الخط السادس: عدم جواز الاجتهاد في مقابل التشريع
يتمثل الخط السادس ببيان أنَّ التشريع الالهي أمر توقيفي لا يجوز الاجتهاد في مقابله، أو الادلاء برأي شخصي في شأنه، لأنّه صادر من الكمال المطلق المحيط بكل جزئيات الحياة، والمستوعب لمختلف أجوائها وظروفها، والتشديد على أية ظاهرة تشريعية تحاول أن تحدث منفذاً في هذا الاطار العام، أو تصنع نفسها بديلاً عن القوانين الالهية الشاملة، وكان بسبب ذلك أن حذَّرت الشريعة الاسلامية تحذيراً شديداً من الكذب والافتراء على اللّه ورسوله، من خلال حشد كبير من الآيات القرآنية والاحاديث الشريفة، فمن ذلك قوله تعالى:
(فَمن أظَلمُ مَمنِ افترى عَلى اللّهِ كَذِباً أو كَذَّبَ بِآيَاتهِ إِنَّهُ لا يُفلحُ المُجرِمونَ)(1).
وقوله تعالى: (قُل أَرأيتُم مَّا أَنزَل اللّهُ لَكُم مِن رِزقٍ فَجَعلتُم مِنُه حَرَاماً وَحَلالاً قُل اللّه أذِنَ لَكُم أم عَلى اللّهِ تَفترونَ..)(2).
وقوله تعالى: (إنّمَا يَفترِي الكَذِبَ الَّذينَ لا يؤمِنونَ بِآيَاتِ اللّهِ)(3).
وقوله تعالى: (وَلا تَقولُوا لِما تَصِف الِسنتُكم الكَذِبَ هَذَا حَلال وَهَذَا حَرام لِتفترُوا عَلَى اللّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفترُون عَلَى اللّهِ الكَذِب لا يُفلحُون)(4).
وقوله تعالى: (وَيَومَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذبُوا عَلَى اللّهِ وُجُوههُم مُّسوَدّة أليسَ فِي جَهنَّم مَثوى لِلمُتكَبرِينَ)(5).
وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انه قال:
«اتقوا تكذيب اللّه!، قيل: يا رسول اللّه وكيف ذاك؟ قال: يقول أحدكم: قال اللّه، فيقول اللّه عزَّ وجلَّ: كذبت لم أقله، ويقول لم يقل اللّه، فيقول عزَّ وجلَّ: كذبت قد
______________________________
(1) يونس: 17.
(2) يونس: 59.
(3) النحل: 105.
(4) النحل: 116.
(5) الزمر: 60.
[ 49 ]
قلته»(1).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«مَن قال عليَّ ما لم أقله فليتبوأ مقعده من النار»(2).
وفي حديث آخر عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«مَن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»(3).
وعن الامام الرضا عليه السلام أنه قال:
«واللّه ما أحد يكذّب علينا إلا ويذيقه اللّه حرَّ الحديد»(4).
كما حذَّرت الشريعة تحذيراً شديداً من أي لونٍ من ألوان الاستدلال العقلي الذي لا يحمل غطاءاً شرعياً، ولا يستند إلى اساس راسخٍ في الدين، من أمثال الرأي والقياس والاستحسان، وغلَّظت على هذه الحالة الدخيلة في مجموعة كبيرة من الآيات والروايات أيضاً، قال تعالى:
(وَمَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدىً مِنَ اللّهِ)(5).
وقال تعالى: (وَلا تَتبعِ الهَوى فَيضلكَ عَن سَبيلِ اللّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضلّونَ عَن سَبيلِ اللّهِ لَهُم عَذاب شَدِيد بِمَا نَسُوا يَومَ الحِسابِ)(6)، وقال تعالى: (أَم لَهُم شُركَاء شَرعُوا لَهمُ مِن الدِينِ مَا لَم يَأذَن بِهِ اللّهُ)(7).
وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
______________________________
(1) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 16، ح: 16، ص: 117.
(2) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج 1، ح 374، ص: 209.
(3) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: 1، باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ص: 13 ح: 30 و 33.
(4) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 16، ح: 18، ص: 117.
(5) القصص: 50.
(6) ص: 26.
(7) حمعسق: 21.
[ 50 ]
«قال اللّه جلَّ جلاله: ما آمن بي مَن فسَّر برأيه كلامي، وما عرفني مَن شبَّهني بخلقي، وما على ديني مَن استعمل القياس في ديني»(1).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:
«لا رأي في الدين»(2).
وعن ابي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال:
«إنَّ السنة لا تُقاس، وكيف تقاس السنة والحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة»(3).
وعن سعيد الاعرج قال:
«قلتُ لابي عبد اللّه عليه السلام: إنَّ من عندنا ممن يتفقه يقولون: يرد علينا ما لا نعرفه في كتاب اللّه ولا في السنة، فنقول فيه برأينا، فقال أبو عبد اللّه عليه السلام: كذبوا، ليس شيء إلا وقد جاءَ في الكتاب، وجاءت فيه السنة»(4).
وعن سماعة قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام: إنَّ عندنا مَن قد أدرك أباك وجدَّك وانَّ الرجل منّا يُبتلى بالشيء لا، يكون عندنا فيه شيء، فيقيس؟ فقال: إنَّما هلكَ مَن كان قبلكم حين قاسوا»(5).
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، أمالي الصدوق، المجلس الثاني، ح: 3، ص: 15.
(2) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: 1، ح: 78، ص: 333.
(3) أبو جعفر المحاسن، ج: 1، ح: 95، ص: 338.
(4) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 34، ح: 47، ص: 304.
(5) أبو جعفر البرقي، المحاسن ج: 1، ح: 86، ص: 335.
[ 51 ]
الفصل الثاني : مواجهة الابتداع
من خلال هذا الاستعراض المجمل للخطوط الرئيسية التي تشكل مفردات الحصانة لوقاية التشريع من الدس والافتراء والتحريف.. ندرك الفلسفة التي تقف وراء الكفاح النبوي اللاحب لمواجهة البدع ومحدثات الامور، والتشديد على مرتكبها بألوان التهديد والوعيد، وتحميل العلماء مسؤولية الذب عن الدين، وحماية حريمه ومقدساته ومضامينه، من خلال اظهار علومهم، ونشرمعارفهم، في حالة نشوء هذه المحدثات المعرقلة لحركة الشريعة، والمعطّلة لفاعليتها وتأثيرها في الحياة على الوجه المطلوب، وقد اعتبرت الشريعة العالم الذي لا يقوم بواجبه الديني عند بروز هذه الظواهر الخطيرة إنساناً خائناً لموقعه ورسالته في المجتمع، وكاتماً لما أنزله اللّه تعالى على نبيه الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم من تعاليم وأحكام، إذ انَّ هذا الذب والدفاع يعتبر من أبرز مهام العالم الديني الذي ائتمنته الشريعة على تعاليمها ومقدساتها، وأول الواجبات الملقاة على عاتقه في هذا السبيل، فقد ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«إذا ظهرت البدع في امتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة اللّه»(1).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«إذا ظهرت البدع، ولعن آخر هذه الامة
أولها، فمن كان عنده علم فلينشره، فانَّ كاتم العلم يومئذٍ ككاتم ما أنزل اللّه
على محمّد»(2).
______________________________
(1) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: 2، ص: 54.
(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 903، ص: 179.
[ 54 ]
وعن الصادقين عليهما السلام انهما قالا:
«إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل سُلب نور الايمان»(1).
وسوف نستعرض معاً طائفة من الروايات التي واجهت ظاهرة الابتداع، وأكدت على استئصالها ضمن هذه العناوين:
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»(2).
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«الأمر المفظع، والحمل المضلع، والشر الذي لا ينقطع، إظهار البدع»(3).
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم»(4).
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«إيّاكم والبدع، فانَّ كلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة تسير إلى النار»(5).
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«مَن غشّ من امتي فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين، قالوا: يا رسول اللّه:
_____________________________
(1) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: 11، كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، باب: 40، ح: ص: 510.
(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1101، ص: 219.
(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1093، ص: 218.
(4) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1112، ص: 221.
(5) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1113، ص: 221.
[ 55 ]
وما الغش؟ فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: أن يبتدع لهم بدعة فيعملوا بها»(1).
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
« لا يُقبل قول إلا بعمل، ولا يُقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا باصابة السنة»(2).
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«ألا وكل بدعة ضلالة، ألا وكل ضلالة في النار»(3).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:
«ما اُحدث بدعة إلا تُرك بها سنّة، فاتقوا البدع، والزموا المهيَع(4)، وانَّ عوازم الامور أفضلها، وانَّ محدثاتها شرارها»(5).
وعنه عليه السلام:
«أيها الناس إنما بدء وقوع الفتن أهواء تُتّبع، وأحكام تُبتدع، يُخالف فيها كتاب اللّه، يقلِّد فيها رجال رجالاً على غير دين اللّه»(6).
وعنه عليه السلام:
«إنَّ اللّه بعث رسولاً هادياً بكتابٍ ناطق وأمرٍ قائمٍ، لا يهلك عنه إلا هالك، وان المبتدعات المشبهات هنَّ المهلكات، إلا ما حفظ اللّه منها»(7).
______________________________
(1) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1118، ص: 222.
(2) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 32، ح: 2، ص: 261.
(3) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 32، ح: 12، ص: 263.
(4) المَهيَع: (بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء): الطريق الواسع البيِّن.
(5) نهج البلاغة: الخطبة / 145.
(6) نهج البلاغة: الكلام / 50.
(7) نهج البلاغة: الخطبة / 169.
[ 56 ]
2 - التنكيل بأصحاب البدع وذمهم
جاءَ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«أصحاب البدع كلاب النار»(1).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«أهل البدع شر الخلق والخليقة»(2).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«يجيء قوم يُميتون السنّة، ويوغلونَ في الدين، فعلى اولئكَ لعنة اللّه، ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين»(3).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«أدنى الشرك أن يبتدع الرجل رأياً فيحب عليه ويبغض عليه»(4).
وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام في قوله تعالى: (وَالذِينَ كَسبُوا السَّيئَاتِ جَزاءُ سَيِئةٍ بِمثلِهَا وَتَرهقُهم ذِلة مَا لَهم مِنَ اللّهِ مِن عَاصِمٍ)(5) قال عليه السلام:
«هؤلاء أهل البدع والشبهات والشهوات، يسوّد اللّهُ وجوههم ثم يلقونه»(6).
وعن يونس بن عبد الرحمن قال:
«قلت لابي الحسن الأول عليه السلام: بمَ أوحّد اللّه؟ فقال: يا يونس لا تكوننَّ مبتدعاً، مَن نظر برأيه هلكَ، ومَن ترك أهل بيت نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم ضلَّ، ومَن ترك كتاب اللّه وقول نبيه
______________________________
(1) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1094، ص: 218.
(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1095، ص: 218.
(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1124، ص: 223.
(4) أبو جعفر الصدوق، ثواب الاعمال، تصحيح وتعليق وتقديم الشيخ حسين الأعلمي، ص: 304.
(5) يونس: 27.
(6) علي بن ابراهيم القمي، تفسير علي بن ابراهيم، ج: 1، ص: 311.
[ 57 ]
كفر»(1).
وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«ما تقولونَ في قومٍ تدخل قادتهم الجنة وأتباعهم النار، قالوا: يا رسول اللّه: وان عملوا بمثل أعمالهم، قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: وان عملوا بمثل أعمالهم، يدخل هؤلاء بما سبق لهم الجنة، ويدخل هؤلاء بما أحدثوا النار»(2).
وعن علي عليه السلام انه قال:
«وآخر قد تسمّى عالماً وليس به، فاقتبس جهائل من جهّال، وأضاليل من ضلال... يقول أقف عند الشبهات وفيها وقع، ويقول أعتزل البدع وبينها اضطجع، فالصورة صورة انسان، والقلب قلب حيوان»(3).
وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في قوله تعالى: (إنَّ الذِينَ فَرَّقوا دِينهم وَكانُوا شِيَعاً)(4)، قال:
«هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء، ليس لهم توبة، أنا منهم بريء، وهم براء»(5).
وعن علي عليه السلام أنه قال:
«إنَّ من عزائم اللّه في الذكر الحكيم، التي عليها يثبب ويعاقب، ولها يرضى ويسخط، أنه لا ينفع عبداً - وان أجهدَ نفسه وأخلص فعله - أن يخرج من الدنيا لاقياً ربَّه بخصلةٍ من هذهِ الخصال لم يتب منها.. أو يستنجح حاجةً إلى الناس باظهار بدعةٍ في
______________________________
(1) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: 10، ص: 56.
(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1129، ص: 223.
(3) نهج البلاغة: خ / 87.
(4) الأنعام: 159.
(5) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 2987، ص: 223.
[ 58 ]
دينه»(1).
وعنه عليه السلام:
«إنَّ أبغض الخلائق إلى اللّه رجلان: رجل وكله اللّه إلى نفسه، فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة، ودعاء ضلالة، فهو فتنة لمن افتُتن به، ضال عن هدي مَن كان قبله، مضلّ لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته، حمّال خطايا غيره، رهن بخطيئته»(2).
وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«انَّ الاسلام يشيع ثم تكون له فترة، فمن كانت فترته إلى غلوٍّ وبدعة، فاولئكَ أهل النار»(3).
3 - التأكيد على مقاطعة المبتدعين
كما جاءت جملة كبيرة من الاخبار لتدلل على ضرورة مقاطعة المبتدعين، وهجرانهم، وعدم معاشرتهم بشكل مطلق، تأكيداً على بشاعة هذا الأمر، وإيغالاً في شجبة ومواجهته، فمن ذلكَ ما ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«مَن وقَّر صاحب بدعة فقد أعانَ على هدم الاسلام»(4).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«إذا رأيتم صاحب بدعةٍ، فاكفهرّوا في وجهه»(5).
_____________________________
(1) نهج البلاغة: خ / 153.
(2) نهج البلاغة: الكلام / 17.
(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1106، ص: 220.
(4) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1102، ص: 219.
(5) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1676، ص: 382.
[ 59 ]
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«مَن تبسَّم في وجه مبتدع، فقد أعانَ على هدمِ دينه»(1).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«مَن أرعبَ صاحب بدعة، ملأ اللّه قلبه أمناً وايماناً، ومَن انتهر صاحب بدعة، آمنه اللّه من الفزع الاكبر، ومَن أهانَ صاحب بدعة، رفعه اللّه في الجنة درجة، ومَن لانَ له لقيه تبشبشاً، فقد استخف بما اُنزل على محمد»(2).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«مَن أعرض عن صاحب بدعة بغضاً له، ملأ اللّه قلبه أمناً وإيماناً»(3).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«مَن مشى إلى صاحب بدعة ليوقره فقد أعان على هدم الاسلام»(4).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي، فاظهروا البراءة منهم، واكثروا من سبِّهم، والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم، كي لا يطعموا في الفساد في الاسلام، ويحذرهم الناس، ولا يتعلمون من بدعهم، يكتب اللّه لكم بذلك الحسنات، ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة»(5).
______________________________
(1) عباس القمي، سفينة البحار، ج: 1، ص: 63.
(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 3، ح: 5598، ص: 82.
(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 3، ح: 5599، ص: 82.
(4) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1123، ص: 223.
(5) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: 11، ص: 508، ح: 1.
4 - عدم قبول توبة المبتدع
وبما انَّ الأثر السيّئ لصاحب البدعة لا ينحصر في نطاق شخص صاحبه، وحياته
[ 60 ]
الخاصة، وانما يتعدى ذلك إلى الحياة الاجتماعية العامة، فيؤثر فيها سلباً. ويعرقل حركتها، ويشوّه معالمها، نتيجة الدس والتحميل والافتراء، ووضع العقبات أمام القانون الالهي من أن يأخذ مساره الطبيعي في توجيه الفرد والمجتمع، والوصول بالبشرية إلى حيث السعادة والكمال، فقد تم التاكيد أيضاً على إغلاق باب التوبة في وجه المبتدع، وأنَّ أعمال البر لا تُقبل منه، وأنَّ المبتدع يحمل وزره ووزر مِن عمل ببدعته، لأنَّه المسؤول الأول عن ذلك، قال تعالى: (لِيحمِلوا أوزارهم كَامِلةً يَومَ القِيامَةِ وَمِن أوزارِ الذِينَ يُضلونَهُم بِغَيرِ عِلمٍ)(1).
وجاءَ في الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«ومن ابتدعَ بدعةً ضلالة لا ترضي اللّه ورسولهُ كان عليه مثل آثام مَن عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئاً»(2).
كل ذلك من أجل أنَّ أيَّ تهاون في هذا المجال، وأيَّ تسامح في مواجهة هذه الظاهرة، سوف يعرِّض الشريعة الاسلامية إلى الخطر المحدق، ويهدد وجودها وكيانها العظيم بالتحريف والتزوير.
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بهذا الشأن:
«إنَّ اللّه احتجر التوبة على صاحب كلِّ بدعة»(3).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«أبى اللّه لصاحب البدعة بالتوبة»(4).
وعن عبد اللّه بن عباس أنَّه قال:
______________________________
(1) النحل: 25.
(2) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 122.
(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1105، ص: 220.
(4) أبو جعفر الصدوق، علل الشرائع، ص: 492.
[ 61 ]
«كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا جاءَ شهر رجب، جمع المسلمين حوله، وقامَ فيهم خطيباً، فحمد اللّه وأثنى عليه، وذكر مَن كان قبله من الأنبياء فصلّى عليهم، ثم قال: أيها المسلمون قد أظلَّكم شهر عظيم مبارك، وهو شهر الأصب، يصب فيه الرحمة على مَن عبده، إلا عبداً مشركاً، أو مظر بدعة في الاسلام»(1).
وعنه صلى اللّه عليه وآله:
«لا يقبل اللّه لصاحب بدعةٍ صلاةً، ولا صوماً، ولا صدقة، ولا حجّاً، ولا عمرة، ولا جهاداً، ولا صرفاً، ولا عدلاً، حتى يخرج من الاسلام كما تخرج الشعرة من العجيبن»(2).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«أبى اللّه أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعتَه»(3).
وعن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام قال:
«كان رجل في الزمن الأول طلب الدنيا من حلال فلم يقدر عليها، وطلبها من حرام فلم يقدر عليها، فأتاه الشطان فقال له: يا هذا إنكَ قد طلبتَ الدنيا من حلال فلم تقدر عليها، وطلبتها من حرام فلم تقدر عليها، أفلا أدّلكَ على شيءٍ تكثر به دنياك، ويكثر به تبعك؟ قال: بلى، قال: تبتدع ديناً وتدعو إليه الناس.
ففعل، فاستجاب له الناس وأطاعوه، وأصاب من الدنيا، ثمَّ أنَّه فكّر فقال: ما صنعت؟ ابتدعت ديناً ودعوت الناس، وما أرى لي توبة، إلا أن آتي مَن دعوته إليه فأردّه عنه، فجعل يأتي أصحابه الذين أجابوه، فيقول لهم: انَّ الذي دعوتكم إليه باطل وانما ابتدعته، فجعلوا يقولون: كذبت وهو الحق، ولكنَّك شككت في دينك فرجعتَ عنه،
______________________________
(1) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 94، باب: 55، ح: 33، ص: 47.
(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1108، ص: 220.
(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 1، ح: 1103، ص: 219.
[ 62 ]
فلما رأى ذلكَ عمد إلى سلسلة فوتد لها وتداً ثم جعلها في عنقه، وقال: لا أحلّها حتى يتوب اللّه عزَّ وجلَّ عليَّ، فأوحى اللّه عزَّ وجلَّ إلى نبي من الأنبياء: قل لفلان: وعزتي، لو دعوتني حتى تنقطع أوصالك، ما استجبت لك، حتى تردَّ مَن مات إلى ما دعوته إليه، فيرجع عنه»(1).
______________________________
(1) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: 1، ص: 328، ح: 70.
[ 63 ]
الفصل الثالث : أسباب نشوء البدع
هناك عوامل عديدة أدَّت إلى ظهور (البدع) في حياة المسلمين، وقد بدأت ظاهرة الابتداع بالنشوء والترعرع، ومن ثمَّ الاتساع في أوائل عهد الرسالة الاسلامية، ومنذ بدايات التشريع، وأخذت (البدع) تتزايد وتتنوع كلما ابتعد الانسان عن هذا العصر، وكلما جنحت حياته نحو السعة والتعقيد.
وكان للتحديات التي واجهها الاسلام على مرّ العصور، والسياسات اللادينية الحاكمة، وما مرَّ به المسلمون من ظروف تاريخية معقدة.. الدور الكبير في نشوء (البدع) وازدياد حدّتها، وتناميها، في جسد الكيان الاسلامي الكبير.
والذي يلاحظه المتأمل في فصول التاريخ الاسلامي الاُولى أنَّ ظاهرة الابتداع حينما وُلدت في حياة المسلمين وُلدت وهي بسيطة وساذجة، تحمل الطابع البدائي، والاسلوب العفوي، والاندفاع السطحي، ولا سيما تلك التي نشأت في حياة الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، ولكنَّ هذهِ الظواهر وبعد أنَّ ارتحل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى المليك الاعلى بدأت تتخذ طابعاً كيفيّاً مؤثراً، وأُسلوباً تخريبباً خطيراً، وخصوصاً تلك (البدع) و (المحدثات) التي يقف وراءها قصد التشويه والتحريف، وقلب الحقائق والموازين الشرعية الثابتة، والتي تنشأ عن اتباع الأهواء، والانقياد مع الباطل، والصدِّ عن صراط اللّه المستقيم، والهدي النبوي القويم.
[ 66 ]
وقد وردت الاشارة في القرآن الكريم إلى أنَّ الامة الاسلامية ستمر بهذا المخاض، وتوضع على محكّ الفتنة، وموازين الاختبار، بعد وفاة الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، حيث يقول اللّه عزَّ وجلَّ: (ومَا مُحمّد إلا رَسول قَد خَلت مِنَ قَبلهِ الرسُلُ أفَئن مَّاتَ أو قُتِلَ انقَلبتم عَلَى أعقابِكم وَمَن يَنقلِب عَلَى عَقبيهِ فَلَن يَضُرَّ اللّه شَيئاً وَسيَجزي اللّهُ الشَّاكِرينَ)(1).
ولم يكن النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم ليترك التعبير عمّا كان يقرأه في صفحات الغيب، وما يراه على جبين المستقبل القريب، مما سيؤول إليه أمر الامة الاسلامية من التشتت والتفرق والتمزيق، بعد رحيله إلى الرفيق الاعلى، فقد كان صلى اللّه عليه وآله وسلم يحذِّر المسلمين بين الحين والآخر من مغبّة الوقوع في متاهات البدع والأهواء، والانحراف عن الطريق الحق، والصراط المستقيم، إلى حيث السبل المتشتتة، والمسالك الضالة.
روي عن ابن مسعود أنه قال:
«خط رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم خطاً بيده ثم قال: هذا سبيل اللّه مستقيماً، ثمَّ خطَّ خطوطاً عن يمين ذلك وعن شماله ثم قال: وهذهِ السبل، ليس من سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: (وَأنَّ هَذا صِرَاطي مُستقِيماً فاِتّبِعوهُ وَلا تَتبعُوا السبُل فَتفَرق بكُم عَن سَبيلِهِ(2))(3).
ويبيِّن النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم لامته أنَّهم سيمرون من بعده بفتن مظلمة، ومخاضات عسيرة، تنجرف معها طبقات كثيرة من المسلمين، فهو يقول:
«يوشك الامم أن تداعى عليكم كما تداعى الآكلة إلى قصعتها، فقال قائل: من قلةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنَّ اللّه من
______________________________
(1) آل عمران: 144.
(2) الانعام: 153.
(3) جلال الدين السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج: 3، ص: 56.
[ 67 ]
صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول اللّه؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت»(1).
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا»(2).
وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«إذا فُتحت عليكم فارس والروم أيّ قومٍ أنتم، قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا اللّه، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: أو غيرُ ذلك، تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون، أو نحو ذلك، ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض»(3).
وعن افتراق الامة الاسلامية وتمزقها واتباعها سنن الامم الماضية من التيه والضلال والانحراف، يتحدث الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم قائلاً:
«كل ما كان في الامم السالفة، فانَّه يكون في هذهِ الامه مثله، حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة»(4).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم في قوله تعالى: (لَتركَبُنَّ طَبقاً عَن طَبقٍ)(5) أنه قال:
«حالاً بعد حال، لتركبنَّ سنة مَن كان قبلكم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، لا تخطئون طريقهم ولا يخطأ، شبر بشبر، وذراع بذراع، وباع بباع، حتى أنه لو كان قبلكم دخل جحر ضب لدخلتموه، قالوا: اليهودَ والنصارى تعني يا رسول اللّه؟ قال: فمن أعني؟
______________________________
(1) أبو داود السجستاني، سنن أبي داود، ج: 4، كتاب الملاحم، ح: 4297، ص: 111.
(2) الترمذي، سنن الترمذي، ج: 4، كتاب الفتن، باب: 30، ح: 2195، ص: 422.
(3) مسلم، صحيح مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 18، كتاب الزهد، ص: 96.
(4) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 28، كتاب الفتن والمحن، باب: 1، ح: 15، ص: 10.
(5) الانشقاق: 19.
[ 68 ]
لتنقضنَّ عرى الاسلام عروة عروة، فيكون أول ما تنقضون من دينكم الأمانة، وآخره الصلاة»(1).
ونلاحظ أنَّ النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم مبالغة في إيضاح معالم الطريق الحق أمام المسلمين، وتحديد الرؤية الدقيقة التي لا تسمح بالشك والتوقف والترديد، ينص على الفرقة الناجية من هذهِ الفتن والمدلهمات، ويشخّص الرائد الاول لمسيرة النجاة، فيقول صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«يا علي مثلَك في امتي مثل المسيح عيسى بن مريم، افترق قومه ثلاث فرق، فرقة مؤمنون به وهم الحواريون، وفرقة عادوه وهم اليهود، وفرقة غلّوا فيه فخرجوا عن الايمان، وانَّ امتي ستفترق فيكَ ثلاث فرق، فرقة شيعتُكَ وهم المؤمنون، وفرقة أعداؤك وهم الناكثون، وفرقة غلّوا فيكَ وهم الجاحدونَ السابقون، فانت يا علي وشيعتكَ في الجنة، ومحبُّو شيعتك في الجنة، والغالي فيكَ في النار»(2).
وذكر علي عليه السلام عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«افترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة، سبعون فرقة في النار وفرقة واحدة في الجنة، وهي التي اتبعت وصيَّه، وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة، فاحدى وسبعون فرقة في النار وفرقة واحدة في الجنة، وهي التي اتبعت وصيَّه، وستفترق امتي على ثلاث وسبعين فرقة، اثنان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي التي اتبعت وصيي، - يقول علي عليه السلام - وضرب بيده على منكبي ثم قال:
اثنان وسبعون فرقة حلَّت عقدَ الاله فيك، وواحدة في الجنة، وهي التي اتخذت محبتكَ، وهم شيعتُك»(3).
ويذكر النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم مسمّيات صريحة للانشقاقات البارزة، والمحدثات
______________________________
(1) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 28، كتاب الفتن والمحن، باب: 1، ح: 11، ص: 8.
(2) الخوارزمي، المناقب، تحقيق: مالك المحمودي، الفصل: 19: ح: 318، ص: 317.
(3) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 28، كتاب الفتن والمحن، باب: 1، ح: 30، ص: 13.
[ 69 ]
الخطيرة التي ستحصل من بعده، تكريساً لمفهوم الفرقة الناجية، وبلورة أبعادها ومعالمها بكل تفصيل، وايغالاً في إلقاء الحجّة البالغة على المسلمين، فنراه صلى اللّه عليه وآله وسلم في مواضع متعددة يُسمّي الناكثين، والقاسطين، والمارقين، وغير هؤلاء من فرق الضلال الاخرى، فقد روى:
«إنَّ رجلاً أتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم حنين، وهو يقسِّم تبراً فقال: يا محمَّد اعدل! فقال: ويحكَ من يعدل إذا لم أعدل؟! - أو عند مَن يلتمس العدل بعدي؟! - ثم قال: يوشك أن يأتي قوم مثل هذا، يسألون كتاب اللّه وهم أعداؤه، يقرأون كتاب اللّه ولا يحل حناجرهم، محلقة رؤوسهم، فإذا خرجوا فاضربوا رقابهم»(1).
وجاء في (شرح النهج) لابن أبي الحديد عن علي عليه السلام:
«ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال له: إنَّ اللّه قد كتب عليكَ جهاد المفتونين، كما كتب عليَّ جهاد المشركين، قال: فقلت: يا رسول اللّه، ما هذهِ الفتنة التي كتب عليَّ فيها الجهاد؟ قال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
قوم يشهدون ان لا إله إلا اللّه وأني رسول اللّه، وهم مخالفون للسنة.
فقلتُ: يا رسول اللّه، فعلامَ اُقاتلهم وهم يشهدون كما أشهد؟ قال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
على الإحداث في الدين، ومخالفة الأمر. فقلت: يا رسول اللّه، إنكَ كنتَ وعدتني الشهادة فاسأل اللّه ان يجعلها لي بين يديكَ، قال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
فمن يقاتل الناكثين، والقاسطين، والمارقين؟ أما اني وعدتك الشهادة، وستستشهد، تُضرب على هذهِ فتخضب هذه، فكيف صبرك إذن؟
قلت: يا رسول اللّه ليس ذا بموطن صبر، هذا موطن شكر، قال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
أجل أصبت، فأعدَّ للخصومة، فانكَ مخاصَم.
______________________________
(1) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 11، ح: 31220، ص: 199.
[ 70 ]
فقلت: يا رسول اللّه لو بَّينت لي قليلاً! فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
انَّ امتي ستُفتن من بعدي، فتتأول القرآن، وتعمل بالرأي، وتستحل الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية، والربا بالبيع، وتحرِّف الكتاب عن مواضعه، وتغلب كلمة الضلال، فكن جليس بيتكَ حتى تقلَّدها، فإذا قلَّدتها، جاشت عليكَ الصدور، وقلبت لك الامور، تقاتل حينئذٍ على تأويل القرآن، كما قاتلتَ على تنزيله، فليست حالهم الثانية بدون حالهم الاولى.
فقلت: يا رسول اللّه فبأي المنازل اُنزل هؤلاء المفتونين من بعدك؟ أبمنزلة فتنة، أم بمنزلة ردّة؟ فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل.
فقلت: يا رسول اللّه أيدركهم العدل منّا، أم من غيرنا؟ قال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
بل منّا، بنا فتح اللّه، وبنا يختم، وبنا ألَّف اللّه بين القلوب بعد الشرك، وبنا يؤلّف بين القلوب بعد الفتنة.
فقلت: الحمد للّه على ما وهبَ لنا من فضله»(1).
وعن قيس بن أبي حازم قال:
«قال علي للزبير: أما تذكر يوم كنت أنا وأنت في سقيفة قوم من الانصار، فقال لكَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أتحبُّه؟ فقلت: وما يمنعني، قال: أما انكَ ستخرج عليه، وتقاتله وأنت ظالم»(2).
وجاءَ في (مسند أحمد) عن قيس أنه قال:
«لمّا أقبلت عائشة بلغت مياه بني عامر ليلاً، نبحت الكلاب، قالت: أيُّ ماءٍ هذا؟
______________________________
(1) ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج: 9، ص: 206.
(2) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، وبذيله التلخيص للحاكم الذهبي، ج: 3، كتاب معرفة الصحابة، ص، 366.
[ 71 ]
قالوا: ماء الحوأب قالت: ما أظنني إلا اني راجعة، فقال بعض مَن كان معها: بل تقدمين فيراكِ المسلمون فيصلح اللّه عزَّ وجلَّ ذات بينهم، قالت: إنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال لها ذات يوم: كيف باحداكنَّ تنبح عليها كلابُ الحوأب»(1).
وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أيضاً أنه قال لعلي عليه السلام:
«أنه سيكون بينكَ وبين عائشة أمر، فإذا كان كذلك فارددها إلى مأمنها»(2).
وعن ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لازواجه:
«أيتكنَّ صاحبة الجمل الأزَبّ، تُقتل حولها قتلى كثيرة، تنجو بعد ما كادت»(3).
وعن حذيفة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«أرأيتكم لو حدّثتكم أنكم تأخذون كتابكم فتحرقونه وتلقه في الحشوش صدّقتموني؟ قالوا: سبحانَ اللّه! ويكونُ هذا؟ قال: أرأيتكم لو حدَّثتكم أنكم تكسرون قبلتكم صدقتموني؟ قالوا: سبحانَ اللّه! ويكون هذا؟ قال: أرأيتكم لو حدّثتكم أنَّ امَّكم تخرج في فرقة من المسلمين وتقاتلكم صدقتموني؟ قالوا: سبحانَ اللّه! ويكون هذا؟!»(4).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«ويح ابن سُميّة! تقتله الفئة الباغية»(5).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«من لقي الحرورية فليقتلهم»(6).
______________________________
(1) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 6، ح: 23733، ص: 52.
(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 11، ح: 31212، ص: 197.
(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 11، ح: 31667، ص: 333.
(4) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 11، ح: 31693، ص: 341.
(5) ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، تحقيق روحية النحاس، ج: 18، ص: 218.
(6) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 11، ح: 31257، ص: 208.
[ 72 ]
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«مَن قتله الحرورية فهو شهيد»(1).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:
«..عهد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن اقاتل الناكثين، والقاسطين، والمارقين»(2).
وعن أنس قال:
«أشهد اني سمعت رسول اللّه يقول: إنَّ قوماً يتعمقون في الدين يمرقون منه، كما يمرق السهم من الرمية»(3).
وعن أبي أيوب الانصاري قال:
«انَّ رسول اللّه عهد الينا أن نقاتل مع علي الناكثين، فقد قاتلناهم، وعهد الينا أن نقاتل معه القاسطين، فهذا وجَّهنا اليهم - يعني معاوية وأصحابه - وعهد الينا ان نقاتل مع علي المارقين، فلم أرهم بعد»(4).
وقال (ابن أبي الحديد) في (شرح النهج):
«قد تظافرت الاخبار حتى بلغت حدَّ التواتر بما وعد اللّه تعالى قاتلي الخوارج من الثواب على لسان رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم»(5).
إذن فبداية وقوع الفتن والمحدثات رافقت بدايات التشريع الاسلامي زماناً، وكانت بذورها موجودة في فترة وجود النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم بين ظهراني الامة، إلا ان بعض الدعوات والاصوات لم يكن بامكانها الجهر بمآربها وطموحاتها المقاطعة لشريعة
______________________________
(1) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 11، ح: 31258، ص: 208.
(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 11، ح: 31649، ص: 327.
(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 11، ح: 31543، ص: 288.
(4) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 11، ح: 31720، ص: 352.
(5) ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج: 2، ص: 265.
[ 73 ]
الاسلام ومبادئه ومباينه، باعتبار الحصانة التي كان يمتلكها التشريع الاسلامي آنذاك بوجود شخص الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، إذ أنه كان يمثل المحور الذي تلتف حوله الامة الاسلامية بشكل عام، من دون أن يتجرأ أحد - أيّاً كان - من أن يعلن أيَّ مظهر من مظاهر الخلاف، وأن يصرح بدعوةٍ من هذا القبيل.
ولم يكن من السهل اكتشاف تلك الطبقات المبطّنة من قبل المسلمين، وظهور دخائل نفوسهم للملأ العام، لانهم كانوا يتسترون في الظاهر بالاسلام، ويحتمون بعنوانه العام، الذي اتخذوه وسيلة للتآمر على الشريعة المقدسة من قرب، واضمار المنازلة معها بعد غياب صاحب الرسالة صلى اللّه عليه وآله وسلم عن ساحة الصراع المبيَّت.
وكان أن لقي الاسلام أعنف ضربة تاريخية لثوابته ومبادئه على أيدي بعض تلك المجاميع التي كانت تعيش حول الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، وتنتظم ضمن طبقة اصحابه ومرافقيه صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وقد ساهمت بعض تلك المجاميع مساهمة كبيرة في تأجيج جذوة الفتن والمحدثان الاولى، التي اصبحت بعد ذلك أساساً ومصدراً لكل ألوان التحريف والفساد التي اُصيب بها الاسلام في منطلقاته ومواقعه اللاحقة كافة.
وفي نفس الوقت نجد أنَّ هناك طبقة كبيرة من الصحابة وقفت بوجه البدع والمحدثات مواقف رسالية خالدة، أخذ يرددها التاريخ بفخرٍ واعتزاز.
روى البخاري في صحيحه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنّه قال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«أنا على حوضي أنتظر مَن يرد عليَّ فيؤخذ بناسٍ من دوني، فأقول امتي، فيقول: لا تدري مشوا على القَهقرى»(1).
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
______________________________
(1) البخاري، صحيح البخاري، ج: 8، كتاب الفتن، ح: 1، ص: 86.
[ 74 ]
«أنا فرطكم على الحوض، ليُرفعنَّ إليَّ رجال منكم، حتى إذا أهويت لاناولهم، اختلجوا دوني، فأقول: أي ربِّ أصحابي! فيقول: لاتدري ما أحدثوا بعدك»(1).
وروت ام سلمة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«إنَّ من أصحابي لمن لا يراني بعد أن أموت أبداً»(2).
وروى سهل بن سعد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«اني فرطكم على الحوض، مَن مرَّ عليَّ شرب، ومَن شرب لم يظمأ أبداً، ليردنَّ عليَّ أقوام، أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم... فأقول انَّهم مني، فيقال، إنكَّ لا تدري ما أحدثوا بعدَكَ، فاقول: سحقاً سحقاً لمن غيَّر بعدي»(3).
وعن عبد اللّه بن مسعود عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
«وإني فرطكم على الحوض، وإني ساُنازع رجالاً، فاغلب عليهم، فأقول: يا ربِّ أصحابي، فيقول: إنكَ لا تدري ما أحدثوا بعدك»(4).
وقد مرَّت الامة الاسلامية نتيجة لتلك الفتن الحالكة بمنعطفات حادة كادت أن توجّه إليه الضربة القاتلة، لولا ما كان يتمتع به أهل البيت عليهم السلام وعلى رأسهم أمير المؤمنين عليه السلام بالصبر والحكمة واليقظة الدائمة، والحرص على بقاء اُسس التشريع الاسلامي ثابتة، ومعامله الرئيسية محفوظة، على الرغم من ان الامة الاسلامية قد ابتعدت في مسيرتها عن الكثير من الخصوصيات والتفاصيل التي تتعلق بحقوقهم عليهم السلام.
وسوف نتعرض إلى مجمل الدور الرسالي الذي تحمَّل أعباءه أهل البيت عليهم السلام في إطار مواجهة ظاهرة (الابتداع) ومكافحتها بمختلف الوسائل والاساليب في لاحق
______________________________
(1) البخاري، صحيح البخاري، ج: 7، كتاب الرقاق، ص: 206.
(2) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 6، ح: 26119، ص: 312.
(3) البخاري، صحيح البخاري، ج: 7، كتاب الرقاق، ص: 208.
(4) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 1، ح: 3856، ص: 408.
[ 75 ]
دراستنا هذه إن شاء اللّه تعالى.
والآن ننتقل إلى استعراض أهم العوامل التي أدت إلى نشوء ظاهرة (الابتداع) في حياة المسلمين، وخصوصاً تلك التي نشأت في بدايات التشريع الاسلامي وأصبحت أساساً تتفرع منه البدع الاخرى، وذلك ضمن النقاط التالية:
1 - السذاجة والجهل والتسامح في أمر الدين
السذاجة، والجهل، والتسامح.. ظواهر اجتماعية عامة كانت تسود مجتمع الجزيرة العربية حين بعثة النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم وانبثاق فجر التشريع.. إذ لم يكن المجتمع آنذاك، وبعد أن آمن بالدين الاسلامي الجديد، متحرراً من جميع الرواسب والمخلَّفات التي تركتها الحياة الجاهلية عليه، حيث الاعراف والنواميس البعيدة عن القيم والاخلاق والمثل الانسانية الرفيعة التي دعى اليها الاسلام العظيم.
وكان للطابع المادي المحض الذي ساد الحياة آنذاك، وتحكَّم في جميع أبعادها، وأصبح مقياساً للتفاضل والقيم، قبل إطلالة الاسلام.. الأثر الكبير في قتل روح الابداع والتفكير الحر، والنزوع نحو العلم والمعرفة والابتكار، فانسان ذلك الوقت كان يعيش حالة الجهل المطبق، وخصوصاً بالنسبة إلى العلوم والمعارف الحقّة، ولا يعي أبسط الاشياء من حوله، وإذا ما أدرك شيئاً من ذلك، فانَّ الجوَّ الجاهلي القاتم الذي يلفّه ويحيط به، يمنعه من أن ينتشل نفسه من ذلك الواقع المدلهم.
ولذا فانَّ الاسلام بتعاليمه السماوية المشرقة، يمثل في أول أبعاده، وأهم اشعاعاته، صحوةً فكرية متألقة، اكتسحت تلك الطبقات الكثيفة المظلمة من الجهل والتخلف والانحطاط، التي كانت تلبّد حياة الانسان، وتقطع طريق العلم والمعرفة عليه، ففي اللحظات الاولى لاتصال الارض بالسماء، وفي بداية شوط الرسالة الاول، صدع الوحي لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالقول:
[ 76 ]
(اقرأ بِاسمِ رِّبكَ الذِي خَلَقَ)(1).
فالاسلام دعا إلى العلم الذي يعني في أحد بعديه مواكبة الحياة في نموها وتطورها، والتطلّع المستمر لكشف أسرارها وكنوزها، واثراء الفكر البشري بمختلف المعارف العلمية والانسانية المتنوعة، التي لا تقف عند حدِّ ولا تنتهي إلى أمد.
ويعني العلم في منظار الشريعة من خلال بعده الثاني، الانفتاح على المعرفة الاسلامية، وعدم الجمود في تلقي أحكامها ومفاهيمها، وضرورة تحريك الطاقة الفكرية الخلاقة التي أودعها اللّه تعالى في النفس الانسانية، في مجالات التأملات المشروعة، ومحاولة انتزاع الرؤى والمفاهيم والصياغات المتنوعة في كافة مجالات الحياة والكون، بالاعتماد على التراث الفكري، والثروة الغنية التي يمتلكها الاسلام العظيم، والادراك الواعي للاحكام، والفهم المعمَّق للتشريع، من دون أن يتجاوز العقل حدوده المشروعة، ويضع نفسه في مقابل الاحكام الالهية، أو يتقهقهر إلى حيث التحجم والانزواء، فيُشل عن الفاعلية والتأثير.
من هنا نرى تأكيد الشريعة واصرارها على محاربة الجهل، واعتباره العدو الأول الذي يجب مكافحته واستئصاله من جسد الامة الاسلامية، كما نرى الحث الاكيد على ضرورة التعلم والتفقه في الدين، من خلال مجموعة كبيرة من النصوص الاسلامية الواردة في هذا المجال، فمن ذلك قوله تعالى:
(يَرفَعِ اللّهُ الذِينَ آمنُوا مُنكم وَالذِينَ اُوتُوا العِلمَ دَرجَاتٍ)(2).
وقوله تعالى: (قُل هَل يَستَوي الذِينَ يَعلَمون وَالذِينَ لا يَعلمُون انّمَا يَتذَكرُ أُولوا الألبَابِ)(3).
______________________________
(1) العلق: 1.
(2) المجادلة: 11.
(3) الزمر: 9.
[ 77 ]
وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«طلب العلم فريضة على كلِّ مسلم، ألا انَّ اللّه يحب بغاة العلم»(1).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«مَن طلب علماً فأدركه كتب اللّه له كفلين من الأجر، ومن طلب علماً ولم يدركه كتب اللّه له كفلاً من الأجر»(2).
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم:
«مَن طلب العلم فهو كالصائم نهاره، القائم ليله، وانَّ باباً من العلم يتعلمه الرجل، خير له من أن يكون له أبو قبيس ذهباً، فأنفقه في سبيل اللّه»(3).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«مَن جاءَه الموت وهو يطلب العلم، ليحيي به الاسلام، كان بينه وبين الانبياء درجة واحدة في الجنة»(4).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«اطلبوا العلم ولو بالصين»(5).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«مَن سلك طريقاً يلتمس به علماً سهَّل اللّه له طريقاً إلى الجنة»(6).
وروى أنه خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فإذا في المسجد مجلسان، مجلس يتفقهون، ومجلس يدعون اللّه ويسألونه، فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
______________________________
(1) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: فرض العلم، ح: 1، ص: 30.
(2) زين الدين العاملي، منية المريد في آداب المفيد والمستفيد، ص: 23.
(3) زين الدين العاملي، منية المريد، ص: 23.
(4) زين الدين العاملي، منية المريد، ص: 23.
(5) زين الدين العاملي، منية المريد، ص: 25.
(6) زين الدين العاملي، منية المريد، ص: 25.
[ 78 ]
«كلا المجلسين إلى خير، أما هؤلاء فيدعون اللّه، وأما هؤلاء فيتعلمون ويفقهون الجاهل، هؤلاء أفضل بالتعليم، ارسلت لما ارسلت، ثم قعد معهم»(1).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:
«تعلم العلم، فانَّ تعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وهو عند اللّه لاهله قربة، لانه معالم الحلال والحرام، وسالك بطالبه سبيل الجنة، فهو أنيس في الوحشة، وصاحب في الوحدة، وسلاح على الاعداء، وزين الاخلاء، يرفع اللّه به أقواماً يجعلهم في الخير أئمة يُقتدى بهم، تُرمق أعمالهم، وتقبس آثارهم، وترغب الملائكة في خلتهم، يمسحونهم بأجنحتهم في صلواتهم، لأنَّ العلم حياة القلوب، ونور الابصار من العمى، وقوة الابدان من الضعف، ينزل اللّه حامله منازل الأبدال، ويمنحه مجالسة الاخيار في الدنيا والآخرة، بالعلم يُطاع اللّه ويُعبد، وبالعلم يُعرف اللّه ويوحَّد، وبالعلم توصل الارحام، وبه يُعرف الحلال والحرام، والعلم إمام العقل، والعقل تابعه، يلهمه اللّه السعداء، ويحرمه الاشقياء»(2).
وعن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام أنه قال:
«عليكم بالتفقه في دين اللّه، ولا تكونوا أعراباً، فانَّه مَن لم يتفقه في دين اللّه، لم ينظر اللّه إليه يوم القيامة، ولم يزكِّ له عملاً»(3).
وعنه عليه السلام أيضاً أنه قال:
«لوددتُ أنَّ أصحابي ضُربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا»(4).
لقد شخَّصت الشريعة الاسلامية أنَّ أخطر المخاطر التي تهدد كيانها إنَّما تكمن في
______________________________
(1) زين الدين العاملي، منية المريد، ص: 26.
(2) محمد بن الفتال النيسابوري، روضة الواعظين، ج: 1، ص: 9.
(3) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: فرض العلم، ح: 7، ص: 31.
(4) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: فرض العلم، ح: 8، ص: 31.
[ 79 ]
أن يتعامل معها الفرد المسلم من موقع الجهل واللامبالاة، ويجري على ظواهر أحكامها بسذاجة واسترسال، وقد شجبت الشريعة هذا النمط من السلوك، وعدَّت العبادة الخالية من العلم والفقه والتفكر، عبادةً خاوية جوفاء، لا تفرز معطياتها، ولا تنتج ثمارها المرجوّة من قبل التشريع.
جاءَ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بهذا الصدد أنه قال:
«مَن عمل بغير علمٍ، كان ما يفسد أكثر مما يصلح»(1).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«لا خير في عبادةٍ لا فكر فيها، ولا في قراءةٍ لا تدبُّر فيها»(2).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«من خرج يطلب باباً من العلم ليردَّ به باطلاً من حق، أو ضلالاً من هدى، كان كعبادة متعبدٍ أربعين عاماً»(3).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«تذاكر العلم ساعة خير من قيام ليلة»(4).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر»(5).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»(6).
______________________________
(1) ابن جمهور، غوالي اللئالي، ج: 4، الجملة الثانية، ح: 61، ص: 76.
(2) ابن جمهور، غوالي اللئالي، ج: 4، الجملة الثانية، ح: 173، ص: 112.
(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 10، ح: 28835، ص: 161.
(4) محمد بن النعمان المفيد، الاختصاص، تعليق: علي أكبر الغفاري، ص: 245.
(5) محمد بن الحسن الصّفار، بصائر الدرجات، ج: 1، باب: 4، ح: 2، ص: 7.
(6) زين الدين العاملي، منية المريد، ص: 23.
[ 80 ]
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«ركعتان يصليهما العالم، أفضل من ألف ركعة يصليها العابد»(1).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«والذي نفس محمدٍ بيده، لعالم واحد أشد على ابليس من ألف عابد، لأنَّ العابد لنفسه، والعالم لغيره»(2).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«فضل العالم على العابد بسبعين درجة، بين كل درجتين حضر الفرس سبعين عاماً، وذلكَ انَّ الشيطان يضع البدعة للناس، فيبصرها العالم فينهى عنها، والعابد مقبل على عبادته، لا يتوجه لها، ولا يعرفها»(3).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:
«ركعتان من عالم خير من سبعين ركعة من جاهل، لأنَّ العالم تأتيه الفتنة، فيخرج منها بعلمه، وتأتي الجاهل، فتنسفه نسفاً»(4).
وعن الامام الباقر عليه السلام أنه قال:
«عالم ينتفع بعلمه، أفضل من عبادة سبعين ألف عابد»(5).
فمن الواضح أنَّ على المسلم على ضوء التعاليم الاسلامية أن يتحرّى ويفكّر ويعمل بوعي، ويسأل عن معالم دينه، ويستزيد من العلم بشريعته، حيناً بعد حين، من دون توقف أو انقطاع.
______________________________
(1) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 74، باب: 3، ح: 3، ص: 57.
(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 10، ح: 28908، ص: 174.
(3) محمد بن الفتّال النيسابوري، روضة الواعظين، ج: 1، ص: 12.
(4) محمد بن النعمان المفيد، الاختصاص، ص: 245.
(5) محمد بن الحسن الصفّار، بصائر الدرجات، ج: 1، باب: 4، ح: 1، ص: 6.
[ 81 ]
وهذا لا يتنافى طبعاً مع التسليم لأمر اللّه تعالى، وأمر رسوله الكريم صلى اللّه عليه وآله وسلم، وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، وهذا التحرّي والسؤال لا يصطدم بطبيعة الحال مع وجوب الانقياد والامتثال المطلق لتعاليم الشريعة المقدسة، والاذعان للأحكام الاسلامية المشتملة على علل وملاكات غيبية وخفية - في الاغلب - على الانسان... إذ انَّ التسليم والانقياد لاحكام الشريعة وتعاليمها، مع الوعي بفلسفة هذهِ الأحكام وحقائقها، يُعد غاية الامتثال، ومنتهى الطاعة والتسليم لأمر اللّه عزَّ وجلَّ، فكم هو الفرق بين مَن يطاوع الشريعة في كلِّ ما تقول عشوائياً، من دون أن يعي فلسفة انقياده لها، ومن دون أن يدرك عظمة التشريع، وأسرار إحكامه وإتقانه.. وبين مَن يطاوع الشريعة وهو مستشعر لحقيقة الأمر، وعارف بخلفياته ومبانيه.
وبسبٍ من الجهل، والتسامح، والسذاجة في أمر الدين، والسطحية في تلقّي الاحكام وامتثالها، والخلط بين ما هو محلل ومحرَّم، من دون الالتفات إلى توقيفية التشريع وقدسيته، فقد ظهرت في حياة المسلمين بدع كثيرة في حياة النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، وبعد وفاته قريباً من عصر التشريع، وسوف نقوم بدرج نماذج لبعض هذهِ الحالات فيما يلي:
1 - روي في (الموطأ):
«انَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم رأى رجلاً قائماً في الشمس، فقال: ما بال هذا؟ فقالوا: نذرَ أن لا يتكلَّم ولا يستظل من الشمس، ولا يجلس، ويصوم، فقال رسول اللّه صلى عليه وآله وسلم: مُرهُ فليتكلَّم، وليستظل، وليجلس، وليتم صيامه».
فمن الواضح من خلال هذهِ الرواية أنَّ هذا الرجل قد اندفع بتسامح وعفوية الى ارتكاب هذا العمل المحظور، ولم يدرك حقيقة النذر المشروع، وشروطه، وضوابطه،
______________________________
(1) مالك بن أنس، الموطأ، الايمان والنذور، ح: 1029، ص: 295.
[ 82 ]
وموارده المسموح بها، فابتكر من وحي نفسه عملاً يظنُّ أنه داخل في حيِّز التشريع، وألزم نفسه بتطبيقه، وتحمّلِ آثاره.
ولا شك في انَّ هذا العمل يُعد إدخالاً لشيء من خارج الدين فيه، فيكون من مصاديق الابتداع وموارده.
وبما انَّ هذا العمل قد اشتمل على جزءٍ صحيح ومشروع، فانّا نرى انَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد فصَّل النهي، ولم يطلق القول بعدم مشروعية العمل كلِّه، فقد نهى صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الامور غير المشروعة، وهي نذره للوقوف في الشمس، والقيام، وعدم التكلم، وبيَّن صحة نذره للامر المشروع وهو الصيام، ولذا أمره باتمام صيامه، لأنَّ نذر الصيام جائز من وجهة نظر الفقه الاسلامي.
2 - جاءَ في (الاعتصام) عن قيس بن حازم أنه قال:
«دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم على امرأةٍ من قيس يُقال لها زينب، فرآها لا تتكلَّم، فقال: ما لها؟ فقيل: حجة مصمتة، فقال لها: تكلمَّي فانَّ هذا لا يحلّ، هذا من عمل الجاهلية»(1).
فنلاحظ هنا أيضاً انَّ هذهِ الحالة تشبه الحالة السابقة، إذ انَّ هذهِ المرأة قد ابتدعت من عند نفسها عملاً دخيلاً على التشريع، وتصورت انه عمل مشروع تريد التقرب به إلى اللّه تعالى، وكان ذلك بسبب الجهل، وعدم الاطلاع على حدود الدين وتعاليمه بدقّة، فنهاها النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم عن ذلك، وعَّد سلوكها هذا من عمل الجاهلية.
3 - روي عن أنس أنه قال:
«رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم رجلاً يهادي بين ابنين له، فقال: ما هذا؟ فقالوا: يا رسول اللّه، نذر أن يحج ماشياً، فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم إنَّ اللّه لغني عن تعذيبه نفسه، فليركب»(2).
______________________________
(1) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 2، ص: 52.
(2) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 3، ح: 13454، ص: 271.
[ 83 ]
وهذه الحادثة ناشئة من الجهل بامور التشريع أيضاً، ومتولدة من عدم إدراك أحكام الفقه الاسلامي بالشكل الصحيح، وهذا الجهل يشكل النواة الاولى لنشوء البدع، والخروج إلى حيث الاجتهاد الشخصي في مقابل النص الشرعي، والسلوك الخاطئ الوارد إلى الدين من خارج حدوده.
ولذا نرى أنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بادر إلى معالجة هذا الموقف، ونبَّه إلى أنّ هذا العمل عمل غير مشروع بصورته الحالية التي توجب مشقة النفس وتعذيبها، وان كان اصل مشروعية الحج مشياً على الاقدام ثابت ومقر من قبل الاسلام، وللانسان أن ينذر ذلك، ولكن لا إلى الدرجة التي تؤدي بالمكلّف إلى المشقة والحرج.
4 - روي عن رجل من أهل البادية عن أبيه عن جده:
«أنه حجَّ مع ذي قرابة له مقترناً به، فرآه النبي صلى اللّه عيه وآله وسلم فقال: ما هذا؟قال: أنه نذر. فأمر صلى اللّه عليه وآله وسلم بالقران أن يُقطع»(1).
وهذه ظاهرة دخيلة على التشريع أيضاً، وهي ان يقترن شخصان بقران يربطهما معاً، ويؤدّيان مناسك الحج بهذه الصورة، وأغلب الظن ان هذه الظاهرة نشأت من حالة العفوية والسذاجة والجهل باحكام الشريعة الاسلامية أيضاً.
وكان موقف الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم تجاه هذهِ الحادثة موقفاً حاسماً، إذ بعد أن سأل عن الامر، وتبيَّن له أنه قد بُني على أساس خاطئٍ وتصورٍ موهوم، أمر بقطع القران الذي يربط بين الرجلين.
5 - قال جابر بن عبد اللّه:
«انَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم كان في سفر، فرأى رجلاً عليه زحام قد ظُلل عليه، فقال صلى اللّه عيه وآله وسلم: ما هذا؟ قالوا: صائم! قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ليس من البر الصيام في السفر»(2).
______________________________
(1) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 5، ح: 20066، ص: 48.
(2) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 3، ح: 14017، ص: 319.
[ 84 ]
ومن خلال هذهِ الحادثة ندرك أنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم هو الذي كان يتحرّى ويبادر إلى السؤال والاستفسار عن مختلف الظواهر التي قد تمسّ تعاليم الشريعة الاسلامية، وتتجاوز حدودها، وعندما يرى صلى اللّه عليه وآله وسلم أنَّ هذا الشخص قد أحدثَ أمراً لا وجود له في الشريعة، بل وارتكب ما ورد النهي بشأنه، معتقداً انَّ ذلك يقرّبه إلى اللّه تعالى، ويصب في طريق طاعته وعبادته، وجَّه صلى اللّه عليه وآله وسلم المسلمين إلى عدم مشروعية هذا العمل، وعدم صحة الصيام في السفر.
6 - عن معاوية السلمي قال:
«صليت مع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فعطس رجل من القوم، فقلت: يرحمكَ اللّه، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أُمياه! ما شأنكم تنظرون اليَّ؟! قال: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فعرفت أنهم يصمتوني، لكنّي سكت!
فلما قضى النبي الصلاة - بأبي هو وامي، ما شتمني، ولا كرهني، ولا ضربني - فقال: إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس هذا! إنّما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن»(1).
ولعلَّ هذه الحادثة تكشف لنا بوضوح كامل عن طبيعة التفكير الساذج الذي كان يحمله بعض المسلمين آنذاك، والطريقة السطحية والعفوية التي يتعاملون بها مَعَ الامور التشريعية التوقيفية، التي لا يصح فيها الزيادة ولا النقصان، وخصوصاً مثل الصلاة التي تمثل عمود الدين وأساسه.
فنرى من خلال الحديث المذكور انَّ هذا الشخص الذي جاءَ يصلي خلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد بدأ بالحديث والحوار مَعَ بقية المصلّين، من غير أن يكثرث بما أوجبه اللّه تعالى في هذهِ العبادة التوقيفية من تعاليم وحدود، لا بد من الالتزام بها ومراعاتها، والتي
______________________________
(1) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 5، ح: 23253، ص: 448.
[ 85 ]
من أهمها أن يقتصر المصلّي على أذكارها وأفعالها المخصوصة، ولا يتجاوز ذلك إلى حيث الامور غير المشروعة، ولكنَّ هذا الرجل كان يتعامل مَع الصلاة وكأنَّه متحرر من كلِّ إلزام شرعي.
ومن الطبيعي انَّ هذا الأمر إذا لم يُعالج ولم يُستأصل منذ البدايات، فانَّه سوف يكون منشأً لدخول ما ليس من الدين فيه، واختلاط المحللات بالمحرَّمات، وهو يعني الابتداع.
ولذا نرى انَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد بادر إلى معالجة الموقف واستدراكه بهدوء كامل، وتوجيه رسالي مثالي رفيع، فوجَّه الرجل إلي حيث الالتزام بالحدود المشروعة للصلاة والتقيّد بها، وعدم الخروج من ذلك إلى حيث التصرفات المحرَّمة والمبطلة لها.
7 - ذكر ابن سيرين:
«ان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم خرج فلقيه حذيفة، فحاد عنه، فاغتسل ثم جاء، فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم ما لكَ؟ قال: يا رسول اللّه كنت جنباً! فقال: رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: إنَّ المسلم لا ينجس»(1).
فبدافع من الجهل هنا نرى انَّ هذا الصحابي يبتدع من عند نفسه حكماً خاصاً، ليس له أي أساس في التشريع، فيدرك النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم ذلك منه، ويأمره بالعودة إلى حيث تعاليم السنة الناصعة وترك ما ظن أنه من المحظورات الشرعية، ولو استمر هذا الصحابي على ما كان عليه من الاعتقاد بنجاسة الجنب، لكان ذلك يعني تشريع وتأسيس حكم جديد في مقابل التشريع الالهي الثابت.
8 - روى (ابن وضاح) عن أبي اسحاق أنه قال:
«انَّ الناس نودي فيهم بعدَ نومة: انه مَن صلّى في المسجد الأعظم دخل الجنة، فانطلق النساء والرجال حتى امتلأ المسجد قياماً يصلّون، قال أبو اسحاق: انَّ امي
______________________________
(1) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 5، ح: 22907، ص: 402.
[ 86 ]
وجدتي فيهم.
فاُتي بن مسعود فقيل له: أدرك الناس، فقال: ما لهم، قيل: نودي فيهم بعد نومة أنه مَن صلّى في المسجد الأعظم دخل الجنّة.
فخرج ابن مسعود يشير بثوبه: ويلكم اخرجوا لا تُعذَّبوا، انما هي نفخة من الشيطان، أنه لم يُنزل كتاباً بعد نبيكم، ولا ينزل بعد نبيكم.
فخرجوا، وجلسنا إلى عبد اللّه فقال: انَّ الشيطان إذا أراد أن يوقع الكذب، انطلق فتمثل رجلاً، فيلقى آخر فيقول له: أما بلغكَ الخبر؟ فيقول الرجل: وما ذاك، فيقول: كان من الأمر كذا وكذا، فانطلق فحدِّث أصحابك، قال: فينطلق الآخر فيقول: لقد لقينا رجلاً إني لا أتوهمه أعرف وجهه، زعم أنه كان من الامر كذا وكذا، وما هو إلا الشيطان»(1).
فعلى تقدير صحة هذه الرواية نجد انَّ الاعداد الكبيرة من الناس قد انجرفت مَعَ دعاية لا أساس لها بدافع من الجهل أيضاً، وعدم التمعّن في اصول الشريعة وأحكامها، والسير على نهجها بوعي.
ومن غير شك ان هذا الانجراف العفوي، والمبادرة إلى ذلك العمل المزعوم، تعدّ من مصاديق الابتداع ومن الموارد التي دخلت إلى الدين عن طريق التسامح والجهل واللامبالاة.
9 - ما روي في (الاعتصام) عن الزبير بن بكار أنَّه قال:
«سمعت مالكَ بنَ أنس وقد أتاه رجل فقال: يا أبا عبد اللّه من أين اُحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقال: إني اُريد أن اُحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل فاني أخشى عليكَ الفتنة. قال وأي فتنة هذه؟ انما هي أميال
______________________________
(1) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، تصحيح وتعليق: محمد أحمد دهمان، ص: 9 - 8.
[ 87 ]
أزيدها! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى انكَ سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم؟ إني سمعتُ اللّه يقول: (فَليَحذرِ الّذينَ يُحالِفُونَ عَن أمِرِه أن تُصيبَهُم فِتنة أو يُصيبَهُم عَذاب أليم(1))(2).
وفي الحقيقة ان توجيه مالك بن أنس لهذا الرجل لم يبتعد عن الصواب، فانَّ الرجل يرى أنَّ الأمر لا يعدو أن يكون قضية ذوقية، يستطيع أن يزيد منها أو ينقص ما يشاء! لا سيما وأنه يعطي لنفسه المبرر المشروع، وينتحل لها العذر، لأنَّه يريد أن يتطوّع بأكثر من المطلوب! وهذا أيضاً من قبيل الابتداع المحرَّم الذي ينشأ عن حالة الجهل والتسامح في أمر الدين.
______________________________
(1) النور: 63.
(2) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: 1، ص: 132.