لقد تجلّت الحقيقة بأجلى مظاهرها ، وهي أصفى من أن تكدّر صفوها الشبه ، ومن قرأ فصول هذا الكتاب بامعان وتأمل لوقف على أن ّ
[117]
الحق مع النافين للرؤية ,انّه ليس للمثبتين دليل عقلي ولا نقلي .
أما العقل : فهو مخالف مع القول بالرؤية ، فلا يجتمع التنزيه من الجهة مع القول بالرؤية ، كما لا تنفك الإحاطة بالرب بعضاً أو كلاً عن القول بها .
وأما النقل : فليس إلا ظهزرات بدائية بعد التأمل .
غير أن هنّاك مطالب متفرقة لا يجمعها فصل واحد نشير إليها منفصلة عما مضى من البحث :
الأول : أن أكثر من طرح مسألة الرؤية فإنما بحث عنها بدافع روحي ، وهو إثبات عقيدته والتركيز على نحلة طائفته ، ولذلك ربّما انتهى البحث والدراسة عند بعضهم إلى الخروج عن الأدب الإسلامي .
وهذا هو العلاّمة الزمخشري يشبه أهل الحديث والحنابلة القائلين بالرؤية بما في شعره ويقول :
جماعة سمّوا هواهم سنةً وجماعة حمر لعمري مؤكفة
قد شبّهوه بخلقة وتخونوا شنع الورى وتستروا بالبلكفة (1) .
إن ما ذكره في البيت الثاني وإن كان حقاص فإن القول بالرؤية لا ينفك عن التجسيم والتشبيه ، والقول بأنه جسم بلا كيف أو أنه يرى بلا كيف مهزلة لا قيمة لها ، لما عرفت من أن الكيفية محققة لمفهوم الرؤية بالبصر ، كما أنها محققة لمفهوم اليد والرجل ، فاليد بالمعنى اللغوي بلا كيفية أشبه بأسد لا رأس له ولا بطن ولا ذنب .
________________
1ـ الكشاف 1: 576 ط مصر ، في تفسير قوله : ( ولما جاء موسى لميقاتنا )
[118]
ولكن بيته الأول لا يناسب أدب الزمخشري الذي تربى في أحضان الإسلام والمسلمين وخالط القرآن جسمه وروحه .
ولمّا أثار هذا الشعر حفيظة الأشاعرة وأهل الحديث قابلوه بمثل ما قال ، فقد قال أحمد بن المنير الاسكندري في حاشيته على الكشاف باسم الانتصاف :
وجماعة كفروا برؤية ربهم حقاً ووعد الله ما لن يخلفه
وتلقبوا عدلية قلنا أجل عدلوا بربّهم فحسبهم سفه
وتلقبوا الناجين كلاّ إنهم إن لم يكونوا في لضى فعلى شفه
إن البادي وإن كان أظلم ولكنهما كليهما خرجا عن مقتضى الأدب الإسلامي ، فالمسلم ما دام له حجة على عقيدته ولم يكن مقصراً في سلوكها لا يحكم عليه بشيء من الكفر والفسق ولا العقاب ولا العذاب .
وقد نصره تاج الدين السبكي بقوله :
عجباً لقوم ظالمين تلقبوا بالعدل ما فيهم لعمري معرفه
قد جاءهم من حيث لا يدرونه تعطيل ذات الله مع نفي الصفه
وتلقبوا عدلية قلنا نعم عدلوا بربهم فحسبهم سفه ( 1)
فيالله ماذا يعني تاج الدين السبكي من قوله : تعطيل الذات مع نفي الصفة ، فإن أحداً من المسلمين لا يعطل الذات عن الوصف بالعلم والقدرة والحياة والسمع ، نعم إن عنى من تعطيل الذات نفي وصفه سبحانه بالأوصاف الخبرية بمعانيها اللغوية ، كاليد والرجل والنزول
_______________________
1ـ الآلوسي ، روح المعاني 9: 52.
[119]
ووضع القدم في الجحيم ، فإن هذا ليس تعطيلاً ، بل مرجعه إلى التنزيه مع عدم التعطيل بجلها كناية المعاني الأخر ، تبعاً لأسلوب الفصحاء والبلغاء والذكر الحكيم ، كلام فصيح وبليغ ، ليس فوقه شيء فلا يعدّ مثل ذلك تعطيلاً ، نعم ، من يحاول وصفه سبحانه بهذه الصفات بمعانيها اللغوية ، ويقول : إن لله تبارك وتعالى يداً ورجلاً ونزولاً وحركة بالمعنى الحقيقي ولكن لا تعرف كيفيتها ، يحاول الجمع بين المتضادّين ، فإن مقتضى الحمل على المعاني اللغوية سيادة تلك المعاني على موردها ، ومقتضى نفي الكيفية نفي معانيها اللغوية ، فكيف يعدّون أنفسهم من المثبتين وأهل التنزيه من المعطلة .
ولا يقاس ذلك بوصفه سبحانه بالعلم والقدرة مع عدم العلم بالكيفية ، لأن الكيفية فيهما ليست مقومة لواقعهما ، فالعلم بمعنى انكشاف الواقع ، وأما كونه عرضا أو جوهرا حالاً أو محلاً فليست مقومة لمفهومه حتى يرجع نفي الكيفية إلى نفي واقع العلم ، وهذا بخلاف اليد فإنها بلا كيفية ليست يداً لغة .
وأظنّ أنّه لو انعقد مؤتمر علمي في جوٍّ هادىء واستعدّت الطائفتان للتأمل في براهين النافين والمثبتين لقلّ الخلاف وتقاربت الطائفتان .
نعم ، إنّ خلافاً دام قروناً لا ينتهي بإسبوع أو أشهر أو بعقد مؤتمر أو مؤتمرين ولكن الرجاء تقريب الخطى وعدم تكفير إحدى الطائفتين للطائفة الأخرى .
أوليس الأولى لنا ألاّ نقسّم رحمة ربّنا وعذابه وجحيمه بيننا كما
[120]
قسّمه الاسكندري في تعليقه على الكشّاف ، ونتركه إلى الله سبحانه فهو أعلم بمن هو في لظى أو شفه منه ، أو قريب من الجنّة : ( أهم يقسمون رحمة ربّك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتّخذ بعضهم بعضاً سخريّا ورحمت ربّك خير مما يجمعون ) ( الزخرف /32) .
***
الثاني : إنّ أكثر الباحثين في الرؤية يبحثون في مفهوم الرؤية لغة ، ويحشدون كلمات أهل اللغة من القدامى والجدد ، كما أنّهم يبحثون في واقع الرؤية علميّاً ، وهل هي بسقوط الشعاع من العين على الأشياء أو بالعكس ، مع أنّا في غنى عن هذه المباحث ، إذْ ليس البحث في المقام عن لغة الرؤية ولا في واقعها العلمي ، وإنما البحث في أمر اختلفت فيه كلمة الأمة ، ألا هو رؤية الله تعالى بالعين الآخرة ، وليس البحث في هذا الاطار متوقفاً على دراسة مفهوم الرؤية وواقعها ، وليس مفهومها أمراً مبهما حتى نستمدّ في تفسيرها من كتب اللغة .
وإن شئت قلت : إن البحث كلامي مركّز على إمكان رؤية الله بالعين في الآخرة وعدمه .
نعم ، من أراد الإستدلال على الجواز ببعض الأحاديث الماضية من أنّكم سترون ربّكم يوم القيامة … وشككنا في معنى الرؤية ، كان البحث عن مفهومها أمراً صحيحاً ، وقد سبق منّا أنّ محل النزاع هو إمكان الرؤية بالعين التي نرى بها الأشياء في الدنيا ، وأمّا الرؤية بحاسة خامسة أو بالقلب أو بالرؤيا فليس مطروحاً في المقام ، ولذلك استغنينا عن نقل
[121]
كلمات أصحاب المعاجم كالعين للخليل ، والجمهرة لابن دريد ، والمقاييس لابن فارس ، واللسان لابن منظور والقاموس للفيروز آبادي وغيرهم .
***
الثالث : لقد أخذنا على عاتقنا التمسك بالأدب الإسلامي في الدّراسة والتحليل ، ولكن ربّ حديث يسمعه الإنسان من آخر ربّما يجرّه إلى القسوة أو التجرؤ على المقابل ، وبدوري لما كنت أتفحّص الكتب والتفاسير حول المسألة رأيت أموراً من بعض المثبتين أشبه بالمهزلة ، مع أنّ القائل يعدّ من المفسرين الكّبار ، ويكال له بصاع كبير ، وإن كنت في ريب مما قلناه فاسمتع إلى قول الآلوسي :
قال : روى الدار قطني وغيره عن أنس من قوله صلى الله عليه وسلم : ( رأيت ربّي في أحسن صورة ) ومن الناس من حملها على الرؤية المنامية ، وإذا صحّ هذا الحمل فأنا والحمد لله رأيت ربي مناماً ثلاث مرات ، وكانت المرّة الثالثة عام 1246 هـ رأيته جلّ شأنه وله من النور ما له متوجّهاً جهة المشرق وكلّمني بكلمات أنسيتها حين استيقظت ، ورأيت مرّة في منام طويل كأني في الجنة بين يديه تعالى وبيني وبينه ستر حبيك بلؤلؤ مختلف ألوانه فأمر سبحانه أن يذهب بي إلى مقام عيسى عليه السلام ثم إلى مقام محمد صلى الله عليه وآله وسلم فذهب بي إليها فرأيت ما رأيت ولله تعالى الفضل والمنة (1) .
نحن لا نعلق على كلامه بشيء سوى أنّها إمّا كانت أضغاث أحلام
________________________
1ـ الآلوسي ، روح المعاني 9: 52.
[122]
ليس لها شيء من الحقيقة ولا شيء من الواقع ، أو أنها كانت صورة تفكير الرجل في يومه ونهاره حول تلك المسألة العقائدية فانعكس ما هو مخزون في نفسه على صفحات ذهنه في المنام .
أما آن للواعين من الأمة أن ينزهوا كتبهم من هذه الخرفات حتى لا يتخذها المادّي الغاشم ذريعة للسخرية والتهكم على الدين وأهله .
الرابع : إن النافين للرؤية يركزون على الروايات المثبتة حسب ادعائهم ، ولكنهم لا يركزون على الروايات النافية ، فإن هذه الروايات من غير فرق بين المثبتة والنافية وإن كانت روايات آحاد لا تفيد علماً في مجال العقائد ، ولكن مقتضى الانصاف الاستدلال بالرواية المخالفة أيضاً ، وإليك بعض ما ورد في هذا المضمار :
1ـ روى البخاري في تفسير قوله ( ومن دونهما جنتان ) عن عبد الله بن قيس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( جنتان من فضة آنيتهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيها وما بين القوم وبين أن ينظروا إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ) (1) .
2ـ روى مسلم عن أبي ذر قال : سألت رسول الله (ص) : هل رأيت ربك ؟ قال : ( نور أنا أراه) (2) .
ودلالة الحديث على إنكار الرؤية واضحة ، فإن الرسول ينكر الرؤية بأنه سبحانه ليس نوراً حتى أراه .
ــــــــــــــــــــ
1ـ البخاري ، الصحيح 6: 145 تفسير سورة الرحمن ( رقمها 55) .
2ـ مسلم ، الصحيح 1: 111 كتاب الإيمان .
[123]
نعم ، رواه مسلم بصورة أخرى أيضاً ، روى عن عبد الله بن شقيق قال : قلت لأبي ذر : لو رأيت رسول الله (ص) لسألته ، فقال : عن أي شيء كنت تسأله ؟ قال : كنت أسأله هل رأيت ربك ؟ قال أبو ذر : قد سألت فقال ( رأيت نوراً) (1).
ولعل المراد ما رأيت سبحانه وإنما حجابه كما في الحديث التالي :
3ـ روى مسلم عن أبي موسى قال : قام فينا رسول الله (ص) بخمس كلمات فقال : ( إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النور ) .
وفي رواية أبي بكر … النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلفه (2) .
4ـ روى الطبري في تفسير قوله سبحانه حاكياً على لسان موسى عن ابن عباس قال : يقول : إنا أول من يؤمن أنه لا يراك شيء من خلقك (3) .
نعم ، من لا يروقه قول ابن عباس من الرواة ، نقله وذيّله بقوله : يعني في الدنيا ، وهذا تأويل للرواية منه.
5ـ الطبري في تفسير قوله ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) عن قنادة أنه قال : ( لا تدركه الأبصار …) وهو أعظم من أن
________________________
(1و2 ) مسلم ، الصحيح 1: 111 كتاب الإيمان .
3ـ الطبري ، التفسير 9: 39 ( المجلد السادس ) .
[124]
تدركه الأبصار (1) .
6ـ روى مسروق قال : قلت لعائشة : يا أم المؤمنين هل رأى محمد ربه ، فقالت : سبحان الله لقد وقف شعري مما قلت ، ثم قرأت ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) (2) .
7ـ روى الشعبي قال : قالت عائشة : من قال : إن أحداً رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله ، قال الله : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) (3) .
وأضاف الطبري قال : قال قائل هذه المقالة معنى الإدراك في هذا الموضع هو الرؤية ، وأنكروا أن يكون الله ليرى بالأبصار في الدنيا والآخرة (4).
ويظهر من الطبري أن القائلين بالرؤية حاولوا منذ زمن قديم تأويل لفظ الإدراك في الآية بالإحاطة.
فقد نقل عن عطية العوفي أنهم ينظرون إلى الله ، لا تحيط أبصارهم به من عظمته ، وبصره يحيط بهم فذلك قوله ( لا تدركه الأبصار ) ( 5) .
وأنا أجّل عطية العوفي تلميذ ابن عباس وجابر بن عبد الله الأنصاري عن هذا التفسير الذي لا يوجد له أصل في اللغة ، وهذه هي الكلمة الدارجة بين أهل الرجال في أصحاب الرسول ، يقولون : أدرك رسول الله أو لم يدركه ، فلا يراد من الأول أنه واكب حياته منذ بعثته حتى
_____________________
1و2 الطبري ، التفسير 7: 200 ( المجلد الخامس ) .
(3و4و5 ) الطبري ، التفسير 7: 190( المجلد الخامس ) .
[125]
رحيله ، بل يراد منه أنه رآه مرة أو مرتين ، أو أياماً قلائل ، وربما يقال : أنه أدرك رسول الله وهو صبي فيعدونه من الصحابة .
الخامس : إن للإمام عبده وتلميذه صاحب المنار كلمات حول الرؤية ، قد حاولا بإخلاص جمع كلمة المسلمين في هذه المسألة ، فمن أراد فليرجع إلى تفسيره (1) ، وله كلام في تفسير قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ) ، قال : والمعنى أن النور العظيم هو الحجاب الذي يحول بينه وبنخلقه وهو بقوته وعظمته ملتهب كالنار ، ولذلك رأى موسى عليه السلام عند ابتداء الوحي ناراً في شجرة توجه همّه كله إليها ، فنودي الوحي من ورائها ، وفي التوراة أن الجبل كان في وقت تكليم الرب لموسى عليه السلام وايتائه الالواح مغطى بالسحاب .
ورأى النبي الخاتم الأعظم (ص) ليلة المعراج نوراً من غير نار، وربّما كان هذا أعلى ، ولكنه كان حجاباً دون الرؤية أيضاً ، فقد سأله أبو ذر رضي الله عنه وقال: هل رأيت ربك ؟ فقال: ( نوره ، أني أراه ؟) وفي رواية أخرى : ( رأيت نوراً ) ومعناهما معاً رأيت نوراً منعني من رؤيته ، لا أنه تعالى نور، وأنه لذلك لا يرى ، وهذا يتلافى ويتفق مع قوله : ( حجابه نور ) ولذلك جعلنا أحاديث النور شاهداً واحداً في موضوعنا ، وهي تدل على عدم رؤية ذات الله عز وجل وامتناعها (2) .
______________________
1ـ الإمام عبده ، المنار 9: 140 وما بعدها .
2ـ الإمام عبده ، المنار 9: 190.
[126]
السادس : إن القائلين بالرؤية على فرقتين : فرقة تعتمد على الأدلة العقلية دون السمعية ، وفرقة أخرى على العكس .
فمن الأولى سيف الدين الآمدي ( 551ـ 631) يقول : لسنا نعتمد في هذه المسألة على غير المسلك العقلي ، إذ ما سواه لا يخرج عن الظواهر السمعية ، وهي مما يتقاصر عن إفادة القطع واليقين ، فلا يذكر إلا على سبيل التقريب (1) .
ومن الثانية ، الرازي في غير واحد من كتبه فقال : إن العمدة في جواز الرؤية ووقوعها هو السمع ، وعليه الشهرستاني في نهاية الأقدام (2) .
والحق أن من حاول إثبات الرؤية بالدليل العقلي فقد حرم عن نيل مرامه ، فإن الأدلة العقلية التي أقامتها الأشاعرة في غاية الوهن ، فإنهم استدلوا على الجواز بوجهين : أحدهما يرجع إلى الجانب السلبي ,انه لا يترتب على القول بالرؤية شيء محال ، والآخر يرجع إلى الجانب الإيجابي وهو أ، مصحح الرؤية في الأشياء هو الوجود ، وهو مشترك بين الخالق والمخلوق (3) .
أظن أن كل من له أدنى معرفة بالمسائل العقلية يدرك ضعف الاستدلال ، إذ كيف لا يترتب على الرؤية بالعين تشبيه وتجسيم ، مع أن
_______________________
1ـ الآمدي ، غاية المرام في علم الكلام : 174.
2ـ الرازي ، معالم الدين : 67والأربعون : 198 والمحصل : 138: الشهرستاني ، نهاية الأقدام : 369.
3ـ الإمام الأشعري اللمع : 6ـ 62.
[127]
الرؤية بالمعنى الحقيقي لا تنفك عن الجهة للمرئي ، مضافاً إلى أن واقع الرؤية عبارة عن انعكاس الأشعة على الأشياء ، فإثبات الرؤية بلا هذه اللوازم نفي لموضوعها ، وأوضح ضعفاً ما ذكره من أن المجوز للرؤية هو الوجود بلا قيد ، بشهادة أن النفسيات كالحسد والبخل والعشق والفرح لا ترى بالعين ، ورؤيتها بغيرها كحضورها عند النفس خارج محط البحث ، بل المصحح هو الوجود الواقع في إطار الجهة وطرفاً للإضافة بين العين وطرفاً للإضافة بين البصر والمبصر ، ومثل ذلك يساوي الوجود الإمكاني المادي .
ولضعف هذا النوع من الإستدلال نرى أن الشريف الجرجاني بعدما أطال البحث حول البرهان العقلي قال : إن التعويل في هذه المسألة على الدليل العقلي متعذر ، فلنذهب إلى ما ذهب إليه الشيخ أبو منصور الماتريدي من التمسك بالظواهر النقلية (1) .
السابع : إن المنكرين للرؤية يفسرون قوله سبحانه : ( إلى ربها ناظرة ) بالانتظار ، وكلامهم حق في الجملة، لكن أغلب من يذكر هذا التفسير لا يفرق بين المعنى بالمراد الاستعمالي والمعنى بالمراد الجدّي .
وقد عرفت أن المعنى بالمراد الاستعمالي غير المعنى بالمراد
ـــــــــــــــــ
1ـ الشريف الجرجاني ، شرح المواقف 8: 129.
[128]
الجدّي ، فقد أريد من الجملة حسب الاستعمال الرؤية وأريد منها الانتصار جداً ، فمثلاً تقول : إني أنظر إلى الله ثم إليك ، فالمعنى الابتدائي هو الرؤية ، ولكن المعنى الجدّي هو الانتظار .
وهناك خلط آخر في كلامهم ، حيث لا يفرقون بين النظر المستعمل المتعدي ب( إلى ) والمتعدي بنفسه ، فلذلك يستدلون على أن الناظر في الآية بمعنى الانتظار بقوله تعالى : ( ما ينظرون إلا صيحة واحدةً) ( يس/49) وقوله : ( هل ينظرون إلا تأويله ) ( الأعراف /53) وقوله : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظللٍ من الغمام ) ( البقرة /210) مع أن الاستشهاد في غير محله ، لأن كون اللفظة بمعنى الانتظار فيما إذا تعدّت بنفسها غير منكر ، وإنما البحث فيما إذا كانت متعدية ب(إلى) ، فعلى ذلك يجب التركيز في إثبات كونها بمعنى الانتصار على الآيات والأشعار التي استعملت وتعدت ب( إلى ) وأريد بها الانتظار.
الثامن : يقع بعض السطحيين في تفسير المقطع الأول من آيات سورة( النجم ) ( 1ـ18) في خطأين : خطأ في إثبات الجهة لله سبحانه ، وخطأ في إثبات الرؤية للنبي ، وإليك الآيات ، ثم الإشارة إلى مواضع الاشتباه ، أعني قوله سبحانه :
( والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علّمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى * ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى *
[129]
ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * ولقد رأى من آيات ربه الكبرى ) ( النجم /1ـ18) .
إن الجمل التالية : ( علّمه شديد القوى ) إلى قوله : ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) يؤكد على شدة اقتراب النبي من جبرئيل ، أي على بعد ما بين القوسين أو أدنى ، وهو تعبير عن منتهى القرب .
والضمائر كلّها إلا المجرور في ( إلى عبده) يرجع إلى جبرئيل الذي كني عنه بشديد القوى ، وأين هو من قربه (ص) منه سبحانه .
ومن التفسير الخاطئ هو إرجاع الضمير في قولنا ثم دنا فتدلى إلى النبي ، وتفسير الآية بقرب النبي من الله على أقرب ما يمكن ، وبالتالي تصوّر أن لله جهةً وقرباً وبعداً ، وبذلك يتضح خطأ من فسّر الآية على نحو أثبت لله جهة وقرباً .
إن المرئي في قوله : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) حسب الآيات المتقدمة هو الأفق الأعلى ، والدنو والتدلي والوحي ،وحسب الآية اللاحقة هو آيات الرب حيث قال : ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) ومن تلك الآيات هو جبرئيل الذي هو شديد القوى ، وأين الآية من الدلالة على رؤية النبي ربه .
ومن التفسير الخاطئ جعل المرئي في قوله : ( ما رأى ) هو الرب ، ومن حسن الحظ أن السنة أيضاً تفسر الآية برؤية جبرئيل .
عن مسروق قال : كنت متكئاً عند عائشة فقالت : يا أبا عائشة ثلاث
[130]
من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية ، قلت : ما هن ؟ قالت : من زعم أن محمداً (ص) رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية قال : وكنت متكئاً فجلست ، فقلت : يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ! ألم يقل الله عز وجل : ( ولقد رأه بالأفق المبين ) و ( ولقد رآه نزلة أخرى ) فقالت أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله (ص) فقال : ( إنما هو جبرئيل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين ، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السما إلى الأرض )، فقالت أو لم تسمع أن الله يقول : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) ؟ أولم تسمع أن الله يقول : ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحى بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم ) ؟ قالت : ومن زعم أن رسول الله (ص) كتم شيئاً من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله يقول : ( ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) قالت ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله يقول : ( قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ) (1) .
التاسع : إن للشيخ الجصاص الحنفي ( م/ 370 ) كلاماً رائعاً في تفسير قوله سبحانه : ( لاتدركه الأبصار) وقد فسّر الروايات الدالة على الرؤية بالعلم الضروري الذي لا يشوبه شبهة ولا تعرض فيه الشكوك ،
ـــــــــــــــــ
1ـ النووي ، شرح صحيح مسلم 3: 8 .
[131]
ولأجل إيقاف القارئ على كلام ذلك المفسّر الكبير الذي هو من السلف الصالح نذكر نص كلامه :
قوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) يقال : إن الإدراك أصله اللحوق ، نحو قولك : أدرك زمان المنصور ، وأدرك أبا حنيفة، وأدرك الطعام ، أي لحق حال النضج ، وأدرك الزرع والثمرة ، وأدرك الغلام إذا لحق حال الرجال ، وإدراك البصر للشيء لحوقه له برؤيته إياه ، لأنه لا خلاف بين أهل اللغة إن قال القائل أدركت ببصري شخصاً معناه : رأيته ببصري ، ولا يجوز أن يكون الإدراك الإحاطة ، لأن البيت محيط بما فيه وليس مدركاً له ، فقوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار ) معناه : لا تراه الأبصار ، وهذا بمدح الله ينفي رؤية الأبصار كقوله تعالى : ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) وما تمدح الله بنفيه عن نفسه فإن إثبات ضده ذم ونقص فغير جائز إثبات نقيضه بحال ، كما لو بطل استحقاق الصفة بلا تأخذه سنة ولا نوم لم يبطل إلا إلى صفة نقص ، فلما تمدح بنفي رؤية البصر عنه لم يجز إثبات ضده ونقيضه بحال ، إذ كان فيه إثبات صفة نقص .
ولا يجوز أن يكون مخصوصاً بقوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) لأن النظر محتمل لمعان ، منه انتظار الثواب كما روي عن جماعة من السلف ، فلما كان ذلك محتملاً للتأويل لم يجز الاعتراض عليه بما لا مساغ للتأويل فيه ، والأخبار المروية في الرؤية إنما المراد بها العلم لوصحت ، وهو علم الضرورة الذي لا تشوبه شبهة ولا تعرض فيه الشكوك ، لأن الرؤية بمعنى العلم مشهورة في اللغة (1) .
ـــــــــــــ
1ـ محمد بن علي الرازي الجصاص ، أحكام القرآن 3: 4 .
[132]
العاشرة : إن من كتب حول الرؤية من إخواننا السنة ـ من غير فرق بين النافي والمثبت ـ فقد دق كل باب ، ورجع إلى كل صحابي وتابعي ، ومتكلم وفيلسوف ، ولكن لم يدق باب أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وفي مقدمتهم الإمام علي عليه السلام باب علم النبي وأقضى الأمة وأحد الثقلين اللذين تركهما النبي (ص) لهداية الأمة ، فقد طفحت خطبه التوحيدية بتنزيهه سبحانه عن رائحة التجسيم وشوب الجهة وإمكان الرؤية ، فبلغ رسالات الله التي تعلمها في أحضان النبي (ص) بأبلغ بيان .
ولو ذهبت العدلية كالمعتزلة والإمامية إلى امتناع الرؤية فقد أخذوا منه ، وتعلمت من منهجه ، فبلغت الغاية في التنزيه حسب ارشاداته ، كما صرح بذلك غير واحد من أئمة العدلية ، وقد ذكرنا بعض خطبه فيما مضى ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى خطبه عليه السلام في نهج البلاغة ، وإلى كلمات أبنائه الطاهرين في كتاب التوحيد للشيخ الصدوق .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين