ومن الاسباب الاخرى التي أدَّت إلى نشوء البدع في حياة المسلمين، ظاهرة اتباع الأهواء، والانحراف عن جادة الصواب، وصراط اللّه المستقيم.
فالنفس الانسانية تتجاذبها تيارات وشهوات متعددة، وهي تنساق مع مغريات الحياة وملاذِّها بروية، وتستعصي على الحق، وتأبى قبوله، والسير على هداه، لما فيه من منعٍ للنفس عن اهوائها، ومشتهياتها الفانية.
فقد يدين الانسان بالاسلام، ويُعدّ فيمن يُعدُّ من المسلمين، إلا أنه ما يلبث أن ينتحل الاعذار، ويسوِّف في امتثال الأوامر الالهية، نتيجة لاستسلامه لضغوط قوة الهوى عليه، وقد يندفع الانسان إلى ما هو أبشع من ذلك، تلبيةً للنزعات الأنانية الكامنة في نفسه، فيحرف التعاليم السماوية، وفق أهوائه وميوله الخاصة، من أجل أن
[ 125 ]
يبرر لنفسه المعتَقد والعمل، أو من أجل أن يُضلّ الآخرين بغير علم، فيردى ويُردي الآخرين معه في الأهواء والمبتدعات.
هذا العامل لم يكن ليتحرر منه الانسان الذي عاش في العصر الاول للتشريع، كما أنه لا يمكن أن يتحرر منه انسان اليوم وانسان غد، ما زال يحمل أعدى أعدائه بين جوانحه، وهي نفسه الأمّارة بالسوء.
قال تعالى: (ومَن أضلُّ مَمَّن اتَّبعَ هَواهُ بِغيرِ هُدىً مِنَ اللّهِ)(1).
وقال تعالى: (ولا تتَّبعِ الهَوى فيُضلَّكَ عَن سَبيلِ اللّهِ إنَّ الذينَ يَضلّونَ عَن سَبيلِ اللّهِ لَهُم عذاب شَديد بما نَسوا يَومَ الحِسابِ)(2).
وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«ما تحت ظِلّ السماء من إله يُعبد من دون اللّه أعظم عند اللّه، من هوىً متّبع»(3).
وقال أمير المؤمنين عليه السلام:
«إنَّما أخاف عليكم اثنين: اتّباع الهوى، وطول الأمل، أما اتّباع الهوى، فانَّه يصدّ عن الحق، وأما طول الأمل، فينسي الآخرة»(4).
وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: يقول اللّه عزَّ وجلَّ: وعزتي، وجلالي، وعظمتي، وكبريائي، ونوري، وعلوّي، وارتفاع مكاني، لا يؤثر عبد هواه على هواي، إلا شتّتُّ عليه أمره، ولبّستُ عليه دنياه، وشغلتُ قلبه بها، ولم اُوته منها إلا ما قدَّرتُ له.
وعزتي، وجلالي، وعظمتي، ونوري، وعلوّي، وارتفاع مكاني، لا يؤثر عبد
______________________________
(1) القصص: 50.
(2) ص: 26.
(3) نور الدين الهيثمي، مجمع الزوائد، ج: 1، باب: في البدع والاهواء، ص: 188.
(4) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 2، باب: اتّباع الهوى، ح: 3، ص: 325.
[ 126 ]
هواي على هواه، إلا استحفظته ملائكتي، وكفّلت السموات والارضين رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر، وأتته الدنيا وهي راغمة».
وعن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام أنه قال:
«احذروا أهواءكم، كما تحذرون أعداءكم، فليس شيء أعدى للرجال من اتّباع أهوائهم، وحصائد السنتهم».
وفي الحقيقة انَّ اتّباع الاهواء يعدّ من أبرز العوامل التي ساهمت في ظهور البدع والمحدثات، يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
«أيها الناس إنَّما بدء وقوع الفتن أهواء تُتبع، وأحكام تُبتدع، يُخالف فيها كتاب اللّه، يتولى فيها رجال رجالاً، فلو انَّ الباطل خلص، لم يخفَ على ذي حجى، ولو انَّ الحق خلص، لم يكن اختلاف، ولكن يؤخذ من هذا ضغث، ومن هذا ضعث، فيُمزجان فيجيئان معاً، فهنالك استحوذ الشيطان على أوليائه، ونجا الذينَ سبقت لهم من اللّه الحسنى».
ويمكن لنا أن نلتمس بعض المصاديق التي تولّدت عن هذا العامل في بدايات التشريع، على أنّا نذكّر قبل ذلك انَّ أغلب الفتن التي مرَّت بها الامة الاسلامية، وأكثر الانقسامات التي حصلت فيها، إنَّما هي ناشئة في واقعها من جراء اتّباع الاهواء، والابتعاد عن كتاب اللّه وعترة أهل البيت عليهم السلام الذين أوصى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم امته بأن تتمسك بهما، وتلوذ في حماهما، لانهما لن يفترقا حتى يردا عليه صلى اللّه عليه وآله وسلم الحوض.
1 - جاءَ في الاعتصام ما نصه:
«شرب نفر من أهل الشام الخمر، وعليهم يزيد بن أبي سفيان، فقالوا: هي لنا
______________________________
(1) محمد يعقوب الكليني، الاصول من الكافي: ج: 2، باب: اتّباع الهوى، ح: 2، ص: 335.
(2) محمد يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 2، باب: اتّباع الهوى، ح: 1، ص: 335.
(3) نهج البلاغة: الكلام / 50.
[ 127 ]
حلال، وتأولوا هذهِ الآية: (لَيسَ عَلى الّذينَ آمنُوا وَعَمِلُوا الصّالحاتِ جُناح فيما طَعمُوا إذا ما اتّقوا وآمنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ثُمَّ اتقّوا وآمنُوا ثُمَّ اتقّوا وأحسَنُوا وَاللّهُ يُحِبُّ المُحسِنينَ)(1)، قال: فكتب فيهم إلى عمر، فكتب عمر إليه: أن ابعث بهم اليَّ قبل أن يفسدوا مَن قِبَلَكَ، فلما قدموا إلى عمر استشار فيهم الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين! نرى انَّهم قد كذبوا على اللّه، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به، فاضرب أعناقهم! وعلي رضي اللّه عنه ساكت، قال: فما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أرى أن تستتيبهم، فان تابوا جلدتهم ثمانين ثمانين لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربتَ أعناقهم، فانهم قد كذبوا على اللّه، وشرعوا في دين اللّه ما لم يأذن به»(2).
2 - مرَّ الامام علي عليه السلام بقتلى الخوارج فقال:
«بؤساً لكم! لقد ضرَّكم مَن غزِّكم، فقيل: ومَن غرَّهم؟ فقال: الشيطان المضل، والنفس الامارة بالسوء، غرَّهم بالأماني، وفَسَحت لهم في المعاصي، ووعدتهم الاظهار، فاقتحمت بهم النار»(3).
______________________________
(1) المائدة: 93.
(2) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 2، ص: 46.
(1) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج: 19، ص: 235.
[ 129 ]
الفصل الاول : البدعة في اللغة والاصطلاح الشرعي
البدعة لغةً
للبدعة في اللغة أصلان، أحدهما: (البَدع)، وهو مأخوذ من (بَدَعَ)، وثانيهما: (الابداع)، وهو ما مأخوذ من (أبدعَ).
وكلا هذين الاصلين يعطي معنىً واحداً، وهو عبارة عن انشاء الشيء لا على مثالٍ سابق، واختراعه وابتكاره بعد أن لم يكن.
يقول الفراهيدي عن (البَدع): «هو إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة»(1).
ويقول الراغب عن (الابداع): «هو انشاء صفةٍ بلا احتذاء واقتداء»(2).
وينص الأزهري على أنَّ (الابداع) أكثر استعمالاً من (البَدع)، وهذا لا يعني أنَّ استعمال (البَدع) خطأ، وانما هو صحيح ولكنه قليل، فيقول في ذلك: و«(أبدعَ) أكثر في الكلام من (بَدَعَ)، ولو استعمل (بَدَعَ) لم يكن خطأ»(3)!
وعلى هذا الاساس تقول من (البَدع): «بدعتُ الشيء إذا أنشأته»(4).
وتقول من (الابداع): ابتدعَ الشيء: أي (أنشأه وبدأه)(5)، وتقول أيضاً: «أبدعتُ الشيء أي اخترعته لا على مثال»(6).
______________________________
(1) الفراهيدي، العين، ج: 2، ص: 54.
(2) الراغب الاصفهاني، معجم مفردات الفاظ االقرآن الكريم، ص: 36.
(3) الأزهري، تهذيب اللغة، ج: 2، ص: 241.
(4) ابن دريد، جمهرة اللغة، ج: 1، ص: 298.
(5) ابن منظور، لسان العرب، ج: 8، ص: 6.
(6) الجوهري، الصحاح، ج: 3، ص: 1183.
[ 134 ]
و(أبدَعَ) اللّه تعالى الخلق (إبداعاً): أي خلقهم لا على مثال سابق، و(أبدعتُ) الشيءَ و(ابتدعته): استخرجته وأحدثته، ومنه قيل للحالة المخالفة (بدعة)، وهي اسم من (الابتداع)، كالرفعة من الارتفاع(1)، ومعنى (البدعة): الشيء الذي يكون أولاً(2)، وجمع (البدعة) (البدع)(3)، وانّما سميت (بدعة) لانَّ قائلها ابتدعها هو نفسه(4).
وفي أسماء الله تعالى (البديع): وهو الخالق المخترع لا على مثال سابق(5).
يقول اللّه تعالى: (بَديعُ السَّمواتِ والأَرضِ)(6): أي مبتدعها ومبتدئها لا على مثال سبق(7)، وبديع الحكمة غريبها، ومنه الحديث: (روّحوا أنفسكم ببديع الحكمة، فانها تكلّ كما تكل الابدان»(8).
ويقول اللّه تعالى: (وَرَهبَانيَّةً اَبَتَدعُوها)(9): أي أحدثوها من عند أنفسهم(10).
فيتحصل لدينا من خلال كل ما تقدَّم انَّ المعنى اللغوي ل(البدعة): هو الشيء الذي يُبتكر ويُخترع من دون مثال سابق، ويُبتدأ به بعد أن لم يكن موجوداً من قبل.
______________________________
(1) الفيومي، المصباح المنير، ج: 1، ص: 38.
(2) ابن منظور، لسان العرب، ج: 8، ص: 6.
(3) ابن دريد، جمهرة اللغة، ج: 1، ص: 298.
(4) الطريحي، مجمع البحرين، ج: 4، ص: 299.
(5) ابن الأثير، النهاية، ج: 1، ص: 106.
(6) البقرة: 117.
(7) الزبيدي، تاج العروس، ج: 5، ص: 270.
(8) الطريحي، مجمع البحرين، ج: 4، ص: 298.
(9) الحديد: 27.
(10) الطريحي، مجمع البحرين، ج: 4، ص: 298.
[ 135 ]
اكتنف مفهوم (البدعة) بالكثير من التشويش والغموض في كلمات العلماء والباحثين، فوردت في مقام تحديد هويته، وتوضيح قيوده، عدة تعريفات متفاوتة ومختلفة.
وكان أن اختلفت تبعاً لذلك رؤى هؤلاء الأعلام في المفردات التطبيقية لهذا المفهوم على الواقع العملي، حتى وصل الأمر الى أن تقاطعت بعض هذهِ الحدود والتعريفات فيما بينها.... مما أدّى الى تكفير بعض الطوائف الاسلامية للبعض الآخر، بذريعة (الابتداع)، والخروج عن حياط السنة النبوية الشريفة.
وقد استُغل هذا المفوم الاسلامي أبشع استغلال من قبل بعض المتطرفين، الذين عمدوا الى تحريفه عن واقعه، والتدليس في حقيقته، من أجل النيل من معتقدات أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، واتهامهم بمختلف الأباطيل.
وقد عُدَّ هذا الامر من أبرز الوسائل التي أعلنتها (الوهابية)، واتخذتها شعاراً في أمر التشنيع على أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، والصاق التهم المفتعلة بهم، كذباً وبهتاناً وزوراً.
وفي حقيقة الأمر انَّه على الرغم من الملابسات التي اكتنفت هذا المفهوم الاسلامي الواضح، والهالة المفتعلة من التشويش والغموض التي اُحيطت به.. إلا انّا نرى بأنَّ جلاءه ووضوحه في التشريع أكبر من أن تنال منه تلك الأقاويل، أو أن تحجب حقيقته يدُ التزوير، كما انَّ حضوره في صفوف المفردات البارزة للتشريع، قد تركَ الارتكاز الواضح عنه في أذهان المسلمين، والانطباع الذي لا يتعرض الى الاهتزاز والتحريف بمجرد ما يُطلق حوله من ادّعاءات، ولهذا نرى انَّ المعنى النظري لمفهوم (البدعة) قد أخذ موقعه المتقدم من الوضوح في النصوص الشرعية التي تعرضت له، وفي أقوال الكثير من العلماء الذين تعرَّضوا لبيان حدِّه ومفهومه، ولكن نقطة الاضطراب التي انطلق منها التشويش
[ 136 ]
على هذا المفهوم، انما بدأت عندما حاول البعض أن يعكس آثار الموارد التطبيقية على أصل المفهوم، ويكيّف الحدَّ والتعريف تبعاً لتلك الموارد المدّعاة.
فوقع الخلاف والتقاطع في الآراء التي تعرضت لتحديد هوية الابتداع، في الجانب العملي للمفهوم، إن صحَّ هذا التعبير.
على انَّ من الواضح انَّ محاولة التوفيق بين المفهوم والمصداق الذي يعبِّر عنه، لا ينبغي أن تلجئ الباحث الى حرف المفهوم عن واقعه وحقيقته، لجعله متلائماً ومنسجماً مع مصداق خارجي محدّد، ومورد تطبيقي معيَّن، فتقع حينئذٍ هوية الحد والمفهوم ضحية لمثل هذا التلاعب غير المشروع، وهذا ما حدث مع مفهوم (البدعة) الذي يُعد من أكثر المفاهيم الاسلامية دقةً وحساسيةً وعمقاً.
كما انَّ المفترض أن تحدد اُولاً هوية المفهوم الواقعية بدقة متناهية، ارتكازاً على الاسس والمباني السليمة والثابتة، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة تطبيق ذلك المفهوم على موارده، من دون تحيّز أو استثناء.
ومما يؤسف له انَّ مفهوم (البدعة) قد خضع مع جملة اُخرى من مفردات الثقافة الاسلامية الى هذا النوع من المهاترات.
ومن خلال إلقاء نظرة فاحصة في النصوص الاسلامية المستفيضة التي تعرَّضت لتحديد مفهوم (البدعة)، ومن ثم محاولة اعداد قاسم مشترك لأقوال العلماء في تحديد هذا المفهوم بشكل مجمل، يمكن لنا أن ننتزع قدراً متيقناً يمثل نحواً من الاتفاق على انَّ معنى (البدعة) هو: (إدخال ما ليس من الدين فيه).
ولعلَّ هذا المعنى المذكور قد حظي بهذا التواطؤ المطرد، بسبب وضوح أمره في التشريع، وارتكاز معناه في أذهان المتعاملين مع النصوص الاسلامية، ولو على مستوى الاطلاع.
ولذا نلاحظ انَّ هذا المفهوم بمعناه المتقدم، ما برح يُلقي بظلاله الطويلة على كل
[ 137 ]
الدراسات، والاقوال التي تعرضت لتحديد هويته، وبيان معناه، من خلال قوة التصريحات الواردة على لسان صاحب الرسالة صلى اللّه عليه وآله وسلم بشأنه.
الأمر الذي لم يكن بوسع أحد أن يحرفه نظرياً عمّا هو عليه، إلا ثلّة قليلة ممن حاول عبثاً أن يغيِّر مسار المفهوم عمّا هو عليه، ويعطيه بعداً ضيِّقاً وأُفقاً محدوداً، إلا انه ما يلبث أن ينجرف الى حقيقته، بفعل تيار الوضوح المشار اليه آنفاً.
وهذا يدعونا الى الحديث عن قيود احترازية وتوضيحية ينطوي عليها تعريف (البدعة) المذكور آنفاً، ولكنَّ الحديث الأهم يبقى حول وضع الضابطة التي يتم بموجبها انطباق مفهوم (البدعة) على هذا المورد دون ذلك، باعتبار أن أصل الخلاف ينطلق من هذهِ النقطة ويتفرع عليها، وهذا ما سنتعرض له مفصلاً تحت عنوان (مفهوم البدعة بين الاطراد والانعكاس) إن شاء اللّه تعالى.
وقبل الخوض في بيان هذين المطلبين نرى أن ضرورة البحث العلمي تدعونا الى التعرض لموضوع (تقسيم البدعة)، باعتبار انه يرتبط ارتباطاً وثيقاً، بتحديد مفهومها وتوضيح معالمها، كما سنلاحظه بين طيات البحث.
وقصدُنا من (تقسيم البدعة) هنا هو تقسيمها الى ممدوحة ومذمومة على ما يُدّعى، دون بقية التقسيمات، لأنَّ هذا التقسيم هو الذي يغنينا بحثه في معرض الحديث عن هوية الابتداع، وهو الذي يتصل اتصالاً مباشراً برسم الصورة النهائية لمفهوم (البدعة)، ويدخل في صميم التعريف.
[ 139 ]
تقسيم البدعة
هناك ملاحظة بارزة تطرح نفسها أمام المتتبع للتعريفات الواردة في مقام تحديد هوية (البدعة) ورسم معالمها، وخصوصاً التعريفات التي أوردها أبناء العامة لهذا المفهوم... تلك الملاحظة تتلخص في انَّ الكثير من هذهِ التعريفات قد طُبعت بخاصيتين متميزتين:
الخاصية الأولى: انَّ هذهِ الحدود جعلت تقسيم (البدعة) الى ممدوحة ومذمومة أساساً لتوضيح مفهومها، وتحديد هويتها، وانطلقت في بناء أصل التعريف على هذا الأساس.
الخاصية الثانية: انَّ هذهِ الحدود قد سيقت بطريقة لا تصطدم فيها مع قول عمر بشأن صلاة التروايح: «نعمت البدعة هذه».
والملاحظ انَّ هاتين الخاصيتين متداخلتان، اذ انَّ المؤشرات العلمية تدلل على أنَّ السبب الذي ألجأ القائلين بالتقسيم الى انتهاج هذا السبيل انَّما يكمن في محاولة تخريج المقولة المتقدمة آنفاً ومحاولة تبرير اطلاق لفظ (البدعة) على ما يُعتقد انَّه من الامور الممدوحة وهو (التروايح).
فقد ورد في اُمهات الكتب الحديثية لدى أبناء العامة، بما في ذلك صحيح البخاري أنَّ عمر قد اطّلع في زمان خلافته على الناس، وهم يتنفلون ليلاً في المسجد النبوي، في شهر رمضان، فرأى أن يحمعهم على قارئ واحد، ليصلوا النوافل جماعة، بدلاً من أن يصلوها فرادى، فجمعهم على أبيّ بن كعب، ثم اطّلع عليهم ليلةً آُخرى، وهم يصلّون هذهِ النافلة في جماعة، فأعجبه ذلك وقال: «نعمت البدعة هذه».
وقد كان مفهوم (البدعة) قد أخد بعده الارتكازي المستفاد من الشريعة في
[ 142 ]
أذهان الاصحاب آنذاك، نتيجة لتناول النصوص النبوية له بكثرة وتكرار، وتأكيدها على ذم الابتداع، وانتقادها له بشدة، ودعوتها الى ضرورة مواجهته، ومكافحته، واستئصاله، وتنكيلها بالمبتدعين، ووعدهم بأشد وأقسى أنواع العقوبات الدنيوية والاخروية.
وشأن (البدعة) في ذلك شأن المصطلحات الاسلامية المنقولة الاخرى، التي كانت لها مداليل لغويّة معينة قبل النقل، وفي الاصطلاح اللغوي العام، إلا انها استُعملت من قبل الشارع المقدس في معان اصطلاحية جديدة، واتخذت طابعاً شرعياً محدداً لا تربطه مع المعنى السابق في مجالات الاستعمال، الا تلك العلاقة التي جوَّزت عملية النقل، ونتيجة لكثرة استعمال هذهِ المصطلحات المنقولة الجديدة في حياة المسلمين في معانيها الشرعية، فقد بدأت الذهنية المتشرعة تهجر تلك المعاني اللغوية القديمة، وتنصرف تلقائياً الى المعنى الاصطلاحي الشرعي من دون حاجة الى ذكر القرائن والقيود.
فالصلاة، والزكاة، والحج، والخمس... وغير ذلك من المصطلحات الشرعية الاخرى، قد خضعت لعملية النقل هذه، وأخذت بعدها الواضح في أذهان المسلمين، من خلال معانيها الشرعية الجديدة.
ومفهوم (البدعة) واحد من تلك المفاهيم التي سلكت عين الطريق، وسارت في ذات المسار الذي ضمَّ الأعداد الغفيرة من المنقولات.
ولم يكن ليشك أحد بعد عملية النقل هذهِ في دلالة لفظ (البدعة) على الحادث المذموم، والممارسة المقيتة والمرفوضة في نظر الشريعة الاسلامية، ولم يكن ليتردد شخص في طبيعة المورد الذي يستعمل فيه هذا المفهوم، بعد هذا التداول المتكرر والتأكيد الحثيث.
ولكن بعد أن ورد لفظ (البدعة) في حديث التراويح بالذات، انقلبت تلكَ الموازين والمرتكزات، وتوقف إعمال الاسس العلمية التي يتم بموجبها التعامل مع
[ 143 ]
المواقف والاحداث، وقامت الدنيا ولم تقعد، من أجل تبرير اطلاق لفظ (البدعة) على هذهِ الصلاة، وتوجيه معناها الجديد!
وتحيَّر القوم في الأمر... فهم بين حشدٍ كبير من النصوص الصريحة التي تناولت هذا المفموم بالذم الواضح، والتقريع الصريح، والتي ما فتئت حيةً وساخنةً في وجدان المسلمين وقت اطلاق ذلك القول... وبين مقولة «نعمت البدعة هذه» التي عاكست ذلك الاتجاه، وسارت في طريق مضادٍّ له تماماً.
وكان أن تمخَّض الحل في رأي هؤلاء المبررين والمدافعين بتشطير مفهوم (البدعة)، وتقسيمه إلى قسمين: بدعة مذمومة، وهي التي تناولتها أحاديث الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم بالذم والانتقاد، وبدعة ممدوحة، وهي التي يمكن أن تندرج تحتها صلاة التراويج، فيتوجه بذلك القول السابق المذكور في الحديث.
ولنحاول في البداية أن نتناول الأقوال التي نصت على تقسيم البدعة، ثم ننظر بعد ذلك في حقيقة هذا التقسيم.
نرجو من القارئ الكريم أن يركِّز عند مطالعة الأقوال التالية على نقطة مهمة جداً في التقسيم، وهي بناء التقسيمات المزعومة على أساس واحد، وهو عبارة عن مقولة «نعمت البدعة هذه»، وانطلاقها من هذا الاتجاه.
وأهم هذهِ الاقوال هي:
1 - الشافعي: روى البيهقي باسناده عن الشافعي أنه قال: «المحدثات من الامور ضربان: أحدهما ما اُحدث مما يخالف كتاباً، أو سنة، أو أثراً، أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة، والثاني ما اُحدث من الخير، لا خلاف فيه لواحدٍ من العلماء، وهذه محدثة غير
[ 144 ]
مذمومة، وقال عمر رضي اللّه عنه في قيام شهر رمضان: (نعمت البدعة هذه)(1).
قال الربيع معقباً على ذلك:
«وقد استند في كلا التعبيرين إلى قول عمر رضي اللّه عنه في صلاة التراويح: «نعمت البدعة هذه»(2).
2 - ابن حزم: يقول بصدد التقسيم: «البدعة في الدين: كل ما لم يأتِ في القرآن، ولا عن رسول اللّه، إلا انَّ منها ما يؤجر عليه صاحبُه، ويُعذر بما قصد إليه من الخير، ومنها ما يؤجر عليه صاحبه، ويكون حسناً، وهو ما كان أصله الاباحة، كما روي عن عمر رضي الله عنه: نعمت البدعة هذه»(3).
3 - ابن الاثير: يقول في (جامع الاصول) عن هذا التقسيم: «فأما الابتداع من المخلوقين، فان كان في خلاف ما أمر اللّه به ورسوله، فهو في حيِّز الذم والانكار، وان كان واقعاً تحت عموم ما ندب اللّه إليه، وحضِّ عليه، أو رسولُه، فهو في حيِّز المدح، وان لم يكن مثالُه موجوداً، كنوعٍ من الجود، والسخاء، وفعل المعروف... ويعضد ذلكَ قول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في صلاة التراويح: نعمت البدعةُ هذه»(4).
4 - الجاكمودي: يقول في قصيدة له:
فبدعة فعلكَ ما لم يُعهد***في عهد سيِّد الورى محمّد
قد قُسمت كالخمسة الأحكام***من الوجوب الندب والحرام
كذاك مكروه وجائز تمام***قد قاله عزّ بن عابد السلام
فكل بدعة ضلالة حُمِل***على التي قد حُرِّمت فقط نُقل
______________________________
(1) النووي، تهذيب الأسماء واللغات، قسم اللغات، ج: 1، ص: 23، وانظر: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج: 13، ص: 253.
(2) سعيد حوّى، الاساس في السنة وفقهها (العقائد الاسلامية)، ص: 359.
(3) سعيد حوّى، الاساس في السنة وفقهها (العقائد الاسلامية)، ص: 359.
(4) ابن الاثير، جامع الاصول في أحاديث الرسول، ج: 1، ص: 280 - 281.
[ 145 ]
من بدعٍ واجبةٍ تعلّم***النحو إذ به الكتاب يُفهمُ
ومثّلوا الحرامَ في المكاتب***كالقدرية من المذاهب
وانَّما زخرفة المساجد***من بدعٍ مكروهةٍ للعابد
ومثّلوا المندوب كاجتماع***عند التراويح بلا نزاعِ(1)
5 - عز الدين بن عبد السلام: وقد بالغ في تقسيم (البدعة)، وسحب عليها الأحكام الشرعية الخمسة، وهو الذي قصده (الجاكمودي) في أبياته المتقدمة، فيقول في أواخر (القواعد):
«البدعة: خمسة أقسام، فالواجبة: كالاشتغال بالنحو الذي يُفهم به كلام اللّه ورسوله، لأنَّ حفظ الشريعة واجب، ولا يتأتى إلا بذلك، فيكون من مقدمة الواجب، وكذا شرح الغريب، وتدوين اُصول الفقه، والتوصل إلى تمييز الصحيح والسقيم، والمحرَّمة: ما رتبه مَن خالف السنة من القدرية، والمرجئة، والمشبهة، والمندوبة: كل إحسان لم يُعهد عينُه في العهد النبوي، كالاجتماع على التراويح، وبناء المدارس والربط، والكلام في التصوف المحمود، وعقد مجالس المناظرة، إن اُريد بذلكَ وجهُ اللّه، والمباحة: كالمصافحة عقب صلاة الصبح والعصر، والتوسع في المستلذات من أكل، وشرب، وملبس، ومسكن، وقد يكون ذلكَ مكروهاً، أو خلاف الأولى، واللّه أعلم»(2).
6 - الغزالي: يقول في الاحياء بصدد الأكل على السفرة ما يستفاد منه تبنّيه للتقسيم المذكور: «وقيل: أربع اُحدثت بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: الموائد، والمناحل، والأشنان، والشبع، واعلم انّا وان قلنا الاكل على السفرة أولى، فلسنا نقول الأكل على المائدة منهي عنه نهي كراهة أو تحريم، إذ لم يثبت فيه نهي.
ما يُقال أنه اُبدع بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فليس كل ما اُبدع منهياً عنه، بل المنهي
______________________________
(1) محمد بن أبي بكر بارو، تنبيه المنتقد للاحتفالات بليلة المولد، ص: 31.
(2) النووي، تهذيب الاسماء واللغات، ص: 22 - 23، وانظر فتح الباري لابن حجر العسقلاني، ج: 13، ص: 254.
[ 146 ]
عنه بدعة تضاد سنة ثابتة، وترفع أمراً من الشرع مع بقاء علته، بل الابداع، قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب»(1).
7 - الشيخ عبد الحق الدهولي: يقول في شرح المشكاة مصرحاً بالتقسيم: «اعلم انَّ كل ما ظهر بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بدعة، وكل ما وافق اصول سنته وقواعدها، أو قيس عليها فهو بدعة حسنة، وكل ما خالفها فهو بدعة سيئة وضلالة»(2).
إنَّ القول بتقسيم (البدعة) لو كان قد توقف عند هذا الحد الذي استعرضناه قبل قليل، لكان الأمر هيّناً ويسيراً، ولكنَّ بعض كتب اللغة التي يُفترض انَّها تتناول المعاني بشكل توقيفي لا اجتهاد فيه، وتستعرض اللغات بأمانة ودقّة متناهية.. قد تأثرت بهذا التقسيم أيضاً، وحمَّلت مفهوم (البدعة) هذا المعنى الخاطئ في تسامحٍ خطير، وتبع هذهِ الكتب اللغوية بعض دوائر المعارف المشهورة أيضاً.
ومما ينبغي الالتفات إليه انَّ هذه الكتب لم تجعل تقسيم (البدعة) مختصاً بمعناها اللغوي، لكي يُلتمس لها العذر فيما قالت وادَّعت، وانما نصت على انَّ التقسيم من خواص (البدعة) في الاصطلاح الشرعي.
واليكَ أيها القارئ الكريم نماذج من ذلك:
1 - المصباح المنير: «وأبدعتُ الشيء وابتدعته: استخرجته وأحدثته، ومنه قيل للحالة المخالفة: (بدعة)، وهي اسم ممن (الابتداع)، وهم اسم من (الابتداع)، كالرفعة من الارتفاع، ثم غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين أو زيادة، لكن قد يكون بعضها غير مكروه
______________________________
(1) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: 2، كتاب آداب الاكل، الباب: الاول، ص: 4 - 5.
(1) سعيد حوّى، الأساس في السنة وفقهها (العقائد الاسلامية)، ص 360، عن الجزء الاول من كتاب كشاف اصطلاحات الفنون.
[ 147 ]
فيسمى: بدعة مباحة، وهو مصلحة يندفع بها مفسدة، كاحتجاب الخليفة عن أخلاط الناس»(1).
فمن الملاحظ هنا انَّ (المصباح المنير) بعد أن يستعرض المعنى اللغوي للبدعة، ينتقل الى بيان معناها الشرعي، فينص على انَّها يمكن أن تكون مباحة كذلك، ويمثل لها باحتجاب الخليفة عن أخلاط الناس، الذي لم يكن موجوداً في عصر التشريع الاول، وانما اُحدث بعد ذلك في الازمنة المتأخرة، ويُعدُّ ذلكَ بدعة مباحة.
2 - تهذيب الاسماء واللغات: «(بدع): البدعة بكسر الباء في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وهي منقسمة الى حسنة وقبيحة»(2).
3 - النهاية(3): «وفي حديث عمر رضي الله عنه في قيام رمضان: نعمت البدعة هذه، البدعة بدعتان: بدعة هدى، وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر اللّه به ورسولُه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فهو في حيِّز الذم والانكار، وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب اللّه إليه، وحضَّ عليه اللّه، أو رسولُه، فهو في حيِّز المدح، وما لم يكن له مثال موجود، كنوعٍ من الجود، والسخاء، وفعل المعروف، فهو من الأفعال المحمودة... ومن هذا النوع قول عمر رضي الله عنه: نعمت البدعة هذه، لما كانت من أفعال الخير، وداخلة في حيِّز المدح سمّاها بدعةً، ومدحها، لأنَّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يسنَّها لهم، وانما صلاها ليالي ثم تركها (4)، ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس لها، ولا كانت في زمن أبي بكر، وانما عمر رضي اللّه عنه جمع الناس عليها، وندبهم اليها، فبهذا سمّاها بدعة، وهي على الحقيقة سنة، لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)، وقوله: (اقتدوا بالذين من بعدي ابي بكر و
______________________________
(1) المصباح المنير الفيومي، المصباح المنير، ص: 38.
(2) النووي: تهذيب الاسماء واللغات، ج 1، ص 22.
(3) كتاب (النهاية) من الكتب التي تناولت غريب الحديث، وقد تناول المعاني اللغوية ضمناً.
(4) قوله: وانما صلاها ليالي ثم تركها... لا يصح، لأنه لو فعلها مرة لكانت سنّة، وخرجت عن كونها بدعة، ولكان استدل بذلك من أمر بها. وسيأتي توضيح هذا المطلب فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
[ 148 ]
عمر)(1).
وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر: (كل محدثة بدعة)، انَّما يريد ما خالف اُصول الشريعة، ولم يوافق السنة. واكثر ما يستعمل المبتدع عرفاً في الذم»(2).
وقد أصبح تقسيم ابن الأثير ل(البدعة) في هذا الكلام الى: مذمومة وممدوحة، أساساً تناقلته كتب لغوية اُخرى، وجعلته أحد الآراء المعتبرة للمعنى الشرعي لها، من دون أن تتبناه.
ومن تلك الكتب (لسان العرب) لابن منظور، حيث نقل كلام ابن الاثير هذا بتمامه، ونسبه إليه من دون تعليق(3)، كما نقله بتمامه أيضاً صاحب (تاج العروس)، ونسبه إلى قائله(4)، ونقل بعضه أيضاً الطريحي في (مجمع البحرين)، ولم يصرّح باسم قائله(5).
ونحن لا نريد أن نسجل ملاحظة على هذه النقولات، وعلى هذا التسامح في طريقة عرض الآراء، بغثّها وسمينها، أكثر من أن نقول بأنَّ للانسان أن يركن الى هذهِ الكتب في مجال تخصصاتها اللغوية، باعتبار انَّها أسفار علمية معتبرة، وخصوصاً الكتب اللغوية المشهورة منها، ولا كلام لنا في ذلك، إلا انه من غير الصحيح أن ينساق المرء مع كل ما يُطرح في هذهِ الكتب، على مستوى تقرير المعاني الاصطلاحية للألفاظ، ويتلقاها من دون تثبُّت، وإمعان نظر، وذلك لما ثبت عن طريق التتبع والاستقراء، من عدم توفر الدقة الكافية في تحقيق هذهِ المعاني الاصطلاحية، والتي قد لا تضبط بشكل كامل ودقيق حتى من قبل أصحاب الفن أنفسهم، ومن جهة خروج هذا المطلب عن أصل التخصص
______________________________
(1) سيأتي بطلان هذا النحو في الاستدلال، والمناقشة في حديث سنة الخلفاء الراشدين فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
(2) ابن الاثير، النهاية، ج 1، ص: 106 - 107.
(3) ابن منظور، لسان العرب، ج: 8، ص: 706.
(4) محب الدين الحنفي، تاج العروس في جواهر القاموس: ج: 5، ص: 280.
(5) الطريحي، مجمع البحرين، ج: 4، ص: 298 - 299.
[ 149 ]
الذي يدور حوله البحث في مثل هذهِ المصنفات.
4 - دائرة المعارف الإسلامية: «وهناك تصنيف دقيق يفرّق البدع على أحكام الفقه الخمسة، والبدع التي هي فرض كفاية على الجماعة الاسلامية: دراسة فقه اللغة العربية، توصلاً الى فهم القرآن.. الخ، والأخذ بشهادة العدول أو رفضها، وتمييز الحديث الصحيح من غيره، وترتيب أحكام الفقه والرد على الزنادقة، ومذاهب الزنادقة المخالفة للسنة حرام. وإنشاء الرباطات والمدارس وأشباهها من البدع المندوبة. وتزيين المساجد، وتوشية المصاحف، من البدع المكروهة. ومن أمثلة البدع المباحة: الانفاق على المآكل والمشارب وغيرها»(1).
5 - دائرة معارف القرن العشرين: «البدعة: ما اختُرع على غير مثال سابق، وهي مؤنث بدع، وقد اُطلقت على الخصلة المحدثة في الدين، سواء أكانت حسنة أم سيئة، وقد كثر اطلاقها على المستحدثات السيئة في العقائد، والعوائد، والمعاملات»(2).
ومن الانعكاسات السلبية الاخرى للقول بتقسيم البدعة الى مذمومة وممدوحة، هو انَّ بعض علماء العامة أطلق لفظ (البدعة) على جملة من الأعمال الجائزة شرعاً، والمندرجة تحت الادلة العامة المقطوعة الصدور، وان لم تكن موجودة في العصر الأول للتشريع، كالاحتفال بيوم المولد النبوي مثلاً، فهو عمل مشروع ومندوب من وجهة نظر الكثير من علماء العامة، إلا انّا نجد انّ هؤلاء القائلين بمشروعية هذا العمل وجوازه، أبوا إلا ان يطلقوا عليه لفظ الابتداع وينعتوه بذلك، فقالوا بانَّ عمل المولد بدعة، إلا انها بدعة ممدوحة، وكأنَّ اللغة العربية، والتراكيب اللغوية المترامية فيها، قد ضاقت بسعتها عن انجاب لفظ آخر ينطبق على الامور الحادثة المشروعة.
وكان أن سبَّب اطلاقهم للفظ البدعة في مثل هذهِ الموارد التباساً عند الآخرين،
______________________________
(1) دائرة المعارف الاسلامية: ج: 3، ص: 456.
(2) محمد فريد وجدي: دائرة معارف القرن العشرين، ج: 2، ص: 77.
[ 150 ]
فظنوا انَّ هذا العمل غير مشروع باعتبار الارتكاز الحاصل في ذهنية المتشرعة عموماً على رفض هذا المفهوم، وانسباق صورة مقيتة عنه بسبب الاحاديث الكثيرة الواردة في شجبه وذمه، ويزداد الأمر تعقيداً والتباساً عندما تُقتطع الالفاظ عن تتماتها ومكملاتها، وتُعرض بصورة ناقصة بتراء، من باب الاختصار، أو التسامح، أو التمويه.
ولعلَّ هذا الاطلاق يهيئ مخرجاً سهلاً، لاولئكَ الذين اصرّوا على تحاشي الاصطدام مع مَن يرمي مثل هذا العمل بالابتداع، ويخرجه عن دائرة التشريع، باعتبار الاشتراك الموجود بين اللفظين.
فبدلاً من التصريح بجواز هذا العمل ومشروعيته، يُقال بأنَّ هذا العمل بدعة ممدوحة، في الوقت الذي يطلق الآخرون القول عنه بانَّه بدعة أيضاً وبصورة قاطعة، من دون شك أو ترديد.
وهناك نماذج كثيرة لاستخدام لفظ (البدعة) في مثل هذهِ الموارد، على الرغم من القول بجوازها، ومشروعيتها، فمن تلك الموارد:
ما قاله ابن حجر حول المولد النبوي: «عمل المولد بدعة، لم تُنقل عن أحدٍ من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدَّها، فمن تحرّى في عملها المحاسن، وتجنَّب ضدها، كان بدعةً حسنة، والا فلا»(1).
وقال الحلبي الشافعي حول نفس الموضوع أيضاً: «جرت عادة كثير من الناس إذا سمعوا بذكر وصفه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يقوموا تعظيماً له، وهذا القيام بدعة لا أصل لها، أي ولكن هي بدعة حسنة»(2).
______________________________
(1) جعفر مرتضي العاملي، المواسم والمراسم، ص 62، عن رسالة حسن المقصد المطبوعة مَعَ النعمة الكبرى على العالم / ص: 88، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين / ص: 114.
(1) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص 62. والمراد من وصفه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ولادته.
[ 151 ]
وبعد هذه الجولة السريعة في مجمل الآراء التي تعرضت لتقسيم (البدعة) الى مذمومة وممدوحة، وملاحظة الخلفيات التي دعت الى القول بهذا التقسيم، من خلال صراحة النصوص المتقدمة، واعتمادها بشكل واضح على مقولة: «نعمت البدعة هذه»، ومَع هذا، فسواء أكان التقسيم مبنياً على هذا الاساس وصحَّ هذا الأمر، أم لم يكن مبنياً على ذلك.. فسوف نذكر أدلتنا على بطلان القول بتقسيم البدعة الى مذمومة وممدوحة، أو الى الأحكام الخمسة التي ادُّعيت في بعض الكلمات.
ثم نتعرض بعد اتمام ذلك الى أقوال النافين للتقسيم من أعلام الفريقين.
وقبل أن نستعرض أدلة نفي التقسيم، يجدر بنا أن نشير الى انَّ القول بتقسيم (البدعة) يستند أساساً على الخلط بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي لهذا المفهوم.
فانّا لو كنّا مع مفهوم (البدعة) بمعناها المجرّد عن مراد الشريعة وقصدها، فانَّها تعني: الأمر المحدث الذي ليس له سابق مثال، وهذا المعنى يتحمل أن يكون مذموماً، وأن يكون ممدوحاً، لأنَّ هناك اُموراً كثيرة تحدث وتُبتدع بعد عصر التشريع، مما لم تنلها الاحكام، والادلة الخاصة، فتتصف بالمدح تارةً، وبالذم اُخرى، بل يمكن أن تتصف بالعناوين الشرعية الخمسة أيضاً.
ولكن بعدَ أن تضيَّقت دائرة دلالة هذا المفهوم، وأصبح شاملاً لخصوص الأمر المحدث الذي يُدخل في الدين من دون أن يكون له أصل شرعي فيه، فلا يمكن حينئذٍ ان نتصور له قسماً ممدوحاً بشكل مطلق.
وأما أدلة نفي التقسيم فهي:
الدليل الأول: هو انَّ الضرورة العقلية تقضي وتحكم بعدم امكانية طروّ وعروض التقسيم على مفهوم (البدعة)، فمن خلال خلال التدقيق في المعنى الاصطلاحي الوارد لتحديد مفهوم (البدعة) في النصوص الشرعية، نلاحظ انَّ هذا المفهوم غير قابل للتقسيم
[ 152 ]
بحد ذاته أصلاً، ولا يمكن أن يعتريه أيّ استثناء أو استدراك أساساً، إذ انَّ معنى (البدعة) في الاصطلاح الشرعي هو: «ادخال ما ليس من الدين فيه» كما تقدمت الاشارة اليه، وهذا يعني انَّ (البدعة) تشريع وضعي ينصب نفسه في مقابل التشريع الالهي المقدس، ويضاهي السنة الشريفة، ويتحدى تعاليم السماء، فهل يُعقل أن نتصور قسماً ممدوحاً لمثل هذا اللون من الادخال؟ وهل يمكن أن يتصف مثل هذا التشريع بالمدح والإطراء؟! أو أن يتصف بواحدٍ من الاحكام الشرعية الخمسة غير التحريم المطلق؟
إنَّ شأن الابتداع في المصطلح الشرعي شأن الكذب على اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم، أفهل يُعقل أن يكون هناك قسم ممدوح لهذا اللون من الكذب؟ وهل يقول أحد بانَّ هناك كذباً وافتراءاً على اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم يتصف بالمدح، أو الاباحة، أو حتى بالكراهة والعياذ باللّه؟!.
الدليل الثاني: إنَّ اللغة التي تحدثت بها النصوص الشرعية حول مفهوم (البدعة) تأبى التقسيم المذكور أيضاً، فقد مرَّ انَّ هذهِ النصوص المستفيضة جعلت (البدعة) ندّاً مقابلاً للسنة، وضدّاً لا يلتقي معها أبداً، وذمت المبتدع وأكالت له أنواع الذم، والتوبيخ والتقريع، وأوعدت بعذاب المبتدع بأقسى أنواع العقوبات الدنيوية، والاخروية، ودعت الى مقاطعته، وهجرانه، وأطلقت القول بعدم قبول توبته... فكيف يمكن مع كل هذا أن يكون هناك قسم ممدوح للابتداع؟ وكيف يمكن لهذا القسم أن يتخطى هذا الحجم الغفير من النصوص الصريحة، ويحيد عنها نحو اتجاه آخر، لا أثر له ولا دليل عليه؟.
الدليل الثالث: ورد في الحديث المتفق عليه بين الفريقين انَّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «.. ألا وكل بدعة ضلالة، ألا وكل ضلالة في النار»(1)، وورد بلفظ:
______________________________
(1) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، كتاب العلم، باب: 32، ح: 12، ص: 263.
[ 153 ]
«فانَّ كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة تسير الى النار»(1).
فدلالة هذا الحديث على استيعاب جميع أنواع البدع بالذم والضلال، لا تحتاج منّا إلى مزيد بيان، ولا تقبل الجدل والانكار.
الدليل الرابع: إنَّ المورد الوحيد الذي تناولته النصوص الشرعية المتقدمة على اختلاف مضامينها، وتنوع مداليلها، هو المورد المذموم، الذي يُعد (البدعة) خصوص الأمر الحادث الذي يقابل الكتاب، والسنة، والتشريع الالهي المقطوع، وبهذا فقد تعرض هذا المورد إلى الذم والانتقاد الشديد، ولو كان هناك نحو من أنحاء الاستثناء في موارد معينة مفترضة، وحتى لو كانت تلك الموارد المستثناة موارد جزئية ومحدودة، لما كان بوسع الشريعة المقدسة أن تتجاهلها، وتغض النظر عنها بشكل من الاشكال، في الوقت الذي نترقب حصول مثل هذا الاستثناء من قبل الشريعة، فيما لو وُجد أمر من هذا القبيل، باعتبار انَّ لسان بيان التشريع يتحدث من موقع استيفاء جميع شؤون الاحكام والتعاليم.
فمفهوم (الكذب) مثلاً، وردت في شأنه نصوص صريحة وقاطعة، تناولته بالذم الشديد، حتى أصبح الايمان بقبحه من مسلمات الاعتقاد، وضروريات الدين، إلا انَّ الشريعة لم تتجاهل في نفس الوقت بعض الموارد التي يرتفع فيها موضوع الذم، ولا تسير في نفس الاتجاه الأصلي المذكور، وانما نرى انَّ هناك نصوصاً شرعية مماثلة في الصراحة، وقوة الدلالة على استثناء بعض أنواع الكذب من أصل التحريم، إذ قد يخرج من دائرة التحريم إلى دائرة الوجوب، فيما لو توقف عليه حفظ نفس مؤمنة من القتل والهلاك مثلاً.
ومفهوم (الغيبة) كذلك، يخضع لنفس التعامل الذي صدر من الشريعة بشأن الكذب، فهو مذموم ممقوت في نظر الشريعة، ويُعدّ من كبائر الذنوب، إلا انَّ هناك موارد ذكرتها النصوص الاسلامية تحت عنوان (جواز الاغتياب)، يتم الانتقال بموجبها من
______________________________
(1) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1113، ص: 221.
[ 154 ]
الحكم الاولي بالتحريم، إلى أحكام اُخرى كالجواز مثلاً، فيما لو كان المغتاب متجاهراً بالفسق، ومعلناً له.
وهكذا الأمر في الكثير من المفاهيم الاسلامية المذمومة الاخرى، حيث يرد الاستثناء صريحاً فيها، فتتحول بواسطة هذا الاستثناء من الحكم الاوّلي المحرَّم، إلى أحكامٍ ثانوية أخرى، كالاباحة، أو الندب، أو الوجوب، أو الكراهة، بحسب مقدار دائرة وحدود ذلك الاستثناء، ونوع القيود التي وضعتها الشريعة له.
وما دمنا نتفق على أنه لا يوجد أيّ لون من ألوان الاستثناء الشرعي الصريح في خصوص الادلة التي تناولت بأجمعها ذم الابتداع وانتقاده الشديد، وما دام لا يمكن لأي أحد أن يّدعي ذلك، وحتى اُولئك الذين يقولون بالتقسيم، إذ انَّهم لا يبنونه على النص الشرعي الصريح وانما على التنظير العقلي المحض، أو على استفادات بعيدة المنال من بعض النصوص الشرعية... فما دمنا نتفق على ذلك، فلا بد أن نتفق أيضاً على انّ مفهوم (البدعة) لا يمتلك إلا قسماً واحداً مذموماً، وإلا لو وجد له قسم آخر، لأعربت عنه الشريعة، ولما تجاهلته وأهملته، كما هو الشأن في جميع المفردات التشريعية الاخرى.
وربما يُعترض على ما قررناه من بيان بانَّ (البدعة) قد وردت مقيَّدة ب(الضلالة)، وهذا يعني وجود قسم آخر لها لا يتصف بالضلالة، فقد ورد في الحديث:
«انَّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال لبلال بن الحارث: اعلم! قال: ما أعلم يا رسول اللّه؟، قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: اعلم يا بلال! قال: وما أعلم يا رسول اللّه؟، قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: أنه مَن أحيى سنة من سنتي قد اُميتت بعدي، فانَّ له من الأجر مثل مَن عمل بها، من غير ان ينقص من أجورهم شيئاً، ومَن ابتدعَ بدعة ضلالة، لا تُرضي اللّه ورسوله، كان عليه مثل آثام مَن عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئاً»(1).
فقيد (الضلالة) كما يدّعي هؤلاء المقسمون في قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «ومَن ابتدعَ بدعة
______________________________
(1) الدارمي، سنن الدارمي، ج: 5، كتاب العلم، باب: 16، ح: 2677، ص: 44.
[ 155 ]
ضلالة»، يفيد في مفهومه انَّ هناكَ لوناً من البدع لا يتصف بالضلالة، وإلا فما هي فائدة ذكر القيد في الحديث؟
والجواب على ذلك انّا لو سلّمنا صحة هذا الحديث، فانَّ منطوق قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «كل بدعة ضلالة» الدال على الاستيعاب والعموم بالأداة (كل) يعارض المفهوم المستفاد من «بدعة ضلالة» ويتقدم عليه، هذا أولاً.
وثانياً: انَّ مثل هذا المفهوم غير ثابت عند أهل التحقيق والنظر من علماء الفريقين، ولو سلمنا ثبوته فانه لا ينفعنا في المقام شيئاً، لانَّ الادلة الصريحة والمستفيضة قد دلَّت بصراحة وبالاطلاق على لزوم الضلالة ل(البدعة) من دون انفكاك، فيكون القيد في هذا الحديث، من قبيل القيد في قوله تعالى:
(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأكُلُوا الرّبا أَضعافاً مُّضاعَفَةً)(1).
كما قد يُعترض على ما تقرر من انَّ (البدعة) في الاصطلاح الشرعي لم تستعمل إلا مذمومة، ولم تطلق إلا على خصوص الحادث المذموم، بورود الاستثناء المستفاد من قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم في الحديث الشريف:
«عمل قليل في سُنّة، خير من عمل كثير في بدعة»(2).
فيدل الحديث كما يُدَّعى على المفاضلة بين قليل السنة وكثير (البدعة)، وهذا يعني انَّ لكثير البدعة نحواً من القبول والصحة، وإلا لما وقعت هذه المفاضلة المذكورة.
وفي الحقيقة انَّ مَن أدنى اطلاع على طبيعة الخطابات الشرعية، ومَن يمتلك ولو مقداراً يسيراً من التعامل والتماس مع النصوص الاسلامية، يدرك بأنَّ المقصود من الحديث هنا مجاراة الخصم ومسايرته، أي لو كان في البدعة خير، فقليل السنة خير من كثير البدعة، لا سيما إذا ضممنا إلى ذلك تلك النصوص الشرعية المصرِّحة بذم البدعة،
______________________________
(1) آل عمران: 130.
(2) كنز العمال، ج: 1، ح: 1096، ص: 219.
[ 156 ]
وانتقادها بشكل مطلق، وإذا ما التفتنا إلى انَّ هذهِ الصيغة من الخطاب، أي الصيغة المذكورة في حديث: «قليل في سنة، خير من كثير في بدعة» جارية في جملة من النصوص الشرعية الاخرى، وفي المحاورات العرفية العامة.
الدليل الخامس: ثبت معنا انَّ كلمة (البدعة) في الاصطلاح الشرعي لم تُستعمل إلا مذمومةً، والروايات الواردة عن النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام تصل في كثرتها إلى حد الاستفاضة في هذا النحو من الاستعمال، وهذهِ الاحاديث إما أن نكون قد استعرضناها سابقاً ضمن بحث (مواجهة الابتداع)، وإما سوف نتعرض لها تحت عنوان (البدعة في النصوص الاسلامية)، أو بين طيات البحث، والمهم في الأمر انَّ الاستقراء والتتبع لهذه الاحاديث، يوقفنا على النتيجة على التي انتهينا اليها، وهي انَّ (البدعة) لم تستعمل في اصطلاح الشارع إلا مذمومة.
ويمكن أن يضاف إلى هذا المقدار من الاستعمال، قرائن ظنية قوية، مستفادة من تتبع واستقراء استعمالات المتشرعة الذين رافقوا الزمن الأول للتشريع، ومَن بعدهم بقليل، والوصول من خلال ذلك إلى عين النتيجة السابقة، وهي انَّ المتشرعة لم يستعملوا البدعة إلا مذمومة أيضاً، فنحن نرى من خلال استعراض استعمالات هذهِ الطبقة التي كانت تتلقى المفاهيم الاسلامية من قرب، انَّ تطبيق هذا المفهوم لم يكن يتجاوز الحادث المذموم بشكل عام، وأما قصة التقسيم فهي قضية حدثت في فترة متأخرة عن بدايات عصر التشريع، وكانت لها خلفياتها ودواعيها الخاصة، ومنطلقاتها التي قد نكون ألمحنا للبعض منها فيما مضى من دراستنا هذه.
والآن نحاول أن نستعرض بعض التطبيقات التي قد استُعملت (البدعة) فيها مذمومةً، مع اعتقادنا بانَّ الاستعمال بحدِّ ذاته لا يكشف ذاتياً عن حقيقة الوضع الشرعي لهذا المفهوم في معناه الحقيقي، الا اننا حين نضم إلى ذلك الاستعمال الواردة على لسان صاحب الشريعة صلى اللّه عيه وآله وسلم، وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، والتي لم تخرج عن هذا الاطار،
[ 157 ]
وباعتبار انهم عليهم في مقام بيان كل تفاصيل التشريع، ومن جهة النظر إلى الادلة المتقدمة التي قضت ببطلان التقسيم المزعوم.. فبالنظر لكل هذا وذاك، تشكّل هذهِ الاستعمالات بمجموعها قرينة مؤثرة في الحسابات العلمية، وتؤيد بطلان القول بالتقسيم.
ونود أن نذكّر أنّا لسنا بصدد تقويم هذهِ النصوص المعروضة، أو بيان صحة أو عدم صحة مواردها واستعمالاتها، أو مناقشة مؤدياتها، وانما نحن بصدد الاستشهاد بنحو استعمال لفظ (البدعة) الوارد فيها، ومن خلال النظر إلى هذه الزاوية ليس غير.
وأمّا الكلام في معنى الحادث المذموم، وفي حقيقة التطبيق وحدوده، فهذا ما سوف نعالجه في موضعه الخاص من هذه الدراسة باذن اللّه تعالى.
وسوف نذكر ما يتيسر مما ورد في استعمال لفظ (البدعة) مذمومةً ضمن مرحليتن:
المرحلة الاولى: ما ورد من ذلك على ألسنة الصحابة وبالأخص بعد وفاة الرسول الكريم صلى اللّه عليه وآله وسلم.
والمرحلة الثانية: ما ورد من ذلك على ألسنة مَن يلي اولئك بقليل.
استعمالات (البدعة) في الحادث المذموم
*«ورد انَّ رجلاً قد أخبر عبد اللّه بن مسعود بأنَّ قوماً يجلسون في المسجد بعد المغرب، فيهم رجل يقول: كبّروا اللّه كذا وكذا، وسبّحوا اللّه كذا وكذا، واحمدوا اللّه كذا وكذا، فقال عبد اللّه بن مسعود للرجل: فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم، فأتاهم الرجل فجلس، فلما سمع ما يقولون، قام فأتى ابن مسعود، فأخبره، فجاءَ ابن مسعود، وكان رجلاً حديداً، فقال: انا عبد اللّه بن مسعود، واللّه الذي لا اله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماً، ولقد فضلتم أصحاب محمّد صلى اللّه عليه وآله وسلم علماً، فقال عمرو بن عتبة: استغفر اللّه، فقال عبد اللّه: عليكم الطريق فالزموه، ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتضلنَّ ضلالاً
[ 158 ]
بعيداً»(1).
فبغض النظر عن طبيعة الاسلوب الذي عالج به عبد اللّه بن مسعود هذهِ الحادثة التي لم يكن لها سابق مثال في حياة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم وأصحابه، نجد أنه قد استعمل لفظ (البدعة) في مورد الذم، وعدَّ انحراف الانسان عن طريق الحق نحو اليمين أو الشمال بدعةً وضلالاً بعيداً، والظاهر من الحديث انَّ هذا المعنى ل(البدعة) هو المرتكز في أذهان القوم آنذاك.
*روي عن ابن مسعود أيضاً أنه قال: «اتبعوا آثارنا، ولا تبتدعوا، فقد كفيتم»(2).
*وروي ايضاً عن ابن مسعود أنه قال: «انَّ للّه عند كل بدعة كيد بها الاسلام ولياً من أوليائه، يذب عنها، وينطق بعلامتها، فاغتنموا حضور تلكَ المواطن، وتوكلوا على اللّه...»(3).
فاستعمال لفظ (البدعة) مذمومةً واضح في الحديث، حيث عدَّ (البدعة) مما يُكاد به الاسلام، وانَّ لِلّه تعالى في كل زمن ولياً، يدافع عن الاسلام، ويذب هذهِ المحدثات عنه، ولعلَّ كلام ابن مسعود هذا مستفاد من قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«إنَّ للّه عند كل بدعة تكون بعدي يُكاد بها الايمان ولياً من أهل بيتي موكلاً به، يذب عنه، ينطق بالهامٍ من اللّه، ويعلن الحق، وينوره، ويرد كيد الكائدين، ويعبّر عن الضعفاء، فاعتبروا يا اولي الابصار، وتوكلوا على اللّه»(4).
وسوف نعود إلى هذا الحديث مرة أخرى، عندما نصل إلى البحث عن دور أهل البيت عليهم السلام في مواجهة ظاهرة الابتداع، إن شاء اللّه تعالى.
______________________________
(1) ابن الجوزي، تلبيس ابليس، تحقيق د. الجميلي ص: 25.
(2) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، تصحيح وتعليق محمد أحمد دهمان، ص: 10.
(3) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: 4.
(4) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، كتاب العلم، باب: 34، ح: 79، ص: 315.
[ 159 ]
*عن عبد اللّه بن الحلبي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما السلام انهما قالا:
«حجَّ عمر أول سنة حجَّ وهو خليفة، فحج تلك السنة المهاجرون والانصار، وكان علي عليه السلام قد حجَّ تلكَ السنة بالحسن والحسين عليهما السلام وبعبد اللّه بن جعفر، قال: فلما أحرم عبد اللّه، لبس إزاراً ورداءً ممشقين مصبوغين بطين المشق، ثم أتى، فنظر إليه عمر وهو يلبي، وعليه الازار والرداء، وهو يسير إلى جنب علي عليه السلام، فقال عمر من خلفهم: ما هذه البدعةُ التي في الحرم؟
فالتفت إليه علي عليه السلام فقال له: يا عمر، لا ينبغي لأحدٍ أن يعلّمنا السنة، فقال عمر: صدقتَ يا أبا الحسن، لا واللّه ما علمتُ أنكم هم»(1).
فنرى في هذا الحديث انَّ عمر يستعمل لفظ (البدعة) في مورد الذم بنظره إلا انَّ أمير المؤمنين عليه السلام يبيِّن له انَّ هذا العمل ليس ببدعة كما يتصور، وانما هو من صميم السنة، فيعتذر لأجل ذلك، وينسحب عمّا تفوه به من كلام.
*روى (البخاري) عن مجاهد أنه قال: «دخلتُ أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد اللّه بن عمر جالس إلى حجرة عائشة، وإذا اُناس يصلّون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعة»(2).
وقال في (فتح الباري) بصدد عدد الأقوال الواردة في (صلاة الضحى)، وهي ستة: «السادس: انَّها بدعة، صحَّ ذلك من رواية عروة عن ابن عمر، وسئُل أنس عن صلاة الضحى، فقال: (الصلوات خمس)، وعن أبي بكرة انَّه رأى ناساً يصلّون الضحى فقال: ما صلاها رسول اللّه، ولا عامة أصحابه»(3).
وهذا يدل انَّ الاستعمال كان في مورد الذم، وانه في خصوص الامر الذي يُدخل
______________________________
(1) تفسير العياشي، ج: 2، ص: 38.
(2) البخاري، صحيح البخاري، ج: 2، كتاب الحج، باب: العمرة، ح: 4، ص: 198 - 199.
(3) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج: 3، ص: 55.
[ 160 ]
إلى الدين من دون ان يستند إلى أصل شرعي، من خلال اطلاق لفظ (البدعة) في كلام عبد اللّه بن عمر.
*قال (الشاطبي) في (الاعتصام): «وخرَّج ابو داود وغيره عن معاذ بن جبل رضي الله عنه انه قال يوماً: إنَّ من ورائكم فتناً يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأتَ القرآن؟ ما هم يمتبعيَّ حتى ابتدع لهم غيره، وإيّاكم وما ابتُدع فانَّ ما ابتُدع ضلالة»(1).
فاستعملت (البدعة) هنا أيضاً مذمومة، واُطلق القول بأنَّ كلَّ ما ابتُدع واُحدث فهو ضلالة.
*نقل ابن وضاح عن حذيفة: «انه أخذ حجرين فوضع أحدهما على الآخر، ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد اللّه ما نرى بينهما من النور إلا قليلاً، قال: والذي نفسي بيده لتظهرنَّ البدع حتى لا يُرى من الحق إلا بقدر ما بين هذين الحجرين من النور، واللّه لتفشونَّ البدع حتى إذا ترك منها شيء قالوا: تُركت السنّة»(2).
*وخرَّج ابن وضّاح عن ابن عباس أنه قال: «ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا سنّة، حتى تحيا البدع، وتموت السنن»(3).
وعنه أيضاً أنه قال: «عليكم بالاستفاضة والأثر، وإيّاكم والبدع»(4).
ولسان المقولتين واضح في ذم البدع، وعدّها في مقابل السنة، والتحذير منها، وهذا يعني انها استعملت في كلام ابن عباس في مورد الذم أيضاً.
______________________________
(1) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 82.
(2) ابن وضّاج القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: 58.
(3) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: 39.
(4) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 81.
[ 161 ]
*قال الكاندهلوي في (حياة الصحابة): «أخرج الطبراني عن عمرو بن زرارة قال: وقف عليَّ عبد اللّه - يعني ابن مسعود رضي اللّه عنه - وأنا أقص، فقال: يا عمرو! لقد ابتدعتَ بدعة ضلالة، أو انكَ لأهدى من محمدٍ صلى اللّه عليه وآله وسلم وأصحابه؟
ولقد رأيتهم تفرقوا عني، حتى رأيت مكاني ما فيه أحد»(1).
والكلام في قول ابن مسعود: «لقد ابتدعتَ بدعة ضلالة» كالكلام في قول النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم: «ومَن ابتدع بدعة ضلالة»(2)، وقد تقدم انَّ هذا القيد لا يدل على المفهوم، ولا يُخرج (البدعة) عن أصل وضعها لخصوص الموارد الحادثة المذمومة.
*روي أنَّه لمّا عاقبَ علي عليه السلام المغالينَ الذين ادّعوا الوهيّتهُ، وأنكروا نبوة الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، بأن قتلهم بالدخان، قدم عليه يهودي من أهل يثرب، قد اُقرَّ له في يثرب من اليهود انَّه أعلمهم، وكان معه عدة من قومه وأهل بيته، فبادر علياً عليه السلام بالقول:
«يابنَ أبي طالب ما هذهِ البدعةُ التي أحدثتَ في دين محمّد؟ فقال عليه السلام: وأيةُ بدعةٍ؟ فقال اليهودي: زعم قوم من أهل الحجاز أنكَ عهدتَ إلى قومٍ شهدوا أن لا اله إلا اللّه، ولم يقرّوا أنَّ محمداً رسوله، فقتلتهم بالدخان، فقالَ أمير المؤمنين عليه السلام: فنشدتُك بالتسع الآيات التي اُنزلت على موسى بطور سيناء، وبحق الكنائس الخمس القدس، وبحق السمت الديان، هل تعلم أنَّ يوشع بن نون اُتي بقومٍ بعد وفاة موسى عليه السلام شهدوا أن لا الهَ إلا اللّه، ولم يقرّوا أنَّ موسى عليه السلام رسول اللّه، فقتلهم بمثل هذهِ القتلة؟ فقال اليهودي: نعم.. إلى آخر الحديث»(3).
فمن الواضح أيضاً من خلال هذهِ الواقعة انَّ المرتكز في أذهان هؤلاء المحاججين
______________________________
(1) الكاندهلوي، حياة الصحابة، ج: 4، ص: 77.
(2) الدارمي، سنن الدارمي، ج: 5، كتاب العلم، باب: 16، ح: 2677، ص: 44.
(3) محمّد بن يعقوب الكليني، الفروع من الكافي، ج: 4، كتاب الصيام، باب: النوادر، ح: 7، ص: 181.
[ 162 ]
عن (البدعة) هو أنَّها لا ترد إلا مذمومة، ولا تستعمل إلا في هذا المجال، ولذا نراهم يوجهون النقد إلى أمير المؤمنين عليه السلام من خلال وصف عمله بالابتداع بادئ بذي بدء، إلا انَّهم يتراجعون عن ذلك، بعد أن يبيِّن لهم علي عليه السلام دوافع هذا الاجراء، وبعد أن يعلموا أنَّ عمله عليه السلام انما كان نابعاً من صميم التشريع، ومتخذاً من أجل صيانته والذب عنه.
*ذكر ابن وضاح عن أبي حفص المدني انَّه قال: «اجتمع الناس في يوم عرفة في مسجد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يدعونَ بعد العصر، فخرج نافع مولى ابن عمر من دار آل عمر، فقال: أيُّها الناس، انَّ الذي أنتم عليه بدعة وليست بسنة، إنّا أدركنا الناس ولا يصنعونَ مثلَ هذا، ثم رجع فلم يجلس، ثم خرج الثانية، ففعل مثلها، ثم رجع»(1).
فعلى الرغم من انَّ فهم (نافع) لمفهوم (البدعة) كان فهماً مغلوطاً إلا انَّ الذي يخصّنا ذكره في المقام هو انَّ لفظ (البدعة) قد استعمل في مورد الذم المقابل للسنة، وطُبق على هذا المورد بالخصوص في نظر القائل.
*جاءَ في مدخل (ابن الحاج): «انَّ مروان لمّا أحدثَ المنبر في صلاة العيد عند المصلّى، قام إليه أبو سعيد الخدري، فقال: يا مروان ما هذهِ البدعةُ؟ فقال: انَّها ليست ببدعة، هي خير مما تعلم، انَّ الناس قد كثروا فأردتُ أن يبلغهم الصوت، فقالَ أبو سعيد: واللّهِ لا تأتون بخير مما أعلم أبداً، واللّه لا صليت وراءَك اليوم.
فانصرف ولم يصلِّ معه صلاة العيد»(2).
وعلى الرغم أيضاً من انَّ معالجة أبي سعيد الخدري لهذا الموقف المحدث لم تكن مبنيةً على أساس فهم صحيح لمفهوم (البدعة)، وبقطع النظر عن طبيعة المواقف الصادرة من طرفي هذهِ الواقعة، نجد أنَّ (البدعة) قد استُعملت مذمومةً أيضاً، وقد فهم الطرف المقابل خصوص هذا المعنى من استعمالها تبادراً.
______________________________
(1) ابن وضّاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: 46.
(2) ابن الحاج، المدخل، ج: 2، ص: 286.
[ 163 ]
*وجاءَ في (المدخل) أيضاً: «قال أبو معمَّر رأيتُ يساراً أبا الحكم يستاكُ على باب المسجد، وقاصاً يقص في المسجد، فقلتُ له: يا أبا الحكم! الناس ينظرونَ اليكَ، فقال: الذي أنا فيه خير مما هم فيه، أنا في سنة وهم في بدعة»(1).
فُاطلقت (البدعة) فيما يُقابل السنة في نظر القائل.
*وجاءَ في (فتح الباري): «وقد أخرج أحمد بسند جيِّد عن غضيف بن الحارث قال: بعثَ إلىَّ عبد الملك بن مروان فقال: إنَّا جمعنا الناسَ على رفع الأيدي على المنبر يوم الجمعة، وعلى القصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما انهما أمثل بدعكم عندي، ولستُ بمجيبكم إلى شيءٍ منهما، لانَّ النبي قال: (ما أحدث قوم بدعة إلا رُفع من السنة مثلها، فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة)«(2).
فالاستشهاد بالحديث النبوي، وسياق المحاورة واضح في اطلاق لفظ (البدعة) في مورد الذم من وجهة نظر المتكلِّم.
*روي عن الحسن البصري انَّه قال: «انَّ أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مَعَ أهل الترف في اترافهم، ولا مَعَ أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم، حتى لقوا ربَّهم، فكذلكَ فكونوا»(3).
ونُقل عنه أنه قال: «صاحبُ البدعة لا يزداد اجتهاداً، وصياماً، وصلاةً، إلا ازدادَ من اللّه بُعداً»(4).
وقال أيضاً: «لا تجالس صاحب بدعة، فانَّه يمرض قلبَكَ»(5).
*وخرَّج ابن وهب عن أبي إدريس الخولاني أنه قال: «لئن أرى في المسجد ناراً
______________________________
(1) ابن الحاج، المدخل، ج: 2، ص 286.
(2) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج: 13، ص: 254.
(3) محمد جميل زينو، منهاج الفرقة الناجية، ص: 110.
(4) ابن وضّاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: 27.
(5) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: 47.
[ 164 ]
لا أستطيع إطفاءَها، أحبُّ اليَّ من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها»(1).
*وروي عن أيوب السختياني انه قال: «ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً، إلا ازدادَ من اللّهِ بُعداً»(2).
*وروي عن أبي قلابة انَّه قال: «ما ابتدع رجل بدعة، إلا استحلَّ السيف»(3).
*وروي عن يحيى بن أبي كثير انه قال: «إذا لقيتَ صاحبَ بدعةٍ في طريقٍ، فخُذ في طريق آخر»(4).
*وروي عن يحيى بن أبي عمر الشيباني انَّه قال: «كانَ يقال: يأبى اللّه لصاحب بدعةٍ بتوبة، وما انتقل صاحب بدعة إلا إلى شرٍّ منها»(5).
*وروي عن مالك أنَّه كثيراً ما كان ينشد:
وخيرُ اُمور الدين ما كان سنةً***وشرُّ الامورِ المحدثات البدائعُ(6)
*وروي عن عبد اللّه بن المبارك قوله: «فالى اللّهِ نشكو وحشتَنا، وذهابَ الاخوان، وقلهَ الاعوان، وظهور البدع..»(7).
*ورويَ عن عمر بن عبد العزيز أنه لما بايعه الناس، صَعَد المنبر فقال: «...ألا واني لستُ بمبتدع، ولكنّي متّبع...»(8).
وكتب إلى عاملٍ له: «..واعلم أنَّ الناس لم يحدثوا بدعة، إلا وقد مضى قبلها ما
______________________________
(1) ابن وضّاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: 36.
(2) ابن وضّاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: 27.
(3) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 83.
(3) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: 48.
(5) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 85.
(6) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 85.
(7) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: 39.
(8) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 86.
[ 165 ]
هو دليل عليها، وعبرة فيها»(1).
*وقال عروة بن اُذينة عن اُذينة يرثيه:
ففي كل يوم كنتَ تهدمُ بدعةً***وتبني لنا من سنةٍ ما تهدما(2).
*وروي عن الفضل بن عياض انَّه قال: «مَن جلسَ مَعَ صاحب بدعة، لم يُعطَ الحكمة»(3).
*وقال يحيى بن معاذ الرازي: «اختلاف الناس كلهم يرجع إلى ثلاثة اصول، فلكل واحدٍ منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده،: التوحيد وضده الشرك، والسنة وضدُّها البدعة، والطاعة وضدها المعصية»(4).
*وروي أنه قيل لأبي علي الحسن بن علي الجوجزاني: «كيف الطريق إلى السنة؟ فقال: مجانبة البدع...»(5).
*وقال أبو بكر الترمذي: «لم يجد أحد تمام الهمة بأوصافها، إلا أهل المحبة، وانما أخذوا ذلك باتباع السنة، ومجانبة البدعة...»(6).
*وقال أبو بكر بن سعدان: «الاعتصام باللّه هو الامتناع من الغفلة، والمعاصي، والبدع، والضلالات»(7).
*وروي أنه سُئل حمدون القصّار: «متى يجوز للرجل أن يتكلم على الناس؟ فقال: إذا تعيَّن عليه أداء فرض من فرائض اللّه في علمه، أو خاف هلاكَ انسانٍ في بدعةٍ
______________________________
(1) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: 30.
(2) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 87.
(3) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 90.
(4) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 92.
(5) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 92.
(6) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 92.
(7) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتطام، ج: 1، ص: 93.
[ 166 ]
يرجو أن ينجيه اللّه منها»(1).
*وروي عن أبي عثمان الجبري انَّه قال: «مَن أمَّرَ السنةَ على نفسه قولاً وفعلاً نطقَ بالحكمة، ومَن أمَّر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة»(2).
*وروي انَّه سُئل ابراهيم الخواص عن العافية، فقال: «العافية: أربعة أشياء: دين بلا بدعة... الخ»(3).
*وروي عن أبي محمد عبد اللّه بن منازل أنه قال: «لم يضيع أحد فريضة من الفرائض، إلا ابتلاه اللّهُ بتضييع السنن، ولم يُبتلَ بتضييع السنن أحد، إلا يوشك أن يُبتلى بالبدع»(4).
*وقال بندار بن الحسين: «صحبةَ أهل البدع تورث الاعراضَ عن الحق»(5).
ففي كل هذهِ المقولات المتقدمة، نلاحظ انَّ لفظ (البدعة) قد استُعمل في موارد الذم بشكل واضح وصريح، وتشير السياقات اللفظية في كل الموارد المتقدمة الى انَّ الارتكاز الحاصل في ذهنية المسلمين حول هذا المفهوم ينحصر بالطابع المقيت والمذموم له، وانها لم تُستعمل في محاورات المتشرعة الا مذمومةً، وانَّهم انَّما تلقّوا هذا المعنى من الشريعة، وتعاملوا معه على هذا الأساس، ولم يحتملوا أنَّ (البدعة) في الاصطلاح الشرعي يمكن أن تطبَّق على الحادث الممدوح.
*وروي عن يونس بن عبد الرحمن أنه قال:
«مات أبو إبراهيم الكاظم عليه السلام، وليسَ من قوّامه أحد إلا وعنده المال الكثير، وكانَ ذلك سبب وقفهم، وجحدهم لموته، طمعاً في الأموال.. كان عند زياد بن مروان
___________________________
(1) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 95.
(2) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 96.
(3) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 97.
(4) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 97.
(5) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 98.
[ 167 ]
القندي سبعون ألف دينار، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار، فلما رأيتُ ذلكَ وتبينتُ الحقَّ، وعرفتُ من أمر أبي الحسن الرضا عليه السلام ما علمتُ، تكلمتُ، ودعوتُ الناسَ إليه، فبعثا إليَّ وقالا لي: كُفَّ، فأبيتُ، وقلتُ لهما: إنّا روينا عن الصادقين عليهما السلام انَّهما قالا: إذا ظهرت البدع، فعلى العالمِ أن يُظهر علمه، فان لم يفعل سُلب نورَ الايمان، وما كنتُ لأدعَ الجهاد في أمرِ اللّه على كلِّ حال فناصباني، وأضمرا لي العداوة»(1).
فالملاحظ هنا أيضاً أن يونس بن عبد الرحمن قد طبَّق لفظ (البدعة) على الأمر المذموم في نظر الشريعة المقدسة.
وبما انَّ التقسيم المزعوم ل(البدعة) لا يمتلك أياً من المرتكزات الشرعية أو العقلية التي تبرره بشكل مطلق، بل ولكونه يصطدم بشكل مباشر مع حكم العقل، ونصوص الشرع كما أسلفنا ذلك في البحث السابق.. فقد التفت مجموعة من علماء العامة إلى هذا الأمر، وأبطلوا القول بالتقسيم بشكل صريح.
ولكنَّ هؤلاء ظلّوا يعيشون في نفس الوقت هاجس (التراويح)، وتحيّروا في تبرير اطلاق لفظ (البدعة) عليها في مقولة: «نعمت البدعةُ هذه»، إذ لا بدَّ أن يكون المراد منها أحد أمرين: إمّا المعنى الاصطلاحي، وإمّا المعنى اللغوي، فان كانَ المراد منها هو المعنى الاصطلاحي، فهو غير قابل للانطباق إلا في خصوص الموارد المذمومة، بنص كلام النافين للتقسيم، وهذا يعني كون (التراويح) بدعة لا أصل لها في الدين، وإما أن يكون المقصود منها هو المعنى اللغوي الذي يعني الأمر الحادث لا على مثال سابق، على ما أجمع عليه اللغويون، وهذا ينتهي بهم أيضاً إلى كون (التراويح) بدعةً لا أصل لها في
______________________________
(1) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: 48، باب: 10، ح: 1، ص: 252.
[ 168 ]
الدين أيضاً، إذ إنَّ من أجلى قيود (البدعة) وشروطها بالاتفاق، هو عدم وجود أصل شرعي للعمل في الدين.
هذا الأمر يطرح نفسه بالحاح أمام النافين للتقسيم، فماذا يا تُرى أنهم يجيبون عليه؟ وما هو التبرير الذي بوسعهم أن يقدموه في هذا المجال؟
هذا ما ستقف عليه أيها القارئ الكريم، بعد أن تطالع معنا هذهِ الطائفة التي انتخبناها لكَ من بين أقوال النافين للتقسيم.
1 - الحافظ ابن رجب الحنبلي: يقول في ابطال القول بتقسيم البدعة إلى ممدوحة ومذمومة: «والمراد بالبدعة: ما اُحدثَ مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، أما ما كانَ له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعةٍ شرعاً، وان كانَ بدعةً لغةً»(1).
ويضيف الى ذلك القول: «فقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم (كل بدعة ضلالة)، من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من اُصول الدين، وهو شبيه بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (مَن أحدثَ في أمرنا هذا ما ليسَ منه فهو ردّ)، فكل مَن أحدثَ شيئاً، ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء من ذلكَ مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة»(2).
2 - ابن حجر العسقلاني: يقول في (فتح الباري) موضحاً معنى (المحدَثة في الدين)، «المحدَثات بفتح الدال، جمع محدَثة، والمراد بها ما اُحدث وليسَ له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع (بدعة)، وما كانَ له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة، فانَّ كلَّ شيء اُحدث على غير مثال يُسمّى بدعة، سواء كانَ محموداً أو مذموماً، وكذا القول في المحدثة، وفي الأمر
______________________________
(1) سعيد حوّى، الاساس في السنة وفقهها، ص: 361، عن جوامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي، ص: 233.
(2) صالح الفوزان، البدعة: تعريفها - أنوعها - أحكامها، ص: 8.
[ 169 ]
المحدَث الذي وردَ في حديث عائشة: «ما أحدثَ في أمرنا هذا ما ليسَ منه فهو رد»(1).
3 - أبو اسحاق الشاطبي: وهو يفصّل القول بابطال تقسيم البدعة إلى ممدوحة ومذمومة في الاصطلاح الشرعي، ويقصرها على خصوص مورد الذم من خلال أدلة وحجج كثيرة، فيقول بشأن النصوص الشرعية التي تناولت مفهوم (البدعة) بالذم والتقريع: «انَّها جاءت مطلقة عامة على كثرتها، لم يقع فيها استثناء البتة، ولم يأتِ فيها مما يقتضي أنَّ منها ما هو هدى، ولا جاءَ فيها: كل بدعةٍ ضلالة إلا كذا وكذا، ولا شيءَ من هذهِ المعاني، فلو كانَ هناكَ محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان، أو أَنّها لاحقة بالمشروعات، لذُكر ذلكَ في آيةٍ أو حديث، لكنَّه لا يوجد، فدلَّ على أنَّ تلكَ الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية، التي لا يتخلف عن مقتضاها فرد من الأفراد.. إنَّ معتقَّل البدعة يقتضي ذلكَ بنفسه، لأنَّه من باب مضادة الشارع، واطّراح الشرع، وكل ما كانَ بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسنٍ وقبيح، وأن يكون منه ما يمدحُ ما يُذم»(2).
ويقول منتقداً الرأي القائل بتقسيم (البدعة) إلى أحكام الشريعة الخمسة:
«إنَّ هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو في نفسه متدافع، لأنَّ من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي، لا من نصوص الشرع، ولا من قواعده، إذ لو كانَ هناك ما يدل من الشرع على وجوب، أو ندبٍ، أو إباحة، لما كانَ ثَمَّ بدعة، ولكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها، أو المخيَّر فيها، فالجمع بينَ تلكَ الأشياء بدعاً، وبين كون الأدلة تدل على وجوبها، أو ندبها، أو إباحتها، جمع بينَ متنافيين»(3).
______________________________
(1) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج: 4، ص: 252.
(2) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 141.
(3) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 191 - 192.
[ 170 ]
4 - الشيخ محمد بخيت: يقول في رسالته عن (البدعة): «انَّ البدعة الشرعية هي التي تكون ضلالة ومذمومة، وأمّا البدعة التي قسَّمها العلماء إلى واجبٍ وحرام... الخ، فهي البدعة اللغوية، وهي أعم من الشرعية، لأنَّ الشرعية قسم منها»(1).
5 - الدكتور دراز: يقول ما مضمونه: «صارت كلمة البدعة في الاستعمال الشرعي إلى معنىً أخص من معناها في الاستعمال اللغوي، فلا تتناول على حقيقتها الشرعية في الصدر الأول إلا ما هو باطل، وهو تلكَ الطرائق المخترعة التي ليس لها مستند من كتابٍ أو سنة أو ما استنبط منها»(2).
6 - محمد جميل زينو: يقول في (العقيدة الاسلامية): «ليس في الدين بدعة حسنة والدليل قوله تعالى: (اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً)(3).
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: (ايّاكم ومحدثات الامور، فانَّ كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) (صحيح رواه النسائي وغيره)»(4).
وقد نصَّ أكثر علماء الامامية على بطلان تقسيم (البدعة)، وأثبتوا عدم صحة هذا التقسيم المبني أساساً على مقولة (نعمت البدعة هذه)، وانَّ الصحيح هو انَّ (البدعة) لا تُطلق في مصطلح الشريعة إلا مذمومةً.
يقول (الشهيد الأول قدس سره) في قواعده:
«محدثات الامور بعد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم تنقسم أقساماً، لا تطلق اسم البدعة عندنا إلا على ما هو محرَّم منها»(5).
______________________________
(1) سعيد حوّى، الاساس في السنة وفقهها، ص: 361.
(2) سعيد حوّى، الاساس في السنة وفقهها، ص: 362.
(3) المائدة: 3.
(4) محمد بن جميل زينو، العقيدة الاسلامية من الكتاب والسنة الصحيحة، ص: 94.
(5) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 71، ص: 203.
[ 171 ]
ويقول العلامة (محمد باقر المجلسي رحمه اللّه) في توضيح قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «كل بدعة ضلالة»:
«يدل على أنَّ قسمة بعض أصحابنا البدعة إلى أقسام خمسة تبعاً للعامة باطل، فانّها انَّما تُطلق في الشرع على قولٍ أو فعل أو رأي قُرر في الدين، ولم يرد فيه من الشارع شيء، لا خصوصاً ولا عموماً، ومثل هذا لا يكون إلا حراماً، أو افتراءاً على اللّه ورسوله»(1).
ويقول الشيخ (عباس القمي رحمه اللّه) في (سفينة البحار):
«إذ لا تُطلق البدعة إلا على ما كان محرَّماً كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار»(2).
ويقول العلامة المحقق السيّد (جعفر مرتضى العاملي):
«انَّ ما ذُكر من تقسيم البدعة إلى حسنة ومذمومة، ومن كونها تنقسم إلى الأحكام الخمسة، ثمَّ الاستشهاد بقول عمر بن الخطّاب عن صلاة التراويح: نعمت البدعة هي.. إنَّ ذلكَ كلَّه ليسَ في محلِّه، ولا يستند إلى أساسٍ صحيح، وذلكَ لأنَّ البدعة الشرعية هي: إدخال ما ليسَ من الدين في الدين، استناداً إلى ما روي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (من أحدثَ في أمرنا ما ليسَ منه فهو ردُ)، لأنَّ قوله: (في أمرنا) معناه: اُدخل في تشريعاتنا الدينية ما ليس منها.
بل لقد قال السيد الأمين عن البدعة: (ولا يحتاج تحريمها إلى دليل خاص، لحكم العقل بعدم جواز الزيادة على أحكام اللّه تعالى، ولا التنقيص منها، ولاختصاص ذلكَ به تعالى، وبأنبيائه الذينَ لا يصدرون إلا عن أمره).
فالبدعة في الشرع، وبعنوان التشريع لا تقبل القسمة المذكورة، بل هي من غير
______________________________
(1) محمد باقر المجلسي، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج: 1، ص: 193.
(2) عباس القمي، سفينة البحار، ج: 1، ص: 63.
[ 172 ]
صاحب الشرع قبيحة مطلقاً، وأما الابتكار والابتداع في العادات والتقاليد، واُمور المعاش والحياد، فهو الذي يقبل القسمة إلى الحسن والقبيح، ويكون موضوعاً للأحكام الخمسة: الوجوب، والحرمة، والاستحباب، والكراهة، والاباحة»(1).
ويقول العلامة المحقق الشيخ (جعفر السبحاني):
«وأمّا البدعة بمعنى إدخال ما ليسَ من الدين في الدين، فهو قبيح مطلقاً لا ينقسم، وليس له إلا قسم واحد، وهو أنَّه قبيح محرّم على الاطلاق»(2).
______________________________
(1) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: 63 - 64.
(2) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: 4، ص: 92.