البدعة

بقلم: الدكتور الشيخ جعفر الباقري

[ 5 ]

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

تهدف الدراسة التي أضعها بين يدي القارئ الكريم باختصار إلى رسم صورة واقعية لمفهوم (البدعة)، من خلال دراسة مستفيضة للقيود الدخيلة في صياغة الحدّ النهائي لهذا المفهوم، ووضع الضابطة العامة التي يتم بموجبها تطبيقه على هذا المورد دون ذاك.

وتأتي الأهمية التي يحظى بها هذا البحث من خلال النظر في أمرين:

أولاً: إنَّا نجد أنَّ البحث في مفهوم (البدعة) يكاد أن يكون غائباً في الدراسات التخصصية المستقلة، والبحوث الموضوعيّة الشاملة، ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى قوة الوضوح التي يحملها هذا المفهوم، وسعة حضوره في صفوف مفردات الثقافة الاسلامية البارزة.

وثانياً: إنِّه على الرغم من الوضوح الذي يحمله هذا المفهوم من الوجهة النظريّة، إلا أنّا نجد خللاً واضحاً في تطبيق هذا المفهوم على مصاديقه، وارتباكاً ملحوظاً في تحديد موارده، الأمر الذي جعل هذهِ النقطة بالذات تمثل مشكلة حقيقية باتت ترافق المفهوم باطّراد من خلال تلك التطبيقات العملية الخاطئة، وأصبحت بمثابة التيار الموجّه لتفتيت وحدة المسلمين، وتمزيق شملهم، وشق عصا تآلفهم وتضامنهم على مبادئ

[ 6 ]

الاسلام المثلى.

ومما يؤسف له حقاً أن يقع هذا المفهوم الاسلامي الحساس ضحيةً لالوان شتى من الايهام والتمويه، ويُستغل بطريقة غير مشروعة لتحقيق منافع ذاتية ومآرب خاصة لا تعود على المسلمين إلا بالتفرق والتشتيت.

فبالنظر لأهمية دراسة هذا الموضوع من مختلف جوانبه وأبعاده، وإعطاء نظرة تفصيلية حول حدوده وشرائط تطبيقه، فقد عمدت إلى وضع هذهِ الدراسة المتواضعة بين يدي القارئ الكريم.

وانطلاقاً من كون التشريع الاسلامي تشريعاً شاملاً لمختلف جوانب الحياة وأبعادها، فإنّا نرى أنَّه قد اختزن ذاتياً الرصيد الاكبر من مقومات الحصانة والبقاء أولاً، وعناصر الديمومة والاستمرار ثانياً.

ولعلَّ من أبرز مظاهر هذهِ الحصانة هو إعلان المواجهة الشاملة مَعَ البدع والمحدثات، والسعي الحثيث نحو قلعها واجتثاثها من الجذور، والتثقيف المركّز باتجاه خلق وعي التعبّد والانقياد في نفوس المسلمين، وقطع الطريق على كلّ بادرة تحاول أن تخترق غطاء الحصانة الشرعي الذي وفّره الاسلام لمختلف مفردات الشريعة وأحكامها ومبادئها.

هذا الامر يدعونا إلى أن نتعرف إجمالاً على الخطوط الرئيسية لحصانة التشريع، والانتهاء من خلال ذلك إلى بيان خطورة ظاهرة الابتداع في الدين، ومن ثم بيان أهم الأسباب التي أدَّت إلى نشوء هذه الظاهرة في حياة المسلمين.

وهذا ما ستطالعه أيها القارئ الكريم في الباب الاول من أبواب هذه الدراسة.

وبما انَّ إعطاء الصورة النهائية لأي مفهوم لا يمكن أن تتم بمعزلٍ عن النظر إلى

[ 7 ]

طبيعة الصياغات التطبيقية له، ووضع الضابطة التي تجعله شاملاً لجميع أفراده، وغير منطبق على شيء من غير أفراده، فقد خضع مفهوم (البدعة) في دراستنا الماثلة إلى نفس هذهِ المنهجية، وحاولنا أن نسير مَعَ المفهوم في معناه اللغوي، ثم الاصطلاحي، ثم نتبيَّن ما يمكن أن يفي به من مداليل، وما يُدّعى له من تقسيم، ثمَّ نترك الحكم للنصوص الاسلامية للافصاح عن المعنى الواقعي لهذا المفهوم، ونستنطقها فيما يتعلق بموارده وتطبيقاته، ونتخذ من هذهِ النصوص أساساً لوضع القيود الدخيلة في إجلاء حقيقة هذا المفهوم، وتأسيس منهجية ثابتة يتم على ضوئها تطبيق (البدعة) على مواردها الواقعية، ورفعها عمّا لا يصح إطلاقها عليه.

وهذا يتطلب في الواقع اماطة اللثام عن هوية الابتداع، وبيان قيوده وخصوصياته، وهو ما خصصنا له جوهر هذهِ الدراسة ضمن الباب الثاني الذي يشتمل على موضوعين رئيسيين وهما: (تقسيم البدعة)، و(مفهوم البدعة بين الاطّراد والانعكاس).

ولا يخفى ما للمثال من دور كبير في تجسيد الفكرة واقعياً، وتوضيح معالمها بكل ما تحمله من خصوصيات وتفاصيل، ولا سيما إذا كان لاختيار المثال مدخلية في القاء نظرة أعمق على المفهوم، ومساهمة ثانوية في تكريس ما يشتمل عليه من عناصر وقيود.

فكانت ضرورة البحث العلمي تدعو لأن ننتقي للقارئ الكريم نموذجين بارزين للابتداع في الباب الثالث من هذهِ الدراسة، ثم نعطف بعد ذلك الكلام حول حديث (سنة الخلفاء الراشدين)، ونبحثه من ناحيتي السند والمضمون، ونناقش الآراء التي أخرجت بواسطته الكثير من البدع من حيِّز الذم والانتقاد.

ثم ننتقل إلى الباب الرابع والاخير من هذهِ الدراسة فنستهل الحديث فيه

[ 8 ]

باستعراض موجز لمعنى التشيع، وإبطال الرأي القائل بأنَّه بدعة حدثت في فترة متأخرة عن حياة الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، من خلال دراسة مختصرة لنشأة التشيع، ومناقشة الآراء المختلفة في هذا المجال.

ثم نستعرض روائياً مجمل الدور الرسالي الذي تحمّل أعباءَه أهلُ البيت عليهم السلام في مواجهة البدع والمحدثات الدخيلة على الدين، وقد اقتصرنا خلال ذلك على بيان الخطوط العامة للمواجهة مَعَ البدع المتعلقة بالجوانب الاعتقادية في حياة المسلمين، لعدم إمكانية استقصاء مراحل المواجهة وحجمها ضمن هذهِ الدراسة، وتعذُّر استيفاء ذلك.

ولا يفوتني في الختام أن أتقدم بوافر الشكر وجميل الثناء إلى أخي المفضال الشيخ مصطفى قصير العاملي الذي تجشم عناء المطالعة النهائية لفصول هذهِ الدراسة، وساهم من خلال ملاحظاته السديدة ووجهات نظره البنّاءة في تنضيج مضمونها، وترشيد محتواها، فجازاه اللّه عن الاسلام وعنّا خير الجزاء.

وأعترف مسبقاً انَّ الكتابة في مثل هذا الموضوع الحساس لا تخلو من عثرة في القول أو زلة في القلم، على الرغم من أنّي قد بذلت غاية الوسع في تغطية جوانب هذا الموضوع، واستقصاء شوارده بالدراسة والتحليل، فلا ادّعي لنفسي العصمة والكمال، إذ لا عصمة إلا لمن عصم اللّه، ولا كمال إلا لِلّه وحده.

(سُبحانَكَ لا عِلمَ لَنا إلا ما عَلَّمتَنا إنَّكَ أنتَ العَليمُ الحَكيمُ)

قم المقدسة

جعفر محمد علي الباقري

[ 13 ]

الباب الأول: حصانة التشريع وخطورة الابتداع

الفصل الاول : عناصر ديمومة التشريع

تمهيد

يعتبر عنصر العمومية والشمول الذي تتميَّز به تعاليم الشريعة الاسلامية الخاتمة من أبرز العناصر والمقومات التي تمنح هذهِ الشريعة المقدّسة قابلية الديمومة والبقاء ومواكبة السلوك الانساني المتحّرك والمتغيِّر باستمرار.

فقد اُرد لهذه الشريعة أن تمتد في اُفق الحياة إلى حيث اللحظات الاخيرة، وتلبّي جميع احتياجاتها، وتستوعب مختلف أبعادها، بالرؤية الواضحة، والتكليف المشخص، والموقف العملي المحدّد، من خلال المفاهيم والاحكام المتنوعة التي عالجت جميع جوانب الوجود، ودخلت في كل تفاصيله، انطلاقاً من كون الشريعة الاسلامية هي الشريعة الخاتمة، وهي الشريعة الشاملة، قال تعالى:

(اليَومَ أكملت لَكم دِينَكُم وَأتممتُ عَليكُم نِعمتي وَرضيتُ لَكُم الإسلام دَيناً)(1).

وقال أيضاً: (وَأنزلنَا إِلَيكَ الكتابَ بِالحقِّ مُصدّقاً لِما بينَ يَديهِ مِن الكتابِ وَمُهيمناً عَليهِ)(2).

فيترشح على أساس ذلك جوهر الأهداف التي تكمن وراء بعثة النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم برسالته الخاتمة، والتي تتمثل بتنظيم حياة الانسان، وتقنين حركته، وبرمجة تصرفاته

______________________________

(1) المائدة: 3.

(2) المائدة: 48.

[ 14 ]

وتعاملاته المختلفة، مع نفسه ومع اسرته، ومع مجتمعه، ومع خالقه... بما يضمن سيره في طريق الكمال، واتجاهه نحو السعادة الأبدية، والخلود الدائم، والنعيم المقيم، الذي خُلق الانسان من أجل بلوغه وادراكه، فهو الكائن الاجتماعي الذي يأتلف مع باقي البشر من أبناء جنسه، وينصهر معهم في مختلف الرؤى والاهداف، فيشكل بذلك جزءاً فاعلاً في المجتمع الذي ينتمي إليه، ويحقق من خلال السلوك المتزن، والهدي الاسلامي الرفيع أمل الرسالة المعقود عليه، وهو الطاعة والعبادة للّه وحده، قال تعالى:

(وَما خَلَقتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلا لِيعبُدونِ)(1).

ولنا أن نقطع بانَّ هذا الشمول والاستيعاب يكمن في انبثاق هذه التعاليم والقوانين التشريعية من عالم الغيب والكمال المطلق، واتصالها بالقدرة الالهية المهيمنة على هذا الكون، والمدركة لجميع مصالحه ومفاسده بكل تفصيل.

كما انَّ اليد الالهية هي التي تقف وراء حفظ هذهِ التعاليم والذب عنها إلى آخر لحظة في الوجود، يقول اللّه عزَّ شأنه:

(إنّا نحنُ نُزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنّا لهُ لَحافظُونَ)(2).

إذن فهناك عنصران رئيسيان يقفان وراء ديمومة وبقاء الشريعة الاسلامية المقدسة في حياة الانسان، وهما: استيعاب مساحة التطبيق، وغيبية النشوء، وهذا الأمر نجده مفقوداً في كل القوانين والانظمة والنظريات الوضعية التي حاولت معالجة مشكلة الكون والانسان، وسعت إلى رسم المسار الصحيح للبشرية، وتشخيص الوضع الأمثل لها، لأنَّها تفتقد لكلا العنصرين المتقدمين، فهي محدودة ضمن إطار المكان الذي تتحرك عليه، والزمان الذي تُطبق فيه من جانب، ومن جانب آخر نرى انَّها ناشئة من معطيات

______________________________

(1) الذاريات: 56.

(2) الحجر: 9.

[ 15 ]

العقل البشري القاصر الذي ينحصر عطاؤه في حدود ظرف الامكان، ولا يتعدى ذلك إلى حيث التمامية والكمال.

والتجربة الانسانية غنيّة بمثل هذهِ الطروحات الوضعية التي ما انفكت تتهاوى الواحدة تلو الاخرى أمام تيار الزمن المتجدد، والتطلعات الانسانية الصاعدة، فهي ما برحت تعاني من الانكفاء والتخلّف ومواكبة الواقع المتغير، وتتعرض إلى الاصلاح والترقيع والترميم على مدى الأزمنة المتعاقبة، ولكن دون جدوى، قال تعالى:

(أَفلا يَتدَبَّرونَ القُرآنَ وَلو كانَ مِن عندِ غَيرِ اللّه لَوجَدُوا فِيهِ اختلافاً كَثيراً)(1).

فالقوة الغيبية المطلقة إذن هي صاحبة الدور الوحيد في صياغة الرؤية الاسلامية المحددة إلى مختلف الوقائع والاحداث التي تكتنف بها الحياة، وهي التي تحدد للسوك الانساني طبيعةَ سيره وحركته ضمن مفردات هذا الكون الواسع.

وقد كان القرآن الكريم هو المجسد الأول لهذه الغاية، والملبي الامثل لذلك الغرض المرتجى والهدف المرسوم، نظراً لما اشتمل عليه من أنظمة وقوانين وأحكام تملأ جميع مساحات الواقع، وتستجيب لمختلف متطلباته واحتياجاته، فلا تبقى واقعة في الحياة تخلو من حكم، ولا يمكن أن تعترضَ الانسانَ مشكلةٌ في طريق سعادته وكماله إلا وتجد لها الحل بين طيّات الكتاب الكريم، قال تعالى:

(وَنَزَّلْنا عَليكَ الكتابَ تِبياناً لكلِّ شَيءٍ وَهدى وَرحمَةً وبُشرى لِلمُسلِمينَ)(2).

وقال تعالى: (ما فَرَّطنا فِي الكِتابِ مِن شيءٍ)(3).

______________________________

(1) النساء: 82.

(2) النحل: 89.

(3) الانعام: 38.

[ 16 ]

وجاءت الآيات الكثيرة تأمر المسلمين باتباع القرآن الكريم، واسترشاده، والاستلهام منه، كما قال تعالى:

(وَهذا كِتاب أَنزَلناهُ مُبارك فَاتَّبعوهُ وَاتَّقُوا لَعَلّكُم تُرحمُونَ)(1).

وقال تعالى: (اتَّبِعُوا مَا انُزِل إِليكُم مِن رَبِّكُم وَلا تَتَّبعُوا مِن دُونِهِ أَوليَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكّرونَ)(2).

هذا هو الخط التشريعي الأول المتصل بالسماء، وأما الخط الثاني الذي يكمّل شوط هذه المهمة، ويتناول تفاصيلها باستيعاب، فهو عبارة عن سنة النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، قولاً وفعلاً وتقريراً، حيث التجسيد العملي الأمثل لتلك التعاليم القرآنية، والتوضيح المتمم للخصوصيات والتفاصيل الجزئية التي انطوت عليها عموميات الكتاب الكريم، إذ انَّ من المفترض أن يتناول الكتاب الكريم اصول التشريع الاسلامي، وخطوطه العامة، دون الجزئيات والتفاصيل، فقد قال تعالى:

(وَأَنزلنَا إِليكَ الِذّكرَ لتُبيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّل إِليهِم وَلعَلَّهُم يَتفَكَّرُونَ)(3).

وقد قرن اللّه تعالى في كتابه الكريم طاعة الرسول بطاعته، مقرراً أنَّ كلَّ واحدٍ من هذين المصدرين يكمّل الآخر، ويوضح معالمه، كما قال تعالى:

(قُل أَطيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ فإن تَوَلّوا فَإنَّ اللّهَ لا يُحبُّ الكافِرينَ)(4).

وقال تعالى: (وَأَطيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلكُم تُرحَمُونَ)(5).

وقال تعالى: (يا أيها الذينَ آمنُوا أطيعُوا اللّهَ ورسولَه ولا تَولّوا عنه وأنتُم

______________________________

(1) الانعام: 155.

(2) الاعراف: 3.

(3) النحل: 44.

(4) آل عمران: 32.

(5) آل عمران: 132.

[ 17 ]

تَسمعُونَ)(1).

وقال تعالى: (ومَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخشَ اللّهَ وَيَتَّقهِ فَأُولئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ)(2).

وقال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقد فَازَ فَوزاً عَظِيماً)(3).

وقال تعالى: (يَا أيُّها الُّذينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم فَإن تَنازَعتُم فِي شَيءٍ فَردُّوهُ إِلى اللّهِ وَالرَّسُولِ إن كنتُم تُؤمنُونَ بِاللّهِ وَاليومِ الآخرَ ذَلكَ خير وَأَحسنُ تَأويلاً)(4).

وقال تعالى: (قُل أَطِيعُوا اللّهَ وأَطيعُوا الرَّسولَ فإن تَولوا فَإنَّما عَليهِ مَا حُمِّلَ وَعليكُم مّا حُمِّلتُم وإن تُطيعُوهُ تهتدُوا وَما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبينُ)(5).

كما تظافرت الآيات على ضرورة احترام شخصية الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، وتبجيله، وتوقيره، ونصرته، واتباع سيرته وسلوكه، كما في قوله تعالى:

(لقد كانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللّهِ أُسوة حَسَنة)(6).

وقوله تعالى: (الَّذِين يَتَّبعُونَ الرسُول النبِي الأُمّي الَّذي يَجدُونَهُ مَكتُوباً عِندهُم فِي التَّوراةِ والانجِيلِ يَأمُرهُم بَالمعروفِ وَينهاهُم عَن المنكِرِ ويُحلُّ لَهمُ الطيباتِ ويحرِّم عَليهِم الخبائثَ وَيَضعُ عَنهُم إصرهُم وَالاغلالَ التي كانت عَليهم فَالَّذينَ آمَنُوا بهِ وَعزَّروهُ وَنَصروهُ وَاتَّبعُوا النورَ الذي اُنزِلَ مَعُه أولئكَ هُم المُفلحونَ*قُل يَا أيُّها النَّاسُ إنّي رَسولُ اللّهِ اليكُم جَميعاً الذي لَه مُلكُ السِّمواتِ

_______________________

(1) الانفال: 20.

(2) النور: 52.

(3) الاحزاب: 71.

(4) النساء: 59.

(5) النور: 54.

(6) الاحزاب: 21.

[ 18 ]

وَالأرض لا الهَ إلا هوَ يُحيي ويمِيتُ فآمِنوا بِاللّهِ وَرسولهِ النَّبي الأمي الِّذين يُؤمِنُ بِاللّهِ وكَلِماتِه وَاتَّبِعُوه لَعلَّكُم تَهتدُون)(1).

وقال تعالى مخاطباً نبيَّه الكريم صلى اللّه عليه وآله وسلم: (قُل إن كُنتم تُحِبّون اللّهَ فَاتَّبعُوني يُحبِبكُمُ اللّهُ وَيَغفر لَكُم ذُنوبَكُم وَاللّهُ غَفُور رَحيم)(2).

كما وَرَدَ التحذير في الكتاب الكريم عن مخالفة أوامر الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم والخروج عن جادة السعادة التي اختطها للبشرية بعنائه، وجهاده، وصبره على أداء الرسالة السماوية المقدسة، كما في قوله تعالى:

(لا تَجعلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَينَكم كَدُعاءِ بَعضِكم بَعضاً قَد يَعلمُ اللّهُ الَّذينَ يَتَسللُون مِنكم لِوَاذاً فَليحذَرِ الُّذينَ يُخالِفونَ أن أمرِهِ أن تُصيبَهُم فِتنَة أو يُصيبَهم عَذاب أليم)(3).

وجاءت الاحاديث عن النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم لتؤكد على نفس هذا المعنى، وتحث المسلمين على اتباع سنته وتحذِّر من مخالفته، فقد ورد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:

«مَن تمسكَ بسنتي في اختلاف امتي كان له أجر مائة شهيد»(4).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:

«كل امتي يدخلون الجنةَ إلا مَن أبى!، قالوا: يا رسولَ اللّه! ومَن يأبى؟ قال: مَن أطاعني دخل الجنة، ومَن عصاني فقد أبى»(5).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:

______________________________

(1) الاعراف، 157 - 158.

(2) آل عمران: 31.

(3) النور: 63.

(4) أبو جعفر البرقي، المحاسن، تحقيق: مهدي الرجائي، ج: 1، باب: ثواب الأخذ بالسنّة، ح: 7، ص: 95.

(5) البخاري، صحيح البخاري، كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، ج: 8، ص: 139.

[ 19 ]

«ستة لعنتُهم لعَنَهُم اللّه وكل نبي مجاب: المكذّب بقدر اللّه، والزائد في كتاب اللّه، والمتسلط بالجبروت يُذِلُّ مَن أعزَّ اللّه ويُعزّ مَن أذلَّ اللّه، والمستحل لحرم اللّه، والمستحل من عترتي ما حرَّم اللّه، والتارك لسنتي».

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:

«ما أمرتكم به فخذوه وما نهيتكم عنه فانتهوا».

وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: «لا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا باصابة السنة».

وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنَّه قال:

«إنَّ الفقيه حق الفقيه، الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، المتمسك بسنة النبي صلى اللّه عليه وآله».

وجاءَ في (نهج البلاغة) عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:

«اقتدوا بهدي نبيكم فانَّه أفضل الهدي، واستنّوا بسنته فانها أهدى السنن».

وفي الحقيقة ان قضية اتباع سنة الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم تُعد من القضايا البديهية التي يقوم عليها عود الاسلام، وترتكز على أساسها مجمل تعاليمه وأحكامه، حتى أصبح أصل اتباع سنة الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم مورداً لاجماع المسلمين على الاطلاق، وان كان هناك اختلاف بينهم في طريقة الاخذ بالسنة وشروط ذلك.

ومن المقطوع به ان انكار هذا المعنى الشرعي بخصوص السنة النبوية يساوق

______________________________

(1) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين وبذيله التلخيص للحافظ الذهبي، ج: 1، ص: 36.

(2) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ج: 1، باب: اتباع سنة رسول اللّه، ح: 1، ص: 3.

(3) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب، ح: 9، ص: 70.

(4) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب، ح: 8، ص: 70.

(5) نهج البلاغة: خ / 110.

[ 20 ]

انكار الاسلام من الأساس، وعدم الايمان بأهم أولياته ومرتكزاته، لأنَّ هذا المصدر يعتبر عصب الحياة بالنسبة إلى الشريعة الاسلامية، ويشكّل القاعدة الثانية للتشريع بعد القرآن، ولولا السنة النبوية لما أمكننا أن نفهم أحكام الشريعة، ونعيَ مقاصدها الحقيقية بشكل مطلق.

وقد ورد في الاحاديث ان المخالف لسنة النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، والمتحدّي لها يُعد خارجاً عن دائرة الايمان باللّه، فضلاً عن المنكر لها من الأساس، فقد ورد عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام في أمر التشديد على مخالفة السنة النبوية أنه قال:

«مَن خالف كتابَ اللّه وسنّةَ محمّد صلى اللّه عليه وآله وسلم فقد كفر»(1).

وورد عنه عليه السلام أيضاً أنه قال:

«لو أنَّ قوماً عبدوا اللّهَ وحده لا شريك له، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجّوا البيت، وصاموا شهر رمضان، ثم قالوا لشيء صنعه اللّه تعالى: ألا صنع خلاف الذي صنع، أو وجدوا ذلكَ في قلوبهم، لكانوا بذلك مشركين، ثم تلا قوله تعالى: (فَلا وربِّكَ لا يؤمنونَ حتى يُحكّموكَ فِيمَا شَجرَ بينهم ثُم لا يَجِدوا فِي أنفُسِهم حَرَجاً مِما قَضيتَ ويُسلِّموا تَسلِيماً)(2)، ثم قال أبو عبد اللّه عليه السلام وعليكم بالتسليم»(3).

وهكذا الأمر بالنسبة إلى سنة أهل البيت عليهم السلام الذين أذهبَ اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فهي الامتداد الشرعي لسنة النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، والسبيل المتمم للشوط الذي بدأ به صلى اللّه عليه وآله وسلم، وقد دلَّ عليها الكتاب الكريم، ودلَّت عليها السنة النبوية الشريفة.

وفي الحقيقة ان منصب الامامة الذي يتقلده أهل البيت عليهم السلام منصب يتأهل له

______________________________

(1) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: الاخذ بالسنة...، ح: 6، ص: 70.

(2) النساء: 65.

(3) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: 1، باب: تصديق رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ح: 371، ص: 423.

[ 21 ]

المعصوم عن طريق النص، ليكمل مسيرة النبوة، وشوط الرسالة، ويتحمل اعباءَها بأمانة واخلاص، ولا يصح بحكم العقل أن يترك النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم امته من دون ولي وقيِّم عليها، وقد ورد النص بتعيين الولي من بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في القرآن الكريم في عدة مواضع اتفق على شأن نزولها الفريقان وذكروها بالطرق الصحيحة المعتبرة في كتب الحديث، منها قوله تعالى:

(إنّما وَليكمُ اللّهُ وَرسولُهُ وَالذينَ آمنُوا الذِينَ يُقيمُونَ الصَّلاة وَيؤتونَ الزَّكاةَ وَهُم رَاكعونَ)(1).

وقوله تعالى: (أطِيعُوا اللّهَ وَأطِيعوا الرَّسولَ وَاولي الأَمر مِنكم)(2).

وقوله تعالى: (إنمَا يُريدُ اللّهُ لِيُذهبَ عَنكمُ الرّجسَ أَهلَ الَبيتِ ويطهّركُم تطهيراً)(3).

وأما السنة، فقد طفحت الكتب الحديثية منها بالروايات المتواترة والمستفيضة على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في مقام تعيين الولي من بعده، والوصية الصريحة له بالخلافة،

______________________________

(1) المائدة: 55، انظر للاطلاع على سبب نزول الآية: (علي في الكتاب والنسة) لحين الشاكري، ج: 1، ص: 95 - 103، نقلاً عن السيوطي في تفسير الدر المنثور، ج: 20، ص: 293، والرازي في تفسيره، ج: 2، ص: 618، والزمخشري في تفسيره، ج: 1، ص: 154، والبيضاوي في تفسيره، ص:154، والنيسابوري في تفسير غرائب القرآن، ج: 2، ص: 82، وغير ذلك من المصادر.

ولمزيد من التفصيل راجع (احقاق الحق)، ج: 2، ص: (399 - 408).

(2) النساء: 59، انظر (علي في الكتاب والسنة)، ج: 1، ص: 79 - 80، نقلاً عن (شواهد التنزيل) للحاكم الحسكاني، ج: 1، ص: 148 - 152، وغيره من المصادر.

ولمزيد من التفصيل راجع: (احقاق الحق)، ج: 3، ص: 424، وج: 14، ص: 348 - 350.

(3) الاحزاب: 33، انظر (علي في الكتاب والسنة)، ج: (1، ص: 411 - 424) نقلاً عن الترمذي في (الجامع الصحيح)، ج: 5، ص: 351، ح: 3205 و ص: 352، ح: 3206، وص: 663، ح 3787، وص: 699، ح: 3871، وفي مسند أحمد بن حنبل، ج: 1، ص: 330، و ج: 4، ص: 107.. والطبراني في المعجم الصغير ج: 1، ص: 65 و 134، وتاريخ بغداد، ج: 9، ص: 126، وفي فتح الباري ج: 7، ص: 60 وفي الاصابة ج: 2 ص: 169 و 503، و ج: 4، ص: 366، وغير ذلك من الكتب الحديثية المعتبرة عند ابناء العامة فضلاً عن مصادرنا المتواترة بهذا الشأن.

[ 22 ]

وبيان منزلة أهل البيت عليهم السلام، وأنهم أولى الناس بالرسالة، وأجدرهم بحملها، والحث الاكيد على اتباعهم، والتمسك بسيرتهم، والسير على هداهم، وبيَّنت ان هذا الامر من تمام النعمة وكمال الدين، فقرنهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وخلَّفهم شهداء على الامة، وادلاء على الطريق، من خلال جملة كبيرة من الاحاديث التي جاءت بها كتب الفريقين، ونحن نذكر من بين هذه الاحاديث الكثيرة التي دلَّت على تعيين الولي من بعد الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم ثلاثةَ أحاديث فقط على سبيل المثال، ونشير إلى بعض مصادرها في كتب العامة:

1 - حديث الدار: روى ابن الاثير والطبري وغيرهما من المؤرخين عن علي عليه السلام ما مفاده: انّه لما نزل قوله تعالى: (وَأَنذِر عَشيرَتكَ الأَقربِينَ)(1) أمَرَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم علياً عليه السلام أن يصنع صاعاً من الطعام، ويجعل عليه رجل شاة، ويملأ عساً من لبن، ويجمع بني عبد المطلب، وهم يومئذٍ أربعونَ رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب.

فاجتمعوا وأكلوا وشربوا، وبعد ان انتهوا أراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يكلمهم إلا انَّ أبا لهب قاطعه، وتفرَّق القوم.

فدعاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم مرةً اُخرى، وصنع لهم ما صنع في المرة الاولى، ثم تكلم وقال:

يا بني عبد المطلب اني واللّه ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه، فايكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟

فاحجم القوم عنها جميعاً، - يقول علي عليه السلام - قلت وانّي لأحدثهم سناً، وأرمصهم

______________________________

(1) الشعراء: 214.

[ 23 ]

عيناً، واعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً:

أنا يا نبي اللّه اكون وزيرك عليه.

فأخذ برقبتي ثم قال:

إنَّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا.

فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمركَ أن تسمع لابنكَ وتطيع»(1).

2 - حديث الثقلين: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي، احدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما»(2).

3 - حديث الغدير: روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عند نزول قوله تعالى: (يَا أيُّها الرَّسولُ بَلِّغ مَا اُنزِلَ إليكَ مِن ربِّكَ وإِن لم تَفعل فَمَا بَلَّغتَ رِسالتهُ واللّهُ يَعصمُك مِن الناس...)(3) أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أخذ بيد علي عليه السلام عند غدير خم، بعد العودة من حجة الوداع قائلاً أمام حشود المسلمين الذين كانوا يرافقونه المسير:

أيها الناس ألست أولى منكم بأنفسكم؟

قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال:

______________________________

(1) ابن الاثير، الكامل في التاريخ، ج: 2 ص: 62 - 63، والطبري، تاريخ الطبري، ج: 2، ص: 62 - 63.

انظر لمزيد من التفصيل مصادر الحديث في احقاق الحق، ج: 3، ص: 562، و(علي في الكتاب والسنة) للشاكري، ج: 1، ص: 204 - 206.

(2) محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، سنن الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، المجلد الخامس، ص: 612، ح: 3786. المتقي الهندي في كنز العمال، ج: 1، ص: 381، ح: 1657.

وقد أخرج الحفّاظ والمحدّثون هذا الحديث بطرق كثيرة صحيحة، حتى ناهز عدد رواته من الصحابة بضعة وثلاثين صحابياً وصحابية، راجع للتفصيل مجلة (رسالة الثقلين)، العدد الرابع، ص: (112 - 119).

(3) المائدة: 67.

[ 24 ]

مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهمَّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله، وأدرِ الحقَّ معه كيفما دار...»(1).

والاحاديث في هذا المجال متواترة وكثيرة، وقد ذكرتها الكتب المختصة بهذا الشأن، وأما الاحاديث التي حدَّدت هوية أهل البيت عليهم السلام، وذكرت عددهم، وشخصتهم من بين المسلمين، فهي مذكورة في مظانها أيضاً، وسنأتي على قسمٍ منها في لاحق دراستنا هذه إن شاء اللّه تعالى.

وبهذا تتظافر نظرة الاسلام إلى جميع جوانب الوجود وأبعاده، ويبقى التشريع الالهي ملازماً لحياة الانسان، ضمن دائرة الغيب، وفي اطار الاستلهام المباشر وغير المباشر من السماء، فالطريق المباشر يتمثل بسنة النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، الذي اختصه اللّه تعالى بالوحي، وتميَّز بذلك دون أهل البيت عليهم السلام، فقد قال تعالى بشأن نبيه الكريم: (وَمَا ينطقُ عَنِ الهَوى* إن هُوَ إلا وَحي يُوحى)(2).

وقال تعالى على لسان نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (إن اتَّبعُ إلا مَا يُوحى إليَّ وَمَا أنا إلا نذِير مُّبِين)(3).

والطريق غير المباشر هو سنة أهل البيت عليهم السلام فقد جاءَ عن ابي عبد اللّه الصادق عليه السلام أنه قال:

______________________________

(1) حديث الغدير أشهر من أن يشار بشأنه إلى مصدر معيَّن، ودونَك موسوعة (الغدير في الكتاب والسنة) للعلامة الاميني، وانظر مدارك الحديث الغفيرة من كتب أبناء العامة في (احقاق الحق)، ج: 2، ص: 415 - 466، وقد ذكر السيّد محسن الامين في أعيان الشيعة ان مجموع ما اُلف في موضوع الغدير من السنة والشيعة قد بلغ ستاً وعشرين مؤلفاً.

(2) النجم: 3 - 4.

(3) الاحقاف: 9.

[ 25 ]

«حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قول اللّه عزَّ وجلَّ»(1).

وورد عن سماعة أنه قال: قلت لابي الحسن موسى عليه السلام: أكلّ شيء في كتاب اللّه وسنة نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم أو تقولونَ فيه؟ قال عليه السلام:

«بل كلُّ شيءٍ في كتاب اللّه وسنة نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم»(2).

وعن قتيبة أنه قال: سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السلام عن مسألةٍ فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيتَ ان كان كذا وكذا ما يكون القول فيها؟ فقال عليه السلام له:

«مَه، ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، لسنا من: (أرأيتَ) في شيء»(3).

وروي عن محمّد بن حكيم أنه قال للامام الصادق عليه السلام: جعلتُ فداك أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بما يكتفون به؟ فقال عليه السلام:

«أتى رسول اللّه بما استغنوا به في عهده، وبما يكتفون به من بعده إلى يوم القيامة، قال: قلت:

ضاع منه شيء؟ فقال عليه السلام:

لا هو عند أهله»(4).

______________________________

(1) زين الدين العاملي، منية المريد في آداب المفيد والمستفيد، ص: 194.

(2) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: الرد إلى الكتاب والسنة، ح: 10، ص: 62.

(3) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: 21، ص: 58.

(4) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 34، ح: 49، ص: 305.

[ 26 ]

الخطوط الأساسية لحصانة التشريع

إنَّ ثوابت الشريعة الاسلامية التي بُنيت على أساس كون التشريع امراً توفيقياً ومستمداً من خصوص المصادر الاساسية التي تقدمت الاشارة اليها، لا تسمح مطلقاً بورود أيَّ لونٍ من ألوان التشريع من خارج هذا الاطار، لأنَّ مثل هذا التشريع الدخيل يُعد خرقاً للحصانة المنيعة التي تقف وراء سرِّ ديمومة التشريع، وبقائه واستمراره إلى حيث الشوط الاخير في هذهِ الحياة، مما يؤدّي في النتيجة إلى إحداث فجوات خطيرة، وشروخ عميقة، في هذا الغطاء الذي يؤطّر الاحكام الشرعية المقدسة، ويحيط بها، ويصونها عن نفوذ الرؤية القاصرة التي تسبب حدوث المسخ والتشويه والتحريف.

وقد ضمن المولى سبحانه وتعالى توفير هذه الحصانة لكتابه العزيز، وصيانته من التحريف والتبديل والتغيير، ومخالطة الباطل له، حيث يقول:

(إنّا نَحنُ نَزَّلنا الذِكرَ وإنَّا لَهُ لَحافظُون)(1).

ويقول تعالى: (وَانَّه لكِتاب عَزيز* لا يَأتيهِ البَاطلُ مِن بَينِ يَديهُ وَلا مِن خَلفهِ تَنزيل مِن حَكيمٍ حَميدٍ)(2).

كما امرَ المولى سبحانه وتعالى نبيَّه الكريم أيضاً أن يشدد على هذا المعنى، ويؤكّد عليه بشأن السنة النبوية، ويعالج هذا الأمر بما يتناسب مع حجمه وخطورته من تنبيه وتأكيد وتذكير، فورد عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام سيل متدفق من

______________________________

(1) الحجر: 9.

(2) فصلت: 41 - 42.

[ 27 ]

الاحاديث، وحشد كبير من التوصيات التي اتجهت مضامينها نحو توفير هذا الضمان، وتهيئة الأجواء الملائمة له، عبر خطوط أساسية أهمها ما يلي:

الخط الأول: شمولية التشريع

يتمثل الخط الاول من خطوط الحصانة للتشريع الالهي ببيان أنَّ الشريعة الاسلامية شريعة خاتمة لجميع الشرائع السماوية السابقة، حيث انَّ تلك الشرائع كانت شرائع مؤقتة ومحدودة ضمن الظرف الذي عاشت فيه، على الرغم من انها كانت تتفق في الخطوط الرئيسية العامة، وتشتمل على قواسم دينية مشتركة في طريق هداية البشرية نحو السعادة والفضيلة، وتسير بالانسان في رحلة تكاملية تهيؤه لاستقبال الشريعة الاسلامية الخاتمة وتعدّه لها.

وبهذا فانَّ الشريعة الاسلامية تتميز عن الشرائع السماوية السابقة بانها شريعة شاملة ومستوعبة لجميع مستجدات الواقع وضروراته واحتياجاته، وان الخطوط العامة الواردة في الكتاب العزيز، والتفاصيل المترامية المذكورة في الحديث الشريف، كافية لأن تغطّي هذه الحاجة مهما تقدَّم الزمن بالانسان وارتقى فيه، فما من واقعة تمرّ بالانسان وتطرأ في حياته المتواصلة إلا ولها حكم في الكتاب العزيز أو سنة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام.

وبما انَّ هذه السنة مستلهمة ومستوحاة من عموميات الكتاب الكريم، فيكون الكتاب في النتيجة هو الدستور الذي يشتمل على كل تفاصيل الحياة وأحكامها ضمن اطاراته العامة وأحكامه الكلية، فلا يبقى مع هذا أيّ مجال لورود القوانين الوضعية البشرية في قبال التشريع الالهي المقدس، ما دامت الشريعة الاسلامية تغطّي كل مساحة التطبيق، وتتناول كل جزئيات الحياة.

[ 28 ]

يقول اللّه تعالى بشأن شمولية الكتاب الكريم:

(ما فرَّطنَا فِي الكِتابِ مِن شَيءٍ)(1).

ويقول تعالى: (وَكل شَيءٍ فَصَّلناهُ تَفصِيلاً)(2).

ويقول تعالى: (... مَا كَانَ حَديثاً يُفترَى وَلَكن تَصدِيقَ الذِي بَينَ يَديهِ وَتفصِيلَ كُل شَيءٍ وَهُدىً وَرحَمةً لِقَومٍ يُؤمنونَ)(3).

ويقول تعالى: (وَنَزَّلنَا عَلَيَكَ الكِتَابَ تِبياناً لِكُلِ شَيءٍ وَهُدىً وَرحمةً وَبُشرَى لِلمُسلِمينَ)(4).

وورد عن ابي عبد اللّه الصادق عليه السلام بهذا الصدد أنه قال:

«إنَّ اللّه عزَّ وجلَّ أنزل في القرآن تبياناً لكل شيء، حتى واللّه ما يستطيع عبد أن يقول: لو كان في القرآنِ هذا، إلا وقد أنزله اللّه فيه»(5).

وعنه عليه السلام أنه قال:

«إنَّ اللّه أنزل عليكم كتابه الصادق البار، فيه خبركم، وخبر ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وخبر السماء، وخبر الارض، فلو أتاكم مَن يخبركم بذلك لعجبتم»(6).

وعنه عليه السلام أنه قال:

«إذا حدثتكم بشيء فاسألوني عنه من كتاب اللّه، ثم قال في بعض حديثه: انَّ رسول اللّه عليه السلام نهى عن القيل والقال، وفساد المال، وكثرة السؤال، فقيل له: يا ابن رسول اللّه أين هذا من كتاب اللّه؟ قال: إنِّ اللّه عزَّ وجلَّ يقول: (لا خَيرَ فِي كَثِيرٍ مِن

______________________________

(1) الانعام: 38.

(2) الاسراء: 12.

(3) يوسف: 111.

(4) النحل: 89.

(5) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: 1: باب: أنزل اللّه في القرآن تبياناً لكل شيء، ح: 358، ص: 416.

(6) أبو جعفر البرقي، المحاسن: ج: 1، باب: أنزل اللّه في القرآن تبياناً لكل شيء، ح: 359، ص: 416.

[ 29 ]

نَّجوَاهُم إلا مَن أمَرَ بصَدقةٍ أو مَعروفٍ أو إِصلاحٍ بَينَ النَّاس)(1) وقال: (وَلا تُؤتُوا السُّفهاءَ أَموالكُم الَّتي جَعَلَ اللّهُ لَكُم قِياماً)(2)، وقال: (لا تَسألوا عَنْ أَشياءَ إِن تُبدَ لَكمْ تَسؤكُمْ).»(4).

وبالنظر لهذه السعة والشمولية في مفردات الكتاب العزيز نرى أنه لا يزداد مع تقدم الزمن ونموه إِلا حداثة وطراوة، وان القارئ له والمتأمل فيه يشعر وكأنَّه قد نزل في العصر الذي هو فيه، فلا تتحجم مفرداته مع سعة الحياة وكثرة تعقيداتها، ولا تتراخى تعاليمه عن مواكبة المسيرة الانسانية الحثيثة. فقد ورد عن الامام الرضا عليه السلام عن ابيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«إنَّ رجلاً سأل أبا عبد اللّه الصادق عليه السلام: ما بال القرآن لا يزداد مع النشر والدرس إلا غضاضةً؟ فقال عليه السلام: إنَّ اللّه تبارك وتعالى لم يجعله لزمانٍ دونَ زمان، ولناسٍ دونَ ناس، فهو في كلِّ زمانٍ جديد، وعند كلِّ قومٍ غضّ إلى يوم القيامة»(5).

وعن علي عليه السلام أنه قال في صفة القرآن:

«لا تخلقه كثرة الرد وولوج السمع»(6).

وورد عن الامام الرضا عليه السلام في نفس المعنى أنه قال:

«لا يخلق من الأزمنة، ولا يغثّ على الألسنة، لانَّه لم يجعل لزمان دونَ زمان، بل جُعل دليل البرهان، وحجة على كلِّ اسنان، لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه،

______________________________

(1) النساء: 114.

(2) النساء: 5.

(3) المائدة: 101.

(4) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: الرد إلى الكتاب والسنة، ح: 5، ص: 60.

(5) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، كتاب: العلم، باب: 32، ح: 44، ص: 280.

(6) نهج البلاغة: خ / 156.

[ 30 ]

تنزيل من حكيم حميد»(1).

وتتمتع السنة الشريفة الواردة عن النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام بنفس ما يتمتع به الكتاب الكريم من شمولية واستيعاب، باعتبار الملازمة الثابتة بينهما، وعدم امكانية تصور وفاء احدهما بدوره دون الآخر، فالكتاب يشتمل على عموميات التشريع، والسنة تضطلع بتفصيل عموميات الكتاب الكريم، فقد قال تعالى موضحاً هذه الملازمة:

(وَأنَزلنا إِليكَ الذّكرَ لِتبَيِّنَ لِلنَّاس مَا نُزِّل إِليهِم...)(2).

وجاءَ عن عبد الرحمن بن يزيد:

«أنَّه صلى اللّه عليه وآله وسلم رأى محرماً عليه ثيابه، فنهى المحرم، فقال: ائتني بآية من كتاب اللّه تنزع ثيابي، قال: فقرأ عليه: (وَمَا آتَاكمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه وَما نَهاكم عَنهُ فَانتَهوا)(3)»(4).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال في خطبته عند حجة الوداع:

« يا أيها الناس واللّه ما من شيء يقربكم من الجنة، ويباعدكم من النار، إلا وقد أمرتكم به، وما من شيء يقربكم من النار، ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه...»(5).

وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام:

«انَّه أتاه رجل بمكة، فقال له: يا محمّد بن علي أنت الذي تزعم انه ليس شيء إلا

______________________________

(1) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 89، باب: فضل القرآن واعجازه، ح: 6، ص: 14.

(2) النحل: 44.

(3) الحشر: 7.

(4) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج: 1، ص: 37.

(5) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: الطاعة والتقوى، ح: 2، ص: 74.

[ 31 ]

وله حدّ؟، فقال أبو جعفر عليه السلام: نعم أنا أقول: انه ليس شيء مما خلقَ اللّه صغيراً ولا كبيراً، إلا وقد جعل اللّه له حداً، إذا جوَّز به ذلك الحد فقد تعدّى حدَّ اللّه فيه، قال: فما حدُّ مائدتك هذه؟ قال: تذكر اسم اللّه حين توضع، وتحمد اللّهَ حين تُرفع، وتقمّ ما تحتها، قال: فما حدُّ كوزك هذا؟ قال: لا تشرب من موضع اُذنه، ولا من موضع كسره، فانه مقعد الشيطان، وإذا وضعته على فيكَ فاذكر اسم اللّه، وإذا رفعته عن فيكَ فاحمد اللّهَ، وتنفَّس فيه ثلاثة أنفاس، فإن النفس الواحدة يكره»(1).

إلى غير ذلك من الاحاديث التي دلَّت على استيعاب سنة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام لجميع أبعاد الحياة وشؤونها، وأنه ما من واقعة تخلو من حكمٍ شرعي خاصٍّ بها.

وفي الحقيقة انَّ أساس هذا الأمر ينشأ من كون الشريعة الاسلامية شريعة فطرية تنسجم مع واقع الفطرة الانسانية وتوجهاتها السليمة، وتلبي احتياجاتها الثابتة، وتعين المصالح والمفاسد الواقعية التي لا تتأثر بما يستجد ويتغيَّر من وقائع وأحداث.

وقد قام التشريع بتلبية هذه الحاجة عن طريق تقنين القواعد والانظمة الثابتة التي يُلزم الانسان بامتثالها مهما تغيَّرت الظروف من حوله، كوجوب الصلاة والصوم، وحرمة الخمر والزنا... وما إلى ذلك من أحكام أساسية ثابتة في الشريعة.

كما تمَّ أيضاً تشخيص المناطق المرنة في التشريع، والتي يتمكن (الولي) في نطاقها من التحرك والانتقال من حكمٍ شرعي الى، آخر حكمٍ شرعي وتشخيص الموقف الشرعي ضمن اطارات تلك الاحكام الثابتة، والعمل نحو تحقيق أهدافها العامة، من خلال الاستناد إلى العموميات والقواعد التي هيأتها الشريعة لمختلف الأحداث في ظل شروط وقيود معينة.

______________________________

(1) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: 1، باب التحديد، ح: 389، ص: 428.

[ 32 ]

ويسمى النحو الأول من التشريع ب(التشريع الالهي)، وأما النحو الثاني فيسمى ب(التشريع الولائي).

وفي الحقيقة ان (التشريع الولائي) مكمِّل ومتمم ل(التشريع الالهي)، لأنَّه يقوم بمواكبة الموارد التطبيقية ل‍(الأحكام الالهية) والمحافظة على أهداف الشريعة الثابتة، من باب تقديم الأهداف وتزاحم الملاكات، وذلك نتيجة لاختلاف الظروف والأحوال التي يمرّ بها الانسان، فتتكامل بذلك نظرة الدين إلى الحياة، ولا يبقى أي فراغ في التشريع.

ولا شك في انَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام يمتلكون حق (التشريع الولائي) باعتبار أنَّ وظيفتهم الدينية تحتم ذلك وتستلزمه.

وبما انَّ الشريعة الاسلامية مستمرة ومتواصلة بالانسان إلى آخر نقطة في هذهِ الحياة، فقد أوكل النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام هذهِ المهمة من بعدهم إلى العلماء، وخوّلوا أمر (التشريع الولائي) اليهم، باعتبار انهم الامناء على الدين، والحاملون لمهامه وأعبائه، والعارفون بتفاصيل التشريع، والقادرون على استنباط الاحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، بعد مرحلة الادراك الواعي للتشريع، والفهم المعمَّق لجميع أبعاده وحدوده.

وقد اشترطت النصوص الاسلامية مواصفات دقيقة وحساسة فيمن يقدَّر له أن يتصدّى لملء دائرة الفراغ، كأن يكون حافظاً لدينه، صائناً لنفسه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه(1)، وعلى أن تكون هذه الممارسة ضمن الاطار العام للاحكام الواقعية الثابتة.

ومن الجدير بالذكر انَّ هذه المرونة في التشريع لا تعني اكثر من الانتقال من دائرة المباحات العامة إلى دائرة الالزامات (فعلاً أو تركاً)، بعد تشخيص المصلحة الاسلامية

____________________________

(1) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج: ج 2 / ح: 337، ص 511 من حديث للامام الحسن العسكري عليه السلام.

[ 33 ]

العليا المنسجمة مع الأحكام الالهية الثابتة.

يقول العلامة السيد (محمّد حسين الطباطبائي رحمه اللّه) موضحاً هذهِ الفكرة: (فكرة الحكم الولائي):

«مثلما يستطيع أحد أفراد المجتمع الاسلامي - نتيجة للحقوق التي يحصل عليها عن طريق القانون الديني - أن يغير محيط حياته الخاصة بالشكل الذي يرغب فيه (بالطبع في ظل التقوى وشريطة مراعاة القانون)، ويستطيع أن يستخدم ماله وثروته في تحسين معيشته من مأكل وملبس ومسكن وما إلى ذلك من امور أخرى، أو غض النظر عن جزءٍ منها، ويستطيع كذلك الدفاع عن حقوقه المشروعة أمام أي اعتداء وادعاء، والمحافظة على وجوده في الحياة، أو التخلي عن الدفاع فيما إذا اقتضت المصلحة، وغض النظر عن جزءٍ من ماله وثروته، وكما يستطيع أن يبذل النشاطات لضمان حاجاته، بل والعمل ليلاً ونهاراً، أو التخلي عن عمله والقيام بعمل آخر حسب ما يراه صحيحاً، فانَّ لولي أمر المسلمين - الذي يُعيَّن طبقاً للقوانين الاسلامية، وله ولاية عامة في نطاق حكومته - الحق في القيام بما يراه مناسباً في محيط الحياة العامة، فهو يستطيع في ظل التقوى ومراعاة الاحكام الدينية الثابتة، أن يضع مثلاً قوانين خاصة بالطرق والمعابر، والدور، والاسواق، ووسائط النقل، وللبضائع، والمسافرين وعلاقات طبقات الناس ببعضها، ويستطيع كذلك أن يأمر بالدفاع في يومٍ ما أو التخلي عن الدفاع إذا كانت في ذلك مصلحة، أو توقيع معاهدات مفيدة.

إنه يستطيع اتخاذ قرارات في مجال تطوير الثقافة الخاصة بالدين أو بالحياة الرغيدة للناس، ويبذل نشاطات مكثفة في هذا المجال، كما يستطيع في يومٍ ما أن يغض النظر عن بعض، ويحض على دراسة علوم وغيرها.

وخلاصة القول: إنَّ وضع أية قوانين جديدة تعود بالفائدة على المجتمع، وتنتهي

[ 34 ]

لصالح الاسلام والمسلمين، هو من اختصاص ولي الأمر، وليست هناك أية محدودية في وضع مثل هذه القوانين أو تطبيقها، وبديهي انَّ مثل هذه القوانين وان كانت لازمة التنفيذ كما ينص الاسلام على ذلك، ويتعين على الفقيه العمل بها وتطبيقها، فهي لازمة الاطاعة، ومع ذلك لا تعد شريعة الهية، لانَّ قيمة مثل هذهِ القوانين تتوقف - بالطبع - على الوضع الذي يتطلب تشريعها، فهي تذهب حال انتفاء المصلحة، وفي هذه الاثناء يعلن ولي الامر السابق، أو ولي الامر الجديد عن القوانين الجديدة للناس، وينسخ القوانين السابقة».

ويضيف موضحاً خصائص (الاحكام الالهية):

«وغير أنَّ الاحكام والقوانين الالهية التي تعتبر من اصول الشريعة، فهي قائمة وثابتة دائماً، ولا يحق لأيٍّ كان حتى ولي الأمر أن يغيرها تبعاً لتغير الازمان، أو يلغيها نظراً لانتفاء الحاجة لبعضها»(1).

وقد نقل لنا التاريخ حصول موارد عديدة لهذا النوع من الاحكام في حياة النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام.

ومما ورد في ذلك انَّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قد منعَ في ظروف خاصة إجارة الارض، ونهى المسلمين عن ذلك، فروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «مَن كانت له أرض فليزرعها، فان لم يستطع أو عجز عنها فليمنحها أخاه، ولا يؤاجرها»(2).

فمن الواضح انَّ اجارة الارض جائزة من وجهة نظر الفقه الاسلامي، وانَّ الحكم الاولي قد دل على ذلك بشكل قاطع، إلا انَّ النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم قد استعمل في هذا المورد

______________________________

(1) الطاهري الخرّم آبادي، بين ولاية الفقيه وحكم الشعب، ص: 25 - 27، عن كتاب الاسلام والحاجات الواقعية لكل عصر، للعلامة الطباطبائي، ص: 51 - 53.

(2) أحمد بن حنبل، مسند الامام أحمد بن حنبل، ج: 3، ص: 302، ح: 13830، وص: 304، ح: 13857، ص: 354 ح: 14399، وفي مواضع عديدة اُخر.

[ 35 ]

صلاحيته الخاصة، وانتقل من دائرة الجواز إلى دائرة التحريم، من أجل المحافظة على حالة التوازن الاجتماعي بين المسلمين، ولما كان يمرُّ به المهاجرون آنذاك من ألوان الفاقة والعوز.

ولعلَّ خير ما جسَّد هذا التشخيص الولائي في حياة علماء مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وأظهر من خلال ذلك قوة التشريع وعظمة شوكته.. هو الفتوى الشهيرة للميرزا محمّد حسن الشيرازي، المعروف بالميرزا الشيرازي المجدد الكبير (1312 هجري)، في عام 1891 م، والتي حرَّم فيها استعمال التنباك والتتن بأي نحوٍ كان، في الوقت الذي منح فيه ملك ايران (ناصر الدين شاه) امتيازاً لشركة التنباك الانجليزية، يسمح لها فيه باحتكار التنباك وبيعه لمدة (50) عاماً، مما يؤدي إلى إحداث أضرار فادحة بالمزارعين والتجار وعامة الناس.

وقد أدَّت هذهِ الفتوى إلى مقاطعة شاملة من قبل الايرانيين للتدخين، واغلاق جميع محلات بيع التبغ، الأمر الذي اضطرَّ الحكومة إلى استرداد حق الامتياز(1).

فكما لا يخفى انَّ التدخين مباح بالحكم الشرعي الاولي، إلا انَّ المرجع الديني الأعلى قد قدَّر ضرورة الحكم بحرمة استعماله بأي نحو كان، حفاظاً على كرامة المسلمين، ومصالح الاسلام العليا، وأهدافه الرفيعة السامية.

من خلال هذا كله ندرك شمولية التشريع الاسلامي لكل وقائع الحياة، وانتفاء الحاجة إلى أي تشريع آخر يضع نفسه أمام التشريع الالهي الخالد.

______________________________

(1) محسن الأمين، أعيان الشيعة ج: 4، ص: 215.

[ 36 ]

الخط الثاني: سعة دائرة الحلال

عمدت الشريعة الاسلامية إلى توسعة المساحة التي يمكن للانسان أن يتحرك في

حدودها خارج اطار الالزام الشرعي إلى أقصى حدٍّ ممكن، عن طريق اطلاق عنان المكلف في الامور التي لم تبيَّن له، ولم يرده بشأنها دليل أو بيان خاص:

قال تعالى: (وَمَا كُنّا مُعذّبِينَ حَتّى نَبعثَ رَسُولاً)(1).

وقال تعالى: (لا يُكلّفُ اللّهُ نَفساً إلا مَا آتَاهَا)(2).

وورد في الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنَّه قال:

«الحلال ما أحلَّ اللّهُ في كتابه، والحرام ما حرَّمَ اللّه في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه»(3).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:

«انَّ اللّه فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرَّم أشياء فلا تقربوها، وترك أشياء عن غير نسيانٍ فلا تبحثوا عنها»(4).

وعن أي عبد اللّه الصادق عليه السلام أنه قال:

«وما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم»(5).

وعن عبد الاعلى بن أعين قال:

«سألتُ أبا عبد اللّه عليه السلام عمَّن لم يعرف شيئاً هل عليه شيء؟ قال: لا»(6).

وعنه عليه السلام أنه قال:

«كل شيءٍ فيه حلال وحرام فهو لكَ حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه

______________________________

(1) الاسراء: 15.

(2) الطلاق: 7.

(3) ابن الأثير، جامع الاصول في أحاديث الرسول، ج: 7، ح: 5542، ص: 454.

(4) ابن الاثير جامع الاصول في أحاديث الرسول، ج: 5، ح: 3070، ص: 59.

(5) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب 64: التعريف والبيان، ح: 9، ص: 413.

(6) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 64 التعريف والبيان، ح: 8، ص: 412.

[ 37 ]

فتدعه»(1).

وعنه عليه السلام:

«إنَّ اللّه عزَّ وجلَّ احتجَّ على الناس بما آتاهم وما عرَّفهم»(2).

وفي الحقيقة انَّ الافعال المباحة قد تنشأ في واقع الامر من ملاكات اقتضائية، فتكون رغبة المولى سبحانه وتعالى متوجهة إلى اطلاق عنان المكلف فيها، وعدم تعامله معها على نمط التعامل مع الاحكام الالزامية.

من هنا نرى ان الشريعة الاسلامية تحافظ دائماً على توفير هذا الجو الاختياري للملكف، وتكييف العوامل الملائمة له، لكي يتوازن السلوك الانساني، ولا يتعرض إلى التخلخل والاضطراب، ويروى: أنَّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم صنع شيئاً ترخَّص فيه، وتنزه عنه القوم، فحمد اللّه ثم قال:

«ما بالُ أَقوامٍ يرغبونَ عمَّا رُخِّصَ لي فيهُ فواللّهِ لأَنا أَعلمُهُم باللّهِ وأشدُّهُم لَه خشيَةً»(3).

وقد دعى الاسلام من خلال اصوله ومبانيه الثابتة إلى أن يأخذ الانسان نصيبه من الحياة الدنيا، عن طريق الممارسات المحللة، والتصرفات المشروعة، وأكّد على ضرورة أن يستوفي كلُّ عضوٍ من أعضاء الانسان حظه من الراحة والاستجمام، وأن تُعطى النفس حقَّها من الالتذاذ والتنعم بما أباحه اللّه لعباده، قال تعالى:

(قُل مَن حَرَّمَ زِينةَ اللّهِ الَّتي أَخرَجَ لِعبادِهِ وَالطيِّباتِ مِنَ الرِزقِ قُل هِي للذينَ آمَنوا فِي الحَياةِ الدُّنيَا خالِصةً يَومَ القِيامةِ..)(4).

______________________________

(1) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: 12، باب: عدم جواز الانفاق من الكسب الحرام، ح: 1، ص: 59.

(2) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 64، ح: 2، ص: 410.

(3) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 15، ص: 106.

(4) الاعراف: 32.

[ 38 ]

وفي واقع الأمر انَّ هذه التوسعة تعبِّر عن واحدٍ من أهم المقومات الاساسية التي تساهم في إثراء حركة التكاملية نحو اللّه تعالى، واعطائها صورة متكافئة، لا تتحجم في الجانب العبادي الخاص وتذوب فيه إلى درجة الانهماك التام، ولا تنساب مع الملاذ من دون قيود وحدود، ولذا نرى انَّ الاسلام يشجب حالة الرهبنة والانعزال عن المجتمع، ويحارب ظاهرة القسوة بحق النفس الانسانية، وتحميلها المشاق والصعوبات، ويوجِّه الانسان بدلاً عن ذلك نحو السلوك المتوازن الذي يحفظ حق اللّه وحقّ النفس معاً، ولا ينأى عن الحياة الاجتماعية إلى حيث الاذكار والاوراد والعبادات الخالية من روح النفع والعطاء.

وقد ورد في هذا الشأن:

«أنَّ ثلاثة رهط جاؤوا إلى بيوت أزواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يسألون عن عبادته صلى اللّه عليه وآله وسلم، فلما اُخبروا كأنَّهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وقد غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر؟ فقال أحدهم: أما أنا فانّي اصلّي الليل أبداً، وقال الآخر: اني أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: اني اعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما واللّهِ إني لأخشاكم للّه وأتقاكم له، لكنّي أصوم وافطر، واصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس مني».

وجاء عن الامام الرضا عليه السلام أنه قال:

«إنَّ امرأةً سألت أبا جعفر عليه السلام فقالت: أصلحك اللّه اني متبتّلة، فقال لها: وما التبتّل عندكِ؟ قالت: لا اُريد التزويج أبداً، قال: ولمَ؟ قالت: ألتمس في ذلك الفضل، فقال: انصرفي فلو كان في ذلك فضل لكانت فاطمة عليها السلام أحق به منكِ، انه ليس أحد يسبقها إلى

______________________________

(1) البخاري، صحيح البخاري، ج: 7، كتاب النكاح، ح: 1، ص: 116.

[ 39 ]

الفضل»(1).

إلى غير ذلك من الاحاديث التي شجبت ظاهرة الانزواء والرهبنة والانعزال عن المجتمع البشري، والتي سنأتي على شطرٍ منها في لاحق دراستنا هذه إن شاء اللّه تعالى.

ومن أجل تحقيق هذه التوسعة، وخدمة هذه الغاية، نلاحظ أنَّ الشريعة تؤكّد أيضاً على ترك الالحاح في السؤال، والتكلّف في الاستقصاء، وقد أوصت المسلمين بأن يتركوا الامور تأخذ مجاريها الطبيعية، لأنَّ نفس الانسان قد تنزع إلى البحث عن تفاصيل الاحكام وجزئياتها، وتغرق في السؤال عن ذلك من باب التنصل، أو التعجيز، أو الاختبار، أو التسامح.... أو غير ذلك من الاغراض والغايات، وغالباً ما نرى أنه عندما ينكشف للانسان واقع الأمر يبدأ بمحاولة التهرّب من أدائه، والتنصل من القيام بواجب اللّه تعالى فيه، ولذا نرى أنَّ الشريعة الاسلامية من باب الرحمة بالانسان والارفاق به قد نهته عن تكلّف الامور واستقصائها، وأمرته بالاكتفاء بما يحصل عليه من الطرق الطبيعية الجارية، لأنَّ الشارع لو كان يريد الزيادة على ما هو موجود لبيَّن تلك الزيادة إلى الناس، ولو كانت هناك ضرورة لأن يرتكب الانسان سلوكاً خاصاً في حياته على نحو الالزام أو ما دون ذلك لما كان يجدر بالشريعة أن تتهاون في توضيحه وبيانه، فما سكتت عنه الشريعة ولم تتطرق له من قريب أو من بعيد فهو عفو، لا يؤمر الانسان بالتحرّي عنه، والالحاح في متابعته.

من هنا نرى أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يقول:

«اتركوني ما تركتكم فإذا حدثتكم فخذوا عنّي، فانما هلكَ مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم»(2).

______________________________

(1) أبو جعفر الطوسي، أمالي الشيخ الطوسي، ص: 380.

(2) الترمذي، سنن الترمذي، ج: 5، كتاب العلم، باب: 17، ح: 2679، ص: 45 - 46.

[ 40 ]

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:

«إنّ اعظم المسلمين في المسلمين جرماً مَن سأل عن أمرٍ لم يُحرَّم فحُرِّم على الناس من أجل مسألته».

إنَّ كل ما تقدَّم انما هو ناشئ من كون الشريعة الاسلامية شريعة سهلة سمحاء، لا تضييق فيها على المرء ولا قهر ولا اكراه.

وقال تعالى: (يُريدُ اللّهُ بِكمُ اليُسرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ العُسرَ).

وقال تعالى: (يُريدُ اللّهُ أنُ يُخففَ عَنكُم وَخُلقَ الإِنسانُ ضَعِيفاً).

وقال تعالى: (يَا أيُّها الذِينَ آمنوا لا تُحرِّموا طَيباتِ مَا أحلَّ اللّهُ لَكم وَلا تَعتدُوا إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ المُعتدينَ* وَكلوا مِمَّا رَزَقكمُ اللّهُ حلالاً طَيباً وَاتقُوا اللّهَ الَّذي أَنتُم بِهِ مُؤمنونَ).

وقال تعالى: (الَّذينَ يَتبعُون الرَّسُول النَّبي الأُمي الَّذي يَجدُونهُ مَكتُوباً عِندَهم فِي التَّوراةِ وَالانجَيلِ يَأمرُهم بَالمَعروفِ وَينَهاهم عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيحرِّمُ عَليهِم الخبائث وَيَضعُ عَنهُم إصرَهُم وَالاغلالَ الَّتي كَانت عَليهم.).

وفي الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:

«اني لم اُبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكن بُعثت بالحنيفيّة المسحة».

وعن أبي جعفر عليه السلام عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:

«إنَّ هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرهوا عبادة اللّه إلى عباد اللّه،

______________________________

(1) أبو داود، سنن أبي داود، ج: 4، باب: لزوم السنّة، ح،: 4610، ص: 201.

(2) البقرة: 185.

(3) النساء: 28.

(4) المائدة: 87 - 88.

(5) الاعراف: 157.

(6) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 5، ح: 21788، ص: 266.

[ 41 ]

فتكونوا كالراكب المنبت الذي لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى»(1).

الخط الثالث: ضرورة عرض المعضلات على الكتاب والسنّة

يتمثل الخط الثالث من خطوط حصانة التشريع الالهي بالتشديد على ضرورة عرض الامور المعضلة والمشتبهة على كتاب اللّه الكريم وسنة رسوله القطعية، فما وافقهما من تلكَ الامور فهو مقبول، وما خالفهما فهو مرفوض يجب القاؤُه والتخلّي عنه، فقد ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في حجة الوداع أنه قال:

«قد كثرت عليَّ الكذّابة وستكثر، فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، فإذا أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب اللّه وسنتي، فما وافق كتاب اللّه وسنتي فخذوا به، وما خالفَ كتاب اللّه وسنتي فلا تأخذوا به«(2).

وذكر أمير المؤمنين عليه السلام ذلك في عهده لمالك الاشتر حيث يقول:

«واردد إلى اللّه ورسوله ما يضلعكَ من الخطوب، ويشتبه عليكَ من الامور، فقد قال اللّه سبحانه لقومٍ أحبَّ إرشادهم: (يَا أيُّها الذِينَ آمَنوا أَطِيعوا اللّهَ وَأطِيعوا الرَّسولَ واُولي الأَمرِ مِنكُم فَإن تَنازَعتم فِي شَيءٍ فَردُّوهُ إِلى اللّهِ وَالرسُولِ)(3)، فالرد إلى اللّه الأخذ بمحكم كتابه، والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة»(4).

وعن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:

_____________________________

(1) محمّد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: الاقتصاد في العبادة، ح: 1: ص: 86.

(2) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب 29، ح: 2، ص: 225.

(3) النساء: 59.

(4) نهج البلاغة، الكتاب / 53.

[ 42 ]

«إذا حُدثتم عنّي بالحديث فانحلوني أهنأه وأسهله وأرشده، فإن وافق كتابَ اللّه فأنا قلته، وان لم يوافق كتاب اللّه فلم أقله»(1).

وعنه أيضاً عليه السلام انَّه قال:

«كل شيءٍ مردود إلى الكتاب والسنّة، وكل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف»(2).

الخط الرابع: التوقّف عند الشبهات

اكّدت الشريعة على ضرورة التوقف عند الشبهات، وعدم اقتحامها، وضرورة التثبّت عندها، من أجل الاحتياط في الدين، وضمان سلامة التحرك في حدوده المشروعة وفي ضمن اطاراته المقررة، ولكي لا يقع المكلف في مخالفة شرعية ولو على مستوى الاحتمال، حرصاً على ايجاد الفواصل المنيعة بين المحللات والمحرّمات، وتلافياً لاحتمال اختلاط بعضها بالبعض الآخر.

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«أيها الناس حلالي حلال إلى يوم القيامة، وحرامي حرام إلى يوم القيامة، ألا وقد بيَّنهما اللّه عزَّ وجلَّ في الكتاب، وبيَّنتُها في سيرتي وسنتي، وبينهما شبهات من الشيطان وبدع بعدي، مَن تركها صلح له أمر دينه، وصلحت له مروته وعرضه، ومَن تلبَّس بها ووقع فيها واتبعها كان كمن رعى غنمه قرب الحمى، ومَن رعى ماشيته قرب الحمى نازعته نفسه أن يرعاها في الحمى، ألا وانَّ لكل ملكٍ حمى، ألا وانَّ حمى اللّه عزَّ

______________________________

(1) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: 1، ح: 130، ص: 348.

(2) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب، ح: 3، ص: 69.

[ 43 ]

وجلَّ محارمه، فتَوقّوا حمى اللّه ومحارمه»(1).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:

«دع ما يريبكَ إلى ما لا يريبك، فانكَ لن تجد فقدَ شيءٍ تركته للّه عزّ وجلَّ»(2).

وعن أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته لكميل بن زياد أنه قال:

« يا كميل أخوكَ دينكَ فاحتط لدينك بما شئت»(3).

وعن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام أنه قال:

«الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وتركُكَ حديثاً لم تروه خير من روايتكَ حديثاً لم تحصه»(4).

وعنه أيضاً عليه السلام أنه قال: «أورع الناس مَن وقفَ عند الشبهة»(5).

 

الخط الخامس: الرجوع في تفاصيل التشريع إلى العلماء

تظافرت الادلة على أمرِ ارجاع الشريعة الاسلامية مكلَّفيها إلى العلماء المؤتمنين على الدين في فروع المسائل الشرعية وتفصيلاتها، والترغيب في طلب المعرفة قدر المستطاع، قال تعالى:

(فَلولا نَفرَ مِن كُلِّ فِرقةٍ مِنهم طَائِفة لِيَتفقهُوا فِي الدِّينِ وَلينذِروا قَومَهم إذَا رَجعُوا إِليهِم لَعلَّهُم يَحذَرونَ)(6).

_____________________________

(1) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 31، ح: 17، ص: 260.

(2) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 31، ح: 16، ص: 260.

(3) محمد بن النعمان المفيد، الأمالي، ص: 283.

(4) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: 1، ح: 101، ص: 340.

(5) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 31، ح: 2، ص: 258.

(6) التوبة: 122.

[ 44 ]

وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال:

«عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد».

وعن معاوية بن عمّار قال:

«قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام: رجل راوية لحديثكم يبث ذلكَ في الناس، ويشدده في قلوبهم وقلوب شيعتكم، ولعلَّ عابداً من شيعتكم ليس له هذه الرواية، أيهما أفضل؟ قال: الراوية لحديثنا يشد به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد».

وعن عبد السلام بن صالح الهروي قال:

«سمعتُ الرضا عليه السلام يقول: رحمَ اللّهُ عبداً أحيى أمرنا، قلت: وكيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس».

وقد حمَّلت الشريعة هؤلاء العلماء وظيفة حفظ معالم التشريع، واستفراغ الوسع في الذب عن حريم الاسلام العظيم، واعلاء كلمته، وادامة خط الانبياء والمرسلين عليهم السلام في تبليغ الرسالة، وأدائها للناس، وفي تحّمل مهامهم الجسيمة، ووظائفهم الثقيلة، فيكونوا بذلك ورثة حقيقيين لمعارفهم وعلومهم، فقد ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:

«اللهم ارحم خلفائي، قيل: يا رسول اللّه، ومَن خلفاؤك؟ قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي».

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:

«الفقهاء اُمناء الرسل، ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل: يا رسول اللّه، وما دخولهم في

______________________________

(1) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول في الكافي، ج: 1 باب: صفة العلم وفضله، ح: 8، ص: 33.

(2) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: صفة العلم وفضله، ح: 9، ص: 33.

(3) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: 18، الباب - 11 - من أبواب صفات القاضي، ح: 11 ص 102.

(4) أبو جعفر الصدوق، مَن لا يحضره الفقيه، تعليق: علي اكبر الغفاري، ج: 4، ح: 5919، ص: 420.

[ 45 ]

الدنيا؟ قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: اتباع السلطان، فان فعلوا ذلك، فاحذروهم على دينكم»(1).

ولم يكن هذا التأهيل تأهيلاً عفوياً، وانّما كان مبنياً على اُسس موضوعية دقيقة، ومؤهلات ذاتية مقوِّمة، فقد افترضت الشريعة الاسلامية في هؤلاء العلماء المتصدين شروطاً دقيقة وحساسة ترشحهم لهذا المنصب الخطير، فعن أبي عبد اللّه عليه السلام في قول اللّه عزَّ وجلَّ: (إِنّما يخشَى اللّهَ مِن عِبادهِ العُلماءُ)(2)، قال:

«يعني بالعلماء: مَن صدقَ فعلهُ قولَه، ومَن لم يصدق فعله قوله فليس بعالمٍ»(3).

وورد عن الامام العسكري عليه السلام أنه قال:

«مَن كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه»(4).

وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:

«ألا اُخبركم بالفقيه حق الفقيه؟ مَن لم يُقَنِّط الناس من رحمة اللّه، ولم يؤمّنهم من عذاب اللّه، ولم يرخّص لهم في معاصي اللّه، ولم يترك القرآن رغبةً عنه إلى غيره، ألا لا خير في علمٍ ليس فيه تفهم، ألا لا خير في قراءةٍ ليس فيها تدبّر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكّر»(5).

وعن الامام الرضا عليه السلام أنه قال:

«إنَّ من علامات الفقيه الحلم والصمت»(6).

فلاذا توفرت هذه الشروط والمؤهلات في عالم معيَّن وجب على العوام الرجوع إليه

______________________________

(1) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: المستأكل بعلمه، ح: 5، ص: 46.

(2) فاطر: 28.

(3) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، كتاب العلم، باب: 11، ح: 41، ص: 59.

(4) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: 2، ص: 458.

(5) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: صفة العلماء، ح: 3، ص: 36.

(6) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: صفة العلماء، ح: 4، ص: 36.

[ 46 ]

في شؤون، دينهم وتحتم عليهم أن يأخذوا عنه معالم التشريع، فقد ورد عن اسحاق بن يعقوب انه قال:

«سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام... وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فانهم حجتي عليكم وأنا حجة اللّه عليهم»(1).

وعن أبي يعفور قال:

«قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: أنه ليس كلّ ساعة ألقاك، ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني، وليس عندي كل ما يسألني عنه، فقال عليه السلام: فما يمنعكَ من محمّد بن مسلم الثقفي؟ فانه قد سمع عن أبي وكان عنده وجيهاً»(2).

وعن الحسن بن علي بن يقطين قال:

«قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام: جُعلت فداكَ لا أكاد أصل اليكَ لأسئلكَ عن كل ما احتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال عليه السلام: نعم»(3).

ومن جانب اخر نجد أنَّ الشريعة قد أوصت هؤلاء العلماء المتصدّين لأمر الفتيا في الدين بالتقيّد بالحجة، واعتماد الدليل المقر من قبل الشريعة، وأن يوثِّقوا كل ما يصدر عنهم من أقوال في شأن التشريع بالأدلة والبراهين والمدارك المعتبرة، كما جاء التحذير الشديد عن مخالفة هذه الضوابط والحدود، والافتاء للناس من غير علم، فقد قال تعالى:

(وَلا تَقوُلوا لِمَا تَصِفُ أَلسِنَتُكمُ الكَذِبَ هَذَا حَلال وَهذَا حَرَام لِتَفتروا عَلَى

______________________________

(1) أبو جعفر الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، تعليق: علي اكبر الغفاري، ج: 2، باب: 45، ح: 4، ص: 483.

(2) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، كتاب: العلم، ج: 2، ح: 60، ص: 249.

(3) النجاشي، رجال النجاشي، ج: 2، ص: 421.

[ 47 ]

اللّهِ الكَذِبَ إنَّ الِذينَ يَفَترونَ عَلَى اللّهِ الكذِبَ لا يُفلِحونَ)(1).

وقال تعالى:

(وَمَن أظلمُ مِمنِ افترَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أو كذَّبَ بآيَاتِهِ إنَّه لا يُفلحُ الظالِمُونَ)(2).

وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال:

«مَن أفتى الناس بغير علمٍ ولاهدىً لعنته ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، ولحقه وزر مَن عمل بفتياه»(3).

وعن زرارة بن أعين قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام: ما حق اللّه على العباد؟ فقال عليه السلام: أن يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عند ما لا يعلمون»(4).

وعن المفضل بن يزيد قال:

«قال لي أبو عبد اللّه عليه السلام: أنهاكَ عن خصلتين فيهما هلاك الرجال: أنهاكَ أن تدينَ اللّه بالباطل، وتفتي الناس بما لا تعلم»(5).

______________________________

(1) النحل: 116.

(2) الانعام: 21.

(3) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: النهي عن القول بغير علم، ح: 3، ص: 42.

(4) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: النهي عن القول بغير علم، ح: 7، ص: 43.

(5) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: النهي عن القول بغير علم، ح: 1، ص: 42.