>
[31]
قد تبيّن واتضح عند أرباب المعارف الإلهية أن الإنسان السالك ما دام في السير إلى
الله والسلوك إلى جانب الله، فصلاته وكذلك سائر مناسكه تفترق عن تلك التي للولي
الكامل الذي أنهى سيره ووصل إلى الغاية القصوى للعروج الكمالي والمعراج الروحي
المعنوي، ووضع قدمه في محفل أنس (قاب قوسين) لأن السالك ما دام في السلوك والسير
إلى الله فصلاته براق العروج ورفرف الوصول. وبعد الوصول تكون صلاته خارطة التجليات
وصورة مشاهدات جمال المحبوب من دون إعمال رويّة في تركيبها بل تكون من قبيل سراية
حكم الغيب إلى الشهادة وظهور آثار الباطن في الظاهر كما قال المحققون من الفلاسفة
في حق تدبير العالم العقلي بالنسبة إلى عالم الملك، مع أن الأعلى لا يتوجه إلى
الأدنى: ان تدبيراتها لهذا العالم تدبير تبعي استجراري بل التدبيرات للمناسك
الإلهية عند أصحاب القلوب وأرباب المعرفة تابعة للتجليات الأسمائية والصفاتية
والذاتية.
[32]
وبالجملة إن للمستغرقين في مشاهدة جمال الجميل تجلّيات غيبيّة تحصل منها الحركات
الشوقية في سرّ قلوبهم، وتحصل من تلك الاهتزازات السّريّة القلبية آثار في ملكهم
تكون تلك الآثار بمناسبة كيفية التجليات مطابقة لإحدى المناسك والعبادات، وهؤلاء مع
أنّهم لا يتوجهون إلى كيفية شيء منها توجهاً استقلالياً لا يتغيّر جزء أو شرط من
آدابها الصورية ولا ينقص ولا يزيد شيء منها، ولا تكون مخالفة للمقررات الشرعية كما
أن الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله في صلاته المعراجية لمّا رأى من أنوار العظمة
والتجلّي الذاتي الغيبي سجد وغشي عليه مرّات كما نشير إلى ذلك فيما يأتي.
ومثل هذه الجذبة الروحية والفناء الكلّي مثل حال العاشق المجذوب وحركاته العشقية،
ومثل العدو كامل العداوة وحركاته البغيضة فإن حركات كل منهما وأعمالهما ليست عن
رويّة وتفكر في مقدماتها، فليس للعاشق في كيفية مغازلته أن يمهّد مقدمات ويصل منها
إلى النتيجة بل حقيقة العشق نار تطّلع على فؤاد العاشق وتسري جذوتها إلى سرّه
وعلانيته وباطنه وظاهره. وتلك التجليات الحبيّة في سرّ القلب تتجلّى بصورة المغازلة
في الظاهر (الإناء يرشح بما فيه). فكذلك حال مجذوب مقام الإحدية وعاشق الجمال
الصمدي. فان الجذبات الباطنية للمحبوب والتجليات الحبيّة للحبيب التي تظهر في الملك
الظاهر للعاشق وتتصوّر في
[33]
مملكة شهادته تشكل هذه المخطَّطة الصلاتية فإن إصابه حال أو حصل له وضع غير هذه
الأوضاع و الأقوال التي كانت للمجذوب الحقيقي والواصل الواقعي الرسول الخاتم صلوات
الله عليه في هذه المكاشفة الروحانية والمغازلة الحبيّة فهو من تصرفات الشيطان
ويكشف عن وجود شئ من الإنّية والأنانية وبقية منها للسالك في سلوكه ولا بدّ له إذاً
من الجدّ في علاجها وترك طريق الضلالة. فالصلاة التي ينسبها بعضهم إلى العرفاء
وتسمى بصلاة السكوت وترتيب خاصّ، يمثّلون ألف الله في حيال وجههم وبعدها اللاّم
وبعدها الهاء وبعدها المجموع بترتيب خاص على عدد الحضرات الخمس. فهي على فرض صحة
النسبة محصول جهل من صنف ذلك المعجون المبتذل.
وبالجملة لا يتصوّر كشف أتمّ من كشف النبيّ الخاتم (ص) ولا سلوك أصح ولا أصوب من
سلوكه (ص) فلا بدّ أن تترك المركّبات غير المنتجة التي هي نتيجة العقول السخيفة
لمدّعي الإرشاد والعرفان. كان شيخنا العارف الكامل شاه آبادى روحي فداه يقول: " إن
جميع العبادات عبارة عن إسراء ثناء الحق جلّت عظمته إلى النشأة الملكية للبدن، وكما
أن للعقل حظّاً من المعارف وثناء المقام الربوبي وللقلب حظاً وللصدر حظّاً كذلك
فلملك البدن أيضاً حظ وهو عبارة عن هذه المناسك، فالصوم ثناء ذات الحق
[34]
تعالى بالصمدية، وظهور ثنائه بالقدوسيّة والسبوحية، كما أن الصلاة ولها مقام
الأحدية الجمعية والجمعية الأحدية ثناء على الذات المقدسة بجميع الأسماء والصفات "
انتهى ما أفاده دام ظلّه. فعلم من البيانات السابقة أن ما هو معروف عند بعض أهل
التصوّف من أن الصلاة وسيلة معراج وصول السالك، والسالك بعد الوصول ليستغني عن
الرسوم أمر باطل بلا أصل وتخيّل بلا رويّة وبلا لبّ ومخالف لمسلك أهل الله وأصحاب
القلوب وصادر عن الجهل بمقامات أهل المعرفة وكمالات الأولياء نعوذ بالله منه.
[35]
الفصل الثالث
في بيان سر الصلاة الإجمالي
[37]
إن الصلاة مركبة بحسب صورتها الملكية من أوضاع وهيئات وأذكار وقراءة وأدعية كما هو
واضح وإن كانت بحسب ملكوتها ذات وحدة وبساطة، وكلما قربت من أفق الكمال تكون وحدتها
أكمل حتى تنتهي إلى غاية الكمال التي هي حصول قيامتها الكبرى وسنشير إلى هذا المطلب
بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ووحدة الصور الملكية تابعة لوحدة الصور الملكوتية الغيبية كما قرّر في محله،
والوحدة التامة للصور الملكية تحصل بفنائها في باطن الملكوت ويعبّر عنه بالقيامة
الصغرى. ولكل من هذه الأوضاع والأذكار أسرار بالتفصيل نذكر بعضها بعد ذلك إن شاء
الله بقدر الميسور والمقتضى. ونكتفي في هذا المقام بالسرّ الإجمالي لصلاة أهل
المعرفة وأهل الله وهو عبارة عن حصول المعراج الحقيقي والقرب المعنوي والوصول إلى
مقام الفناء الذاتي الذي هو في الأوضاع يحصل في السجدة الثانية التي هي فناء عن
الفناء، وفي الأذكار يحصل بإيّاك نعبد الذي هو مخاطبة حضورية،كما أن رفع
[38]
الرأس من السجدة إلى التسليم الذي هو علامة ملاقاة الحضّار والرجوع من السفر هو
رجوع إلى الكثرة ولكن مع السلامة من حجب الكثرات ومع البقاء في الحق. واهدنا الصراط
المستقيم في الأذكار رجوع إلى النفس وحصول الصحو بعد المحو ويتمّ السفر بإتمام
الركعة التي هي حقيقة الصلاة.
وليُعلم أن أصل الصلاة ركعة واحدة وبقية الركعات من الفرائض والنوافل إنما هي
لإتمام تلك الركعة الواحدة كما ورد في الحديث الشريف.
روى الشيخ العاملي في الوسائل عن عيون الأخبار والعلل بإسناده عن الرضا عليه السلام
قال" إنّما جعل أصل الصلاة ركعتين وزيد على بعضها ركعة وعلى بعضها ركعتان ولم يزد
على بعضها شئ لأن أصل الصلاة إنّما هي ركعة واحدة. لأن أصل العدد واحد فإذا نقصت من
واحد فليست هي صلاة. فعلم الله عزّ وجل أن العباد لا يؤدون تلك الركعة الواحدة التي
لا صلاة أقل منها بكمالها وتمامها والإقبال إليها، فقرن إليها ركعة أخرى ليتمّ
بالثانية ما نقص من الأولى ففرض الله عزّ وجل أصل الصلاة ركعتين، ثم علم رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم أن العباد لا يؤدّون هاتين الركعتين بتمام ما أمر به
وكماله فضمّ إلى الظهر والعصر
[39]
والعشاء الآخرة ركعتين ركعتين ليكون فيها تمام الركعتين الأوليين" الحديث.
[41]
الفصل الرابع
في بيان حضور القلب ومراتبه
[43]
ربّما كان من المناسب في هذا المقام أن أشرح المصطلحات الرائجة للقلب عند الأطبّاء
والحكماء والعرفاء وأهل الشرع وفي لسان القرآن. ولكن لمّا كان لا يترتب عليها فائدة
كثيرة ويطول ذيل الكلام فيها رأيت أنّ شَدّ عنان القلم عنها وصرفه في بيان حضور
القلب ومراتبه أولى.
فلا يخفى على أرباب البصيرة والمعرفة وعلى المطلع على أسرار أخبار أهل بيت العصمة
والطهارة أن روح العبادات، وكمالها وتمامها بحضور القلب وإقباله، ولا تكون أي عبادة
بدونه مقبولة للحضرة الأحدية ومورداً لنظر اللطف والرحمة، وتكون ساقطة عن درجة
الاعتبار. وسنذكر في الفصل الآتي بعد ذلك الأخبار و الأحاديث الراجعة إلى هذا
المدّعى بالقدر المناسب. وكما أن كمال كل موجود ونقصه ونورانيته وكدورته بصورته
النوعية وكماله الأخير، وأنّ الميزان في كمال الإنسان ونقصه وسعادته وشقاوته كمال
النفس الناطقة ونقصها التي هي النفحة الإلهية والروح المجرّد الأمري للإنسان، كذلك
[44]
مطلق العبادات وبالخصوص الصلاة التي هي احدى التركيبات القدسية التي ركبّها وسوّاها
الحق تعالى بيدي الجلال والجمال، يكون كمالها ونقصانها ونورانيّتها وظلمانيّتها
مرتبطة بروحها الغيبي ونفحتها الإلهية التي تنفح فيها بواسطة النفس الناطقة
الإنسانية. وكلما كانت مرتبة الإخلاص وحضور القلب اللذين هما الركنان الركينان
للعبادة أكمل يكون الروح المنفوخ فيها أطهر وكمال سعادتها أكثر وصورتها الغيبيّة
أنور وأكمل. وكمال عمل الأولياء عليهم السلام إنّما كان بواسطة الجهات الباطنيّة
وإلاّ فصورة العمل ليست لها الأهميّة الكثيرة، فإن نزول عدة آيات من السورة
المباركة هل أتى مثلاً في مدح علي عليه السلام وأهل بيته الطاهرين ليس بسبب إعطاء
قرص من الخبز وإيثارهم به بل كان للجهات الباطنية ونورانية صورة العمل كما أشار إلى
ذلك في الآية الشريفة حيث يقول {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ
نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا}(الإنسان9). بل إن ضربة عليّ عليه السلام
التي هي أفضل من عبادة الثقلين ليست أفضليّتُها بصورتها الدنيوية بحيث لو صدرت من
غيره لكانت أفضل أيضاً وإن كان نفس العمل بلحاظ موقعه. وفي حين تقابل الكفر
والإسلام كان مهمّاً ولعل الأمر لولا تلك الضربة كان سيؤول إلى تمزق حبيكة جند
الإسلام ولكن العمدة في فضيلتها وكمال عمله عليه السلام إنما كان بسبب حقيقة الخلوص
وحضور قلبه عليه السلام
[45]
في إتيانه هذه الوظيفة الإلهية، ولهذا اشتهر منه عليه السلام أنّه لمّا استولى
الغضب عليه بتجاسر الملعون امتنع عن قتله حتى لا يكون في عمله شائبة من الإنيّة
وجانب (يلي الخلقي) مع أن غضبه وهو ولي الله المطلق غضب إلهيّ ولكنه مع ذلك أخلص
العمل عن التوجه إلى الكثرة وأفنى نفسه بكلّيتها في الحق فوقع العمل بيد الحق،
والعمل بهذه الصفة لا يمكن أن يوزن بميزان وأن يقابله شئ. وسنورد شرحاً لهذا
الموضوع في باب النيّة إن شاء الله ونصرف القلم إلى بيان مراتب حضور القلب وله
مراتب ومقامات كثيرة فنبيّن. مراتبه الكليّة على سبيل الإجمال وبطريق النموذج لا
الحصر.
وليعلم أن العبادات مطلقة هي ثناء على المقام المقدس الربوبي وعلى مراتب الثناء
وترجع كلياً إلى الثناء على الذات والثناء على الأسماء والصفات أو الثناء على
التجلّيات تنزيهاً أو تقديساً أو تمجيداً، وليست عبادة من العبادات بحسب السرّ
والحقيقة خليّة عن مرتبة من ثناء المعبود. فبناءً على هذا تكون أول مرتبة لحضور
القلب في باب العبادات حضور القلب في العبادة إجمالاً وهي ميسورة لكل إنسان. وحضور
القلب في العبادة هو أن يفهم الإنسان قلبه أن باب العبادات باب ثناء المعبود،
ويوجّه قلبه من أول العبادة إلى آخرها إلى هذا المعنى إجمالاً وهو الاشتغال بثناء
المعبود ويحضّر قلبه وان كان هو لا يعلم بكيفية ثنائه وأنه بأيّ شئ
[46]
ومع أيّ شئ يثني على الذات المقدسة، وأنّ هذه العبادة هل هي ثناء الذات أو ثناء
الأسماء أو غيرها، وهل هو ثناء تقديسي أو تحميدي ومثله كمثل شاعر يمدح أحداً
بقصيدته ويعلّم طفلاً أن هذه القصيدة هي لمدح فلان ولكن الطفل لا يدري كيف مدح
الشاعر الممدوح وبأيّ شئ مدحه ولكنه حين قراءته القصيدة يعلم إجمالاً أنه يمدحه وإن
لم يعلمه تفصيلاً.
فكذلك أطفال مدرسة المعارف المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم الذين يمدحون الله في
محضره المقدس بالمدائح والثناءات التي كشفت بالكشف التام المحمدّي وأُفيضت على قلبه
الشريف بالوحي والإفاضة من حضرة الحق جل جلاله وإن كانوا لا يعلمون كيفية ثنائهم
وبماذا يثنون ولماذا يمدحون. ولكن أول مرتبة لكمال عبادتهم أن تحضر قلوبهم في
العبادة بأنّنا نثني على الله تعالى بما أثنى الحق تعالى به على نفسه وما كان
الخواص عنده سبحانه رطاب اللسان به. بل لو كان الثناء نيابة عن لسان الأولياء لكان
الأفضل لكونه حينئذ خالياً من شوائب الكذب والنفاق، لأن في العبادات وخصوصاً في
الصلاة ثناءات مشتملة على الدعاوى لا يقوم بها إلاّ الكمّل من الأولياء والخلّص من
الأصفياء، كالقول في أذكار الصلاة: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض وكقول الحمد
لله وإياك نعبد وفي الأوضاع مثل رفع اليد في التكبيرات
[47]
والسجدة وغيرها التي يأتي بيان كل منها في محله إن شاء الله. ولا تتيسر تلك الدعاوى
لكلّ أحد ونظائرها في الأدعية الشريفة الواردة من الناحية المقدسة للأئمة الأطهار
سلام الله عليهم كثيرة ولا يتيسر الدعاء بتلك الأدعية لكل أحد كبعض فقرات دعاء
كميل.
والشيخ الكامل العارف شاه آبادي روحي فداه كان يقول في هذه الموارد ((إن الأفضل أن
يدعو الداعي في هذه المقامات بلسان مصادر الدعاء عليهم السلام)) وبالجملة الأفضل
لأمثالنا الذين لم يصفُ سرّهم ولم ينقطع تعلّقهم عن غير الحق، أن يكون قصد الثناء
والمديح في الأذكار والقراءات، أو في أعمال الصلاة بلسان مصدرها الذي هو الحق جل
وعلا بوجه والرسول الخاتم صلى الله عليه وآله بوجه آخر. وسيأتي في باب القراءة نبذة
من الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.
المرتبة الثانية من حضور القلب (حضور القلب في العبادة) تفصيلاً وهو أن يكون قلب
العابد في جميع العبادة حاضراً وعالماً بماذا يصف الحق وكيف يناجيه وله مراتب
ومقامات يتفاوت بعضها عن بعض على حسب تفاوت مقامات القلوب ومعارف العابدين.
وليعلم أن الإحاطة التفصيلية بجميع أسرار العبادات وكيفية المدح والثناء في كل منها
لا يمكن لأحد سوى الكمّل من الأصفياء
[48]
بطريق الإفاضة والوحي الإلهي، ونحن نذكر هنا مراتبها الكلّية بطريق الإجمال.
فطائفة لا يعلمون من الصلاة وغيرها من العبادات غير الصورة والقشر والهيئة الملكية
ولكن يفهمون المفاهيم العرفية للأذكار والأدعية والقراءة. وحضور القلب لهم أن
يحضروا في وقت الذكر أو القراءة مفاهيمها في القلب فتحضر قلوبهم عند المناجاة مع
الحق.
فالمهم لهذه الطائفة ألا يقيدوا الحقائق بالمعاني العرفية التي يفهمونها فحسب ولا
يظنّون أن العبادة ليست لها حقيقة سوى هذه الصورة فإن هذه العقيدة بالإضافة إلى
أنها تخالف العقل والنقل تضر الإنسان ضرراً كثيراً وتقنّعه وتوقفه وتمنعه من السير
العلمي والعملي. وإنّ من الأعمال المريعة للشيطان أنه يشغل الإنسان بما لديه ويرضيه
به ويسيء ظنه بسائر الحقائق والعلوم والمعارف ويصل من هذا الطريق إلى نتائج غريبة.
وطائفة أخرى هم الذين يفهمون حقائق العبادات والأذكار والقراءة بالقدم العقلي
الفكري فيعلمون مثلاً بالبرهان العقلي كيفية رجوع جميع المحامد إلى الحق، أو أنّهم
يعلمون حقيقة الصراط المستقيم أو حقيقة معاني سورة التوحيد التي هي أصول المعارف
ولكن كل ذلك بقدم الفكر والعقل. وحضور القلب في العبادة لهذه الطائفة أن تحضر
قلوبهم تفصيلاً عند ذكر هذه الحقائق
[49]
والمحامد ويعلمون ما يقولون وكيف يثنون على الحق ويحمدونه.
وطائفة أخرى هم الذين أدركوا الحقائق بقدم الفكر والعقل وكتبوها بقلم العقل على
لوحة القلب وقد عرفت قلوبهم تلك الحقائق وآمنت بها لأن ثمة فرقاً كبيراً بين مرتبة
الإيمان القلبي والإدراك العقلي. فكم من أمر أدركه الإنسان بالعقل وأقام البرهان
على ما أدركه ولكنه لم يصل إلى مرتبة الإيمان القلبي، والى المرتبة الكاملة منه وهي
الاطمئنان ولم يترافق قلبه مع عقله في ذلك. ومثال ذلك: أننا نعلم باليقين أن
الأموات ليست لها أية حركة ولا تملك أيّ ضرر علينا فلو جمعت أموات العالم كلّها لا
تضرّنا قدر بعوضة ومع ذلك فبسبب أن هذا الأمر اليقيني العقلي لم يرد في لوحة القلب
ولم يترافق القلب مع العقل في هذا الحكم فتغلب حكم الوهم على العقل في مملكة الوجود
فيستوحش ويخاف من الأموات خصوصاً في الليل وفي الخلوة مع أن العقل يحكم بأن ظلمة
الليل لا تؤثر في شئ وكذلك الخلوة، ليس لها أثر والأموات لا تضرّ ومع ذلك يتجنّب
حكم العقل ويمشي على قدم الوهم ولكنّه إذا حشر مع الأموات مدة وبات معها في المواقع
الموحشة وبإقدامه في هذه الأمور أوصل الحكم العقلي إلى القلب ورافق القلب العقل
فيحصل له بالتدريج مرتبة الاطمئنان ولا يرتجف قلبه بوجه ويقدم على الأمر بالشجاعة،
وكذلك حال جميع الحقائق الدينية والمطالب البرهانية اليقينية فان
[50]
مرتبة الإدراك العقلي فيها غير مرتبة الإيمان والاطمئنان وطالب الحق والباحث عن
الحقائق ما لم يصل إلى هذه المرتبة بالرياضة العلمية والعملية والتقوى الكاملة
العملية والقلبية لم يكن صاحب القلب ولم تحصل له المرتبة الأولى للقلب التي هي من
اللطائف الإلهية ولم يخلع بخلعة الإيمان بل بمقتضى الحديث الشريف ((الصلاة معراج
المؤمن)) والحديث الشريف ((الصلاة قربان كل تقي)) من الممكن أن الإنسان ما لم يصل
إلى مرتبة الإيمان والتقوى لا تكون الصلاة له معراجاً ومقرّباً ولم يشرع غي السلوك
إلى الله أصلاً بل هو مقيم في بيت النفس لم يبرح.
وطائفة أخرى هم الذين أوصلوا هذه الحقائق إلى مرتبة القلب ووصلوا إلى مقام كمال
الاطمئنان، وبالإضافة إلى ذلك وصلوا إلى مرتبة الكشف والشهود بالمجاهدات والرياضات
فيدركون الحقائق بالعين الملكوتية والبصيرة الإلهية مشاهدة حضوريّة وبالحضور
العيني.
ولهؤلاء السلاّك أيضاً مراتب يخرج تفصيلها عن مجال هذه الأوراق.
وحضور القلب في العبادة لهذه الطائفة من أهل الشهود والكشف أن يشاهدوا عياناً جميع
الحقائق التي تكون صورة العبادة كاشفة عنها والأسرار التي تكون أوضاع العبادة
وأقوالها مظاهرها
[51]
فتنكشف الحجب السبعة لهم عند التكبيرات الافتتاحية ويخرقونها. وفي التكبير الآخر
تكشف لهم سبحات الجمال والجلال بما يناسب قلوبهم فيردون المحامد إلى الله
بالاستعاذة من الشيطان القاطع للطريق وبتجلي اسم الله الجامع كما تأتي الإشارة إليه
في محله إن شاء الله.
وإذا وصل السالك إلى هذا المقام فيرد مقاماً آخر من مقامات حضور القلب وهو حضور
القلب في المعبود، وله أيضاً مراتب كثيرة وهي بالطريق الكلّي وبصورة إجمالية ثلاثة
مقامات: أحدهما حضور القلب في التجلي الفعلي للمعبود وهو عبارة عن أن يعلم الإنسان
بقدم الفكر والبرهان أنّ من منتهى النهاية للحقائق المجردة العقلية إلى آخر
التنزّلات لحقيقة الوجود تعيّنات للوجود المنبسط الذي هو الفيض الإشراقي والتجلّي
الفعلي للحق، وهذا التجلّي الفعلي مقام العلم الفعلي للحق الذي هو نفس الحضور في
المحضر الربوبي على مذهب العظماء من الفلاسفة. وأن الشيخ الجليل الإشراقي والفيلسوف
العظيم الشأن الطوسي قدس سرّه يرى العلم التفصيلي بالموجودات للحق تعالى عبارة عن
هذا التجلّي الفعلي، وان كان حصر العلم التفصيلي بهذا المقام على خلاف التحقيق، لكن
أصل المطلب، أي أنّ العلم الفعلي للحق بالموجودات تفصيلاً عبارة عن الفيض المقدس
صحيح ومطابق
[52]
للبرهان والعيان، فإذا حصّل أحد هذا العلم برهاناً تحصل له الرتبة الأولى من حضور
القلب في المعبود وهي أن يكون في جميع الأوقات وخصوصاً وقت العبادة الذي هو وقت
الحضور ملتفتاً إلى أن العالم جميعه محضر ربوبي وجميع الموجودات هي نفس الحضور في
المحضر المقدس، وأن الحركات والسكنات والعبادات والطاعات والمعاصي والمخالفات كلها
تقع في محضر الحق وحضرته المقدسة، ومن حصلت له هذه العقيدة صدقاً فإنه يمتنع عن
المخالفة فطرةً بمقتضى الفطرة الإلهية وهي احترام المحضر وحفظ الحضور لأن احترام
المحضر وأدب الحضور من الفطرة الإلهيّة التي فطر الإنسان عليها خصوصاً إذا كان
المحضر محضر الكامل العظيم الجميل المنعم. فإن احترام كل منها مكتوب على وجه
الاستقلال في كتاب الفطرة الذي هو أفصح الكتب الإلهية.
وأمّا نحن فإن لم نحافظ على أدب الحضرة مع العلم بهذه الحقيقة فذلك لأنّ علمنا لم
يتجاوز حد الإدراك والعقل، ولم يصل إلى مقام الإيمان والقلب كما أشير إليه وإلاّ
فالإنسان مجبول ومفطور على الموافقة بالفطرة.
وبالجملة، المرتبة الأولى من حضور القلب في المعبود أن يعلم بالعلم البرهاني أن
العالم محضر للربوبية، ويرى عبادته وجميع حركات باطنه وظاهره عين الحضور ونفس
المحضر. ومن المعلوم أن الثناء من