>
مختصر الاجزاء
الثلاثة لمعالم المدرستين
السيد مرتضى العسكري
المقدمة
الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واصحابه المنتجبين.
الاسلام رسالة العلم والمعرفة، الهدى والرشاد، والحكمة والموعظة الحسنة، رسالة الكلمة الطيبة والحوار العلمي البناء، القائم على اساس مطارحة كل الافكار وانتخاب الاحسن منها، الاكثر صحة ومطابقة للواقع والذي يدعمه الدليل والبرهان، العقل والوجدان، بهذا جاء القرآن الكريم:
(والذينَ اجتَنَبُوا الطَّاغُوت أن يَعبُدُوها وَأنابُوا إلى اللّهِ لهُمُ البُشرَى فَبَشِرْ عِبادِ * الذِينَ يَستَمِعَونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أحسَنَهُ أُولئكَ الذِينَ هَداهُمُ اللّه وَأولئكَ هُمْ أُولُوا الالبَابِ) (الزمر / 17 ـ 18)
وبنأً على ذلك فان اسلوب القرآن في التعامل مع مختلف الناس مؤمنين به كانوا أم كافرين، هو اسلوب الحوار الايجابي والدعوة إلى التفكير الهادئ ومحاكمة الافكار والاراء بميزان الحق حتّى ان القرآن كان يطرح فكرة الحق في مجال البحث والحوار على أساس متساو مع الافكار الاخرى ثمّ يدعو كل فكر لاثبات صحته وسلامته، لذا فهو يقول:
(وَإنَّا أو إيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أو في ضلالٍ مُّبِينٍ) (سبأ / 24)
وإذا كان هذا هو منطق القرآن الكريم في الحوار والبحث مع الاخرين الذين يختلفون معه، فكيف يجب ان يكون منطق الحوار والتفاهم بين المسلمين الذي تجمعهم عقيدة التوحيد ويتبعون الرسول الكريم (ص) ويستظلون براية الاسلام العظيمة؟ كيف يتم بحث مسائل الخلاف التاريخية والفكرية وكيف يتفهم البعض رأي البعض الاخر، وكيف يختارون الاراء والافكار الاكثر انسجاما مع دينهم ورسالتهم،؟ لاشك اننا نختار الحوار الموضوعي البناء في أجواء المحبة والمودة والاخوة الاسلامية بعيدا عن التعصب والكبر والخصومة واجواء العداء والتي هي توأم الجاهلية والعمى ولا تلتقي في أي صعيد مع الايمان والمعرفة واخلاق الاسلام وإذا ما اختلف بعضنا مع بعض في امر فهما يلتقيان في الكثير من الامور، ولا معنى للتقاطع والتهاجم في عالم يتجه نحو التواصل والتلاحق الفكري والثقافي بين مختلف تياراته وحضاراته. ولابد من اجل تعميق التفاهم وتأصيل الحوار البناء من اعتماد الدراسات العلمية والموضوعية التي تهيأ للقارئ جوا فكريا هادئا ومناخا ثقافيا مناسبا للبحث والتأمل، وكان كتاب (معالم المدرستين) للعلامة العسكري من خيرة الكتب التي بحثت مسائل الخلاف العقائدية والتاريخية بعمق وبموضوعية وهي ميزة عامة اتسمت بها كتب وابحاث المؤلف والتي استطاعت معالجة قضايا حساسة بعيدا عن الانفعال أو الاثارة، خصوصا انها ارتكزت إلى ادلة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وإلى حقائق التاريخ الثابتة، وتترك للقارئ الكريم مساحات واسعة من حرية التفكير والمشاركة الفعالة في استنتاج النتائج.
وقد لاقى كتاب معالم المدرستين بأجزائه الثلاثة استقبالا واسعا من المحافل العلمية والقراء الكرام في شتى البلاد حتّى طبع ونشر خلال فترة وجيزة لعدة طبعات في لبنان ومصر وايران وقدّر كمنهج دراسي في عدد من المجاميع والمدارس العلمية، وظهرت الحاجة إلى تكثيف مادة الاجزاء الثلاثة واختصارها في جزء واحد حتّى يتسنى دراسة ومراجعة الكتاب لسنة دراسية واحدة ويسهل تداول الكتاب مع الالتزام بالمضمون العلمي للكتاب الام وقد تفضل
باعداد المختصر السيد سليم الحسني فكان جهدا مشكورا تميز بالدقة والامانة العلمية وقد كانت للاستاذ الحسني جهود ثقافية أخرى لاقت القبول والاستحسان.
وشركة التوحيد للنشر إذ تقدم هذا الكتاب ترجو ان تنال موضوعاته من لدن القراء الكرام الدراسة والعناية المطلوبين هادفين في ذلك خدمة الفكر الاسلامي واثراء النتاج الثقافي للمسلمين.
واللّه من وراء القصد وهو ولي التوفيق
الناشر
بحوث تمهيديّة
ـ 1 ـ
توطئة
شرّع اللّه للانسان الاسلام نظاماً مناسباً لفطرته، وهداه بواسطة أنبيائه (ع) وكان كلّما توفّي نبيّ وغيّرت أُمّته شريعته، جدّد اللّه دينه بإرسال نبيّ جديد.
واقتضت حكمته ختم الشّرائع بشريعة خاتمهم، فحفظ أصول الاسلام بحفظ القرآن من الزّيادة والنقصان أبد الدهر، وجعل بيان الاحكام وشرحها في سنّة رسوله (ص) ولم يحفظها مثل القرآن من الزيادة والنّقصان، ولم يعصم رواتها عن السّهو والنسيان، ولم يعصم نسّاخ كتب الحديث من الخطأ والزلل.
ومضى على رواية سنّة الرسول (ص) أربعة عشر قرناً وتداول المسلمون من روايات الرسول (ص) سيرة وحديثاً ما تعارض بعضه مع بعض الشيء الكثير، مع وجود المجمل والمفصَّل والعامّ والخاصّ فيها، بالاضافة إلى انتشار أخبار أهل الكتاب في مصادر الدراسات الاسلامية مثل كعب الاحبار وتميم الداري، والروايات والاخبار التي وضعها زنادقة أمثال ابن أبي العوجاء وسيف بن عمر. كل ذلك أدى إلى اختلاف اجتهادات المجتهدين في ترجيح بعضها على بعض، مضافاً إلى اجتهاداتهم الخاصة في مختلف معارف الاسلام وأحكامه.
فتعصب كلُّ لارائه، فتكونت لكلّ فرقة رؤية خاصّة للاسلام أَوّلت بموجبها آيات متشابهات في كتاب اللّه الكريم، وحملت عليها آيات محكمات أخرى.
* * *
وهكذا انقسم المسلمون إلى فرق ومذاهب، ومضت عليهم قرون طويلة كفّر خلالها المسلمون بعضهم بعضاً، وقتلت كلّ فرقة من خالفها في الرأي أحياناً، وهدّمت ديارهم ! فكيف يمكن توحيد كلمة المسلمين مع وجود هذه المفارقات، ووجود مسائل الخلاف بينهم ممّا أوردنا أمثلة منها في ما سبق؟ لا، لن يتمّ التقارب بين المسلمين هكذا، ومع بقائهم على تقليد اجتهادات السّلف، فلابدّ للمسلمين أن تبدي كلّ طائفة منهم ما لديها من رؤى للاسلام وتأويل للقرآن وحديث مرويّ واجتهادات للسّلف نشأ منها الخلاف، على شرط أن يتمّ ذلك بأسلوب الدعوة إلى الحقّ والبحث العلميّ الرصين، دون الرُّكون إلى السُّباب والشتائم والافتراء انتصاراً لرأيها وطائفتها ـأعاذنا اللّه من ذلكـ ثمّ الاستماع بتجرّد إلى ما لدى الطّوائف الاخرى كذلك، والحقيقة بنت البحث.
والسّبيل الصّحيح للوصول إلى ذلك، أن يبادر علماء المسلمين إلى تلك الدراسات بتجرّد علميّ بحت، ثمّ تعرض نتائج تلك الدراسات على الاندية العلميّة الاسلاميّة الكبرى، مثل الجامع الازهر الشريف في القاهرة، والجامعة الاسلامية في المدينة المنوّرة، ورابطة العالم الاسلامي في مكّة المكرمة، والجوامع الاسلاميّة الكبرى في النجف الاشرف وقم وخراسان والقيروان والزيتونة، لبحثها وتمحيصها. ثمّ لتنشر بعد ذلك حكومات البلاد الاسلاميّة ما تتمخّض عنه دراسات تلك الجامعات بين المسلمين كافّة ليتسنّى لجميع المسلمين من أراد منهم أن يفهم رأي غيره تفهماً واعياً لا لبس فيه ولا غموض ولا نبز، وله بعد ذلك أن يتقبّل رأي غيره بقبول حسن، أو يعذر أخاه المسلم في ما اتّخذ له من رأي. وهكذا يتيسّر للمسلمين أن يتفهّم بعضهم بعضاً ويتقاربوا ويوحّدوا جهودهم في ما يصلح لهم(1).
ومن الضروريّ في هذا السبيل أن يبدأ بالبحث عن مصادر الشّريعة الاسلامية وكيفيّة أخذ المسلمين منها وسبل الوصول إلى السنّة النبويّة.
وللوصول إلى هذا الهدف الجليل قمت مستعيناً باللّه تعالى بتأليف هذا الكتاب.
ـ 2 ـ
من آثار الخلاف بعض ما شاهدت
بين أبناء الاُمّة الاسلاميّة
اِعتمدت في ما أشرت آنفاً من تكفير المسلمين بعضهم بعضاً، وما سأذكره منها في ما يأتي، مع أنواع من استدلالهم، إضافة إلى ما ورد في الكتب المطبوعة، على مشاهداتي في أسفاري إلى البلاد الاسلاميّة واجتماعي بعلماء فِرَقِ المسلمين ومفكِّريهم وأبناء شعوبهم، وخاصّة في سفراتي العشر لحجّ بيت اللّه الحرام.
في السفرة الاُولى:
وكان ممّا رأيت في سفري الاوّل للحجّ على عهد الملك عبدالعزيز آلسعود: أنَّ رَكْبَنا ـركْبَ الحاجّ العراقيـ عندما بلغ مدينة الرماح من بلاد الحكومة السعودية، مكثنا فيها أربعاً وعشرين ساعة، واشتركنا جميعاً في أداء الفرائض جماعة بمسجدهم. ولمّا دنت ساعة الرحيل، اجتمع علينا لفيف من أهالي المدينة يشاهدون رحيلنا، فحضر حشدهم من بدا عليه أنّه كان من ذوي معرفتهم، وخطب فيهم وأشار إلى أفراد الحاجّ وقال:
وهؤلاء مشركون. وقال أيضاً: هؤلاء يبكون على الحسن والحسين.
ثمّ أشار إليَّ وقال:
هذا مطوِّعهم لو يطيح بِيدي أَذبَحو وألطع دَمُّو.. فانبرى له أحد الحجّاج وقال:
لماذا نحن مشركون نحن حججنا بيت اللّه، زرنا قبر النبيّ...!؟ فإذا به يرعد ويزبد ويقول له:
أشركت، لو يجي أبو أبو سعود ما يحامي عنك. ويش محمد؛ محمّد رِجّالاً مثلي.
(أي لا يستطيع الملك بسلطته ولا يستطيع جدّه سعود أن ينجيك منّي. وأيّ شيء كان محمداً، محمّد كان رجلاً مثلي وقد مات وانتهى أمره).
فارتعد الحاجّ العراقي وقال:
ماذا أقول؟ ماذا أقول؟ فقال له:
قل ما هو ضار إلاّ اللّه، ما هو نافع إلاّ اللّه. فردّد الحاجّ ما لقّنه إيّاه. فانبرى له حاج عراقي آخر وقال له:
محمّد رجّالاً مثلك!؟ فأكّد قوله ثانية وقال:
محمّد رجّالاً مثلي، مات! فقال له الحاجّ:
محمّد نزل عليه القرآن فهل ينزل عليك القرآن؟ فلم يحر جواباً، وبادرنا ركوب السيّارات وتحرّكت بنا.
وكان في ركبنا حاجّ يحمل جواز سفر سعوديّاً ويسكن العراق. فلمّا بلغنا الحدود وشاهده موظّف الجوازات السعوديّ، انتهره وقال له مستهزئاً ومستنكراً:
تترك بلاد الاسلام وتسكن بلاد الشرك!؟
فأخذ الحاجّ السعودي يتذلل له ويتخشّع له ويطلب جواز سـفره، حتّى أعاده إليه!!
في السفرة الثّانية:
كان علماء العراق يومذاك يحملون همّ إعادة الاحكام الاسلاميّة إلى
المجتمع، يوقظون أبناء الامّة الاسلاميّة في سبيل المطالبة بها، في مساجدهم واحتفالاتهم ومهرجاناتهم، ويعارضون السّلطة في تشريعها قوانين مخالفة للاحكام الاسلاميّة. وكنّا نتنسّم أخبار تحرّكات المسلمين في هذا السبيل في أيّ مكان كان، نؤيد ثورة الجزائر على فرنسا وندعم الثورة الفلسطينية بكلّ ما أُوتينا من حول وقوّة، ونستطلع أخبار الثورة الاريتيرية على الاحباش، ونرى من لوازم نجاح المعركة في سبيل إعادة الاحكام الاسلاميّة توعية المسلمين في هذا السبيل ثمّ تكاتفهم وتعاونهم في هذا الصدد ونسيان مسائل الخلاف في ما بينهم.
ولمّا نشبت المعركة الاسلاميّة في إيران بين سلطة الطاغوت وعلماء المسلمين يومذاك بدءاً بمعركتهم من المدرسة الفيضية في الجامعة الاسلاميّة الكبرى بقم، في اليوم الخامس والعشرين من شوال سنة 1382ه، استبشرنا بها
خيراً، وحشّدنا كلّ طاقاتنا لمساعدتها، وجنّدنا أنفسنا لخدمتها، فقام علماء العراق بكلّ ما أُوتوا من حول وقوّة بتأييدها، جزاهم اللّه جميعاً خيراً.
وكنتُ ممّن أقام الحفلات التأبينية، وأقمتُ ثلاث ليالٍ حفلة تأبينية كبرى في بغداد، أُلقيتْ فيها خطب توجيهية توضِّح أبعاد المعركة الاسلاميّة في إيران وآثارها ومغزاها.
في مثل هذا الظرف سافرت إلى الحجّ وأنا أحمل معي شعاراً واُطروحة، شعاري الدعوة لتوحيد كلمة المسلمين في سبيل إعادة حياة إسلاميّة في البلاد الاسلاميّة، وأُطروحتي: النهضة الاسلاميّة المتمثّلة بالنهضة الاسلاميّة الّتي بدت طلائعها في إيران من قبل علماء المسلمين. وكنت أبذل الجهد في شرح دوافعها لقادة المسلمين ومفكّريهم واستنهاضهم لمساعدتها وبيان أنّ معركة المسلمين في سبيل إعادة الاحكام الاسلاميّة واحدة، وأنّه إذا نجحت المعركة في أي بلد إسلامي، فإنّه ستنتشر آثارها إلى غيرها، ويعمّ المسلمين خيرها، وكلّي أمل ورجاء أنّي سوف أجد أُذناً صاغية لما أعرض من مأساة المسلمين في إيران، مع بيان وحدة القضيّة ووحدة المصير.
اِجتمعت في هذه السفرة بقادة الاخوان المسلمين في سوريا وسعيد رمضان بمكّة، ومحمّد آدم رئيس الثورة الاريتيرية، في موقف عرفات، ومثقّفي الفلسطينيين في الاردن وبيت المقدس ومحرّري الصحف الاسلاميّة وعلماء المسلمين وخطبائهم وقادة الحركات الاسلاميّة، أمثال أبي الحسن الندوي وأبي الاعلى المودودي رئيس الجماعة الاسلاميّة بباكستان يومذاك، إلى غيرهم.
بدأت عملي في المدينة بالمساهمة في كتابة النشرات الّتي كانوا يعدُّونها للتوزيع على الحجيج، فأجريتُ تعديلات على صيغ النشرات، شرحنا فيها أبعاد النهضة الاسلاميّة في إيران وبيّنّا ظلم حكومة الطاغوت وعمالتها لدول الكفر، نستنهض فيها المسلمين لاعانة أبناء الامّة الاسلاميّة في إيران، ورجّحت توزيعها ليلة العيد على الحجّاج في المشعر الحرام، غير أنّي بوغتُّ مساء السابع من ذي الحجّة في مكّة المكرمة بأنّ الشّيخ المسؤول عن توزيعها وزّع بعضها في الحرم المكّي الشريف فأُلقي القبض عليه وزجّ في السجن وحُجزت النشرات كافّة.
فاجتمعنا نحن علماء العراق وإيران يوم العيد بوليّ العهد فيصل، يومذاك، نطلب منه إطلاق سراح الموقوف والنشرات المحجوزة، فاغتنمت الفرصة وقلت:
إنّ حكومتهم رفعت شعار تنفيذ أحكام القرآن في هذا البلد، وعليه يقتضي أن تعينوا المسلمين الّذين يجاهدون في سبيل تطبيق أحكام القرآن في بلادهم ويصطدمون بحكومات بلادهم الّذين يريدون تنفيذ أحكام الكفر، وأن تجعلوا من البلد الحرام ملجأ للمشردين منهم وتساعدوهم في شرح ظلامتهم لاخوانهم الحجيج، وذلك هو مصداق قوله تعالى:
(لِيَشْهَدوا منافِعَ لَهُم).
ثمّ ذكرت قيام علماء المسلمين في الجامعة الاسلاميّة الكبرى بقم وأسهبتُ في شرح أبعاد النهضة الاسلاميّة الطالعة بإيران، وواجب قادة المسلمين خاصّة الحكومة السعودية تجاهها، وختمت حديثي بشرح قضية العالم الّذي وزّع نشرات التظلّم على المسلمين وتوقيفه، وجرت حول ذلك بيننا مناقشات، أدّت إلى إطلاق سراح الموقوف.
ونشرت الصحف بعد أداء المناسك ورجوعنا إلى مكّة دعوة للحضور في المسجد الهندي بمكّة مساء الجمعة للاستماع إلى خطبة الاستاذ المودودي.
فحضرنا الاحتفال بعد صلاة العشاء وألقى الاستاذ المحاضر خطبةً(2) ذكر فيها ثمانية أمور تلزم المسلمين لاعادة الحياة الاسلاميّة إلى المجتمع، وتقدّمت بعده خلف المذياع وخطبت معلقاً على خطابه وقلت:
إنّ المسلمين في نهضتهم اليوم بحاجة إلى ثلاثة أمور:
أوّلاً ـ إنّ المسلمين بعد مضيّ أربعة عشر قرناً من بعثة الرّسول
الاكرم(ص) والظروف الّتي مرّت عليهم بحاجة إلى دراسة موضوعية مستوعبة لكيفيّة استنباط الاحكام من مصادر الشريعة الاسلاميّة ودراية الحديث وفقه السنّة وترك البقاء على تقليد العلماء السلف في كلّ ذلك.
ثانياً ـ إنّ الغزاة الكفرة لبلاد الاسلام ـالمستعمرينـ استطاعوا أنْ يُشتِّتُوا كلمة المسلمين وبذلك استطاعوا أن يقضوا على كلّ حركة إسلاميّة في أي مكان تظهر. ثمّ شرحت ثورة الجزائر ضدّ الفرنسيّين، والاريتيريّين ضدّ الاحباش، وعلماء إيران ضدّ الطاغوت العميل، وأسهبت في الشرح واستنهضت همم المسلمين لمساعدتهم.
وذكرت ثالثاً أنّنا اليوم بحاجة إلى إيمان كإيمان أبي ذرّ وعمار وسميّة، وشرحت ما تحمّلوا من الاذى على أرض مكّة الّتي نحن عليها في سبيل الاسلام.
* * *
وفي المدينة المنوَّرة بلغ عميد الجامعة الاسلاميّة الشيخ عبدالعزيز بن باز خبر لقاءاتي بالوفود الاسلاميّة وأنّ أحد علماء بغداد من وصفه كذا وكذا في المدينة المنورة، فظنّني من أتباع مدرسة الخلفاء ورغب في أن أزور الجامعة الاسلاميّة بالمدينة، وكانت جديدة التأسيس، وأرسل إلينا من سيّارات الجامعة ما حملتنا إليها مع بعض علماء بغداد ومثقّفيها ووجهائها، وكان أساتذتها قد اجتمعوا في بهو كبير بانتظارنا واستقبلونا فيه واحتشد على نوافذ البهو فريق من الطلاّب لمشاهدتنا. ولمّا استقرّ بنا المقام، بدأت بعد حمد اللّه والثناء عليه بتقديم تحايا علماء المسلمين في العراق لهم وتهانيهم بتأسيسهم الجامعة الاسلاميّة في المدينة المنوّرة ثمّ قلت:
إنّ رسول اللّه (ص) لما حلّ بهذا البلد بدأ بعقد التآخي بين المسلمين المهاجرين والانصار، وبنى على ذلك التآخي مجتمعه الاسلامي المجيد. وأنتم بوجود طلبة من خمس وأربعين دولة عندكم تستطيعون أن تقتدوا به وتقدّموا هذه الخدمة الجليلة للاسلام والمسلمين. والمسلمون اليوم بأمسّ الحاجة إليها، فإنّهم في شتّى أصقاع الارض ابتلوا بالاستعمار الغازي الكافر؛ منهم من يئنّ تحت وطأته مباشرة، ومنهم من يسيطر عملاؤه عليهم وبدأوا اليوم يجاهدون الاستعمار وعملاءه. فهذي الجزائر يجاهد مسلموها فرنسا ويجري عليهم ما يجري وفي أريتيريا يجاهد ثوارها هيلاسيلاسي إمبراطور الحبشة ويجري عليهم ما يجري وعلماء المسلمين في إيران يجاهدون الطّاغوت وسيّده المستعمر ويكافحون لطرد أقسى استعمار كافر على وجه الارض لاعادة الاحكام الاسلاميّة إلى البلد الاسلامي وجرى عليهم كذا وكذا...
قلتُ هذا بعد أن أفضتُ في الحديث عن مآسي التفرقة بين المسلمين، وضربت الامثال لذلك وأتممت الحديث، وجاء دور مضيفي الشيخ بن باز للحديث ـوكان قد أُنبئ بأنّي من أتباع مدرسة أهل البيت، وكان ضريراً لا يبصرـ فإذا به يتنحنح ثمّ يقول بالحرف الواحد:
أنتم مشركون! أسلموا، ثمّ اطلبوا من المسلمين أن يتّحدوا معكم.
فثار الدّم في عروقي واشتركت معه في نقاش طويل وذكره خارج عن الصدد(3).
* * *
استمعتُ في سفراتي إلى الحجّ إلى خطباء الجمعة والجماعة في مكّة والمدينة، واشتركت في النّقاش أحياناً مع الخطباء بين صلاتي المغرب والعشاء بمسجد الخيف، وحضرت ندوات رابطة العالم الاسلامي بمكّة مستمعاً واجتمعت في أسفاري بعلماء مصر وخاصّة الازهر الشريف وسائر بلاد المسلمين في لبنان وبلاد الخليج والهند وباكستان وكشمير وغيرها وطارحتهم الحديث. وسمعت أحياناً ما لا يصلح نقله اليوم وأدركت من خلال مطارحاتي مع مفكّري المسلمين وعلمائهم وقادتهم ـولا ينبّئك مثل خبيرـ أنّه لن يتحقّق أيّ تقارب أو تفاهم بين المسلمين دون تدارس مسائل الخلاف والبحث
عن منشئها ثمّ المبادرة إلى علاجها، وإذا كان لابدّ لنا من معرفة منشأ الخلاف في مسائل الخلاف من أجل علاجها، فسنذكر في ما يأتي أمثلة منها، ثمّ نختم البحوث بما ينبغي أن نعمله في سبيل علاج مسائل الخلاف بحوله تعالى.
ونبدأ بذكر مسائل الخلاف حول بعض صفات اللّه عزّ اسمه.
ـ 3 ـ
بعض صفات اللّه جلّ اسمه
ومنشأ الخلاف حولها
في المسلمين من يرى أنّ اللّه:
خلق آدم على صورته(4)، وأنّ له أصابع(5) وساقاً(6) وقدماً.
وأنّه يضع قدمه يوم القيامة على نار جهنّم أو على جهنّم فتقول: قطّ، قطّ، قطّ(7).
وأن له مكاناً، وأنّه ينتقل من مكان إلى مكان، وذلك لما رووا أنّ رسول اللّه قال:
إنّ عرشه على سماواته كهكذا ـ وقال بأصابعه مثل القبّة عليهـ وإنّه ليئط به أطيط الرحل بالراكب(8).
وأنّه قال: ينزل اللّه في آخر الليل إلى السماء الدنيا فيقول: من يسألني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه...(9).
وأنّه قال:
إنَّكم سترون ربّكم عياناً(10).
وأنّ رسول اللّه (ص) قال:
بينا أهل الجنّة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فَرَفعوا رؤوسهم، فإذا الرّبّ قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنّة!! قال:
وذلك قول اللّه: (سلامٌ قولاً من ربٍّ رَحيم). قال: فينـظر إليهـم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم، ماداموا ينظرون إليه، حتّى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته(11).
نكتفي بإيراد ما أوردنا من الاحاديث الكثيرة الوفيرة في صفات أعضاء اللّه ورؤية العباد ربّهم يوم القيامة، لانّنا بصدد ضرب المثل لبيان منشأ الخلاف، ولسنا بصدد الاحصاء. وندرس في ما يأتي الخلاف حول تأويل هذه الاحاديث.
الخلاف على تأويل تلكم الاحاديث
في المسلمين من يؤمن بظواهر تلك الاحاديث ويرى الايمان بها إيماناً باللّه ودليلاً على القول بتوحيده تعالى، ويسمّون من يؤوّلها إلى غير معنى الجسميّة بمعطّلة الصفات، أي معطلة صفات اللّه.
وقد دوّن مسلم تلك الاحاديث في كتاب الايمان من صحيحه والبخاري في كتاب التوحيد من صحيحه.
وألّف ابن خزيمة كتاباً سمّـاه: (التوحيد وإثبات صفات الرّب عزّ وجلّ الّتي وصف بها نفسه في تنزيله وعلى لسان نبيّه، نقل الاخبار الصحيحة نقل العدول عن العدول من غير قطع في إسناد ولا جرح في ناقلي الاخبار الثقات)(12).
وألّف الذهبي كتاب (العُلوّ العال للعَليّ الغفّار)(13) أورد فيه الايات
والاحاديث الّتي يفهمون منها أنّ مكان اللّه في العلوّ المكاني، ثمّ ذكر أقوال الصّحابة والتابعين والعلماء والمحدّثين في تأييد ذلك.
منشأ الخلاف حول بعض صفات اللّه ورؤيته
في المسلمين من درسنا آراءهم في صفات اللّه المذكورة. وفيهم من يتلو في ردّ تلكم الاقوال قول اللّه تعالى: (لا تُدركه الابصار وهو يُدرك الابصار) الانعام/103.
ويقول: إنّ قول اللّه: (وُجوهٌ يومئذٍ ناضِرة إلى رَبّها ناظِرة)، أي: إلى أمر ربّها ناظرة، أي: منتظرة، وذلك مثل قوله تعالى في حكاية قول أولاد يعقوب لابيهم:
(واسألِ القريةَ الّتي كُنّا فيها) يوسف/82. أي: واسأل أهل القرية، قدّر في تلك الاية (أمر) وفي هذه الاية (أهل)، وهكذا تؤوّل سائر الايات الّتي ظاهرها يدلّ على أنّ اللّه تبارك وتعالى جسم.
ويسمّون أهل تلك الاقوال بالمجسّمة والمشبّهة أي الّذين يشبّهون ربّهم بمخلوقاته ويقولون إنّه جسم.
ويستشهدون بقول الامام علي (ع):
إنّ اللّه لا ينزل، ولا يحتاج أن ينزل؛ وإنّما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص وزيادة، وكلّ متحرّك يحتاج إلى من يحرّكه أو يتحرّك به، فاحذروا في صفاته من أن تقضوا له على حدّ تحدّونه بنقص أو زيادة، أو تحريك أو تحرّك، أو زوال أو استنزال، أو نهوض أو قعود(14).
وقال الراوي للامام عليّ بن موسى الرضا (ع):
إنّا روينا أنّ اللّه عزّ وجلّ قسّم لموسى الكلام ولمحمد الرؤية. فقال أبو الحسن الرّضا (ع): فمن المبلّغ عن اللّه عزّ وجلّ إلى الثقلين الجنّ والانس: (لا تُدركه الابصار وهو يُدرك الابصار) و(ولا يُحيطون به عِلماً) و(ليسَ كمثلهِ شيء) أليس محمداً (ص)؟ قال: بلى، قال: فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه وأنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه ويقول: (لا تُدركه الابصار...) ـ الايات، ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً وهو على صورة البشر!؟ أما تستحون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا، أن يكون يأتي عن اللّه بشيء ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر.
قال الراوي: فإنّه يقول: (لقد رآه نزلةً أُخرى) فقال أبو الحسن (ع): إنّ بعد هذه الاية ما يدلّ على ما رأى حيث قال: (ما كذبَ الفؤادُ ما رأى) يقول: ما كذّب فؤاد محمد (ص) ما رأت عيناه. ثمّ أخبر بما رأى فقال: (لقد رأى من آيات ربّه الكُبرى) فآيات اللّه عزّ وجلّ غير اللّه، وقد قال: (ولا يُحيطونَ بهِ عِلماً) فإذا رأته الابصار، فقد أحاطت به العلم، ووقعت المعرفة. فقال أبو قرّة:
فتكذِّب بالروايات؟ فقال أبو الحسن (ع): إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذّبت بها...(15).
وهكذا بيَّن أئمة أهل البيت (ع) تفسير الايات وكشفوا عن المقصود من السّاق واليد والعرش ونظائرها في الايات الكريمة.