استدراك خائب!
بعدَ أن انكشف للكثيرين من علماء العامة بطلان القول بتقسيم (البدعة) على نحو القطع واليقين، وانحصار حقيقتها الشرعية في خصوص مورد الذم والحرمة، حاولوا أن يبرروا اطلاق لفظ (البدعة) على (التراويح) في مقولة: «نعمت البدعة هذه» من غير المنطلق الذي استند إليه القائلون بالتقسيم، ويعالجوها من زاوية جديدة تنسجم مَعَ القول بنفي التقسيم.
فالقائلون بتقسيم (البدعة) إلى مذمومة وممدوحة، لم يكونوا ليعانوا أمراً من مسألة الاستعمال هنا، لانهم يقولون ببساطة استناداً إلى التقسيم المتقدم، بأنَّ المراد من (البدعة) في هذا الحديث هو البدعة الممدوحة، وقد تقدم معنا أنَّ مصدر القول بالتقسيم إنما بُني أساساً على هذا الحديث نفسه، فالحديث إذن يحمل بين طياته حجية القول بالتقسيم، ويتضمن مشروعية اطلاق لفظ (البدعة) على ما لم يكن مذموماً، ثم يُتَّخذ القول بالتقسيم الذي يُدَّعى استفادته من هذا الحديث ذريعةً لصحة استعمال (البدعة) في غير مورد الذم، وبعبارة اُخرى أنَّ تقسيم (البدعة) قد بُني على طبيعة الاستعمال
[ 173 ]
المذكور في الحديث، ومن ثمَّ خُرِّج القول بصحة اطلاق لفظ (البدعة) على (التراويح)، واستعمالها في غير مورد الذم - على ما يُدَّعى في نفس الحديث - بناءاً على التقسيم المذكور.
فانظر ماذا ترى؟!
وأمّا بقية الاعلام الذين أصابوا الواقع في القول بنفي التقسيم المذكور، فقد تحيَّروا حقاً في توجيه هذهِ المقولة، وتبرير اطلاق لفظ (البدعة) على (التراويح)، ومن ثمَّ استحسانها، والاطراء عليها، فهل انَّها استُعملت في المعنى الاصطلاحي الشرعي الذي يعني (ادخال ما ليس من الدين فيه)، فيتم بذلك القضاء المبرم على شرعية التراويح؟ أو انَّها استُعملت في المعنى اللغوي الذي يعني الحادث الذي ليس له أصل سابق، فلا تكون النتيجة في هذا الفرض بأحسن مما سبق؟ أو أنَّ هناك استعمالاً ثالثاً لم نتمكن من الاهتداء إليه؟!
هذهِ الاسئلة أخذت تطرح نفسها بالحاح أمام النافين للتقسيم المذكور، وباتت تنتظر الاجابة الصريحة منهم، وفقاً لما توصلوا إليه من نتائج تلك الابحاث.
ونود أن نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّا لسنا بصدد إثبات صحه اطلاق لفظ البدعة الواردة في مقولة «نعمت البدعة هذه» على معنىً دونَ معنىً آخر، لانه سواء أصحَّ هذا الاطلاق أو ذاك، فانَّ صلاة (التراويح) غير ثابتة لدينا، ولم يقم على مشروعيتها أي دليل شرعي، كما سنثبت ذلك مفصلاً في فصل لاحق إن شاء اللّه تعالى.
ولكنَّ كلامنا يتجه نحو الطريقة التي يتعامل فيها الكثير من أعلام العامة مَعَ مفردات الثقافة الاسلامية، وكيف تكون هذهِ المفردات الحساسة ضحيةً للتقولات والتبريرات، إذ يكون الاساس في البحث والطرح العلمي هو تبرير ما يُراد تبريره - لأيِّ دافعٍ كان - حتى لو اقتضى الأمر حرف المفهوم عن حقيقته، وإقصائه عن واقعيته التشريعية، وهذا ما لمسناه بشكل مباشر في الكلمات المتقدمة التي بَنَت تقسيم (البدعة)
[ 174 ]
على أساس مقولة «نعمت البدعة هذه»، على حساب المعنى الشرعي والواقعي لها، والذي تداركه البعض الآخر من هؤلاء الأعلام الذين أبطلوا القول بالتقسيم.
ولكنَّ هؤلاء وإن أصابوا في إبطال القول بالتقسيم، إلا انَّهم وقعوا في نفس ما وقع فيه الأسبقون حينَ حاولوا تبرير مقولة «نعمت البدعة هذه»، وتوجيه استعمال هذا اللفظ فيها، مَعَ الحرص على القول ببطلان التقسيم وانَّ (البدعة) لا تُطلق في مصطلح الشرع إلا في مورد الذم والحرمة.
وان كنّا نحتفظ لانفسنا بالاعتقاد بأنَّ لفظ (البدعة) هنا قد استُعمل في معناه الشرعي المصطلح، والمرتكز في اذهان المسلمين، والذي يعني (إدخال ما ليس من الدين فيه)، فنكون قد سجَّلنا دليلاً من نفس الحديث المذكور على عدم شرعية صلاة (التراويح) ليُضم إلى الادلة والقرائن الاُخرى التي سوف نذكرها لاحقاً لاثبات صحة ما نذهب إليه باذن اللّه تعالى.
ويبقى علينا أن ننتحل العذر لأمر الاعجاب بهذهِ (البدعة)، والاطراء عليها، لما رآه القائل من استجابة مثالية من قبل المسلمين لقراراته، التي ينطلق فيها من اعتبار نفسه ناطقاً باسم الرسالة والدين، وممسكاً بزمام الاحكام الشرعية، ومؤهلاً لرفعها، أو وضعها من الأساس!
وقبل أن نستعرض بعض الاقوال التي بررت اطلاق لفظ (البدعة) على صلاة (التراويح) من قبل النافين للتقسيم، نشير إلى انَّ هؤلاء قد اتفقوا على أمرين هما:
الأمر الأول: انَّ صلاة (التراويح) ليست بدعةً بالمعنى الشرعي، وانّما هي سنّة تمتلك الأصل الشرعي، من خلال ممارسة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لها بضعة ليالٍ، ثم تركها مخافة الافتراض على الامة.
وهذا الأمر سوف نناقشه في بحثنا الخاص حول صلاة (التراويح)، ونثبت هناك انَّ (التراويح) لا تمتلك أية شرعية مطلقاً، وليس لها أيُّ أصل في الدين، وانما هي من أصدق
[ 175 ]
مصاديق الابتداع.
الأمر الثاني: انَّ لفظ (البدعة) الوارد في مقولة «نعمت البدعة هذه»، لا يمكن أن يُراد منه المعنى الشرعي في نظر النافين للتقسيم لما ثبت لديهم بأنَّ (البدعة) لا تطلق شرعاً إلا في الذم والحرمة، فلا بدّ إذن من التماس مخرجٍ آخر، يبرر الاستعمال المذكور، وينسجم مَع القول بنفي التقسيم، فجاءت التبريرات متعددة ومتنوعة، نذكر منها ثلاثة نماذج من كلمات المتقدمين والمتأخرين:
التبرير الأول: ما ذكره (ابن تيمية) الذي ينص صريحاً على بطلان القول بالتقسيم، وانه يستند دلالة على حديث التراويح، حيث يقول:
«إنَّ من الناس مَن يقول: البدع تنقسم إلى قسمين: حسنة وقبيحة، بدليل قول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح «نعمت البدعة هذه»، والجواب: أمّا انَّ القول (انَّ شرَّ الامور محدثاتها، وانَّ كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، والتحذير من الامور المحدثات، فهذا نص من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع، ومَن نازع في دلالته فهو مراغم.. ولا يحل لأحد أن يقابل هذهِ الكلمة الجامعة من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم الكلية، وهي قوله (كل بدعة ضلالة) بسلب عمومها، وهو أن يقال: ليس كل بدعة ضلالة، فانَّ هذا إلى مشاقة الرسول أْقرب منه إلى التأويل، بل الذي يُقال فيما يثبت به حسن الأعمال التي قد يُقال هي بدعة: انَّ هذا العمل المعيَّن مثلاً ليس ببدعة، فلا يندرج في الحديث».
ثم يبرر (ابن تيمية) خروج (التراويح) من عموم البدع المذمومة بالقول:
«أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مَعَ حسنها، وهذهِ تسميه لغوية، لا تسمية شرعية، وذلكَ انَّ البدعة في اللغة تعمّ كل ما فُعل ابتداءاً من غير مثالٍ سابق، وأمّا البدعة الشرعية، فكل ما لم يدل عليه دليل شرعي... فلفظ (البدعة) في اللغة أعم من لفظ (البدعة) في الشريعة... فالنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قد كانوا يصلّون قيام رمضان على عهده
[ 176 ]
جماعة وفرادى، وقد قال لهم في الليلة الثالثة والرابعة لما اجتمعوا (انَّه لم يمنعني أن أخرج اليكم إلا كراهة أن يُفرض عليكم، فصلّوا في بيوتكم، فانَّ أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، فعلل صلى اللّه عليه وآله وسلم عدم الخروج بخشية الافتراض، فعُلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وانَّه لولا خوف الافتراض لخرج اليهم»(1).
إلى هنا يكون (ابن تيمية) قد اثبت - حسب زعمه - أنَّ لصلاة التراويح أصلاً في الشرع، فيكون قد تناقض مَعَ كلامه السابق الذي يدّعي فيه استعمال لفظ (البدعة) هنا في المعنى اللغوي، لأنَّ المعنى اللغوي حسب الاتفاق هو: ما لم يكن له مثال سابق، فكيف يمكن صحة الاستعمال اللغوي معَ هذا الأصل المفترض؟.
هذا ما يجيب عنه بالقول:
«فلما كان في عهد عمر جمعهم على قارئ واحد، واُسرج المسجد، فصارت هذهِ الهيئة - وهي اجتماعهم في المسجد على إمامٍ واحدٍ مَعَ الاسراج - عملاً لم يكونوا يعملونه من قبل، فسمي بدعةً، لانه في اللغة يُسمى بذلك، وان لم يكن بدعة شرعية»(2).
فهل تعرف للتحميل والتعسف معنىً غير هذا؟ وهل أنَّ (ابن تيمية) يعتقد في قرارة نفسه بصحة ما يقول؟ وما دخلُ (الاسراج) فيما نحنُ فيه؟
فالملاحظ انَّ (ابن تيمية) يضم (الاسراج) إلى اجتماع المصلين على امامٍ واحد من أجل أن يجعل الامر غير مسبوقٍ بمثال، فيصح بذلك استعمال (البدعة) في معناها اللغوي الذي يعني الحادث الذي ليس له مثال سابق!
ففائدة ضم (الاسراج) إذن هي تبرير الاستعمال المذكور، والايحاء بأنَّ هذهِ الهيئة باجمعها لم تكن موجودة سابقاً، فيكون قد احتفظ لصلاة (التراويح) بأصلها الشرعي المزعوم، وبَرَّر استعمال (البدعة) لغوياً، لكي لا يقع الاصطدام بين الأمرين.
______________________________
(1) اين تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، ص: 276 - 277.
(2) ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، ص: 276 - 277.
[ 177 ]
وعلى هذا الاساس يمكننا أن نضم عشرات الأوصاف والأحوال الاُخرى إلى هذهِ الهيئة الحاصلة لتبرير عدم مشابهتها لما سبق!!
ونكتفي بالاشارة في المقام إلى انَّ العودة إلى الاستعمال اللغوي للفظ المنقول، وتصحيح اطلاقه كذلك، ليس كما يصوره (ابن تيمية) في كلامه هذا، وخصوصاً مثل كلمة (البدعة) التي ترسخ معناها الاصطلاحي الجديد في أذهان المسلمين، واقترن استعمالها الشرعي في موارد الذم والحرمة، من خلال أحاديث غفيرة على لسان صاحب الرسالة صلى اللّه عليه وآله وسلم، وكلمات بقية الصحابة، كما استعرضنا قسماً منها في سابق دراستنا هذه، ولا سيما إذا لاحظنا قول (ابن تيمية) المتقدم حول قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «كل بدعة ضلالة»: «فهذا نص من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع، ومَن نازع في دلالته فهو مراغم»(1).
فإذا كانت دلالة الحديث على ذم البدع بهذا المستوى من الوضوح، وقد أصبح هذا المعنى نتيجة لعملية النقل الشرعي هو المتبادر إلى أذهان المسلمين، فكيف يصح استعمال لفظ ( البدعة) بعد ذلك في معناها اللغوي الاسبق، من دون الاتيان بقرينة تصرف اللفظ عن معناه المرتكز، لا سيما إذا لاحظنا انَّ كلمة (البدعة) قد وردت في هذا الحديث بشكل مطلق، بل وسياق الحديث يأبى هذا التحميل، ويشهد بخلافه، ابتداءاً من ذكره «هذه» أو «هي» وقوله: «والتي ينامون عنها أفضل»، المنصرف إلى خصوص هذهِ الصلاة من دون قيدٍ أو شرط، ومروراً بعدم الاشارة إلى أمر (الاسراج) من قريبٍ أو بعيد في عمدة الاحاديث التي يُستدل بها على ثبوت (التراويح)، بما في ذلك روايتي (البخاري) و(الموطأ)، وانتهاءاً بقوله: «إني أرى لو جمعت هؤلاءِ على قارئ واحد لكان أمثل».
وهل يرتضي (ابن تيمية) لشخص أن يقول بشأن صلاة العشاء مثلاً التي تقام
[ 178 ]
جماعة في مسجد ذي سراج بأنّها (بدعة)، ويطلق القول بهذه العفوية، من دون أن يقيم قرينة على إثبات ما يقصدُ إليه؟!
وهل يُلام مَن يحمل كلمة (البدعة) في هذا الكلام على معناها الشرعي المنقول عند الاستماع اليها بهذه الطريقة المطلقة؟
فكيف إذا حُفَّ الأمر بقرائن توحي بالعكس، وكيف إذا صدرت هذه الكلمة بهذا التسامح من انسان جلس في الموقع الذي يحاسب فيه على الصغيرة والكبيرة من أطراف الكلام؟
وعلى أيّة حال فان ما تكلَّفه (ابن تيمية) أمر مرفوض من الناحية العلمية بالدرجة الاولى، من ناحية كونه التفافاً معلناً على الحقائق، وتزوير المفاهيم الاسلامية، بما يصب في صالح الأحقاد المذهبية، والتعصب الذميم.
التبرير الثاني: ما ذكره (أبو اسحاق الشاطبي)، في (الاعتصام) حيث يقول:
«فان قيل: فقد سمّاها عمر رضي اللّه عنه بدعة، وحسَّنها بقوله: نعمت البدعة هذهِ، وإذا ثبت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع.
فالجواب: إنَّما سماّها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر، لا انَّها بدعة في المعنى، فمن سمّاها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي»(1).
فالشاطبي هنا يجعل (التراويح) من حيث أصلها ذات وجهين، فهي عنده ذات أصل في الدين، باعتبار أنَّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قد صلاها ليالٍ ثم انقطع عنها كما يُدعّى، وبهذا تخرج عن كونها بدعةً في الاصطلاح الشرعي، لأنَّ المعنى المصطلح والمذموم هو ما لم يكن له أصل شرعي يستند إليه.
وهي في نفس الوقت لا تمتك أصلاً، وليس لها سابق مثال، باعتبار انَّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم
______________________________
(1) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 195.
[ 179 ]
قد انقطع عنها ولم يصلِّها أبو بكر، وبهذا يصح اطلاق لفظ (البدعة) عليها بهذا الاعتبار، أي باعتبار انَّها لم تُصلَّ في برهة زمنية معينة.
ومن الواضح انَّ كلام (الشاطبي) هنا لا يسلم من المعارضة السابقة لكلام (ابن تيمية) المتقدم، وإن كان (الشاطبي) لم يصرّح هنا بأن (البدعة) قد استُعملت في معناها اللغوي كما فعل (ابن تيمية)، وانما ترك الكلام غائماً، ومشوباً بالغموض والابهام.
وعلى أية حال فان ذكر (الشاطبي) لهذهِ الفترة الوسطية التي لم تُصلَّ فيها (التراويح) على ما قال إن كان المراد انّها تسوِّغ الاستعمال اللفظي ل(البدعة) في الحادث الذي ليس له مثال سابق، فهو ما لا يصح هنا، لأنَّ ترك العمل لمدة معينة غير كافٍ في انطباق عنوان (ما ليس له مثال سابق) عليه، فلو انَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم كان قد صلّى صلاة الاستسقاء مثلاً لقحطٍ أصاب المسلمين، وندرةٍ في الامطار، ثم ترك الصلاة إلى أن ارتحل إلى الرفيق الأعلى، ثم صُلّيت هذهِ الصلاة بعد عشرين عاماً لنفس السبب السابق، فهل يسوغ لنا أن نقول هنا بأنَّ صلاة الاستسقاء (بدعة)، ونطبق اللفظ لغوياً على هذا المعنى المتأخر زماناً؟ وهل لنا أن نبرر هذا الاستعمال اللغوي باعتبار الفترة الوسطية التي تخللت الفعلين؟!
هذا كله بالاضافة إلى ما ذكرناه سابقاً من حاجة مثل هذا الاستعمال إلى قرينة صارفة تعيِّن المقصود، وتصحح الاستعمال.
وإذا كان مراد (الشاطبي) من ذكر الفترة الوسطية بين الفعلين انَّ اطلاق لفظ (البدعة) هنا اطلاق تسامحي، وانَّه من باب ما يعبِّر عنه بالقول: «فلا مشاحة في الاصطلاح»، فهو مرفوض أيضاً لسببين:
السبب الاول: انَّ هذا المعنى إن تمَّ واستقام في شيء، فهو لا يتم في التعامل مع مصطلحات الشريعة الاسلامية، وخصوصاً مثل مفهوم (البدعة) الذي يعد من المفاهيم الاسلامية الدقيقة والحساسة، التي لا يمكن التسامح في أمر تناولها، وتطبيقها على الموارد
[ 180 ]
المختلفة، من دون تثبّت، ودقة، واستقصاء، وخصوصاً من قبل الاشخاص الذين يعتلون المواقع الحساسة التي تطمح اليها الأبصار، إذ انَّ أية مسامحة من هذا القبيل، سوف تعرِّض مفاهيم الشريعة الاصطلاحية إلى التذبذب والارتباك.
والسبب الثاني: انَّ هذا الامر الذي ذكره (الشاطبي) يمكن أن يجري في اطلاق لفظ (البدعة) على غير موارد الذم والحرمة أيضاً مما لم يكن له وجود في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بمثل الاعتبار المذكور، أي يقال بانَّه (بدعة) باعتبار انَّه لم يكن موجوداً في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ويُعتذر لذلك بالقول بأنَّه لا مشاحة في الاصطلاح، فيرجع الأمر في النتيجة إلى تقسيم (البدعة) إلى مذمومة وممدوحة، إذ يمكن أن نوجد لحاظاً واعتباراً لكل الامور الحادثة الممدوحة، ونبرر تطبيق لفظ (البدعة) عليها على هذا الاساس، وهذا ما رفضه (الشاطبي) أشدَّ الرفض، حين أكَّد بطلان القول بالتقسيم بشكل مطلق.
التبرير الثالث: ما ذكره الشيخ (صالح الفوزان) الذي كان يرفض القول بتقسيم (البدعة) رفضاً قاطعاً حيث يقول: «كل بدعة في الدين فهي محرّمة وضلالة لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (واياكم ومحدثات الامور فانَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)، وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (مَن أحدثَ في أمرنا هذا ما ليَس منه فهو ردّ)، وفي روايةٍ: (مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
فدلَّ الحديث على أنَّ كلَّ محدثٍ في الدين فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة مردودة، ومعنى ذلكَ انَّ البدع في العبادات والاعتقادات محرّمة.. مَن قسم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة فهو غالط ومخطئ ومخالف لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (فانَّ كل بدعة ضلالة)، لأنَّ الرسول حكم على البدع كلِّها بأنها ضلالة، وهذا يقول: ليس كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة حسنة».
ثم أردف قائلاً:
«وليس لهؤلاء حجّة على انَّ هناك بدعة حسنة إلا قول عمر رضي اللّه عنه في صلاة
[ 181 ]
التراويح: (نعمت البدعة هذه)»(1).
ولكنَّ (الفوزان) بعد ان ينتهي إلى هذهِ النتيجة يواجه الاشكال الذي يقول: بأن الامر إذا كان كذلك، وانَّ كل بدعة ضلالة من دون أي استثناء، فهذا يعني أنَّ من حقنا أن نحمل كلمة (البدعة) الواردة في مقلولة: «نعمت البدعة هذه» على الضلالة المحرَّمة، لأنَّ كل بدعة ضلالة، وهذهِ (بدعة)، فهي إذن ضلالة، وهذا لون من ألوان القياس العقلي الذي لا يقبل التشكيك.
فيعود (الفوزان) إلى خلفيات هذهِ الصلاة المحدثة، ويحاول أن يعالج الأمر من الجذور، بعد اليأس من درجها ضمن دائرة المندوب أو المباح، كما كان يفعل القائلون بالتقسيم.
وقد عمد إلي تبرير اطلاق لفظ (البدعة) هنا بانتهاج سبيلين:
السبيل الأول: أنه ادّعى انَّ لفظ (البدعة) الوارد في الحديث المتقدم محمود على معناه اللغوي لا الاصطلاحي، فيقول: «وقول عمر: (نعمت البدعة)، يريد البدعه اللغوية لا الشرعية»(2).
وقد حاول أن يضيِّق من المدلول اللغوي لهذه الكلمة، ويتصرف في أصل وضعها بما ينسجم مع هذهِ المقولة، فأضاف: «فما كان له أصل في الشرع يرجع إليه إذا قيل انَّه بدعة، فهو بدعة لغةً لا شرعاً»(3).
فالملاحظ أنَّه يجعل الفعل الذي يكون له أصل في الشرع من أفراد المعنى اللغوي للبدعة، وهذا ما لم يتفوه به أحد من السابقين أو اللاحقين، وهو خلاف فاضح لما ذكره قبل صفحتين من موضوع كلامه هذا، عندما تعرَّض لذكر المعنى اللغوي ل(البدعة) حيث
______________________________
(1) صالح الفوزان، البدعة - تعريفها - انواعها - أحكامها، ص: 8.
(2) صالح الفوزان، البدعة، ص: 9.
(3) صالح الفوزان، البدعة، ص: 9.
[ 182 ]
يقول: «البدعة في اللغة مأخوذة من البدع وهو الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله، (بَدِيعُ السَمواتِ والأَرض)(1)، أي مخترعها على غير مثال سابق، وقوله - تعالى - (قُل ما كُنتُ بِدعاً مِنَ الرُّسلِ)(2)، أي ما كنتَ أول مَن جاءَ بالرسالة من اللّه إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل، ويُقال ابتدعَ فلان بدعةً، يعني ابتدأ طريقةً لم يُسبق اليها»(3).
فمن الواضح انَّ المعنى اللغوي ل(البدعة) يأبى التفسير الذي ذكره (الفوزان) لها على نحو التحميل، وذلك حسب إقراره هو، وتصريحه بذلك، إذ (البدعة) لغةً هي: (ما لم يكن له مثال سابق) حسب قول أئمة اللغة وعلمائها بالاتفاق، فكيف يمكن أن تطبَّق على ما كان له أصل سابق في الشريعة؟ وهل أنَّ بامكان أحد أن يوسِّع أو يضيِّق المداليل اللغوية للالفاظ متى شاء وأنّى أراد؟
إن هذا إلا عبث سافر بالألفاظ، وخلط واضح التهاتر والبطلان.
السبيل الثاني: انَّه ادعى انّ صلاة (التراويح) كانت قائمة في عهد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وانه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد صلاها بأصحابه مدّة، ثم انقطع عنها، حيث يقول: «والتراويح قد صلاها النبي بأصحابه ليالي، وتخلّف عنهم في الأخير، خشيةَ أن تُفرض عليهم، واستمر الصحابة - رضي اللّه عنهم - يصلّونها أوزاعاً متفرّقين في حياة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وبعد وفاته، إلى أن جمعهم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه خلف امامٍ واحدٍ كما كانوا خلف النبي، وليس هذا بدعةً في الدين»(4).
فهل حقاً انَّ النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم قد صلّى التراويح جماعة، وتخلَّف عنها خشيةَ أن
______________________________
(1) البقرة: 117.
(2) الأحقاف: 9.
(3) صالح الفوزان، البدعة، ص: 5.
(4) صالح الفوزان، البدعة، ص: 9 - 10.
[ 183 ]
تُفرض على أصحابه، فيكون لهذه الصلاة جذور شرعية تربطها بالدين، أو انَّ الأمر على خلاف ذلك؟!
هذا ما سنتعرض له بتفضيل عندما نتناول خلفيات هذهِ الصلاة في موضعها الخاص بإذن اللّه تعالى.
الفصل الثالث : مفهوم البدعة في النصوص الاسلامية
إنَّ النص الاسلامي الصريح هو الذي يمتلك الكلمة الفاصلة في تحديد هوية أية مفردة من مفردات الثقافة الاسلامية، وهو الذي يوضح ما يمكن أن تكتنف به بعض المفاهيم الاسلامية من غموض وابهام.
وبما انَّ هناك اضطراباً واضحاً عند بعض المصنفين في تحديد هوية الابتداع في الاصطلاح الشرعي، وتفاوتاً كبيراً في طريقة تطبيقه على مفرداته المختلفة فنرى أنَّ من المستحسن بنا، وقبل الاسترسال في بيان معالم وخصوصيات هذا المفهوم، وذكر قيوده وشروط تطبيقه، أن نستعين بالنصوص الاسلامية التي تعرضت لتحديد هذا المفهوم وإبراز هويته.
كما نتعرض أيضاً لبعض التطبيقات الواردة على ألسنة هذه الاحاديث، لنرى الضابط والمدار الذي تدور حوله هذه التطبيقات.
وسوف نقوم بتقسيم هذهِ الأحاديث إلى أربع طوائف، ونمنح كلَّ طائفة منها عنواناً خاصاض، يمثل القاسم المشترك لمجموع الاحاديث الواردة في الطائفة الواحدة.
ومن خلال النظرة في هذهِ العناوين يستطيع القارئ أن يكوّن نظرة إجمالية أولية عن طبيعة القيود التي ينبغي أن تؤخذ في حد مفهوم (البدعة)، وطبيعة الضابطة التي يتم على أساسها تطبيق هذا المفهوم على موردٍ دون آخر.
ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عيه وآله وسلم أنه قال:
«لا يذهب من السنة شيء، حتى يظهر من البدعة مثله، حتى تذهب السنة، وتظهر البدعة، حتى يستوفي البدعة مَن لا يعرف السنة فمن أحيى ميتاً من سنتي قد
[ 188 ]
اُميتت، كان له أجرُها، وأجر مَن عمل بها، من غير أن ينقص من اُجورهم شيئاً، ومَن أبدَعَ بدعةً، كان عليه وزرها، ووزر مَن عمل، بها لا ينقص من أوزارهم شيئاً»(1).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«لا ترجعنَّ بعدي كفّاراً، مرتدين، متأولين للكتاب على غير معرفة، وتبتدعون السنة بالهوى، لأنَّ كل سنة وحدث وكلام خالف القرآن فهو ردّ وباطل»(2).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«يأتي على الناس زمان وجوههم وجوه الآدميين، وقلوبهم قلوب الشياطين... السنة فيهم بدعة، والبدعة فيهم سنّة»(3).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«مَن أدّى إلى اُمتي حديثاً يُقام به سنّة، أو يثلم به بدعة، فله الجنة»(4).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«إيّاكَ أن تسنَّ بدعة، فان العبد إذا سنَّ سنةً سيئة، لحقه وزرها، ووزر مَن عمل بها...»(5).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«مَن أحدثَ حدثاً: أو آوى محدثاً، فعليه لعنة اللّه والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل منه عدل ولا صرف يوم القيامة.
فقيل: يا رسول اللّه: ما الحدث؟
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: منَ قَتَل نفساً بغير نفسٍ، أو مثَّل بغير قودٍ، أو ابتدعَ بدعةً بغير
______________________________
(1) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1119، ص: 222.
(2) الشريف الرضي، خصائص الأئمة، تحقيق: محمد هادي الاميني، ص: 75.
(3) تاج الدين الشعيري، جامع الأخبار، ص: 125.
(4) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 19، ح: 43، ص: 152.
(5) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 74، باب: 5، ح: 1، ص: 104.
[ 189 ]
سنة»(1).
وعن أبي بصير عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال:
«لما حضر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الوفاة، نَزَلَ حبرائيل، فقال له جبرئيل: يا رسول اللّه، هل لكَ في الرجوع؟ قال: لا، قد بلَّغتُ رسالات ربّي، ثم قال له: يا رسول اللّه أتريد الرجوع إلي الدنيا؟، قال: لا، بل الرفيق الأعلى، ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم للمسلمين، وهم مجتمعون حوله:
أيها الناس أنّه لا نبيَّ بعدي، ولا سنَّة بعدَ سنتي، فمن ادّعى ذلك فدعواه وبدعته في النار...»(2).
وعنه صلى اللّه عيه وآله وسلم:
« ما من اُمةٍ ابتدعت بَعدَ نبيها في دينها بدعةً، إلا أضاعت مثلها من السنة»(3).
وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال:
«وأما أهل السنة، فالمتمسكون بما سنَّه اللّهُ لهم ورسوله، وإن قلّوا، وأما أهل البدعة، فالمخالفون لأمر اللّه تعالى وكتابه ولرسوله، والعاملون برأيهم وأهوائهم، وإن كثروا، وقد مضى منهم الفوج الأول، وبقيت أفواج، وعلى اللّهِ فضُّها واستيصالها عن جدبة الأرض»(4).
وسأل رجل الامام علياً عليه السلام عن السنة، والبدعة، والفرقة، والجماعة، فقال عليه السلام:
«أمّا السنة: فسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وأما البدعة: فما خالفها، وأمّا الفرقة، فأهل الباطل وإن كثروا، وأمّا الجماعة، فأهل الحق وإن قلّوا»(5).
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، معاني الأخبار، تحقيق علي أكبر الغفّاري، ص: 265.
(2) محمد بن النعمان المفيد، أمالي الشيخ المفيد، ص: 53.
(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1100، ص: 319.
(4) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 16، ح: 44216، ص: 184.
(5) الحرّاني، تحف العقول، تحقيق: علي أكبر الغفّاري، ص: 211.
[ 190 ]
وعنه عليه السلام:
«واعلموا أنَّ خير ما لزم القلب اليقين، وأحسن اليقين التقى، وأفضل اُمور الحق عزائمها، وشرّها محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبالبدع هدم السنن»(1).
وعنه عليه السلام:
«ما اُحدثت بدعة إلا تُرك بها سنة، فاتقوا البدع، والزموا المهيع، إنَّ عوازم الامور أفضلها، وانَّ محدثاتها شرارها»(2).
وعنه عليه السلام:
«واعلم أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه، ولن تتلوا الكتاب حقَّ تلاوته حتى تعرفوا الذي حرَّفه، ولن تعرفوا الضلالة، حتى تعرفوا الهدى، ولن تعرفوا التقوى، حتى تعرفوا الذي تعدّى، فإذا عرفتم ذلك، عرفتم البدع والتكلّف، ورأيتم الفريةَ على اللّه ورسوله، والتحريف لكتابه»(3).
وعنه عليه السلام:
«فاستقيموا على كتابه، وعلى منهاج أمره، وعلى الطريقة الصالحة من عبادته، ثم لا تمرقوا منها، ولا تبتدعوا فيها، ولا تخالفوا عنها، فانَّ أهل المروق منقطع بهم عند اللّه يوم القيامة.. واعلموا عبادَ اللّه أنَّ المؤمن يستحل العام ما استحلَّ عاماً أول، ويحرّم العام ما حرَّمَ عاماً أول، وانَّ ما أحدث الناس لا يحل لكم شيئاً مما حُرِّم عليكم... وانّما الناس رجلان: متبع شرعة، ومبتدع بدعة، ليس له من اللّه سبحانه برهان وسنة، ولا
______________________________
(1) الحرّاني، تحف العقول، ص: 151.
(2) نهج البلاغة: الخطبة / 145، والمهيَع: هو الطريق الواسع البيِّن.
(3) محمد بن يعقوب الكليني، الروضة من الكافي، ح: 586، ص: 390.
[ 191 ]
ضياء وحجّة»(1).
وعنه عليه السلام من كتابٍ له إلى عثمان:
« فاعلم انَّ أفضل عباد اللّه عند اللّه إمام هُدِيَ وهَدى، فأقامَ سنة معلومة، وأماتَ بدعةً مجهولة، وانَّ السنن لنيِّرة لها أعلام، وانَّ البدع لظاهرة لها أعلام، وانَّ شرَّ الناس عند اللّه إمام جائر ضلَّ وضُلَّ به، فأماتَ سنةً مأخوذةً، وأحيى بدعةً متروكة»(2).
وعنه عليه السلام في حق بني اُمية:
«قد خاضوا بحار الفتن، وأخذوا بالبدع دونَ السنن»(3).
وعنه عليه السلام:
«أيها الناس انّما بدء وقوع الفتن أهواء تُتبع، وأحكام تبتدع، يُخالف فيها كتاب اللّه، يقلِّد فيها رجال رجالاً...»(4).
وعنه عليه السلام:
«ما أحد ابتدع بدعةً إلا ترك بها سنة»(5).
وعنه عليه السلام:
«طوبى لمن ذلَّ في نفسه.. وَعَزل عن الناس شرَّه، ووسعته السنة، ولم يُنسب إلى البدعة»(6).
وعنه عليه السلام أنَّه ضربَ بيده على لحيته الشريفة الكريمة، فأطال البكاء ثم قال:
«أوِّه على إخواني الذينَ تلوا القرآن فأحكموه، وتدبّروا الفرضَ فأقاموه، وأحيوا
______________________________
(1) نهج البلاغة: الخطبة / 176.
(2) نهج البلاغة: الكلام / 164.
(3) نهج البلاغة: الخطبة / 154.
(4) أبو جعفر البرقي المحاسن ج: 1، ص: 330.
(5) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: 19، ص: 58.
(6) نهج البلاغة: الخطبة / 123.
[ 192 ]
السنّة، وأماتوا البدعة»(1).
ومن دعاء الامام الرضا عليه السلام لصاحب الأمر:
«واقصم به رؤوس الضلالة، وشارعة البدع، ومميتة السنة، ومقوِّية الباطل»(2).
(البدعة): تعني الغش والضلال واتباع الأهواء
ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«مَن غشَّ من اُمتي، فعليه لعنةُ اللّهِ والملائكة والناس أجمعين، قالوا: يا رسول اللّه، وما الغش؟ فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
أن يبتدعَ لهم بدعة فيعملوا بها»(3).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«إنَّ أحسنَ الحديث كتاب اللّه، وخير الهدي هدي محمد، وشر الامور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»(4).
وعن أي جعفر الباقر عليه السلام في قوله تعالى: (قُل هَل نُنَبِّئُكُم بالأَخسَرينَ أَعمالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعيُهُم في الحَياةِ الدُّنيا وَهُم يَحسَبُون أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعاً)(5) قال عليه السلام:
«هم النصارى، والقسيسون، والرهبان، وأهل الشبهات والأهواء من أهل القبلة، والحرورية، وأهل البدع»(6).
_____________________________
(1) نهج البلاغة: الخطبة / 182.
(2)محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 92، باب: 15، ح: 4، ص: 331.
(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1118، ص: 222.
(4) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 34، ص: 301.
(5) الكهف: 103 - 104.
(6) علي بن ابراهيم القمي، تفسير القمي، ج: 2، ص: 46.
[ 193 ]
وعنه عليه السلام في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثلِها وَتَرهَقُهُم ذِلَّة ما لَهُم مِنَ اللّهِ مِن عاصِمٍ)(1)، قال عليه السلام:
«هؤلاء أهل البدع والشبهات والشهوات، يسوَّد اللّه وجوههم، ثم يلقونه»(2).
(البدعة): أدنى مراتب الكفر والشرك
عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:
«... وأدنى ما يكون به العبدُ كافراً، مَن زعَمَ أنَّ شيئاً نهى اللّهُ عنه أنَّ اللّهَ أمَرَ به، ونصبه ديناً يتولّى عليه، ويزعم انَّه يعبد الذي أمره به، وانما يعبد الشيان...»(3).
وعن الحلبي قال: قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام:
«ما أدنى ما يكون به العبد كافراً؟ فقال عليه السلام: أن يبتدعَ شيئاً فيتولّى عليه، ويبرأ ممَّن خالفه»(4).
وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام:
«أدنى الشرك أن يبتدع الرجل رأياً، فيحبُّ عليه ويبغض»(5).
وردت في النصوص الاسلامية عدة تطبيقات على موارد معينة كانت تجسِّد
_____________________________
(1) يونس: 27.
(1) علي بن ابراهيم القمي، تفسير القمي، ج: 1، ص: 311.
(3) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 2، باب: ادنى ما يكون به العبد مؤمناً أو كافراً أو ضالاً، ح: 1، ص: 414.
(4) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 34، ح: 33، ص: 301.
(1) أبو جعفر الصدوق، ثواب الأعمال وعقابها، تحقيق: علي أكبر الغفاري، ص: 587، ح: 3.
[ 194 ]
بوضوح ظاهرة الابتداع، كما ورد أيضاً نفي الابتداع عن موارد اُخرى، وسوف نستعرض أمثلة تاريخية لكلا القسمين، لكي نتمكن من خلال ذلك أخذ صورة واقعية عن طبيعة هذهِ التطبيقات، والحدود التي تمت فيها.
فأمّا الموارد التي ورد فيها تطبيق معنى الابتداع فهي كثيرة، سوف ننتخب للقارئ الكريم بعض النماذج البارزة لها.
1 - طبَّق رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم (البدعة) على عملية اكراه الناس للدخول في الاسلام، حيث إنَّ اللّه تعالى لم يأمر بذلك، فيكون تطبيقاً لما ليس له أصل في الدين، فقد وردَ عن علي عليه السلام أنه قال:
«إنَّ المسلمين قالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: لو أكرهتَ يا رسولَ اللّه مَن قدرتَ عليه من الناس على الاسلام، لكثر عددنا، وقوينا على عدوِّنا، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ما كنتُ لألقى اللّه عزَّ وجلَّ ببدعةٍ لم يحدث إليَّ فيها شيئاً، وما أنا من المتكلفين.
فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ عليه: يا محمَّد: (وَلَو شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهمُ جَميعاً)(2) على سبيل الالجاء والاضطرار في الدنيا، كما يؤمنونَ عند المعاينة ورؤية البأس في الآخرة، ولو فعلت ذلك بهم لم يستحقّوا مني ثواباً ولا مدحاً، لكنّي اُريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرين، ليستحقوا مني الزلفى والكرامة ودوام الخلود في جنة الخلد: (أَفَأَنتَ تُكرِه النّاسَ حَتى يَكُونُوا مُؤمِنيِنَ)(2)»(3).
2 - طبَّق رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم (البدعة) على قيام نافلة شهر رمضان جماعة في لياليه، وهي المسماة بصلاة (التراويح)، وطبقها كذلك على صلاة (الضحى)، باعتبار أنَّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يشرع ذلك للمسلمين، بل وقد ورد عنه النهي عن ذلك، فقد ورد عن أبي عبد اللّه
______________________________
(1) يونس: 99.
(2) يونس: 99.
(3) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 55، ح: 11، ص: 342.
[ 195 ]
الصادق عليه السلام أنه قال:
«صوم شهر رمضان فريضة، والقيام في جماعة في ليلته بدعة، وما صلاها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في لياليه بجماعة، ولو كانَ خيراً ما تركه، وقد صلّى في بعض ليالي شهر رمضان وحده، فقام قوم خلفه، فلما أحسَّ بهم دَخَلَ بيتَه، فَعَلَ ذلكَ ثلاثَ ليالٍ، فلما أصبح بعد ثلاث صعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال:
(أيها الناس لا تصلّوا النافلة ليلاً في شهر رمضان، ولا في غيره، فانّها بدعة، ولا تصلّوا الضحى، فانَّها بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار).
ثم نزل وهو يقول: (قليل في سنة خير من كثير في بدعة).»(1).
3 - طبقت (البدعة) في كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام على فعل أهل النهروان الذينَ حاربوه، وخرجوا عليه بغير حقٍّ، ففي حديث طويل يحاور فيه (ابنُ الكواء) أميرَ المؤمنين عليه السلام أنه قال:
«.. يا أمير المؤمنين أخبرني عن قول اللّه عزَّ وجلَّ: (قُل هَل نُنَبّئُكُم بالأَخَسرينَ أعمالاً* الَّذينَ ضَلَّ سَعيُهُم في الحَياةِ الدُّنيا وَهُم يَحسَبونَ أَنّهم يُحسِنونَ صُنعاً)(2)، فقال عليه السلام: كَفَرةُ أهل الكتاب: اليهود والنصارى، وقد كانوا على الحق، فابتدعوا في أديانهم، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً.
ثم نزل عليه السلام عن المنبر، وضربَ بيده على منكب (ابن الكواء)، ثم قال: يا ابن الكواء وما أهل النهروان منهم ببعيد! فقال: يا أمير المؤمنين ما اُريد غيرك، ولا أسأل سواك.
قال الراوي: فرأينا (ابن الكواء) يومَ النهروان، فقيل له: ثكلتكَ امُّك بالأمس كنتَ تسأل أمير المؤمنين عليه السلام عما سألته وأنت اليوم تقاتله؟! فرأينا رجلاً حمل عليه،
______________________________
(1) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 94، باب: 3، ح: 4، ص: 381، عن كتاب دعائم الاسلام، ج: 1، ص: 213.
(2) الكهف: 103 - 104.
[ 196 ]
فطعنه فقتله»(1).
4 - طبَّق أمير المؤمنين عليه السلام (البدعة) على الخوض في أمر القَدَر، والجدال في الامور الاعتقادية التي تكون منشأً للاختلاف، وسبباً لفرقة المسلمين، وتمزيق وحدتهم، وذلك عندما مرَّ على قومٍ من أخلاط المسلمين، ليسَ فيهم مهاجري ولا أنصاري، وهم قعود في بعض المساجد في أول يومٍ من شعبان، وإذا هم يخوضونَ في أمرِ القَدَر مما اختلف الناسُ فيه، قد ارتفعت أصواتهم، واشتدَّ فيه جدالهم، فوقف عليهم وسلَّم، فردّوا عليه، ووسعوا له، وقاموا إليه يسألونه القعود اليهم، فلم يحفل بهم، ثم قال لهم - وناداهم -:
« يا معشر المتكلمين، ألم تعلموا أنَّ للّه عباداً قد أسكتتهم خشيته من غير عيٍّ ولا بكم.. فأين أنتم منهم يا معشر المبتدعين، ألم تعلموا انَّ أعلمَ الناس بالضرر أسكتهم عنه، وانَّ أجهل الناس بالضرر أنطقهم فيه؟»(2).
5 - طبقت (البدعة) على قول المؤذن (الصلاة خير من النوم)، وعدِّهِ جزءاً من الاذان الشرعي، وذلك باعتبار انَّ هذا القول ليس له أصل في الدين، فقد وَردَ عن أبي الحسن عليه السلام أنه قال:
«الصلاة خير من النوم بدعة بني اُمية، وليسَ ذلكَ من أصل الأذان، ولا بأس إذا أراد الرجل أن ينبّه الناس للصلاة أن ينادي بذلك، ولا يجعله من أصل الأذان، فانّا لا نراه أذاناً»(3).
6 - طبقت (البدعة) على الأذان الثالث يوم الجمعة الذي أحدثه عثمان بن عفان، ولم يكن له أية صلة بالتشريع، فقد وردَ عن أبي جعفرٍ عليه السلام أنه قال:
______________________________
(1) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: 1، ص: 617، وقال في هامش الاحتجاج: ونحوه في التبيان 9 / 378، والعياشي 2 / 283، والمجلسي 10 / 121.
(2) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 3، باب: 9، ح: 30، ص: 266.
(3) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار ج: 81، باب: 13، ح: 76، ص: 172.
[ 197 ]
«الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة»(1).
7 - طبقت (البدعة) على الجدال في القرآن بغير علم، فعن اليقطيني قال:
«كتبَ أبو الحسن الثالث عليه السلام إلى بعض شيعته ببغداد: بسم اللّه الرحمن الرحيم، عصمنا اللّه واياكَ من الفتنة، فان يفعل فاعظم بها نعمة، والاّ يفعل فهي الهلكة، نحن نرى أنَّ الجدال في القرآن بدعة، اشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليسَ له، وتكلَّف المجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلا اللّه، وما سواه مخلوق...»(2).
هذا بالنسبة إلى تطبيق (البدعة) على بعض الموارد البارزة لها في لسان الروايات، كما جاءَ أيضاً نفي الابتداع عن موارد اُخرى لعدم انطباق حدود المفهوم عليها، ولما تمتلكه من اُصول دينية مشروعة، فمن تلكَ الموارد:
1 - انّه نُفي الابتداع عن سجدة الشكر بعد الفريضة باعتبار ارتباط هذا العمل بالدين، ووجود أصل له فيه، فقد سأل محمد بن عبد اللّه الحميري من صاحب الزمان عليه السلام عن سجدة الشكر بعد الفريضة، هل يجوز أن يسجدها الرجل بعد الفريضة، فان بعضَ أصحابنا ذكر أنّها (بدعة)، فأجاب عليه السلام:
«سجدة الشكر من ألزم السنن وأوجبها، ولم يقل انَّ هذهِ السجدة بدعة إلا مَن أراد أن يحدث في دين اللّه بدعة...»(3).
2 - انّه نُفي الابتداع عن إظهار البسملة، باعتبار وجود أصل لها في التشريع فعن خالد بن المختار قال: سمعت جعفر بن محمد عليه السلام يقول:
«ما لهم قاتلهم اللّه عمدوا إلى أعظمِ آيةٍ في كتاب اللّه فزعموا انّها بدعة إذا أظهروها، وهي بسم اللّه الرحمن الرحيم»(4).
______________________________
(1) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 80، باب: 10، ح: 26، ص: 114، عن الكافي 3 / 421 والتهذيب 1/250.
(2) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: 89، باب: 14، ح: 4، ص: 118، عن أمالي الصدوق ص: 326.
(2) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: 2، ص: 576.
(3) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 82، كتاب الصلاة، باب: 23، ح: 10، ص: 21، عن تفسير العياشي /21.