2 - النظرة البتراء للدين
رافقت الاديان السماوية بشكل عام ظاهرة خطيرة تجنح إلى فصل الدين عن الحياة، والاقتصار على الامور العبادية الفردية التي لا علاقة لها بالمجتمع والامور التي تحيط بالانسان.
وقد أخذت هذهِ الظاهرة المجال الاوسع لها من الدين الاسلامي أيضاً، ومنذ بدايات التشريع، من خلال ظهور دعوات متعددة ومتكررة، لا زال الواقع الاسلامي يعاني من رواسبها ومخلفّاتها الشيء الكثير.
وكان للظروف السياسية والحكومات التي تآمرت على الاسلام الدخل الكبير في تشجيع هذه الظاهرة، والايحاء إلى المسلمين بأنَّ الدين لا يعني أكثر من الصلاة والدعاء وإقامة الشعائر العبادية الاخرى، وأما شؤون المجتمع والحياة والادارة والحكم فهي من
[ 88 ]
وظائف الحكام والامراء، ولا دخل للتشريع بها، ولا يحق لهم التدخل فيها.
ولذا نجد انَّ هذا السلوك الديني الشاذ، يجد في مختلف العصور الدعم السياسي الكامل، والارضية المهيئة لانتشاره، واتساع نطاق تأثيره من قبل حكومات الجور والضلال، لأنَّ الامر لا يقتصر فيه على عدم التقاطع مَعَ تلك الحكومات، وعدم تهديد مصالحها من قريب أو بعيد فحسب، وانما نجد أنَّه يقدم الخدمات الكبيرة لها في أغلب الأحيان.
ومن غير شك انَّ الدين الاسلامي الذي يدعو الفرد إلى أن يدخل في غمار الحياة، ويتفاعل مع المجتمع بالأخذ والعطاء، ويغيِّر وجه الحياة إلى ما هو أفضل دائماً، ويوجهها نحو الفضيلة والطهر والصفاء.. يحارب هذهِ الظاهرة بقوة، ويؤكد على استئصالها وقلعها من الجذور، ويعدّها من أخطر الظواهر التي تهدد الشريعة بالانزواء والتلاشي والاضمحلال.
ولذا نجد أنَّ الاسلام قد دعا إلى أن يأخذ الانسان نصيبه من هذه الحياة، عن طريق السلوك المحلّل، وأن يعطي لكل عضوٍ من أعضائه حظّاً من الراحة، وأن يهب لنفسه حقها من الالتذاذ بما أباحه اللّه لعباده من طيبات الرزق، وجعله بذلك مقوماً لحركة الانسان التكاملية نحوه عزَّ وجلَّ، قال اللّه تعالى:
(يا بَنِي آدمَ خُذُوا رينَتَكم عِندَ كلِّ مسجدٍ)(1).
وقال تعالى (قل مَن حرَّم زينةَ اللّهِ الّتي أخرَجَ لعبادِهِ والطيباتِ منَ الرزقِ قُل هيَ للّذينَ آمنُوا في الحياةِ الدُّنيا خالصةً يَومَ الِقيامَةِ)(2).
فشجب الاسلام حالة الرهبنة، والقسوة بحق النفس، وتحميلها المشاق
______________________________
(1) الاعراف: 31.
(2) الاعراف: 32.
[ 89 ]
والصعوبات البالغة، ووجَّه المجتمع نحو السلوك المتوازن، الذي يحفظ حقَّ اللّه تعالى وحقَّ النفس معاً، ولا ينأى عن الحياة الاجتماعية، ويغرق في الاذكار والاوراد والعبادات المحضة، الخالية من النفع والعطاء.
وفي الحقيقة انِّ هذه التوسعة تعبِّر عن أحد المقومات الاساسية التي تساهم في إثراء حركة الانسان التكاملية نحو اللّه تعالى، وإعطائها صورة متكافئة، لا تتحجم في الجانب العبادي وتنعزل عن دورها في الحياة بشكل مطلق، ولا تنساب مع الزخارف والملاذ من دون قيود.
وهناك دواعٍ عديدة تؤدي إلى نشوء حالة (الرهبنة)، والانقطاع للعبادة، والانزواء عن الحياة، من أبرزها الخوف من الدخول في شؤون الحكم والسياسة، والتجبجب عن ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد، والابتعاد عن سطوة الظالمين، وبطشهم، وارهابهم، ومما يصلح أن يكون مؤشراً على ذلك ما رواه الطبرسي في (مجمع البيان) عن ابن مسعود أنه قال:
«كنت رديف رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم على حمار، فقال: يا ابن ام عبد! هل تدري من أين أحدثت بنو اسرائيل الرهبانية؟ فقلت: اللّه ورسوله أعلم، فقال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى، يعملون بمعاصي اللّه، فغضب أهل الايمان، فقاتلوهم، فهُزم أهل الايمان ثلاث مرات، فلم يبقَ منهم إلا القليل، فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبقَ للدين أحد يدعو إليه، فتعالوا نتفرق في الارض، إلى أن يبعث اللّه النبي الذي وعدنا به عيسى - يعنون محمداً صلى اللّه عليه وآله وسلم - فتفرقوا في غيران الجبال، وأحدثوا رهبانية، فمنهم مَن تمسكَ بدينه، ومنهم مَن كف، ثم تلا هذهِ الآية: (ورهبانيةً ابتَدَعوُها ما كَتبناها عَليهِم إلا ابتِغاءَ رضوانِ اللّهِ فَما رَعَوها حَقَّ رعايَتِها فآتَينا الّذينَ آمنُوا مِنهُم أجرَهُم وَكَثير مِنهُم
[ 90 ]
فاسِقُون)، ثم قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: يا ابنَ ام عبد! أتدري ما رهبانية امتي؟ قلت: اللّه ورسوله أعلم، قال: الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة...».
ومن الدواعي الاخرى لنشوء الرهبانية، المشاكل النفسية، والازمات الروحية، أو الانتكاسات الاجتماعية التي قد يصاب بها الانسان في حياته، فقد يضطره ذلك إلى الانزواء، وملء الفراغ الذي يعيش فيه، بالذكر والعبادة والدعاء، وقد روي في هذا الشأن عن أنس أنه قال:
«توفي ابن لعثمان بن مظغون، فاشتد حزنه عليه، حتى اتخذ من داره مسجداً يتعبد فيه، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقال له: يا عثمان إنَّ اللّه تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانية، إنَّما رهبانية امتي الجهاد في سبيل اللّه».
وذكر الكراجكي في كنز الفوائد ما يشير إلى هذا المعنى أيضاً حيث يقول:
«لقد اضطررتُ يوماً إلى الحضور مع قومٍ من المتصوفين، فلما ضمهم المجلس، أخذوا فيما جرت به عادتهم من الغناء والرقص، فاعتزلتهم إلى احدى الجهات، وانضاف إليَّ رجل من أهل الفضل والديانات، فتحادثنا ذم الصوفية على ما يصنعون، وفساد أغراضهم فيما يتناولون، وقبح ما يفعلون من الحركة والقيام، وما يدخلون على أنفسهم في الرقص من الآلام، فكان الرجل لقولي مصوِّباً، وللقوم في فعلهم مخطّئاً.
ولم نزل كذلكَ إلى أن غنّى مغنّي القوم هذهِ الأبيات:
وما اُمُّ مكحول المدامع ترتعى***ترى الاُنس وحشاً وهي تأنسُ بالوحش
غدت فارتعت ثم انتشت لرضاعه***فلم تلف شيئاً من قوائمه الخمشِ
فطافت بذاك القاع ولهاً فصادمت***سباع الفلا ينهشنه أيّما نهشِ
______________________________
(1) الحديد: 27.
(2) الفضل بن الحسن الطبرسي، تفسير مجمع البيان، ج: 9، ص: 308.
(3) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 67، باب: 51، ح: 1، ص: 114 - 115، عن أمالي الصدوق ص: 40.
[ 91 ]
بأوجع منّي يوم ظلّت أنامل***تودّعني بالدرِّ من شبكِ النقشِ
فلما سمع صاحبي ذلك نهض مسرعاً مبادراً، ففعل من القفز والرقص والبكاء واللطم ما يزيد على ما فعله مَن قبله ممن كان يخطئه ويستهجنه، وأخذ يستعيد من الشعر ما لا يحسن استعادته، ولا جرت عادتهم بالطرب على مثله وهو قوله:
فاطفت بذاك القاع ولهاً فصادفت***سباع الفلا ينهشنه أيّما نهشِ
حتى بلغ من نفسه المجهود، ووقع كالمغشي عليه من الموت، فحيَّرني ما رأيت من حاله، واخذتُ افكر في أفعاله المضادة، لما سمعت من أقواله، فلما أفاق من غشيته، لم أملك الصبر دون سؤاله عن أمره، وسبب ما صنعه بنفسه، مع تجهيله من قبل لفاعله، وعن وجه استعادته من الشعر ما لم تجرِ عادتهم باستعادة مثله، فقال لي: لستُ أجهل ما ذكرت، ولي عذر واضح فيما صنعت، اعلمكَ أنَّ أبي كان كاتباً، وكان بي برّاً وعليَّ شفيقاً، فسخط السلطان عيه فقتله، فخرجت إلى الصحراء لشدة ما لحقني من الحزن عليه، فوجدته ملقى والكلاب ينهشون لحمه، فلما سمعت المغنّي يقول:
فطافت بذاك القاع ولهاً فصادفت***سباع الفلا ينهشنه أيّما نهش
ذكرت ما لحق أبي، وتصور شخصه بين عيني، وتجدد حزنه عليَّ، ففعلتُ الذي رأيتَ بنفسي».
وقد يكون في نفس هذه الاتجاه ما رواه أبو سلمان الداراني عن الربيع بن خيثم: «أنه كان جالساً على باب داره إذا جاءه حجر فصكَّ جبهته فشجه فجعل يمسح الدم ويقول: لقد وُعظت يا ربيع، فقام ودخل داره، فما جلس بعد ذلك على باب داره حتى اُخرجت جنازته».
______________________________
(1) أبو الفتح الكراجكي، كنز الفوائد، تحقيق: عبد اللّه بن نعمة، ج: 2، ص: 78 - 80.
(2) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: 2، كتاب العزلة، ص: 243.
[ 92 ]
وقد تُبطَّن ظاهرة الاعتزال والرهبنة برغبة الخلوة باللّه تعالى، والانفراد به، الفرار من مخالطة الناس، التي تكدِّر - على زعمهم - صفو هذا الانفراد، وتقطع الانسان عن مزاولة عباداته بالشكل المطلوب.
ولعلَّ أكثر ظواهر الرهبنة والاعتزال تبتني أساساً على هذا الهدف، وترفع شعار الدعوة إليه وتبرير الموقف من خلاله.
فيذكر الغزالي في (الاحياء) عن بعض الصالحين أنه قال: «بينما أنا أسير في بعض بلاد الشام، إذا أنا بعابد خادج من بعض تلك الجبال، فلّما نظر اليَّ تنحّى إلى أصل شجرة، وتستَّر بها، فقلت: سبحان اللّه! تبخل عليَّ بالنظر اليك؟ فقال: يا هذا إني أقمت في هذا الجبل دهراً طويلاً، اُعالج قلبي في الصبر عن الدنيا وأهلها، فطال في ذلك بقائي، وفني فيه عمري، فسألت اللّه تعالى أن لا يجعل حظّي من أيامي في مجاهدة قلبي، فسكّنه اللّه عن الاضطراب، وألفه الوحدة والانفراد، فلما نظرت اليكَ خفت أن اوقع في الأمر الأمل: فاليكَ عني، فاني أعوذ من شرِّك بربِّ العارفين وحبيب القانتين...».
ولمّا بنى عروة قصره بالعقيق، ولزمه، ولم يخرج منه، قيل له: «لزمت القصر، وتركت مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، قال: رأيت مساجدكم لاهية، وأسواقكم لاغية، والفاحشة في فجاجكم عالية، وفيما هنالك عمّا أنتم فيه عافية».
وينُقل عن سفيان بن عيينة انه قال: «لقيت ابراهيم بن أدهم في بلاد الشام فقلت له: يا ابراهيم تركت خراسان، فقال: ما تهنأت بالعيش إلا هنا، أفرُّ بديني من شاهق إلى شاهق، فمن رآني يقول: موسوس أو حمّال أو فلاح».
وقال الفضيل: «إذا رأيتُ الليل مقبلاً فرحتُ به، وقلت: أخلو بربّي، وإذا رأيت
______________________________
(1) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: 2، كتاب العزلة، ص: 249.
(2) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: 2، كتاب العزلة، ص: 255.
(3) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: 2، كتاب العزلة، ص: 248.
[ 93 ]
الصبح أدركني، استرجعت كراهية لقاء الناس، وأن يجيء من يشغلني عن ربّي»(1).
وقال الربيع بن خثيم: «إن استطعت أن تكون في موضع لا تَعرف ولا تُعرف فافعل»(2).
وقال وهيب بن الورد: «بلغنا أنَّ الحكمة عشرة أجزاء، فتسعة منها في الصمت، والعاشرة في عزلة الناس»(3).
وقال الفضيل أيضاً: «إني لأجد للرجل عندي يداً، إذا لقيته أن لا يسلِّم عليَّ، وإذا مرضتُ أن لا يعودني»(4).
وقد تعود ظاهرة الرهبنة والاعتزال في بعض مظاهرها وحالاتها إلى الجهل الذي تمت الاشارة إليه عند ذكر العامل الاول من العوامل التي أدَّت إلى نشوء البدع في حياة المسلمين، أو إلى غير ما ذكرناه من دواعٍ ومسببات.
وعلى أية حال فنحن في غنى لأن نستغرق في الرد على هذا النمط من التفكير والسلوك، المخالف لصريح النصوص الشرعية القطعية، الواردة بشأن حث الانسان على التعامل والاختلاط مع باقي أبناء البشر، وأداء الدور الرسالي الملقى على عاتقه، ومواصلة الناس، وبرِّهم، والاحسان اليهم، والصبر على أذاهم، ومداراتهم بالخلق الحسن، والهدي الطيب، والتأثير فيم بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة.. كما انَّ هذا السلوك المتطرف يخالف الاهداف العليا لايجاد الانسان على وجه هذهِ الأرض، والغايات التي من اجلها اُنزلت الشرائع، وبعث الأنبياء، وتظافرت الاديان، فكيف يمكن للانسان الذي يمثل المخلوق المنتقى لخلافة اللّه على وجه الارض ووراثتها أن يمارس
______________________________
(1) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: 2، كتاب العزلة، ص: 249.
(2) محسن الكاشاني، المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء، تعليق علي أكبر الغفاري، ج: 4، كتاب العزلة، ص: 4.
(3) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: 2، كتاب العزلة، ص: 243.
(4) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: 2، كتاب العزلة، ص: 243.
[ 94 ]
سلوكه في الحياة، ويدرك هذه الاهداف، وهو يعيش في زوايا المجتمع، ويسير على هامش الزمن، ولا يُحسن من الدين إلا الاذكار والاوراد المجرَّدة، ولا يمنح المجتمع الذي يعيش فيه أملاً يُرتجى، أو عطاءاً يُذكر؟
وهل يمكن أن يكون هناك مَن هو أكثر قداسةً وأشدّ قرباً إلى اللّه تعالى من صاحب الرسالة صلى اللّه عليه وآله وسلم الذي كان يجسِّد السلوك الامثل، ويمارس كل ما يمكن أن تترقبه الشريعة من أهداف وأبعاد، ولا يتسنى لنا أن نتصور أنَّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد تخطّى طموحاً قد أمرت به الشريعة، أو تجاوز كمالاً من كمالاتها وقيمها بشكل مطلق، فسيرة النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم حافلة بالممارسات الاجتماعية المتنوعة، كما هي حافلة كذلك بالابعاد الروحية والعبادية المثلى، وهو يمثل بجمعه بين هذين الجانبين السلوك الامثل الذي أمرت الشريعة به، وحثَّت عليه.
أضف إلى أنَّ الشريعة الاسلامية لم تلغِ الخلوة والانفراد للعبادة بشكل كامل، وانّما ندبت الانسان المسلم إلى بعض الممارسات العبادية التي تسير به في اتجاه تربية الروح وتهذيبها وتعريضها للنفحات الالهية، ويعد (الاعتكاف) من أبرز العبادات التي تلبّي هذه الغاية، وتعكس هذا الاهتمام، فهو يمثل في مرتكزاته التشريعية وفلسفته الدينية النقاط المضئية التي تتخلل مسيرة الانسان الروحية نحو اللّه سبحانه وتعالى، فتمنح سلوكه عزماً مستأنفاً، ونشاطاً ودأباً جديدين.
والآن نحاول أن نستعرض جملة من البدع والمواقف المحدثة التي ظهرت في الحياة الاسلامية بسبب هذه النظرة القاصرة إلى الدين:
1 - «روي أنَّ سلمان الفارسي رضي اللّه عنه جاءَ زائراً لأبي الدرداء فوجد ام الدرداء مبتذلة، فقال: ما شأنكِ؟ قالت: إنَّ أخاكَ ليست له حاجة في شيء من أمر الدنيا.
فلما جاءَ أبو الدرداء رحَّب بسلمان وقرَّب إليه طعاماً، فقال لسلمان أطعم، فقال:
[ 95 ]
إني صائم، قال (أبو الدرداء): أقسمت عليكَ إلا ما طعمت، فقال (سلمان): ما أنا بآكل حتى تأكل.
وبات عنده، فلما جاءَ الليل قام أبو الدرداء، فحبسه سلمان، وقال: يا أبا الدرداء، إنَّ لربكَ عليكَ حقاً، وانَّ لجسدكَ عليكَ حقاً، ولأهلكَ عليكَ حقاً، فصم وافطر، وصلِّ ونم، وأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فأتى أبو الدرداء النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فأخبره بما قال سلمان، فقال له مثل قول سلمان»(1).
2 - روي عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام أنه قال:
«كان رسول اللّه يأتي أهل الصُّفّة، وكانوا ضِيفان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، كانوا هاجروا من أهاليهم وأموالهم إلى المدينة، فأسكنهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم صفّة المسجد، وهم أربعمائة رجل، فكان يسلِّم عليهم بالغداة والعشي، فأتاهم ذات يوم، فمنهم مَن يخصف نعله، ومنهم مَن يرقع ثوبه، ومنهم مَن يتلّفى، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يرزقهم مداً مداً من تمرٍ في كل يوم.
فقام رجل منهم فقال: يا رسول اللّه! التمر الذي ترزقنا قد أحرقَ بطوننا، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: أما اني لو استطعت أن اُطعمكم الدنيا لاطعمتكم، ولكن مَن عاش منكم من بعدي، يُغدى عليه بالجفان، ويُراح عليه بالجفان، ويغدو أحدكم في قميصه، ويروح في اخرى، وتنجّدونَ بيوتكم، كما تنجّد الكعبة.
فقام رجل فقال: يا رسول اللّه إنّا إلى ذلكَ الزمان بالأشواق! فمتى هو؟
قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: زمانكم هذا خير من ذلك الزمان، إنَّكم إن ملأتم بطونكم من الحلال، توشكون أن تملؤوها من الحرام.
فقام سعد بن أشج فقال: يا رسول اللّه ما يفعل بنا بعد الموت؟ قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: الحساب
______________________________
(1) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 67، باب:51، ح: 14، ص: 128، عن تنبيه الخواطر، ج: 1، ص:2.
[ 96 ]
والقبر، ثم ضيقه بعد ذلك، أو سعته، فقال: يا رسول اللّه هل تخاف أنت ذلك؟ فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: لا ولكن أستحي من النعم المتظاهرة التي لا اُجازيها ولا جزءاً من سبعة، فقال سعد بن أشج: اني اُشهد اللّه، واُشهد رسوله، ومَن حضرني، أنَّ نوم الليل عليَّ حرام، والأكل بالنهار عليّ حرام، ولباس الليل عليَّ حرام، ومخالطة الناس عليَّ حرام واتيان النساء عليَّ حرام، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: يا سعد لم تصنع شيئاً، كيف تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، إذا لم تخالط الناس، وسكونُ البرية بعد الحضر كفر للنعمة، نَم بالليل، وكل بالنهار، والبس ما لم يكن ذهباً، أو حريراً، أو معصفراً، وأتِ النساء»(1).
3 - «روي انَّ رجلاً أتى الجبل ليتعبد به، فجيء به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: لا تفعل أنت، ولا أحد منكم، لصبر أحدكم في بعض مواطن الاسلام خير من عبادة أحدكم أربعين عاماً»(2).
4 - ورد في (الاحياء) عن أبي هريرة أنه قال:
«غزونا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فمررنا بشعب فيه عُيينة طيبةُ الماءِ، فقال واحد من القوم: لو اعتزلتُ النساء في هذا الشعب، ولن أفعل ذلك حتى أذكر لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فذكر له، فقال (رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم) لا تفعل، فانَّ مقام أحدكم في سبيل اللّه، خير من صلاته في أهله ستين عاماً، ألا تحبون أن يغفر اللّه لكم، وتدخلون الجنة؟ اغزوا في سبيل اللّه، فانَّه مَن قاتل في سبيل اللّه فواقَ ناقة، أدخله اللّه الجنة»(3).
______________________________
(1) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 67، باب: 51، ح: 15، ص: 128 - 129، عن نوادر الراوندي، ص: 25 - 26.
(2) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: 2، كتاب العزلة، ص: 245.
(3) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: 2، كتاب العزلة، ص: 245.
[ 97 ]
5 - روي عن أنس أنَّه قال:
«جاءَ ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فلما اُخبروا، كأنّهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم،. وقد غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم: أما أنا فاُصلي الليل أبداً، وقال الآخر، اني اُصوم الدهر ولا افطر، وقال الآخر: إني أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللّه اني لأخشاكم للّه، وأتقاكم له، لكنّي أصوم، وأفطر، واصلي وارقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»(1).
6 - خرَّج اسماعيل القاضي من حديث أبي قلابة أنه قال:
«أراد ناس من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يرفضوا الدنيا، وتركوا النساء، وترهبوا، فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فغلَّظ فيهم المقالة، وقال: إنما هلك مَن كان قبلكم بالتشديد، شدَّدوا على أنفسهم، فشدَّد اللّه عليهم، فاولئكَ بقاياهم في الديار والصوامع، اُعبدوا اللّه، ولا تشركوا به شيئاً، وحجّوا، واعتمروا، واستقيموا، يُستقم بكم، قال: ونزلت فيهم: (يا أيُّها الّذيَن آمنُوا لا تُحرِّمُوا طيِّباتِ ما أحَلَّ اللّهُ لَكُم ولا تَعتَدوا إنّ اللّهَ لا يُحبُّ المُعتَدينَ(2))(3).
7 - ذكر اسماعيل عن يحيى بن يعمر:
«انَّ عثمان بن مظعون همَّ بالسياحة، وهو يصوم النهار، ويقوم الليل، وكانت امرأته امرأةً عطرة، فتركت الكحل والخضاب، فقالت لها امرأة من ازواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: أشهيد أنتِ أم مغيَّب؟ قالت: بل شهيد، غير انَّ عثمان لا يريد النساء، فذكرت ذلك للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فلقيه رسول اللّه، فقال له: أتؤمن بما نؤمن به؟ قال: نعم، قال: فاصنع مثل
______________________________
(1) البخاري، صحيح البخاري، ج: 6، كتاب النكاح، ح: 1، ص: 116.
(2) المائدة: 87.
(3) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 323.
[ 98 ]
ما نصنع، ولا تحرّموا طيبات ما أحلَّ اللّهُ لكم»(1).
8 - خرَّج ابن المبارك:
«انَّ عثمان بن مظعون أتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: ائذن لي في الاختصاء، فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ليس منّا مَن خصي ولا اختصى، إنَّ اختصاء امتي الصيام، قال: يا رسول اللّه! ائذن لي في الترهب، قال صلى اللّه عيه وآله وسلم: إنَّ ترهب اُمتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة»(2).
9 - عن أنس بن مالك قال:
«دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم المسجد، وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: ماهذا؟ قالوا: لزينب تصلّي، فاذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: حلّوه، ثم قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر فليقعد»(3).
10 - روي عن علي عليه السلام أنه قال:
«انَّ جماعة من الصحابة كانوا حرّموا على أنفسهم النساء، والافطار بالنهار، والنوم بالليل، فأخبرت اُم سلمة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فخرج إلى أصحابه، فقال: أترغبونَ عن النساء، إني آتي النساء، وآكل بالنهار، وأنام بالليل، فمن رغب عن سنتي فليس مني»(4).
11 - روي أنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد مرَّ على رجل يصلّى على صخرة بمكة، فأتى ناحية مكة، فمكث مليّاً، ثم انصرف فوجد الرجل يصلّي على حاله فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: أيها
______________________________
(1) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 325.
(2) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 325.
(3) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 3، ح: 11575، ص: 101.
(4) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: 14، كتاب النكاح، باب كراهة العزوبة، ح: 9، ص: 8.
[ 99 ]
الناس عليكم بالقصد والقسط - ثلاثاً - فانَّ اللّه لن يملَّ حتى تملّوا»(1).
3 - السؤال عن المعضلات والخوض في المحظورات
جرت عادة البشر على أن يرجع الأدنى إلى الاعلى في مختلف الحقول والميادين، بما في ذلك حقل العلم والمعرفة.. وكان (السؤال) يمثل الوسيلة الاساسية التي تفي بهذا الغرض، وتعبِّر عنه، فيُستعان عادة بالسؤال لغرض التعرف على خصوصيات الامور، واستجلاء حقائقها، وسبر أغوارها المختلفة.
وفي حقيقة الأمر انَّ السؤالَ ولد في نفس الانسان منذ اللحظات الاولى التي وُجد فيها على وجه هذه الارض، ورافقه في لحظات مسيرته الاولى في هذا الوجود، فهو، لكي يلبّي غريزة حُبِّ الاستطلاع المغروسة في نفسه يسأل عن كل ما يحيط به من ظواهر ووقائع وأحداث... ومن هذه النقطة بدأ الانسان سيره العلمي الطويل، وعلى هذا الاساس انبثق في داخله كيان المعرفة الجبّار.
ف(السؤال) إذن مظهر من مظاهر التطلّع نحو الكمال، والتزود من العلم، وسبر الحقائق واكتشافها.
وانطلاقاً من هذهِ الأهمية التي يتخذها السؤال في حياة الانسان، أكدت الشريعة الاسلامية على ضرورة ممارسة الانسان المسلم لهذه الظاهرة باستمرار، واستجلاء المعارف الدينية عن هذا الطريق، قال تعالى:
(فَاسئَلُوا أهلَ الذِّكرِ إن كُنتُم لا تَعلَمونَ)(2).
وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنَّه قال:
______________________________
(1) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 304.
(2) النحل: 43.
[ 100 ]
«العلم مخزون عند أهله، وقد اُمرتم بطلبه منهم»(1).
وروى عن أبي موسى أنه قال:
«كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا صلّى الفجر، انحرفنا إليه، فمنّا مَن يسأله عن القرآن، ومنّا مَن يسأله عن الفرائض، ومنّا مَن يسأله عن الرؤيا»(2).
وورد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه كان يقول:
«لا تسألوني عن شيءٍ إلى يوم القيامة، إلا حدثتكم»(3).
وورد في (الكافي) وعن أبي عبد اللّه عليه السلام أنَّه قال:
«إنّما يهلك الناس، لانَّهم لا يسألون»(4).
وفيه أيضاً عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا قال:
«سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن مجدور أصابته جنابة، فغسلوه، فمات، قال عليه السلام: قتلوه! ألا سألوا، فانَّ داء العيِّ السؤال»(5)
وعن أمير المؤمنين عليه السلام:
«القلوب أقفال، ومفاتيحها السؤال»(6).
وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«العلم خزائن، ومفاتيحه السؤال، فاسألوا رحمكم اللّه، فانَّه يؤجر أربعة: السائل، والمتكلم، والمستمع، والمحب لهم»(7).
______________________________
(1) ابن جمهور، غوالي اللئالي، ج: 4، الجملة الثانية، ح: 8، ص: 61.
(2) نور الدين الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج: 1، ص: 159.
(3) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 3، ح: 11633، ص: 107.
(4) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: سؤال العالم، ح: 2، ص: 40.
(5) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: سؤال العالم، ح: 1، ص: 40.
(6) غرر الحكم: الحكمة / 1426.
(7) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 10، ح: 28662، ص: 133.
[ 101 ]
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«السؤال نصف العلم»(1).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام:
«سلوني قبل أن تفقدوني، فلأنا بطرق السماء، أعلم منّي بطرق الأرض»(2).
وقد كان النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم يحث المسلمين على ضرورة تتبع أمر الدين، وتحرّي أحكامه وتعاليمه، عن طريق السؤال، ويشجعهم على ممارسة هذا السلوك النافع، من خلال اصغائه العميق لهم، واهتمامه البالغ بما يبثوه إليه من مسائل استفسارات، وكان صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يتوانى، ولا يصيبه الضجر، من الاستماع إلى أية مسئلة شرعية، صغيرة كانت أم كبيرة، وانما كان من خُلقه العظيم، وهديه الرفيع، أن يعير حواسه باهتمام إلى مَن يقصده بالسؤال والحديث، ويستمع لهذا، ويجيب ذاك، من دون أي ملَل أو امتعاض، يقول اللّه تعالى مبيّناً هذه الصفة القيادية الفذة في شخصية الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم:
(وَمنهُم الذينَ يُؤذُونَ النَبيَّ ويَقُولُون هُوَ اُذُن قُل هو اُذنُ خيرٍ لَكُم يُؤمنُ باللّهِ ويُؤمُن للمؤمنينَ ورحمة للَّذينَ آمنُوا منكُم والَّذينَ يُؤذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُم عَذاب أليم)(3).
وقد تحدَّث القرآن الكريم عن موارده متعددة، كان يسأل الاصحابُ عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فيرجئ النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم الاجابة عنها إلى حين نزول الوحي، وينتظر بشأنها أمر السماء، ومن تلك النماذج قوله تعالى:
(يَسألونَكَ عَنِ الشَّهرِ الحَرام قتالٍ فيه)(4).
______________________________
(1) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 10، ح: 29260، ص: 238.
(2) نهج البلاغة: الخطبة / 189.
(3) التوبة: 61.
(4) البقرة: 217.
[ 102 ]
وقوله: (يَسألونك عَن الخَمرِ والمَيسرِ)(1).
وقوله: (ويسألونَك عَنِ اليَتامى)(2).
وقوله: (وَيسألونَكَ عن المَحيضِ)(3).
وقوله: (يَسألونَكَ عَنِ الأنفالِ)(4).
وقوله: (ويسألونَكَ ماذا يُنفقون)(5).
وقوله: (يَسألونَكَ عنِ الأهّلة)(6).
وقوله: (يَسألونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُم)(7).
وقوله: (يسألونَكَ عنِ الساعةِ أيّانَ مرساها)(8).
وقوله: (ويسألونَكَ عَنِ الرُّوحِ)(9).
وقوله: (ويَسألونَكَ عن ذِي القَرنَينِ)(10).
وقوله: (وَيسألونَكَ عَنِ الِجبالِ)(11).
وكان من أمر النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه يبادر أصحابه السؤال، ويحرِّك في أنفسهم كوامن التطلع والمعرفة، ويستنطقهم عن اُمور الشريعة المقدسة، ليقرأ ما تمكّنوا من
______________________________
(1) البقرة: 219.
(2) البقرة: 220.
(3) البقرة: 222.
(4) الانفال: 1.
(5) البقرة: 219.
(6) البقرة: 189.
(7) المائدة: 4.
(8) الاعراف: 187.
(9) الاسراء: 85.
(10) الكهف: 83.
(11) طه: 105.
[ 103 ]
استيعابه وهضمه، فيصحح ما أخطأوا في فهمه، ويُقرُّهم لهم ما أصابوه، ويوقفهم على ما جهلوه، فحياة الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام مليئة بهذا النمط من المبادرات، وطافحة بالكثير منها، ولو أردنا أن نستوفي الحديث عن ذلك لما وسعتنا المؤلفات الكبيرة، ولكنّا نقتصر على ذكر نماذج توضيحية، تدلل على عمق الاهتمام الذي كان يوليه النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام بهذا الجانب، لضمان سلامة الرسالة، والاطمئنان على تطبيق تعاليمها من قبل المسلمين بدقة كاملة، والتأكّد من فهم المسلمين الواعي لمفردات الثقافة الاسلامية، وعدم التعامل معها من موقع السذاجة، والجهل الذي يسبب الوقوع في البدع والمحدثات، والابتعاد عن تعاليم الشريعة السمحاء.
فمن الموارد التي كان يبادر النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم فيها أصحابه بالسؤال، ليفتح لهم آفاقاً جديدة من تعاليم السماء ما روي عن معاذ بن جبل أنَّه قال:
«كنت ردف رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: يامعاذ! أتدري ما حق اللّه على العباد؟، قال: قلت: اللّه ورسوله أعلم، قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً، ثم قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: فهل تدري ما حق العباد على اللّه إذا هم فعلوا ذلكَ؟ قال: قلت: اللّه ورسوله أعلم، قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: لا يعذبهم».
وورد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال لأبي موسى:
«هل أدلكَ على كنز من كنوز الجنة؟ قال: اللّه ورسوله أعلم، قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: لا حول ولا قوة إلا باللّه».
وسأل صلى اللّه عليه وآله وسلم أصحابه يوماً:
«أيكم مالُ وارثه أحبُّ إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول اللّه! ما من أحد إلا ماله
______________________________
(1) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 5، ح: 21486، ص: 228.
(2) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 4، ح: 19107، ص: 402.
[ 104 ]
أحبُّ إليه من مال وارثه، فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، مالَكَ من ما لَكَ إلا ما قدّمت، ومال وارثكَ ما أخرت».
وبينما يدخل صلى اللّه عليه وآله وسلم المسجد ذات يوم وإذا به يرى رجلاً قد طاف حوله الناس والتفّوا به، فبادر النفر الذين كانوا معه بالقول:
«مَن هذا؟ فقالوا: أنّه علاّمة يا رسول اللّه! فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: وما العلاّمة؟ قالوا: هو أعلم الناس بأنساب العرب، ووقائعها، وأيام الجاهلية، والاشعار العربية! فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ذاك علم لا يضر مَن جهله، ولا ينفع مَن علمه! إنما العلم ثلاثة: آية محكمة، وفريضة عادلة، وسُنّة قائمة، وما خلاهنَّ فهو فضل».
ومن أجل أن يعطي الاصحاب فهماً أعمق لمفردات الحياة، يسأل النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم أصحابه قائلاً:
«ما الصرعة فيكم؟ فيجيب الاصحاب: الشديد القوي الذي لا يوضع جنبه، فيقول صلى اللّه عليه وآله وسلم: بل الصرعة حقّ الصرعة، رجل وكز الشيطان في قلبه، واشتد غضبه، وظهر دمه، ثم ذكر اللّه، فصرعَ بحلمه غضبه».
وفي موضع آخر نراه صلى اللّه عيه وآله وسلم يبادر أصحابه:
«ما تعدّون فيكم الرقوب؟ قالوا: الذي لا ولد له، فيقول صلى اللّه عليه وآله وسلم: لا، ولكنَّ الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئاً».
ويقول لأصحابه تارةً اخرى:
«ما تعدّونَ الشهيد فيكم؟ قالوا: الذي يقاتل، فُيقتل في سبيل اللّه تعالى،
______________________________
(1) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 1، ح: 3619، ص: 382.
(2) زين الدين العاملي، منية المريد في آداب المفيد والمستفيد، ص: 31.
(3) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج77، ح 86، ص: 150.
(4) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 1، ح: 3619، ص: 382.
[ 105 ]
فيقول صلى اللّه عليه وآله وسلم: إنَّ شهداء اُمتي إذاً لقليل! القتيل في سبيل اللّه تبارك وتعالى شهيد. والمبطون شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد - يعني النفساء -».
وجاءَ عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال لأصحابه:
«ما تقولونَ في الزنا؟ قالوا: حرَّمه اللّه، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لأصحابه: لأن يزني الرجل بعشر نسوة، أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره.
ثم قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرَّمها اللّه ورسوله، فهي حرام، قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: لئن يسرق الرجل من عشرة أبيات، أيسر عليه من أن يسرق من جاره».
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم لاصحابه ذات مّرة:
«هل تدرون أول مَن يدخل الجنة من خلق اللّه؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: أول مَن يدخل الجنة من خلق اللّه، الفقراء المهاجرون، الذين تُسد بهم الثغور، ويُتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم، وحاجته في صدره، لا يستطيع لها قضاء».
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«هل تدرون ما الغيابة؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما ليس فيه».
وعن أنس بن مالك قال:
«أغفى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم اغفاءَة فرفع رأسه مبتسماً - امّا قال لهم، وإمّا قالوا له - لم ضحكت؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: انه اُنزلت عليَّ آنفاً سورة، فقرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
______________________________
(1) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 5، ح: 22177، ص: 315.
(2) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 6، ح: 23343، ص: 8.
(3) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 2، ح: 6534، ص: 168.
(4) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 2، ح: 9586، ص: 458.
[ 106 ]
(بسمِ اللّهِ الرَحمنِ الرحيم إَنّا أعطَيناكَ الكَوثرَ..) حتى ختمها، ثم قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم! قال: هو نهر أعطانيه ربي عزَّ وجلَّ في الجنة، عليه خير كثير، يرد عليه اُمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يختلج العبد منهم، فاقول: يا ربِّ أنه من اُمتي، فيقال لي: انكَ لا تدري ما أحدثوا بعدَك».
ويروى عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال لأصحابه:
«أتدرون ما المفلس؟ فقيل: المفلس فينا مَن لا درهم له ولا متاعَ له، فقال: المفلس من اُمتي، مَن يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفَكَ دمَ هذا، وضربَ هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فان فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، اُخذ من خطاياهم فُطرحت عليه، ثم طُرح في النار، ثم قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: إنَّ المفلس حقيقةً هو هذا».
ويقول أبو ذر انَّ النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم بادرني يوماً بالقول:
« يا أبا ذر! أترى كثرة المال هو الغنى؟ قلت: نعم يا رسول اللّه! قال صلى اللّه عليه وآله وسلم فترى قلة المال هو الفقر؟ قلت: نعم يا رسول اللّه! فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: انما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب».
ويروى عن علي علي السلام في هذا الصدد، أنه أبصر رجلاً ينقر بصلاته، فبادره القول: «منذ كم صليت بهذه الصلاة؟ قال: منذ كذا وكذا، فقال عليه السلام: مثلك عند اللّه كمثل الغراب، لو مُتَّ متَّ على غير ملّة أبي القاسم صلى اللّه عليه وآله وسلم، ثم قال عليه السلام أنَّ أسرق الناس مَن سرق صلاته».
______________________________
(1) الكوثر: 1.
(2) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 3، ح: 11585، ص: 102.
(3) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: 69، باب: 94، ح: 3، ص: 6.
(4) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 81، كتاب الصلاة، باب: 16، ح: 27، ص: 242، عن المحاسن للبرقي، ص: 82.
[ 107 ]
وروي عن سليمان بن جعفر النهدي أنه قال: قال لي جعفر بن محمد الصادق عليه السلام:
« يا سليمان مَن الفتى؟ قال: قلت له جُعلتُ فداك، الفتى عندنا الشاب، قال لي، أما علمت انَّ أصحاب الكهف كانوا كلّهم كهولاً، فسماهم اللّه فتنية بايمانهم، يا سليمان! مَن آمن باللّه واتقى فهو الفتى».
بل ونرى انَّ النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم يتحرى بالسؤال، ويبادر الاصحاب في كل موضع يعتقد فيه انَّ من الممكن أن تقترب ممارسات هؤلاء الاصحاب من دائرة التشريع، فيحصل أن يرتكب البعض العمل من منطلق خاطئ، أو نظرة ناقصة، أو فهم مرتبك لحقائق التشريع، فيروى مثلاً:
«انَّ الاصحاب كانوا يسيرون مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في مسير، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى نبل معه فأخذها، فلما استيقظ الرجل فزع، فضحكَ القوم، فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ما يضحككم؟ فقالوا: لا، إنّا أخذنا نبل هذا ففزع، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلماً».
وروي أيضاً أنه خرج النبي صلى اللّه عيه وآله وسلم فلقيه حذيفة، فحاد عنه، فاغتسل ثم جاء، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«ما لكَ؟ قال: يا رسول الله كنت جنباً! فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: إنَّ المسلم لا ينجس».
ولعلَّ من غير الخفي علينا أنَّ (السؤال) الذي ورد الحث عليه في لسان النصوص الشرعية المتقدمة، إنما يتعلق بالامور التي ينبغي للانسان أن يطلع عليها، ويتعلمها، ويجري على مقتضياتها، في تعديل سلوكه، وتنظيم حياته الفردية والاجتماعية،
______________________________
(1) العياشي، تفسير العياشي، ج: 2، ص: 323.
(2) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 6، ح: 22555، ص: 362.
(3) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 5، ح: 22907، ص: 402.
[ 108 ]
والتحرّي عن تفاصيل الاحكام الشرعية، وتحصيل أكبر رصيد منها، عن طريق التعلم والاكتساب، ولذا يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
«سل عمّا لا بدَّ لكَ من علمه، ولا تُعذر في جهله».
هذا النوع من السؤال يكتسب الاهمية العلمية أولاً، من خلال ما يفتح للانسان من آفاق المعرفة، وما يدركه الانسان بواسطته من آثار ايجابية متعددة، وثمار علمية كثيرة، ويكتسب الخلفية الشرعية ثانياً، من خلال النصوص الشرعية المتعددة التي ساهمت في اقراره، بل والدعوة إليه، في المجالات التي تتعلق بتنظيم حياة الانسان، وسلوكه الخاص والعام.
ولكنا نواجه في نفس الوقت نوعاً آخر من (السؤال)، وهو (السؤال) الذي لا يمتلك هذين المقومين معاً، فهو لا يحظى بالاهمية العلمية، لأنه يعرقل سير الحياة، وحركتها العلمية، ومقتضياتها الواقعية، كما أنَّه لا يكتسب الخلفية الشرعية، لأنه وقع مورداً لذم الشريعة، ونقدها الحاد.
ويمكن لنا أن نحصر (السؤال) المذموم في نظر الشريعة الاسلامية عند ثلاث زوايا:
الزاوية الاولى: أن يسأل الانسان عن الشيء تعنتاً واختباراً، ولكي يوقع المسؤول في موقع الحرج والارتباك، أو لكي يظهر للآخرين أنَّه من أصحاب المراعاة والاهتمام، فقد نهت الشريعة عن هذا النوع من الأسئلة، ودعت إلى (السؤال) الذي ينطلق من موقع الاستفادة، والتفقه في أمر الدين.
فقد ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
______________________________
(1) غرر الحكم: الحكمة / 5595.
[ 109 ]
«شرار الناس الذين يسألون عن شرار المسائل، كي يُغلِّطوا بها العلماء»(1).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال لسائل سأله عن معضلة:
«سَل تفقهاً، ولا تسأل تعنتاً، فانَّ الجاهل المتعلم شبيه بالعالم، وانَّ العالم المتعسِّف شبيه بالجاهل المتعنت»(2).
وعنه عليه السلام:
«والناس منقوصون مدخولون، إلا مَن عَصَم اللّه: سائلهم متعنت، ومجيبهم متكلِّف»(3).
وعن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال:
«شهدت علي بن أبي طالب يخطب، فقال في خطبته: سلوني، فواللّه لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا حدثتكم به، سلوني عن كتاب اللّه، فواللّه ما من آية إلا أنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل نزلت أم في جبل.
فقام إليه ابن الكّواء فقال: يا أمير المؤمنين، ما الذاريات ذرواً؟ فقال له: ويلك سل تفقهاً ولا تسأل تعنتاً، والذاريات ذرواً: الرياح، فالحاملات وقراً: السحاب، فالجاريات يسراً، السفن، فالمقسمات أمراً: الملائكة»(4).
الزاوية الثانية: أن يسأل الانسان عن تفاصيل الامور الشرعية التي تمَّ السكوت عنها، ولم تُبيَّن للناس في أحكام الشريعة الواردة والواصلة إليه من قريب أو بعيد، وقد يكون السؤال هنا ناتجاً عن اللامبالاة، أو محاولة التنصل والخلاص من التكليف، أو الرغبة في التحدي والتعجيز.. أو غير ذلك من الدواعي الاخرى، إلا أنّا نجد
______________________________
(1) ابن الاثير، جامع الاصول في أحاديث الرسول، ج: 7، ح: 3067، ص: 58.
(2) نهج البلاغة: الحكمة / 320.
(3) نهج البلاغة: الحكمة / 343.
(4) - علاء الدين الهندي، كنز العمال، 2، ح: 4740، ص: 565.
[ 110 ]
في الغالب انَّ هذا السائل حينما ينكشف له واقع الأمر، ويقف على حقيقة هذه الاحكام ويُشرَّع منها ما لم يكن قد كُلِّف به سابقاً.. نجده يتهرب من أداء هذا التكليف والقيام بواجب اللّه فيه.
ولذا نرى أنَّ الشريعة الاسلامية، ومن باب الرحمة بالانسان، والارفاق به، تنهاه عن تكلّف الامور، والالحاح في طلبها واستقصائها، والاكتفاء بما يحصل عليه من الطرق الطبيعية الجارية، والوسائل المتاحة، لأنَّ الشارع المقدس لو كان يريد الزيادة على ذلك، لبيَّن تلك الزيادة إلى الناس، ولم يكتفِ بذكرها اجمالاً، ولو كانت هناك ضرورة تقتضي في ملاكات الشريعة ان يرتكب الانسان سلوكاً خاصاً في حياته، على نحو الالزام، أو مما هو دون ذلك، مما فيه رغبة مولوية خاصة، لما كان يجدر بالشريعة أن تتهاون في توضيحه وبيانه... فما سكتت عنه الشريعة إذن فهو عفو، وخارج عن مساحة وجوب الانقياد والامتثال.
ورد عن رسول اللّه أنه قال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«إنَّ اللّهَ فرض فرائض فلا تضيِّعوها، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرَّم أشياء فلا تقربوها، وتركَ أشياء عن غير نسيان فلا تبحثوا عنها»(1).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«ذروني ما تركتم فانَّما هلكَ مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فاتوا به ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فدعوه»(2).
وعن سلمان الفارسي قال:
«سئل رسول اللّه عن أشياء، فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: الحلال ما أحلَّ اللّه في كتابه، والحرام ما
______________________________
(1) ابن الاثير، جامع الاصول في أحاديث الرسول، ج: 5، ح: 3070، ص: 59.
(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 916، ص: 181.
[ 111 ]
حرَّمه اللّه في كتابه، وما سكت عنه فهو مما قد عفا عنه، فلا تتكلّفوا».
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«لولا انَّ بني اسرائيل قالوا: «وانّا إن شاءَ اللّهُ لَمهتَدُونَ» ما اُعطوا أبداً، ولو انَّهم اعترضوا بقرةً من البقر فذبحوها، لأجزأت عنهم، ولكنّهم شددوا فشدَّدَ اللّه عليهم».
وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم في قوله تعالى: (وإذ قالَ مُوسى لِقَومِهِ إنَّ اللّهَ يأمُرُكُم أن تَذبَحُوا بَقَرةً قالُوا أتَتخِذُنا هُزُواً قالَ أعُوذُ باللّهِ أن أكونَ مِنَ الجاهِلينَ* قالوا ادعُ لنا رَبَّك يُبَيِّن لَنا ما هِيَ...) أنه قال:
«انهم اُمروا بأدنى بقرة، ولكنَّهم لما شدَّدوا على أنفسهم، شدَّد اللّهُ عليهم، وايم اللّه، لو لم يستثنوا ما بُيِّنت لهم إلى آخر الأبد».
وفي قوله تعالى: (يا أيُّها الذينَ آمنوا لا تَسألوا عَن أشياء إن تُبدَ لكُم تَسؤكُم) خطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال:
«إنَّ اللّه كتب عليكم الحج، فقام عكاشة بن محصن، ويروى سراقة بن مالك، فقال: أفي كلِّ عامٍ يا رسول اللّه؟ فأعرض عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم حتى عاد مرتين أو ثلاثة، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ويحكَ وما يؤمنكَ أن أقول: نعم، واللّه لو قلتُ نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فانَّما هلكَ مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم
______________________________
(1) ابن الاثير، جامع الاصول في أحاديث الرسول، ج: 5، الكتاب الرابع، ح: 3069، ص: 58 - 59.
(2) البقرة: 70.
(3) جلال الدين السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج: 1، ص: 77.
(4) البقرة: 67 - 68.
(5) الفضل بن الحسن الطبرسي، تفسير مجمع البيان، ج: 1، ص: 172.
(6) المائدة: 101.
[ 112 ]
عن شيء فاجتنبوه».
وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«إنَّ اعظم المسلمينَ في المسلمينَ جرماً، مَن سأل عن شيءٍ لم يُحرَّم على الناس، فُحرِّم من أجل مسألته».
الزاوية الثالثة: أن يسأل الانسان عن الامور التي تفتح أمامه مجال الشك والترديد في اعتقاداته الفطرية السليمة، وتزعزع ثقته واذعانه بالمسلَّمات الشرعية الثابتة.
وأنَّه لمن الواضح لدينا أنه على الرغم من القدرة العقلية الخلاقة، والمواهب الذهنية الجبّارة، التي أودعها اللّه تعالى في صميم الانسان، إلا انَّ هذا المخلوق يبقى عاجزاً عن فهم الكثير من الظواهر الكونية المحيطة به، وقاصراً عن ادراكها، ولا يتسنّى لأي بشرٍ مهما كانت قابلياته الذهنية، وقدراته العقلية، من أن يحيط بعلمٍ واحدٍ من العلوم المتاحة، من جميع جوانبه وجهاته، وفي مختلف مراحله وأدواره، فضلاً عن أن يحيط بكل العلوم البشرية، ويلم بها جميعاً، إلا اللهمَّ مَن وهبه اللّه العصمة، وخصَّه بالالهام، من أنبيائه وأوصيائه عليهم السلام، فأودعهم علم ما كان وما يكون، ضمن خصوصيات تفصيلية، لا يمكن التطرق اليها في هذا البحث.
وإذا كان شأن الانسان في المعارف الحسيّة كذلك، فانَّ مما لا شك فيه، أنه سوف لن يكون نصيبه من معارف الغيب بأحسن من ذلك، فهناك الكثير من المعارف الغيبية التي يقف عقل الانسان عاجزاً عن فهمها، والاحاطة بها، وادراكها، على ما هي عليه في واقع الامر، على الرغم من أنه يكوِّن فكرةً عامة لها، ويأخذ مفهوماً اجمالياً عنها.
______________________________
(1) عبد علي الحويزي، تفسير نور الثقلين، ج: 1، ح: 406، ص: 682.
(2) ابن الاثير، جامع الاصول في أحاديث الرسول، ج: 5، الكتاب الرابع، ح: 3062، ص: 54.
[ 113 ]
والشريعة الاسلامية قد كلَّفت الانسان في مثل هذه الموارد بأن يؤمن بهذه المعارف والتعاليم، بشكلها الذي يتوصل إليه الادراك الطبيعي، ومن خلال الفهم الواعي لخطوطها الاجمالية العامة، ومن دون حاجة إلى أن يكلّف نفسه الاستغراق في أبعادها التفصيلية، التي قدَّرت الشريعة أنها تكون عادةً خارج حدود امكاناته الخاصة، وقدراته الذهنية الطبيعية.
ولا أروع من كلمات صادق أهل البيت عليه السلام إذ يبيِّن هذهِ الحقيقة بالقول:
«يا ابنَ آدم لو أكل قلبَك طائر لم يُشبعه، وبصركَ لو وُضع عليه خرقُ ابرةٍ لغطّاه، تريد أن تعرف بهما ملكوت السموات والارض! إن كنتَ صادقاً، فهذهِ الشمس خلق من خلق اللّه،فان قدرتَ أن تملأ عينيكَ منها، فهو كما تقول»(1).
ومن هذا الباب جاءَ النهي عن السؤال عن الذات الالهية المقدسة، والتفكير في هذا الجانب الغيبي العميق، إذا لا يمكن لمن يعيش الامكان من أساسه، أن يدرك خصائص الواجب بالذات، الذي تقف عنده سلسلة العلل والاسباب.
فقد ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«لن يبرح الناس يتساءلون: هذا اللّه خالق كل شيء، فمن خلقَ اللّه؟»(2).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«لا تقوم الساعة حتى يُكفر باللّه جهراً، وذلكَ عند كلامهم في ربِّهم»(3).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«تفكروا في خلق اللّه، ولا تفكروا في اللّه فتهلكوا»(4).
______________________________
(1) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: النهي عن الكلام في الكيفية، ح: 8، ص: 93.
(2) ابن الاثير، جامع الاصول في احاديث الرسول، ج: 5، الكتاب الرابع، ح: 3065، ص: 57.
(3) نور الدين الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج: 1، ص: 81.
(4) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 3، ح: 5705، ص: 106.
[ 114 ]
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«إنَّ الشيطان يأتي أحدكم فيقول: مَن خلق السماء؟ فيقول: اللّه، فيقول مَن خلق الارض؟ فيقول: اللّه، فيقول: مَن خلقَ اللّه؟ فإذا وجدَ ذلكَ أحدكم، فليقل: آمنتُ باللّه ورسوله»(1).
وعن أبي جعفر عليه السلام أنه قال:
«إيّاكم والتفكر في اللّه، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمة اللّه، فانظروا ألي عظيم خلقه»(2).
وعن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام في قول اللّه عزَّ وجلَّ: (وأنَّ إلى ربِّكَ المُنتَهى)(3) أنَّه قال عليه السلام:
«إذا انتهى الكلام إلى اللّه عزَّ وجلَّ، فأمسكوا»(4).
وعن ابي عبد اللّه الصادق عليه السلام أنه قال:
«إياكم والتفكر في اللّه، فانَّ التفكر في اللّه لا يزيد إلا تيهاً، إنَّ الله لا تدركه الابصار، ولا يوصف بمقدار»(5).
وعنه عليه السلام:
«تكلموا في خلق اللّه، ولا تتكلموا في اللّه، فانَّ الكلام في اللّه لا يزداد صاحبه إلا تحيراً»(6).
ومن هذا الباب أيضاً ورد النهي عن الخصومة في أمر الدين، والجدال بآيات اللّه،
______________________________
(1) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 3، ح: 1247، ص: 247.
(2) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، تحقيق: هاشم الطهراني، باب: 67، ح: 20، ص: 458.
(3) النجم: 42.
(4) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 67، ح: 9، ص: 456.
(5) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 3، كتاب التوحيد، باب: 9، ح: 4، ص: 259.
(6) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: النهي عن الكلام في الكيفية، ح: 1، ص: 92.
[ 115 ]
والأخذ والرد في المعارف الغيبية العميقة التي ورد النهي عن الخوض فيها، وخصوصاً من قبل مَن لا يمتلك الحصيلة العقلية الكافية، والادلة والبراهين الاستدلالية المقنعة على ما يتفوه به من مناظرات وكلام، قال تعالى:
(ومِنَ الناس مَن يِجادل في اللّهِ بغَيرِ علمٍ وَيتَّبع كُلَّ شَيطانٍ مَريدٍ)(1).
وقال تعالى: (وَمنَ الناسِ مَن يُجادل في اللّهِ بَغيرِ عِلمٍ ولا هُدىً ولا كِتابٍ مُنيرٍ* ثانيَ عطفِهِ ليُضلّ عَن سَبيلِ اللّهِ لَهُ في الدُّنيا خِزي وَنُذيقُه يَومَ القيامةِ عَذابَ الحَرِيقِ)(2).
وقال تعالى: (إنَّ الذينَ يُجادِلونَ في آياتِ اللّهِ بغيرِ سلطانٍ أتاهُم إن في صدورِهِم إلا كِبر ما هُم ببالغيهِ)(3).
وجاء عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:
«مَن طلب الدين بالجدل تزندق»(4).
وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال لأبي عبيدة:
«يا أبا عبيدة إياكَ وأصحاب الخصومات والكذابين علينا، فانهم تركوا ما اُمروا بعلمه، وتكلَّفوا ما لم يؤمروا بعلمه، حتى تكلفوا علم السماء، يا أبا عبيدة خالقوا الناس بأخلاقهم، وزايلوهم باعمالهم، انّما لا نعد الرجل فقيهاً عاقلاً حتى يعرف لحن القول، ثم قرأ قوله تعالى: (وَلَتعرِفَنَّهم في لحنِ القول).»(6).
وعن زرارة قال: سألت ابا جعفر عليه السلام: ما حجة اللّه على العباد؟ قال عليه السلام:
______________________________
(1) الحج: 3.
(2) الحج: 8 - 9.
(3) المؤمن: 56.
(4) محسن الكاشاني، المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء، ج: 1، كتاب العلم، ص: 107.
(5) محمّد (ص): 30.
(6) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 67، ح: 24، ص: 458.
[ 116 ]
«أن يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عند ما لا يعلمون»(1).
وعنه عليه السلام أنه قال لزياد:
« يا زياد إياكَ والخصومات، فانها تورث الشك، وتحبط العمل، وتردي صاحبها، وعسى أن يتكلم الرجل بالشيء فلا يُغفر له، انَّه كان فيما مضى قوم تركوا علم ما وكلوا به، وطلبوا علم ما كُفُوهُ، حتى انتهى كلامُهُم إلى اللّه عزَّ وجلَّ فتحيَّروا»(2).
وعنه عليه السلام:
«الخصومة تمحق الدين، وتحبط العمل، وتورث الشك»(3).
وعن أبي الحسن عليه السلام أنه قال لعلي بن يقطين:
«مُر أصحابكَ أن يكفّوا من ألسنتهم، ويدعوا الخصومة في الدين، ويجتهدوا في عبادة اللّه عزَّ وجلَّ»(4).
كما انَّ من هذا الباب أيضاً ما ورد من نواهيَ مستفيضة على لسان الشرع من الخوض في القضاء والقدر... وغير ذلك من المعاني الدقيقة، والمطالب الاعتقادية الخطيرة، التي لا يمكن أن ينجو منها إلا مَن تحصَّن بالعلم والبصيرة واليقين.
فقد ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«مَن تكلَّم في شيءٍ من القدر سُئل عنه يوم القيامة، ومَن لم يتكلم فيه لم يُسأل عنه»(5).
فالتعمق في مثل هذه الامور إذن يكون غالباً عكسي التأثير على قناعات
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 67، ح: 27، ص: 459.
(2) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 67: ح: 11، ص: 456.
(3) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 67، ح: 29، ص: 460.
(4) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 67، ح: 11، ص: 456.
(5) أبن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: 1، ح: 84، ص: 33.
[ 117 ]
الانسان، وايمانه باللّه عزَّ وجلَّ، وبالتالي على سلوكه، وطريقة تعامله مع ظواهر الوجود المختلفة التي تحيط به.
فلا بدَّ أن تتوفر للانسان القناعة الراسخة بأنَّ الوسائل الحسيّة التي زُوّدَ بها، لا يمكن أن تنال إلا ما هو داخل في دائرة ادراكها ومتناولها، وأما الامور الغيبية الدقيقة، فهي اُمور يتعامل معها القلب والوجدان، وتسلِّم لها النفس في قناعاتها الفطرية السليمة، ويذعن لها الفؤاد والعقل من خلال السير العقلي المعزّز بالادلة والبراهين. ويشتد هذا التسليم ويتعاظم كلما صفت نفس الانسان، وطهرت روحه من الأعلاق الدنيوية الزائلة، وانقشعت عن قلبه حجب الخطايا، وظلمات المعاصي، وتسامى عقله عن التأثر والتلوث بالأهواء، والأنانيات، والمصالح الذاتية الحاكمة.
ولعلنا لا نضيف للقارئ الكريم جديداً حين نقول بأنّ هذا الذي تقدم، من التوجيهات الشرعية الحثيثة، حول ضرورة الكف عن الخوض في ما لا يحسن الخوض فيه، من المعاني الدقيقة، والمفاهيم الحساسة.. لا يعني الدعوة إلى شلِّ الطاقة العقلية التي يختص بها الانسان عن باقي مخلوقات الوجود، واقصاء الفكر والوعي والادراك عن ساحة الاعتقاد، والسير عشوائياً في طريق الايمان باللّه تعالى، من دون تأمل وتفكير وتدقيق.. فانَّ الاسلوب القراني، يعدُّ أكبر حجة على المنحى العقلي في الاقناع والاثبات والاستدلال، كما انَّ النصوص الشرعية المتظافرة في أبواب الاعتقادات المختلفة، والتي وردت عن النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، تصب في هذا الاتجاه أيضاً بما لا يقبل الشك والترديد، ودعوةُ الاسلام إلى التفكّر في آيات اللّه، والتطلع إلى أرقى مستويات المعارف البشرية، والحث الاكيد على طلب العلم، وإعمال العقل في مختلف المجالات، لهي أكبر من أن ينالها نقاش، أو يعتريها لبس وترديد.
وانّما الذي نفهمه من هذه النصوص، هو أن لا يؤدي (السؤال) أو (التفكير) أو
[ 118 ]
(الجدال) إلى ما يخل بأساسيات الدين، وان لا يتجاوز العقل البشري حدوده في التعامل مع الاشياء، وأن يترك الغيب مستأثراً بالمعارف والاحكام التي لم يستطع تفسير الحكمة منها، والخلفيات التي تقف وراءها، ما دام قد أذعن لأصل وجود الحكمة، والمصلحة الالهية، في كل تفاصيل التشريع.
كما انّ الدعوة المذكورة تحذِّر من أن يعالج الانسان مسائل الدين، من منطلق الجهل أو العفوية أو التنظير الشخصي المحض، الذي لا يستند إلى اُسس شرعية قاطعة ومسلّمة.
بالاضافة إلى أنها تدعو الانسان المسلم، وقبل أن يسترسل ويتعمق في هذه المطالب الشائكة والمعقدة، إلى أن يتحصن بقاعدة فكرية رصينة، ومبادئ اعتقادية واضحة ومستحكمة، تحميه من أن يتزلزل أمام عواصف الشبهات المثارة، وتمنحه الثبات في مهب التيارات الجدلية المتضاربة.
وعلى أية حال فانَّ ما تقدم الحديث عنه من طريقة شاذة في السؤال، والتفكير، والالحاح في طلب معرفة الاشياء المحظورة شرعياً، أو التي لا يؤمَن من أن يقع الانسان بسبب ولوجها في مهاوي الشك والترديد،... انما هو ناتج عن نزوع النفس الانسانية إلى الاطلاع على غوامض الامور، وخبايا الاشياء، وإثارة الجدل حول المعاني الخفية والعميقة، وعن محاولة العقل التدخل في كل أمرٍ يعرض عليه، وإبداء وجهة النظر الاستقلالية في فهم ذلك، ونقله إلى الآخرين، فهي غريزة انسانية راسخة في ذات البشر، ومستحكمة في أعماقه، لا تنفك عنه، ولا تنفصل عن ذاته، إلا إذا كان بصيراً بدينه، عارفاً بقدرة نفسه، متواضعاً للعلم والمعرفة، وما تلك الدعوات والادعاءات التي ظهرت في فترات مختلفة من عمر البشرية، كادّعاء القيادة، والنبوة، والالوهية، والاحاطة بكل شيء... وما إلى ذلك من اُمور، إلا صدىً لتلك الرغبة الكامنة، وافرازاً عن ذلك النزوع
[ 119 ]
الانساني، الذي يسعى دائماً لأن يجعل العقل بديلاً عن تعاليم السماء، ولكنَّه يبتلى أبداً بالانتكاس والخسران.
وكان من جراء هذا التفكير الملتوي، والسلوك المنحرف، أن ظهرت بدع كثيرة في حياة المسلمين، وخصوصاً تلك التي تتعلق بالاعتقادات، وترتبط بمعارف اُصول الدين، فنشأت فرق، ومذاهب، ومشارب متعددة، تتقاطع مع تعاليم الشرع الاسلامي المبين، وتدعو إلى ألوان شتى من الانحراف الفكري، والاعتقاد المغلوط.
وكانت مفاتيح هذهِ الطائفة من البدع والمحدثات، بيد تلك المجاميع التي دخلت في عالم الاعتقادات بكل ما له من أبعاد وتفاصيل، وطرقت المفاهيم الاسلامية الحساسة، من موقع الجهل، وقلة الخبرة، واللامبالاة.
وسوف نقوم باستعراض بعض المواقف والاحداث، التي شكلت النواة الاساسية الاولى لهذا النمط من الابتداع، والمظاهر التي انساقت مع هذا التيار في بدايات عمر التشريع:
1 - «روي أنَّ رجلاً أتى النبي صلي اللّه عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللّه! لتعلمني من غرائب العلم! فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ما صنعتَ في رأس العلم؟ قال: وما رأس العلم؟ قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: هل عرفتَ الرب؟ قال: نعم، قال صلى اللّه عيه وآله وسلم: فما صنعتَ في حقِّه؟ قال: ما شاءَ اللّه! فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: اذهب فاحكم ما هنالك، ثم تعالَ اُعلّمكَ من غرائب العلم»(1).
وفي كتاب (التوحيد) للشيخ (الصدوق): «قال الرجل: وما رأس العلم يا رسول اللّه؟ قال: معرفة اللّه حقّ معرفته، قال الأعرابي: وما معرفة اللّه حق معرفته؟ قال: تعرفه بلا مثل، ولا شبهٍ، ولا ندٍّ، وانَّه واحد، أحد، ظاهر، باطن، أول، آخر، لا كفو له،
______________________________
(1) ابو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 2، ص: 13.
[ 120 ]
ولا نظير، فذلك حق معرفته»(1).
فنرى انَّ النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم قد وجَّه هذا الرجل نحو العمل الصالح، ومعرفة الاصول الشرعية المطلوبة أولاً، ومن ثمَّ إذا ما أحكم ذلك، وترسخ أمر الدين في نفسه، من خلال عنصري العلم والعمل، فانَّ بامكانه أن يطّلع إلى ما يطمح إليه من غرائب العلم، وزوائد الاعتقاد.
وهذا يدل على انَّ الانسان، ما لم يتسلح بسلاح الايمان والمعرفة والبصيرة أولاً، ويتزود بقدرٍ كافٍ من التقوى والعمل الصالح ثانياً، فان دخوله في مثل هذهِ الغرائب والاستفاضات، سيؤدي به إلى الانحراف الفكري والعقائدي من دون ريب.
2 - جاءَ في كتاب (التوحيد) للشيخ (الصدوق) باسناده عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السلام عن آبائه عليهم السلام أنَّه قال:
«مرَّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم على رجلٍ، وهو رافع بصره إلى السماء يدعو، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: غُضَّ بصرَكَ فانكَ لن تراه.
وقال: ومرَّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم على رجل، رافع يديه إلى السماء، وهو يدعو، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: اقصر من يديكَ فانكَ لن تناله»(2).
فهذا التوجيه النبوي يهدف إلى صرف ذهنية المسلمين من الادراك الساذج لمعارف التوحيد، ومن الشعور البدائي المختمر بالحس، إلى حيث الادراكات القلبية، والمعاني التجريدية العقلية، فبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم للمسلمين أنَّ اللّه تعالى لا تناله الحواس، ولا تدركه الابصار، وأنَّ ما ارتكز في أذهانهم جهلاً، من أنه تعالى كائن في السماء، هو أمر خاطئ لا أساس له، فاللّه تعالى حاضر وموجود في كلِّ آنٍ ومكان، ولا
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 42، ح: 5، ص: 284 - 285.
(2) بو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 8 ما جاء في الرؤية، ح: 1، ص: 107.
[ 121 ]
نحتاج في مخاطبتنا إيّاه أن نرفع بأيدينا إلى السماء، أو نشخص بابصارنا نحوها، بهذهِ الطريقة المبنية على السذاجة والجهل، لأنّا لا نراه، ولا نناله.
3 - عن أبي هريرة قال:
«خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمرَّ وجهه، حتى كأنما فقيء في وجنته الرمان، فقال: أفبهذا اُمرتم؟ أم بهذا اُرسلت اليكم؟ إنَّما هلكَ مَن كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمتُ عليكم، عزمتُ عليكم، ألا تنازعوا فيه»(1).
4 - وورد في (مجمع الزوائد) عن ثوبان أنه قال:
«اجتمع أربعون من الصحابة ينظرون في القدر والجبر، فيهم أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما، فنزل الروح الأمين جبرائيل صلى اللّه عليه وسلم، فقال: يا محمَّد اخرج على امتكَ فقد احدثوا، فخرج عليهم في ساعة لم يكن يخرج عليهم في مثلها، فانكروا ذلك، وخرج عليهم متلمعاً لونه، متوردة وجنتاه، كأنما تقفا بحب الرمان الحامض، فنهضوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم حاسرين أدرعتهم، ترعد أكفهم وأذرعهم، فقالوا: تُبنا إلى اللّه ورسوله، فقال: اولى لكم ان كنتم لتوجبون، أتاني الروح الأمين فقال: اُخرج على اُمتكَ يا محمد فقد أحدثت»(2).
5 - روي أنه: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال:
«يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر، قال عليه السلام: بحر عميق فلا تلجه! فقال: يا أمير المومنين أخبرني عن القدر، قال عليه السلام: طريق مظلم فلا تسلكه! قال: يا أمير المؤمنين
______________________________
(1) الترمذي، سنن الترمذي، ج: 4، كتاب: القدر، باب: 1، ح: 2133، ص: 386.
(2) نور الدين الهيثمي، مجمع الزوائد، ج: 7، باب: النهي عن الكلام في القدر، ص: 201.
[ 122 ]
أخبرني عن القدر: قال عليه السلام: سر اللّه فلا تتكلفه!...»(1).
6 - روي أنه: «مرَّ أمير المؤمنين عليه السلام على قومٍ من أخلاط المسلمين، ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري، وهم قعود في بعض المساجد، في أول يوم من شعبان، وإذا هم يخوضون في أمر القدر، وغيره مما اختلف الناس فيه، قد ارتفعت أصواتهم، واشتد فيه جدالهم، فوقف عليهم، وسلّم، فردّوا عليه، ووسعوا له، وقاموا إليه يسألونه القعود اليهم، فلم يحفل بهم، ثم قال لهم - وناداهم -:
يا معشر المتكلمين ألم تعلموا انَّ للّه عباداً قد أسكتتهم خشيتُه من غير عيٍّ ولا بكم؟ وانَّهم هم الفصحاء البلغاء الالباء، العالمون باللّه وأيامه، ولكنّهم إذا ذكروا عظمة اللّه، انكسرت السنتهم، وانقطعت أفئذتهم، وطاشت عقولهم، وتاهت حلومهم، إعزازاً للّه وإعظاماً واجلالاً، فإذا أفاقوا من ذلكَ، استبقوا إلى اللّه بالاعمال الزاكية، يعدّون أنفسهم من الظالمين والخاطئين، وانَّهم براء من المقصرين والمفرطين، إلا أنهم لا يرضونَ اللّه بالقليل، ولا يستكثرون اللّه الكثير، ولا يدلّون عليه بالأعمال، فهم إذا رأيتهم مهيَّمون، مروَّعون، خائفون، مشفقون، وجلون، فأين أنتم منهم يامعشر المبتدعين، ألم تعلموا
انَّ أعلم الناس بالضرر أسكتهم عنه، وانَّ أجهل الناس بالضرر أنطقهم فيه؟»(2).
7 - عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن أبيه عليه السلام أنه قال:
«إنَّ رجلاً قال لأمير المؤمنين عليه السلام: هل تصف ربَّنا نزداد له حباً وبه معرفةً؟! فغضب وخطب الناس فقال فيما قال: عليكَ يا عبد اللّه بما دلَّكَ عليه القرآن من صفته، وتقدسكَ فيه الرسول من معرفته، فأتم به، واستضئ بنور هدايته، فانَّما هي نعمة
______________________________
(1) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: 5، كتاب: العدل والمعاد، باب: 3، ح: 35، ص: 110.
(2) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 3، كتاب: التوحيد، باب: 9، ح: 30، ص: 265.
[ 123 ]
وحكمة اُوتيتها، فخذ ما اُوتيت، وكن من الشاكرين، وما كلَّفك الشيطان علمه، مما ليس عليكَ في الكتاب فرضه، ولا في سنة الرسول وائمة الهداة أثره، فكِل علمه إلى اللّه، ولا تقدّر عليه عظمة اللّه.
واعلم يا عبد اللّه انَّ الراسخين في العلم، هم الذين أغناهم اللّه عن الاقتحام على السدد المضروبة دونَ الغيوب، إقراراً بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا: آمنّا بهِ كلّ من عند رِّبنا، وقد مدح اللّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً، وسمّى تركهم التعمق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخاً».
8 - روي عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام أنه قال:
«جاء حبر إلى أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه فقال: يا أمير المؤمنين! هل رأيتَ ربكَ حين عبدته؟ فقال عليه السلام: ويلكَ! ما كنت اعبد رباً لم أره، قال: وكيف رأيته، قال عليه السلام: ويلكَ! لا تدركه العيون في مشاهدة الابصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان».
9 - روي انَّ رجلاً قال للحسين بن علي عليه السلام: اجلس حتى نتناظر في الدين، فقال عليه السلام:
«يا هذا أنا بصير بديني، مكشوف عليَّ هداي، فان كنتَ جاهلاً بدينكَ، فاذهب واطلبه، ما لي وللمماراة؟ وانَّ الشيطان ليوسوس للرجل، ويناجيه ويقول: ناظر الناس في الدين كيلا يظنوا بكَ العجز والجهل..».
10 - جاءَ في (التوحيد) عن جعفر بن محمد عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال:
«قيل لعلي عليه السلام: إنَّ رجلاً يتكلَّم في المشيئة، فقال عليه السلام: ادعُه لي، قال: فدُعي له،
______________________________
(1) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 3، باب: 9، ح: 1، ص: 257.
(2) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: في ابطال الرؤية، ح: 6، ص: 98.
(3) محسن الكاشاني، المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء، ج: 1، كتاب العلم، ص: 107.
[ 124 ]
فقال علي السلام: يا عبد اللّه خلقَكَ اللّه لما شاءَ، أو لما شئتَ؟ قال: لما شاء، قال عليه السلام: فيمرضُكَ إذا شاء، أو إذا شئت؟! قال: إذا شاء، قال عليه السلام: فيشفيكَ إذا شاء، أو إذا شئت؟! قال: إذا شاء، قال عليه السلام: فيدخلكَ حيث شاء، أو حيث شئت؟! قال: حيث شاء، قال: فقال علي عليه السلام: لو قلتَ غير هذا لضربتُ الذي فيه عيناك»(1).
والذي يبدو أنَّ هذا الرجل كان يقول بتفويض الامور إلى العباد، وانَّ اللّه تعالى ليست له علاقة بمخلوقاته بعد خلقهم وانشائهم، فحذَّره أمير المؤمنين عليه السلام من الانسياق مَعَ هذا التفكير الخطير، وبيَّن له انَّ إرادة اللّه تعالى ومشيئته تبقى مرافقةً للانسان، ولا يمكن أن تنفك عنه مطلقاً، وسيأتي في آخر هذهِ الدراسة تسليط الضوء من خلال حديث أهل البيت عليهم السلام على هذهِ النقطة بشكل أوضح وأوسع، إن شاء اللّه تعالى.
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 55، ح: 2، ص: 237.