[108]
(10)
كان المرتقب من أئمة الحديث والكلام الإشارة إلى قسم آخر من الرؤية الذي لا يتوقّف على الأعين والأبصار ، ينالها الأمثل فالأمثل من المؤمنين ، قال سبحانه : ( كلاّ لو تعلمون علم اليقين * لترونّ الجحيم * ثم لترونّها عين اليقين ) ( التكاثر/5-7 ) فمن علم عين اليقين يرى لهيب الجحيم من هذه النشأة لا بعين مادية ولا بصر جسماني ، إنما هي رؤية أخبر عنها الكتاب ولا تتوقف على الجهة والمقابلة ولا التجسيم والمشابهة ، وليس المراد من الرؤية في الآية العلم القطعي ، فإن العلم إن كان قطعياً غير الرؤية ، قال سبحانه : ( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين )( الأنعام /75) .
قال العلاّمة الطباطبائي : إنه تعالى يثبت في كلامه قسماً من الرؤية والمشاهدة وراء الرؤية البصرية الحسية ، وهي نوع شعور في الإنسان ، يشعر بالشيء بنفسه من غير استعمال آلة حسية أو فكرية ، وفي ضوء
[109]
ذلك إن للإنسان شعوراً بربه غير ما يعتقد بوجوده من طريق الفكر واستخدام الدليل ، بل يجد وجداناً من غير أن يحجبه عنه حاجب ولا يجره إلى الغفلة عنه اشتغاله بنفسه ومعاصيه التي اكتسبها ، والذي يتجلى من كلامه سبحانه إن ههذا العلم المسمى بالرؤية واللقاء يتم للصالحين من عباد الله يوم القيامة ، فهناك مواطن التشرف بهذا التشريف ، وأما في هذه الدنيا والإنسان مشتغل ببدنه ومنغمر في غمرات حوائجه الطبيعية وهو سالك لطريق اللقاء فهو بعد في طريق هذا العلم لم يتم له حتى يلقي ربه ، قال تعالى : ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه ) الإنشقاق /6) .
فهذا هو العلم الضروري الخاص الذي أثبته الله تعالى لنفسه وسماه رؤية ولقاء ، ولا يهمنا البحث عن أنها على نحو الحقيقة أو المجاز ، والقرآن أول كاشف عن هذه الحقيقة على هذا الوجه البديع ، فالكتب السماوية السابقة على ما بأيدينا ساكتة عن إثبات هذا النوع من العلم بالله وتخلو عن الأبحاث المأثورة عن الفلاسفة الباحثين عن هذه المسائل ، فإن العلم الحضوري عندهم كان منحصراً في علم الشيء بنفسه حتى يكشف عنه في الإسلام ، فللقرآن المنّة في تنقيح المعارف الإلهية (1) .
هذا التفسير للرؤية القلبية مما أفاده أستاذنا العلاّمة الطباطبائي رحمة الله عليه ، ولكن ربما يفسر بالعلم القطعي الضروري الذي لا يتردد
ــــــــــــــــ
1ـ الطباطبائي ، الميزان 8: 252_ 253.
[110]
إليه الريب ، كما سننقله عن الشيخ الصدوق توضيحاً للروايات الصادرة عن أئمة أهل البيت حول الرؤية القلبية ، فإليك ما روى عنهم ـ صلوات الله عليهم :
إن في روايات أئمة أهل البيت عليهم السلام تصريحاً بصحة الرؤية القلبية واللائح منها زيادة اليقين بظهور عظمته وقدرته ، وإليك البيان :
1ـ أخرج الصدوق عن يعقوب بن إسحاق ، قال :كتبت إلى أبي محمد ( الحسن العسكري ) عليه السلام أسأله كيف يعبد ربه وهو لا يراه ؟ فوقّع عليه السلام : ( يا أبا يوسف جل سيدي ومولاي والمنعم عليّ وعلى آبائي أن يرى ) ، قال : وسألته هل رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ربه ؟ فوقّع عليه السلام : ( إن الله تبارك وتعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحب ) (1) .
2ـ أخرج الصدوق عن ابن أبي نصر ( البزنطي ) عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : قال رسول الله (ص) : ( لما أسري بي إلى السماء بلغ بي جبرئيل مكاناً لم يطأه جبرئيل قط ، فكشف لي فأراني الله عز و جل من نور عظمته ما أحب ) (2) . وفي ضوء ذلك فالرؤية القلبية شهود نور عظمته في النشأتين ، وهو غير ما نقلناه عن العلاّمة الطباطبائي .
3ـ أخرج الصدوق عن عبيد بن زرارة عن أبيه قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : جعلت فداك الغشية التي كانت تصيب رسول الله (ص) إذا نزل عليه الوحي ، فقال : ( ذاك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد ، ذاك إذا تجلى الله له ) ، قال ثم قال : ( تلك النبوة يا زرارة وأقبل يتخشع ) (3).
ــــــــــــــ
(1و2و3) الصدوق ، كتاب التوحيد ، باب ما جاء في الرؤية ، الحديث 2، 4، 15.
[111]
4ـ أخرج الصدوق عن محمد بن الفضيل قال : سألت أبا الحسن عليه السلام : هل رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ربه عز وجل ، فقال : ( رآه بقلبه ، أما سمعت الله عز وجل يقول : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) ، أي لم يره بالبصر (1) ولكن رآه بالفؤاد ).
5ـ أخرج الصدوق عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في جواب سؤال شخص عن رؤية الله يوم القيامة ، فقال في ذيل الجواب : ( وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين ، تعالى الله عما يصفه المشبهون والملحدون ) (2) .
6ـ ثم أن للمحدث الأكبر الشيخ الصدوق ( 306ـ 381هـ ) الذي طاف البلاد شرقاً وغرباً وجمع أحاديث الرسول وعترته ، كلاماً في الرؤية القلبية ، وحكى أن محدثين كبيرين من محدّثي الشيعة كأحمد بن محمد بن عيسى القمي ( المتوفى بعد سنة 280هـ ) ومحمد بن أحمد بن يحي رووها في جامعهما ولكن لم ينقلها في كتاب التوحيد ، يقول :
والأخبار التي رويت في هذا المعنى وأخرجها مشايخنا ـ رضي الله عنهم ـ في مصنّفاتهم عندي صحيحة ، وأنا تركت إيرادها في هذا الباب خشية أن يقرأها جاهل بمعانيها فيكذب بها فيكفر بالله عّز وجل وهو لا يعلم (3).
ـــــــــــــــ
1ـ ما جاء في الرواية أحد الاحتمالات في تفسير الآية ، ولكن الظاهر أن فاعل ( رأى ) هو البصر والمرئي آثاره وآياته بشهادة قوله سبحانه بعده ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) ، والرواية تحتاج إلى دراسة ، محمد بن الفضيل الراوي للحديث مرمي بالغلو كما ذكره الشخ الطوسي في رجاله من أصحاب الرضا عليه السلام برقم 35فلاحظ .
(2و3) الصدوق ، كتاب التوحيد ، باب ما جاء في الرؤية ، الحديث 17ـ 20.
[112]
ثم إن شيخنا الصدوق فسّر الرؤية القلبية بما يلي :
ومعنى الرؤية الواردة في الأخبار : العلم ، وذلك أن الدنيا دار شكوك وارتباب وخطرات ، فإذا كان يوم القيامة كشف للعباد من آيات الله وأموره في ثوابه وعقابه ، ما يزول به الشكوك ، وتعلم حقيقة قدرة الله عزّ وجلّ ، وتصديق ذلك في كتاب الله عزّ وجلّ : ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم ) ( ق/22) فمعنى ما روى في الحديث أنه عزّ وجلّ يرى أي يعلم علماً يقينياً كقوله عزّ وجلّ ( ألم تر إلى ربك كيف مدّ الظل ) ( الفرقان /45) وقوله : ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه)( البقرة/258) وقوله : ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) ( الفيل /1) وأشتباه ذلك من رؤية القلب وليست من رؤية العين(1)
هذه مسألة رؤية الله ، وهذه أقوال الأمة فيها ، وهذا خلافهم الممتد من العصور الأولى إلى عصرنا هذا ، وهي مسألة كلامية اختلفت فيها أنظار الباحثين ولكل دليله وبرهانه ، والنافي للرؤية ينفي لا ستلزامها إثبات التجسيم والتشبيه ، مضافاً إلى تضافر الآيات على نفيها بدلالات مختلفة ، والمثبت اغتراراً ببعض الظوافر والروايات الواردة في الصحاح .
]ولكن ليس لكل من الطائفتين تكفير الأخرى ، لأن النافي يستند إلى أدلة مشرقة تقنع كل من نظر إليها بلا نظر مسبق ، وقول المثبت وإن
_________________
1ـ الصدوق ، كتاب التوحيد : 120 باب ما جاء في الرؤية .
[113]
كان يستلزم الجهة والتجسيم ، ولكنه يقول بها مع التبرّي عن تواليها ، متحصناً بقوله : ( بلا كيف ) ، فتكون المسألة مسألة كلامية كسائر المسائل الكلامية .
غير أن مفتي السعودية عبد العزيز بن باز غالى في الموضوع ، وذلك في الفتوى الصادرة 8/1407هـ المرقم 717/2 جواباً على سؤال وجّهه عبد الله بن عبد الرحمن يتعلق بجواز الإقتداء والائتمام بمن لا يعتقد بمسألة الرؤية في يوم القيامة ، فأفتى : بأن من ينكر رؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة لا يصلى خلفه ، وهو كافر عند أهل السنّة والجماعة ، وأضاف أنه قد بحث هذا الموضوع مع مفتي الإباضية في عمان الشيخ أحمد الخليلي ، فاعترف بأنه لا يؤمن برؤية الله في الآخرة ، ويعتقد أن القرآن مخلوق ، واستدل لذلك بما ذكره أبن القيم في كتابه ( حادي الأرواح) : ذكر الطبري وغيره أنه قيل لمالك : إن قوماً يزعمون أن الله لا يرى يوم القيامة ، فقال مالك رحمه الله : السيف السيف .
وقال أبو حاتم الرازي : قال أبو صالح كاتب الليث : أملى عليّ عبد العزيز بن سلمة الماجشون رسالة عمّا جحدت الجهمية فقال : لم يزل يملي لهم الشيطان حتى جحدوا قول الله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة ) .
وذكر ابن أبي حاتم عن الأوزاعي أنه قال : إني لأرجو أن يحجب الله عز وجل جهماً وأصحابه عن فضل ثوابه ، الذي وعده أولياءه حين يقول ( وجوه يومئذ ناظرة * إلى ربها ناظرة ) .
إلى أن نقل عن أحمد بن حنبل وقيل له في رجل يحدث بحديث
[114]
عن رجل عن أبي العواطف أن الله لا يرى في الآخرة فقال : لعن الله من يحدّث بهذا الحديث اليوم ، ثم قال : أخزى الله هذا .
وقال أبو بكر المروزي : من زعم أن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر ، وقال : من لم يؤمن بالرؤية فهو جهمي ، والجهمي كافر ، وقال إبراهيم بن زياد الصائغ : سمعت أحمد بن حنبل يقول : الرؤية من كذب بها فهو زنديق ، وقال : من زعم أن الله لا يرى فقد كفر بالله ، وكذّب بالقرآن ، وردّ على الله أمره ، يستتاب فإن تاب وإلا قتل …
تحليل لهذه الفتيا:
إن هذه الفتوى لا تصدر عمنّ يجمع بين الرواية والدراية ، وإنما متفرعة على القول بأن الله مستقر على عرشه فوق السماوات ، وأنه ينزل في آخر كل ليلة نزل الخطيب من درجات منبره (1) ، وأن العرش تحته سبحانه يئط أطيط الرحل تحت الراكب (2) ويفتخر بتلك العقيدة ابن زفيل في قصيدته النونية ويقول :
بل عطّلوا منه السماوات العلى والعرش أخلوه من الرحمان
ومثل تلك العقيدة تنتج أن الله تعالى يرى كالبدر يوم القيامة ، والرؤية لا تنفك عن الجهة والمكان ، تعالى عن ذلك كله .
___________________
1ـ نقله وسمعه السياح الطائر الصيت ابن بطوطة عن ابن تيمية ، لاحظ رحلته 113ط دار الكتب العلمية
2ـ أحمد بن حنبل السنة :80.
3ـ من قصيدة ابن زفيل النونية ، والمراد منه هو ابن القيم ، لاحظ السيف الصقيل للسبكي .
[115]
2ـ إن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله كان يقبل إسلام من شهد بوحدانيته سبحانه ورسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم ير أن النبي الأكرمم يأخذ الإقرار بما وراء ذلك ، مثل رؤية الله وما شابهه ، وهذا البخاري يروي في صحيحه أن الإسلام بني على خمس ، وليس فيه شيء من الإقرار بالرؤية ، وهل النبي ترك ما هو مقوم الإيمان والإسلام . 3ـ إن الرؤية مسألة إجتهادية تضاربت فيها أقوال الباحثين من المتكلمين والمفسرين ، وكل طائفة تمسكت بلفيف من الآيات ، فتمسك المثبت بقوله سبحانه ( إلى ربها ناظرة ) وتمسك الباقي بقوله سبحانه : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ).
فكيف يكون إنكار النافي رداً للقرآن ، ولا يكون إثبات المثبت رداً له؟
فإذا جاز التأويل لطائفة لما يكون مخالفاً لعقيدته ، فكيف لا يسوّغ لطائفة أخرى ؟
وليست رؤية الله يوم القيامة من الأمور الضرورية التي يلازم إنكارها إنكار الرسالة ولا إنكار القرآن ، بل كل طائفة تقبل برحابة صدر المصدرين الرئيسيين أعني الكتاب والسنّة ، ولكن تناقش في دلا لتهما على ما تدّعيه الطائفة الأخرى ، أو تناقش سند الرواية وتقول : إن القول بالرؤية عقيدة موروثة من اليهود والنصارى ، أعداء الدين ، وقد دسّوا هذه الروايات بين أحاديث المسلمين ، فلم يزل مسلمة اليهود والنصارى يتحينون الفرص لتفريق كلمة المسلمين وتشويه تعاليم هذا الدين ، حتى تذرّعوا بعد وفاة النبي بشتى الوسائل إلى بذر ببذور الفساد ،
[116]
فأدخلوا في الدين الحنيف ما نسجته أوهام الأحبار والرهبان .
4ـ إن الاعتقاد بشيء من الأمور من الظواهر الروحية لا تنشأ جذوره في النفس إلا بعد تحقق مبادئ ومقدمات توجد العقيدة ، فما معنى قول من يقول في مقابل المنكر للرؤية : السيف ، بدل أن يقول : الدراسة الدراسة ، الحوار الحوار . أليس شعار ( السيف السيف ) ينمّ عن طبيعة عدوانية قاسية ، ونفسية خالية من الرحمة والسماحة ؟ وأنا أجلّ أمام دار الهجرة عن هذه الكلمة .
5ـ إن مفتي الديار النجدية لم يعتمد إلا على نقول وفتاوى ذكرها ابن القيم في كتابه ( حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) دون أن يرجع إلى تفسير الآيات واحدة واحدة ، أو يناقش المسألة في ضوء السنة .
فما أرخص مهمة الإفتاء ومؤهلات المفتي في الديار حيث يكتفي في تكفير نصف الأمة بالرجوع إلى كتاب ابن القيم فقط .
وفي الختام ، أن ما نقله عن ابن القيم يعرب عن جهله المطبق في مسألة الرؤية ، فإن نفي الرؤية شعار أئمة أهل البيت ( ع) ، وشعار الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام في خطبه وكلماته قبل أن يتولّد الجهم وأذنابه ، ولأجل ذلك اشتهر : ( العدل والتنزيه علويان ، والجبر والتشبيه أمويان ) .