4، ح: 12354، ص: 9، وج: 4، ح: 13500، ص: 184، بتفاوت يسير.

[ 257 ]

وروي أيضاً انَّ عمر بن الخطّاب قال:

«يا رسول اللّه لأنتَ أحب إليَّ من كلِّ شيءٍ إلا من نفسي!؟ فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده حتى أكون أحبَّ اليك من نفسك. فقال له عمر: فانتَ الآنَ أحبُّ اليَّ من نفسي، فقال: الآنَ ياعمر»(1).

وأما ما ورد بشأن أهل البيت عليهم السلام، فيكفينا ما ألمحنا اليه في صدر البحث من الآيات والروايات الدالة على وجوب طاعتهم، والتمسك بهم، وحفظ مودتهم، وقد قال تعالى:

(قُل لا أَسئَلُكُم علَيهِ أَجراً إِلا المَودَّةَ في القربى)(2) فنرى أن هذهِ الآية تفرض مودة أهل البيت عليهم السلام على كلِّ مسلم ومسلمة، وتجعل هذهِ المودة أجراً للرسالة الاسلامية.

وقد ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انَّه قال:

«اُذكركم اللّهَ في أهل بيتي» وكرَّرها ثلاثَ مرات(3).

وعن (ابن عباس) عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انَّه قال:

«..وأحبّوني بحبِّ اللّه، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي»(4).

______________________________

(1) سعيد حوّى، كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر، السيرة بلغة الحب والشعر، ص: 15.

(2) الشورى: 23، انظر للاطلاع على مورد نزول الآية الكريمة: حسين الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: 1، ص: 435 - 441، فمن المصادر التي ذكرت نزول الآية في حق أهل البيت عليهم السلام: (النور المشتعل) لابي نعيم الاصبهاني، ص: 207، ح: 57، و(حلية الأولياء)، ط بيروت، ج: 3، ص: 201، و(شرف المصطفى) للخركوشي، ط طهران، ص 252 و 261، و(إحياء الميت) للسيوطي، ط مصر، ص: 110، و(الدر المنثور)، ط مصر، ج: 6، ص: 7، و(الاكليل)، ط مصر، ص: 190، و(مقتل الحسين) للخوارزمي ط النجف، ج: 1، ص: 57، و(الفضائل) لأحمد بن حنبل، ص: 187، ح: 263، و(الكشاف) للزمخشري، ط القاهرة، ج: 3، ص: 402، و(بحار الانوار)، ج: 23، ص: 228 - 253. و(تفسير البرهان)، ج: 4، ص: 121 - 126، و(إحقاق الحق)، ج: 3، ص: 2 - 23 و 533، وج: 9، ص: 92 - 101، وج: 14، ص: 106 - 115، وج: 18، ص: 336 - 338 و 538.

(3) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 15، ص: 180، من كتاب (فضائل الصحابة) باب: (فضائل علي بن أبي طالب)، 4 / 1873، وفي مسند أحمد بن حنبل، ج: 5، ح: 18780، ص: 492. وفي الفضائل: 1167.

(4) الترمذي، سنن الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ج: 3789، ص: 622.

[ 258 ]

وقد تركت الشريعة الاسلامية تقدير هذا التبجيل والاعتزاز الى نفس المسلمين، ليعبّروا عنه على وفق عاداتهم وتقاليدهم الحياتية المتنوعة، وبما تفيض به مشاعرهم الجيّاشة تجاه هذهِ الشخصيات العملاقة، على شريطة أن لا يُرتكب عمل محرَّم، أو منافٍ للآداب الاسلامية خلال تلك الممارسات، إرتكازاً على الحقيقة القائلة بانَّ اللّه تعالى لا يُطاع من حيث يُعصى.

وقد ربطت الشريعة الاسلامية بين ماضي الانسان وحاضره، من خلال مفردات متعددة، أبرزها وأهمها هو إحياء المناسبات والذكريات الدينية، وأكّدت على انَّ الماضي يشكّل الوجه الأهم في صنع قرارات الحاضر، وديمومة حركته، ووفرت الأجواء الملائمة التي تجعل الانسان لمسلم مرتبطاً بتراثه بصورةٍ دائمة، من خلال الشعائر والمناسك، وإحياء المناسبات الدينية المختلفة، والمحافظة عليها، والاعتزاز بها، والاستلهام منها، فتربط هذهِ الذكريات الاسلامّية الخالدة حاضر الانسان المسلم بعجلة الماضي، وتسير به في طريق الانفتاح على كل ما من شأنه أن يرقى بسلوكه الى مستوى تحقيق الغايات، فيشكل الماضي حينئذٍ وقود حركة الحاضر، ويحدد المعالم الفاعلة لرؤية المستقبل.

يقول العلامة (الاميني) بشأن إحياء الذكريات الاسلامية:

«لعلّ تجديد الذكرى بالمواليد والوفيّات، والجري على مواسم النهضات الدينية، أو الشعبية العامّة، والحوادث العالمية الاجتماعية، وما يقع من الطوارق المهمة في الطوائف والأحياء، بعد سنيِّها، واتخاذ رأس كل سنة بتلكم المناسبات أعياداً وأفراحاً، أو مآتم وأحزاناً، وإقامة الحفل السار، أو التأبين، من الشعائر المطّردة، والعادات الجارية منذ القدم، ودعمتها الطبيعة البشرية، وأسستها الفكرة الصالحة لدى الاُمم الغابرة، عند كلِّ اُمة ونحلة، قبل الجاهلية وبعدها، وهلمَّ جرا حتى اليوم.

هذهِ مواسم اليهود، والنصارى، والعرب، في أمسها ويومها، وفي الاسلام وقبله، سجَّلها التاريخ في صفحاته.

[ 259 ]

وكأن هذهِ السنة نزعة إنسانية، تنبعث من عوامل الحب والعاطفة، وتُسقى من منابع الحياة، وتتفرع على اُصول التبجيل والتجليل، والتقدير والاعجاب، لرجال الدين والدنيا، وأفذاذ الملأ، وعظماء الاُمة، إحياءاً لذكرهم، وتخليداً لاسمهم، وفيها فوائد تأريخية اجتماعية، ودروس أخلاقية ضافية راقية، لمستقبل الأجيال، وعظات وعبر، ودستور عملي ناجع للناشئة الجديدة، وتجارب واختبارات، تولِّد حنكة الشعب، ولا تختص بجيل دون جيل، ولا بفئة دون اُخرى.

وانَّما الأيام تقتبس نوراً وازدهاراً، وتتوسم بالكرامة والعظمة، وتكتسب سعداً ونحساً، وتتخذ صيغة مما وقع فيها من الحوادث المهمة، وقوارع الدهر ونوازله..»(1).

من هنا فقد أدرك بعض علماء العامة عمق انتساب هذ ا الأمر الى الشريعة عن طريق الادلة الكلية المتسالمة، فعبَّر البعض عنه ب(البدعة الحسنة)، فيقول (ابن حجر) بهذا الشأن: «عمل المولد بدعة، لم تُنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنّها مَعَ ذلكَ قد اشتملت على محاسن وضدّها، فمن تحرّى في عملها المحاسن، وتجنَّبَ ضدها كانَ بدعةً حسنةً، والا فلا»(2).

ويقول الامام (أبو شامة):

«ومن أحسن ما ابتُدع في زماننا ما يُفعل كلّ عامٍ في اليوم الموافق ليوم مولده صلى اللّه عليه وآله وسلم، من الصدقات، والمعروف، وإظهار الزينة، والسرور، فانَّ ذلكَ مَعَ ما فيه من الاحسان للفقراء مشعر بمحبته صلى اللّه عليه وآله وسلم، وتعظيمه في قلب فاعل ذلك، وشكر اللّه على ما منَّ به من إيجاد رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم الذي أرسله رحمةً للعالمين»(3).

ويقول السيوطي في رسالته (حسن المقصد في عمل المولد):

______________________________

(1) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: 93 - 94، عن سيرتنا وسنتنا للعلامة الاميني، ص: 45 - 46.

(2) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: 62، عن رسالة المقصد المطبوعة مَعَ النعمة الكبرى على العالم، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين، ص: 114.

(3) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: 63، عن السيرة الحلبية، ج: 1، ص: 83 - 84.

[ 260 ]

«عندي انَّ أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسَّر من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وما وقَعَ في مولده من الآيات، ثم يمدّ لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك، هو من البدع الحسنة التي يُثاب عليها صاحبها، لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف»(1).

وينقل (ابن تيمية) أقوالاً عديدة تدل على مشروعية الاجتماع والاحتفال بيوم المولد النبوي الشريف على الرغم من أنَّه من المتشددين على مَن يتخذه عيداً كما يزعم(2)، بل كان متناقضاً في نفس كلامه الذي نقلناه عنه آنفاً.

وعلى أية حال فهو يقول في (إقتضاء الصراط المستقيم):

«قال المروزي: سألتُ أبا عبد اللّه عن القوم يبيتون، فيقرأ قارئ، ويدعون حتى يصبحوا؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس... وقال أبو السري الحربي: قال أبو عبد اللّه: وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس يصلّون ويذكرون ما أنعم اللّه عليهم كما قالت الأنصار».

وأضاف:

«وهذا إشارة الى ما رواه أحمد، حدَّثنا اسماعيل، أنبأنا أيوب عن محمد بن سيرين قال: نبئت أنَّ الأنصار قبل قدوم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم المدينة قالوا: لو نظرنا يوماً فاجتمعنا فيه، فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم اللّه به علينا، فقالوا: يوم السبت، ثم قالوا: لا نجامع اليهود في يومهم، قالوا: فيوم الأحد، قالوا: لا نجامع النصارى في يومهم، قالوا: فيوم العروبة، وكانوا يسمّون يوم الجمعة يوم العروبة، فاجتمعوا في بيت أبي اُمامة أسعد بن

______________________________

(1) سعيد حوّى، كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر، (6) السيرة بلغة الحب والشعر، ص: 42.

(2) انظر للاطلاع على مشروعية اتخاذ هذا اليوم عيداً والمباني الشرعية والتاريخية لذلك (المواسم والمراسم)، ص: (95 - 107).

[ 261 ]

زرارة، فذُبحت لهم شاة فكفتهم»(1).

إذن فمشروعية الاجتماع للاحتفال والابتهاج بالذكريات الدينية المهمة نزعة إنسانية، تسير جنباً الى جنب مَعَ الفطرة البشرية، وتنبعث طبيعياً ما دام الانسان يحيا في جوِّ الجماعة الانسانية، ولذا نرى انَّ المسلمين لم يتخلفوا عن مجاراة هذا السلوك الانساني في مناسباتهم الدينية المختلفة، وهذا الذي ينقله لنا (ابن تيمية) واحد من عشرات المظاهر التي كانت تعبِّر عن هذا الواقع، وتعكسه في حياة المسلمين، بما يتناسب وينسجم مَعَ طبيعة الأعراف والتقاليد والاهتمامات التي كانت تحكم المجتمع آنذاك، الأمر الذي يدلل على أنَّ جذور إقامة الاحتفال، والاجتماع لاحياء الذكريات الاسلامية كانت ممتدة الى بدايات عصر ظهور الدعوة الاسلامية المباركة.

ولقد كان رأي الاستاذ (سعيد حوّى) أكثر تحرراً واعتدالاً من آراء الآخرين في هذهِ المسألة، حين دعم القول بجواز إحياء الذكريات الاسلامية عموماً وذكرى مولد النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم على نحو الخصوص، بالأدلة المقنعة، وحَمَل على المتشددين الذين لم يحسنوا فهم معنى (الابتداع)، على الرغم من انّه لم يبرح عاكفاً على الايمان بأنَّ (البدعة) تنقسم الى مذمومة وممدوحة، فيقول:

«والذي نقوله: أن يعتمد شهر المولد كمناسبة يُذكّر بها المسلمون بسيرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وشمائله، فذلكَ لا حرج، وأن يعتمد شهر المولد كشهر تهيج فيه عواطف المحبة نحو رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فذلكَ لا حرجَ فيه، وأن يُعتمد شهر المولد كشهر يكثر فيه الحديث عن شريعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فذلكَ لا حرج فيه، وانّ مما اُلف في بعض الجهات أن يكون الاجتماع على محاضرة وشعر، أو انشادٍ في مسجد، أو في بيتٍ بمناسبة شهر المولد، فذلكَ مما أرى حرجاً فيه، على شرط أن يكون المعنى الذي يُقال صحيحاً.

إنَّ أصل الاجتماع على صفحةٍ من السيرة، أو على قصيدة في مدح رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم

______________________________

(1) ابن تيمية، إقتضاء الصراط المستقيم، ص: 304.

[ 262 ]

جائز، ونرجو أن يكون أهله مأجورين، فأن يُخصص للسيرة شهر يُتحدث عنها فيه بلغة الشعر والحب فلا حَرَج.

ألا ترى لو أنَّ مدرسة فيها طلاب خَصصت لكل نوعٍ من أنواع الثقافة شهراً بعينه، فهل هي آثمة؟، ما نظن أن الأمر يخرج عن ذلك».

ويضيف الى ذلك القول:

«لقد كانَ الاستاذ حسن البنا رجل صدق، وثاقب نظر، وإماماً في العلم، وكانَ يرى إحياء المناسبات الاسلامية في عصر مضطرب مظلم قد غفل فيه المسلمون، وجهلوا فيه كثيراً من اُمور دينهم، ومن كلامه - رحمه الله - في مذكراته: إحياء جميع الليالي الواجب الاحتفال بها بينَ المسلمين، سواء بتلاوة الذكر الحكيم، وبالخطب، والمحاضرات المناسبة...».

ثم يحمل على المتشددين قائلاً:

«والمتشددون في مثل هذهِ الشؤون تشددهم في غير محلِّه، فليس الأصل في الاشياء الحرمة، بل الأصل فيها الاباحة، حتى يرد النص بالتحريم، وفهمهم لحديث: (كل ما ليس عليه أمرُنا فهو ردٌ) فهم خاطئ..»(1).

ففي الحقيقة انَّ التعبير الاجتماعي عن المشاعر والعواطف الدينية التي تختزن في نفوس المسلمين أمر متروك لأعراف الناس، وطرقهم المختلفة، وعاداتهم الاجتماعية الخاصة، ونظير هذا الأمر ما تفعله بعض الاُسر في الحياة الاعتيادية من احتفالات بهيجة لمواليدها الجدد، أو ما يتكرر في الذكرى السنوية ليوم الولادة مما يُسمى ب(عيد الميلاد)، أو ما تفعله أغلب الدول، أو كلها بالاحتفال في يوم استقلالها، إلا انَّ الفرق بين هذهِ الاحتفالات العامة، وبين الاحتفال بذكرى يوم المولد النبوي الشريف، أو بقية المناسبات الاسلامية المهمة، هو انَّ تلك الاحتفالات العامة خاضعة الى الرسوم

______________________________

(1) سعيد حوّى، كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر، (6) السيرة بلغة الحب والشعر، ص: 36 - 39.

[ 263 ]

والآداب، والاعراف التي تحكم حياة الناس، من دون أن تكون مشمولة بعموميات التشريع التي تُدخلها في دائرة الندب والمطلوبية، وأمّا الاحتفال بالذكريات الاسلامية، ولا سيما بمولد النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، فهو مشمول بأوامر الشريعة الاسلامية، ومأثور عنها كما تقدم الكلام فيه.

وختاماً لا بدَّ من القول بانّا إذا نظرنا الى دوافع ومنطلقات هذا اللون من السلوك الذي يتمسك به أتباع مدرسة أهل البيت صلى اللّه عليه وآله وسلم، ويصرون على ممارسته، والمواظبة عليه في مختلف الذكريات الاسلامية المفرحة، والمحزنة، ولا سيما إصرارهم على الاحتفال بيوم المولد النبوي الشريف، فانّا نجد الحرص الأكيد من قبل هؤلاء على إبقاء معالم شخصية الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم متألقةً وحيةً في ضمائر المسلمين حيناً بعد حين، والاعتزاز بتعاليم الرسالة الاسلامية، وتجديد الانبعاث نحوها، والتمسك بها، إذ انَّ المطّلع على برامج هذهِ الاحتفالات، يلاحظ انَّها تستهدف أول ما تستهدف إجلاء مكانةِ الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، وإبراز آثاره ومعطياته الخالدة، من خلال الكلمات، والقصائد، والخطب والخواطر، والمقالات الاسلامية الهادفة، بل وقد يتضمن البعض منها تقديم الدراسات المتنوعة حول الجوانب المختلفة من حياته الكريمة، وجهاده الكبير في إعلاء كلمة اللّه على وجه الأرض، وغير ذلك من الاُمور التي ترتبط به صلى اللّه عليه وآله وسلم، وتشد المسلمين نحو سيرته، وتحثهم على الاقتداء به، والسير على هداه.

ومما لا شكّ فيه انَّ هذا النمط من السلوك الهادف، سوف يساهم مساهمة ملموسة في إبقاء معالم التراث الاسلامي الزاخر حيةً وفاعلةً في حاضر حياة المسلمين، ويشكّل أحد المفردات البارزة لتلك العموميات التي يتأمر المسلمين بتوقير النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، ونصرته، وتبجيله، لانَّه يمثل الالتزام العملي بسلوكه، والتمسك بسنته وسيرته صلى اللّه عليه وآله وسلم.