[99]
(9)
قد تعرفت على موقف الكتاب من رؤيته سبحانه ، وأنه كلما يذكر الرؤية وسؤالها وطلبها كان يستعظم ذلك ويستفظعه إجمالا ، وعندما يطرحها تفصيلاً يعدها أمراً محالاً ، كما عرفت أن ما تمسك به القائلون بجواز الرؤية من الآيات لا يدل على ما يدعون .
بقي الكلام في الروايات الواردة حول الرؤية في الصحاح والمسانيد ، ودلالتها على المطلوب واضحة كما ستوافيك ، لكن الكلام في حجية الروايات التي تعارض الذكر الحكيم وتباينه ، فإذا كان الكتاب العزيز مهيمناً على سائر الكتب فلماذا لا يكون مهيمناً على السنن المروية عن الرسول (ص) ، التي دونت بعد مضي 143سنة من رحيله (ص) ولم تصن عن دس الأحبار والرهبان ، قال سبحانه : ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ) ( المائدة /48) وقال تعالى : ( إن
[100]
هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ) ( النمل /76).
ولا يعني ذلك ، حذف السنة من الشريعة ورفع شعار حسبنا كتاب الله بل يعني التأكد من صحتها ثم التمسك بها في مقام العمل .
وإليك ما ورد في الصحاح حول الرؤية :
روى البخاري في باب ( الصراط جسر جهنم ) بسنده عن أبي هريرة قال : قال أناس : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال : ( هل تضارون في الشمس ليس دونه سحاب ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : ( فإنكم ترونه يوم القيامة ، كذلك يجمع الله الناس فيقول : من كان يعبد شيئاً فليتبعه ، فيتبع من كان يعبد الشمس ، ويتبع من كان يعيد القمر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : نعوذ بالله منك ، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا أتانا ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ويضرب جسر جهنم …) إلى أن يقول : ( ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار فيقول : يا رب قد قشبني ريحها ، وأحرقني ذكاوها ، فاصرف وجهي عن النار ، فلا يزال يدعو الله فيقول : لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره ، فيقول : لا وعزتك لا أسألك غيره ، فيصرف وجهه عن النار ، ثم يقول بعد ذلك : يا رب قربني إلى باب الجنة ، فيقول : أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره ؟ ويلك ابن آدم ما أغدرك ، فلا يزال يدعو فيقول : لعلي إن أعطيتك ذلك تسألني غيره ، فيقول : لا وعزتك لا أسألك غيره ، فيعطي الله من
[101]
عهود ومواثيق أن لا سأله غيره ، فيقربه إلى باب الجنة ، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن يسكت ، ثم يقول : ربي أدخلني الجنة ، ثم يقول : أوليس قد زعمت أن لا تسألني غيره ، ويلك يا أبن آدم ما أغدرك ، فيقول : يا رب لا تجعلني أشقى خلقك ، فلا يزال يدعو حتى يضحك ( الله ) ، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها …) الحديث (1) .
ورواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ، مع اختلاف يسير (2) .
ورواه أيضاً عن أبي سعيد الخدري باختلاف غير يسير في المتن وفيه : ( حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها ، قال : فما تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد ، قالوا : يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : نعوذ بالله منك ، لا نشرك بالله شيئاً ، مرتين أو ثلاثاً ، حتى أن بعضهم ليكاد أن ينقلب ، فيقول : هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها ؟ فيقولون : نعم ، فيكشف عن ساق ، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه ، إلا أذن الله له بالسجود ، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة ، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه …) الحديث ( 3) .
وقد نقل الحديث في مواضع من الصحيحين بتلخيص ، ورواه أحمد في مسنده (4) .
ـــــــــــ
1- البخاري ، الصحيح 8: 117باب الصراط جسر جهنم .
2- صحيح مسلم 1: 113 باب المعرفة طريق الرؤية .
3- صحيح مسلم 1: 115 باب معرفة طريق الرؤية .
4ـ مسند أحمد بن حنبل 2: 368. 1
[102]
تحليل الحديث
إن هذا الحديث مهما كثرت رواته وتعددت نقلته لا يصح الركون إليه في منطق الشرع والعق بوجوه.
1ـ إنه خبر واحد لا يفيد شيئاً في باب الأصول والعقائد ، وإن كان مفيداً في باب الفروع والأحكام ، وإذ المطلوب في الفروع هو الفعل والعمل ، وهو أمر سواء أذعن العامل بكونه مطابقاً للواقع أو لا ، بل يكفي قيام الحجة على لزوم تطبيق العملة عليه ، ولكن المطلوب في العقائد هو الإذعان وعقد القلب ونفي الريب والشك عن وجه الشيء ، وهو لا يحصل من خبر الواحد ولا من خبر الاثنين ، إلا إذا بلغ إلى حد يورث العلم والإذعان ، وهو غير حاصل بنقل شخص أو شخصين .
2ـ إن الحديث مخالف للقرآن ، حيث يثبت لله صفات الجسم ولوازم الجسمانية كما سنوافيك بيانه عن السيد الجليل شرف الدين ( رحمة الله عليه ) .
3ـ ماذا يريد الراوي في قوله : ( فيأتي الله في غير الصورة التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ) ؟ فكأن لله سبحانه صوراً متعددة يعرفون بعضها وينكرون البعض الآخر ، وما ندري متى عرفوا التي عرفوها ، فهل كان ذلك منهم في الدنيا أو كان في البرزخ أم في الآخرة ؟
4ـ ماذا يريد الراوي من قوله : ( فيقولون : نعم ، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه …) ؟ فإن معناه أن المؤمنين والمنافقين يعرفون سبحانه بساقه ، فكانت هي الآية الدالة عليه .
5ـ كفى في ضعف الحديث ما علّق عليه العلاّمة السيد شرف الدين ( رحمة الله عليه ) حيث قال : إن الحديث ظاهر في أن لله تعالى جسماً ذا صورة
[103]
مركبة تعرض عليها الحوادث من التحول والتغير ، وأنه سبحانه ذو حركة وانتقال ، يأتي هذه الأمة يوم حشرها ، وفيها مؤمنوها ومنافقوها ، فيرونه بأجمعهم ماثلاً لهم في صورةٍ غير الصورة التي كانوا يعرفونها من ذي قبل ، فيقول لهم : أنا ربكم ، فينكرونه متعوذين بالله منه ، ثم يأتيهم مرّة ثانية في الصورة التي يعرفون ، فيقول لهم : أنا ربكم فيقول المؤمنون والمنافقون جميعاً : نعم أنت ربنا ، وإنما عرفوه بالساق إذ كشف لهم عنها ، فكانت هي آيته الدالة عليه ، فيتسنى حينئذ السجود للمؤمنين منهم دون المنافقين ، وحين يرفعون رؤوسهم يرون الله ماثلاً فوقهم بصورته التي يعرفون لا يمارون فيه ، كما كانوا في الدنيا لا يمارون في الشمس والقمر ، ماثلين فوقهم بجرميهما النيرين ليس دونهما سحاب ، وإذا به بعد هذا يضحك الربّ ويعجب من غير معجب ، كما هو يأتي ويذهب ، إلى آخر ما اشتمل عليه الحديثان مما لا يجوز على الله تعالى ، ولا على رسوله ، بإجماع أهل التنزيه من أشاعرة وغيرهم ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم(1) .
* * *
2ـ روى البخاري في كتاب الصلاة ، باب مواقيت الصلاة وفضيلتها ، عن قيس ( أبن أبي حازم ) عن جرير قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنظر إلى القمر ليلة ـ يعني البدر ـ فقال : ( إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل
ــــــــــــــــ
1ـ كلمة حول الرؤية : 65، وهي رسالة قيمة في تلك المسألة ، وقد مشينا في ضوئها ، رحم الله مؤلفها رحمة واسعة .
[104]
طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ، ثم قرأ : وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب (1) .
وحديث قيس بن أبي حازم الأخمسي جاهلي إسلامي لم ير النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عهده وصدق إلى مصدّقه وهو من كبار التابعين مات سنة ثمان أو سبع وتسعين وكان عثمانياً (2) .
وقال الذهبي : قيس بن أبي حازم عن أبي بكر وعمر ثقة وحجة كاد أن يكون صحابياً ، وثقة ابن معين والناس ، وقال علي بن عبد الله بن يحيى بن سعيد : منكر الحديث ثم سمّى له أحاديث استنكرها ، وقال يعقوب الدوسي : تكلم فيه أصحابنا فمنهم من حمل عليه ، وقال : له مناكير فالذين أطروه عدّوها غرائب ، وقيل : كان يحمل على علي ( رضي الله عنه ) ، إلى أن قال : والمشهور أنه كان يقدم عثمان ، وقال إسماعيل : كان ثبتاً ، قال : وقد كبر حتى جاوز المائة وخرف (3) .
وقد تقدم أن العدل والتنزيه علويان ، كما أن الجبر والتشبيه أمويان ، وهل يصح في ميزان ، النصفة الأخذ برواية رجل عثماني الهوى معرضاً عن الإمام علي عليه السلام ، وعاش حتى خرف ؟
ـــــــــــــــــــــ
1ـ البخاري ، الصحيح 1: 111ـ 115 الباب 26و35 من أبواب مواقيت الصلاة ط . مصر ؛ ورواه مسلم في صحيحه ، لاحظ صحيح مسلم بشرح النووي 5: 136 ؛ وغيرهما .
2ـ ابن عبد البر ، الاستيعاب 3 برقم 2126.
3ـ الذهبي ، ميزان الاعتدال 3 برقم 6908.
[105]
أو أن الواجب ضربها عرض الحائط .
* * *
رؤية الله في روايات أئمة أهل البيت :
إن أهل البيت أحد الثقلين (1) ، الذين تركهما النبي بعد رحيله وأمر أن يتمسك بأقوالهم وأفعالهم ، وحينما نراجع ما روى عنهم ودوّنه الأثبات من المحدثين كالشيخ الصدوق ( 306_ 381هـ ) في كتاب التوحيد ، نجد مروياتهم المسندة إلى آبائهم عن علي عن النبي ، يعارض ما رواه ثيس بن أبي حازم ، وإليك نماذج من أحاديثهم .
1ـ روى الصدوق عن عبد الله بن سنان عن أبيه قال : حضرت أبا جعفر ( محمد الباقر ) عليه السلام فدخل عليه رجل من الخوارج فقال له : يا أبا جعفر أي شيء تعبد ؟ قال : ( الله ) قال : رأيته ؟ قال : ( لم تره العيون بمشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ، لا يعرف بالقياس ،
ـــــــــــــــــ
1ـ نقل مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم : قام رسول الله (ص) يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خما بين مكة والمدينة ، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ، ووعظ وذكر ، ثم قال :
( أما بعد : ألا أيها الناس ، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين : أولها كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ) فحث على كتاب الله ورغّب فيه ثم قال : ( وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم في أهل بيتي ) هذا لفظ مسلم .
ورواه أيضاً الدارمي في سننه 2: 431ـ 432 باسناد صحيح ، وغيرها ؛ وفي رواية الترمذي وقع بلفظ ( وعترتي أهل بيتي ) ففي سنن الترمذي 5: 663 برقم 3788 قال رسول الله (ص) : ( أني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما )).
[106]
ولا يدرك بالحواس ، ولا يشبه بالناس ، موصوف بالآيات ، معروف بالعلامات ، لا يجور في حكمه ، ذلك الله لا إله إلا هو ) ، قال : فخرج الرجل وهو يقول : الله أعلم حيث يجعل رسالته (1) .
2ـ روى الصدوق عن أبي الحسن الموصلي ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء حبر إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال : ياأمير المؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته ؟ فقال : ( ويلك ما كنت أعبد رباً لم أره) ، وقال : كيف رأيته ؟ قال : ( ويلك لا تدركه العيون بمشاهدة الأبصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ) (2) .
3ـ أخرج الصدوق عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله قال : قال : ( إن الله عظيم ، رفيع ، لا يقدر العباد على صفته ولا يبلغون كنه عظمته ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، وهو اللطيف الخبير ، ولا يوصف بكيف ولا أين الأين ولا حيث ، فكيف أصفه بكيف وهو الذي كيف أصفه بأين وهو الذي أين حتى صار أيناً ، فعرفت الأين بما أين لنا من الأين ، أم كيف أصفه بحيث وهو الذي حيث الحيث حتى صار حيثاً ، فعرفت الحيث بما حيث لنا من الحيث فالله تبارك وتعالى داخل في كل مكان ، وخارج من كل شيء ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار لا إله
ــــــــــــــــــــــ
1ـ الصدوق ، التوحيد ، باب ما جاء في الرؤية ، الحديث 5، والسائل من الخوارج وهؤلاء كالإمامية والمعتزلة يذهبون إلى امتناع الرؤية .
2ـ الصدوق ، التوحيد ، باب ما جاء في الرؤية ، الحديث 6، والسائل أحد أحبار اليهود القائلين بجواز الرؤية .
[107]
إلاّ هو العلي العظيم وهو اللطيف الخبير ) (1)
4ـ أخرج الصدوق عن إبراهيم بن أبي محمود قال : قال علي بن موسى عليهما السلام في قول الله عزّ وجل ( ووجوه يومئذٍ ناضرةٌ إلى ربّها ناظرة ) يعني مشرقة تنتظر ثواب ربّها (2) .
***
( إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السّمع وهو شهيد ) ( سورة ق / 37 )
________________________________
1- الصدوق ، كتاب التوحيد ، باب ما جاء في الرؤية ، الحديث 14 .
2- الصدوق ، كتاب التوحيد ، باب ما جاء في الرؤية ، الحديث 19 ، وتعرفت على القرينة القطعية التي يرفع بها الإبهام عن وجه الآية أعني التقابل فلاحظ .