[61]

رؤية الله في الذكر الحكيم

دراسة أدلة النافين

(5)

الآية الثانية : ولا يحيطون به علماً

 

قال سبحانه : ( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً) ( طه /109-110) .

إن الآية تتركب من جزئين :

الأول : قوله : ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم )

الثاني : قوله : ( ولا يحيطون به علماً) .

والضمير المجرور في قوله : ( به) يعود إلى الله سبحانه .

 

ومعنى الآية :

 

الله يحيط بهم لأنه( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) ويكون معادلاً لقوله : ( وهو يدرك الأبصار ) ولكنهم ( لا يحيطون به علماً) . ويساوي قوله: ( لا تدركه الأبصار ) .

[62]

وأما كيفية الاستدلال فبيانها أن الرؤية سواء أوقعت على جميع الذات أم على جزئها ، فهي نوع إحاطة علمية من البشر به سبحانه ، وقد قال : ( ولا يحيطون به علماً) .

ولكن الرازي لأجل التهرب من دلالة الآية على امتناع رؤيته سبحانه قال : بأن الضمير المجرور يعود إلى قوله : ( ما بين أيديهم وما خلفهم ) أي لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم ، والله سبحانه محيط بما بين أيديهم وما خلفهم.

أقول : إن الآية تحكي عن إحاطته العلمية سبحانه يوم القيامة بشهادة ما قبلها ( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً) ، وعندئذ يكون المراد من الموصول في قوله سبحانه : ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) هو الحياة الأخروية الحاضرة ، وقوله سبحانه : ( وما خلفهم ) هو الحياة الدنيوية الواقعة خلف الحياة الآخروية ، وحينئذ لو رجع الضمير في قوله ( ولا يحيطون به علماً) إلى الموصولين يكون مفاد الآية عدم إحاطة البشر بما يجري في النشأتين ، وهو أمر واضح لا حاجة إلى التركيز عليه ، وهذا بخلاف ما إذا رجع إلى ( الله ) فستكون الآية بصدد التنزيه ويكون المقصود أن الله يحيط بهم علماً وهؤلاء لا يحيطون كذلك ، على غرار سائر الآيات .

[63]

رؤية الله في الذكر الحكيم

دراسة أدلة النافين

 

(6)

الآية الثالثة : قال لن تراني

 

قال سبحانه : ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى به للجبل جعله دكاً وخرّ موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) الأعراف /143) . لقد استدل ـ بهذه الآية كل من النافي والمثبت ، رغم أن ليس لها إلا مدلول واحد ، فكان بين القولين تناقض واضح ، ومر ذلك إلى أن أحد المستدلين لم يتجرد عن هواه حينما استدل بالآية ، وإنما ينظر إليها ليحتج بها على ما يتبناه وهذا من قبيل التفسير بالرأي الذي نهى النبي (ص) عنه بالخبر المتواتر وبالتالي قل من نظر إليها بموضوعية خاليه عن كل رأي مسبق .

 

المفهوم الصحيح للآية:

 

لاشك أننا إذا عرضنا الآية على عربي صميم لم يتأثر ذهنه

[64]

بالمناقشات الكلامية الدائرة بين النافين والمثبتين ، وطلبنا منه أن يبين الاطار العام للآية ومفادها ومنحاها ، وهل هي بصدد بيان امتناع الرؤية أو جوازها ؟ فستجيب بصفاء ذهنه بأن الاطار العام لها هو تعاليه سبحانه عن الرؤية ، وأن سؤاله أمر عظيم فظيع لا يمحى أثره إلا بالتوبة ، فسيكون فهم ذلك العربي حجة علينا لا يجوز لنا العدول عنها ، والقرآن نزل بلسان عربي مبين ولم ينزل بلسان المتكلمين أو المجادلين .

كما أن إذا أردنا أن نفسر مفاد الآية تفسيراً صناعياً فلا شك أنه يدل أيضاً على تعاليه عنها ، وذلك لوجوه .

 

1- الإجابة بالنفي المؤبد :

 

لما سأل موسى رؤية الله تبارك وتعالى أجيب ب( لن تراني ) والمتبادر من هذه الجملة أي قوله : ( لن تراني ) هو النفي الأبدي الدال على عدم تحققها أبداً .

والدليل على ذلك هو تتبع موارد استعمال كلمة ( لن ) في الذكر الحكيم ، فلا تراها متخلفة عن ذلك حتى في مورد واحد .

1ـ قال سبحانه : ( إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له ) ( الحج/73) .

2ـ ( إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) ( التوبة /80).

3ـ ( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ) ( محمد /34) .

4ـ سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ) (المنافقون /6) .

[65]

5ـ ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) ( البقرة /120)

6ـ ( فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً ) ( التوبة /83).

إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أن ( لن ) تفيد التأبيد .

وربما نوقش في دلالة ( لن ) على الأبيد مناقشة ناشئة عن عدم الوقوف الصحيح على مقصود النحاة من قولهم ( لن) موضوعة للتأبيد ، ولتوضيح مرامهم نذكر أمرين ثم نعرض المناقشة عليهما .

 1ـ إن المراد من التأبيد ليس كون المنفي ممتنعاً بالذات ، بل كونه غير واقع ، وكم فرق بين نفي الوقوع ونفي الإمكان ، نعم ربما يكون عدم الوقوع مستنداً إلى الاستحالة الذاتية .

2ـ إن المراد من التأبيد هو النفي القاطع، وهذا قد يكون غير محدد بشيء وربما يكون محدداً بظرف خاص ، فيكون معنى التأبيد بقاء النفي بحالة مادام الظرف باقياً .

إذا عرفت الأمرين تقف على وهن ما نقله الرازي عن الواحدي من أنه قال : ما نقل عن أهل اللغة إن كلمة لن للتأبيد دعوى باطلة ، والدليل على فساده قوله تعالى في حق اليهود ( ولن يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ) ( البقرة /95) قال : وذلك لأنهم يتمنون الموت يوم القيامة بعد دخولهم النار ، قال سبحانه : ( ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون ) ( الزخرف /77) فإن المراد من ( ليقض علينا ) هو

[66]

القضاء بالموت (1) .

ووجه الضعف ما عرفت من أن التأبيد على قسمين ، غير محدد ومحدد باطار خاص ، ومن المعلوم أن قوله سبحانه : ( ولن يتمنونه) ناظر إلى التأبيد في الاطار الذي اتخذه المتكم ظرفاً لكلامه وهو الحياة الدنيا ، فالمجرمون ما داموا في الحياة الدنيا لا يتمنون الموت أبداً ، ولعلمهم بأن الله سبحانه بعد موتههم يقدمهم للحساب والجزاء ، ولأجل ذلك لا يتمنوه أبداً قط.

وأما تمنيهم الموت بعد ورودهم العذاب الأليم فلم يكن داخلاًفي مفهوم الآية الأولى حتى يعد التمني مناقضاً للتأبيد .

ومن ذلك يظهر وهن كلام آخر وهو : أنه ربما يقال : أن ( لن) لا تدل على الدوام والاستمرار بشهادة قوله : ( أني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً ) لأن اليوم محدد معين ، وتأبيد النفي لوقع التعارض بينها وبين كلمة ( اليوم ) لأن اليوم محدد معين ، وتأبيد النفي غير محدد ولا معين ، ومثله قوله سبحانه على لسان ولد يعقوب : ( فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي ) ( يوسف /80) حيث حدد بقاءه في الأرض بصدور الإذن من أبيه ( 2) .

وجه الوهن : أن التأبيد في كلام النحاة ليس مساوياً للمعدوم المطلق ، المقصود هو النفي القاطع الذي لا يشق ، والنفي القاطع الذي لا يكسر ولا يشق على قسمين :

______________________

1ـ الرازي  ، مفاتيح الغيب 14: 227.

2ـ عباس حسن ، النحو الوافي 4: 281 كما في كتاب رؤية الله للدكتور أحمد بن ناصر .

[67]

تارة يكون الكلام غير محدد بظرف خاص ولا تدل عليه قرينة حالية ولا مقالية فعندئذ يساوق التأبيد المعدوم المطلق .

وأخرى يكون الكلام محدداً بزمان حسب القرائن اللفظية والمثالية ، فيكون التأبيد محدداً بهذا الظرف أيضاً ، ومعنى قول مريم : ( فلن أكلم اليوم أنسياً ) ( مريم /26) هو النفي القاطع في هذا الإطار ، ولا ينافي تكلمها بعد هذا اليوم .

والحاصل : أن ما أثير من الإشكال في المقام ناشئ من عدم الإمعان فيما ذكرنا من الأمرين ، فتارةً حسبوا أن المراد من التأبيد هو الاستحالة فأوردوا بأنه ربما يكون المدخول أمراً ممكناً كما في قوله :

( فقل لن تخرجوا معي أبداً ) ( التوبة /83) ، وأخرى حسبوا أن التأبيد يلازم النفي والمعدوم المطلق ، فناقشوا بالآيات الماضية التي لم يكن النفي فيها نفياً مطلقاً ، ولو أنهم وقفوا على ما ذكرنا من الأمرين لسكتوا عن هذه الاعتراضات .

وبما أنه سبحانه لم يتخذ لنفي رؤيته ظرفاً خاصاً ، فسيكون مدلوله عدم تحقق الرؤية أبداً لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة .

والحاصل : أن الآية صريحة في عدم احتمال الطبيعة البشرية لذلك الأمر الجلل ، ولذلك أمره أن ينظر إلى الجبل عند تجليه ، فلما اندك الجبل خرّ موسى مغشيا عليه من الذعر ، ولو كان عدم الرؤية مختصاً بالحياة الدنيا لما احتاج إلى هذا التفصيل ، بل كان في وسعه سبحانه أن يقول : لا تراني في الدنيا ولكن تراني في الآخرة فاصبر حتى يأتيك وقته والإنسان مهما بلغ كمالاً في الآخرة فهو لا يخرج عن طبيعته التي 

[68]

خلق عليها ، وقد بيّن سبحانه أنه خلق ضعيفاً .

 

2ـ تعليق الرؤية على أمر غير واقع :

 

علّق سبحانه الرؤية على استقرار الجبل وبقائه على الحالة التي كان عليها عند التجلي ، وعدم تحوّله إلى ذرات ترابية صغار بعده ، والمفروض أنه لم يبق على حالته السابقة ، وبطلب هويته ، وصارت تراباً مدكوكاً ، فإذا انتفى المعلّق عليه ( بقاء الجبل على حالته ) ينتفي المعلّق ، وهذا النوع من التعليق في كلامهم ، طريقة معروفة حيث يعلقون وجود الشيء على ما يعلم عدم وقوعه وتحققه ، والله سبحانه بما أنه يعلم أن الجبل لا يستقر في مكانه ـ بعد التجلّي ـ فعلّق الرؤية على استقراره ، لكي يستدل بانتفائه على انتفائه ، قال سبحانه : ( لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط ) ( الأعراف /40).

والحاصل : أن المعلق عليه هو وجود الاستقرار بغض النظر عن كونه أمراً ممكناً أو مستحيلاً ، والمفروض أنه لا يستقر ، فبانتفائه ينتفي ما علّق عليه وهو الرؤية .

وبالا معان فيما ذكر تستغني عن وجلّ ما ذكره المتكلمون من المعتزلة والأشاعرة حول المعلّق عليه (1) .

ولارادة نموذج من كلامهم نأتي بما ذكره الرازي ، قال إنه تعالى علّق رؤيته على أمر جائز ، والمعلق على الجائز جائز ، فيلزم كون الرؤية

ــــــــــــــــ

1ـ القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة : 265؛ والشريف الجرحاني ، المواقف 8: 121؛ مفاتيح الغيب 14: 231 ، ولا حاجة لنقل كلماتهم في المقام .

[69]

في نفسها جائزة بدليل قوله : ( فإن استقر مكانه فسوف تراني ) واستقار الجبل أمر جائز الوجود في نفسه ، فثبت أنه تعالى علّق رؤيته علة جائز الوجود في نفسه … (1) .

ويلاحظ على كلامه أن المعلق عليه ليس إمكان الاستقرار وكونه أمراً ممكناً مقابل كونه أمراص محالاً عليه حتى يكون أمراً حاصلاً ويلزم منه وجود المعلّق ، أعني الرؤية ، مع أن المفروض عدمها ، بل المعلق عليه بقاء الجبل على ما كان عليه ، إذا لو كان المعلق عليه امكان الاستقرار يلزم نقض الغرض وتحقق الرؤية لموسى عليه السلام بل المعلق عليه هو بقاء الجبل على حالته التي كان عليها حين التكلم ، والمفروض أنه لم يبق عليها ، بل دك وصار تراباً مستوياً بالأرض ، فبانتفاه انتفى المعلق ، أعني الرؤية .

 

3ـ تنزيهه سبحانه بعد الإفاقة عن الرؤية :

 

تذكر الآية أن موسى لما أفاق فأول ما تكلم به هو تسبيحه سبحانه وتنزيهه وقال : ( سبحانك ) وذلك لأن الرؤية لا تنفك عن الجهة والجسمية وغيرهما من النقائص ، فنزه سبحانه عنها ، فطلبها نوع تصديق لها .

ومن مصاديق التفسير بالرأي ما ربما يقال : إن المراد ـ من التنزيه هنا ـ هو تنزيه الله وتعظيمه واجلاله عن أن يتحمل رؤيته من كتب عليه

ــــــــــــــــ

1ـ الرازي ، مفاتيح الغيب 14: 231.

[70]

الفناء ، حتى لا يتعارض مع ما ورد من إثبات الرؤية عن الله ورسوله في دار الآخرة ، وليست الرؤية من النقائص على ما يدّعيه نفاتها ، فهي ليست نقصاً في المخلوق ، بل هي كمال ، وكل كمال اتّصف به المخلوق وأمكن أن يتصف به الخالق فالخالق أولى (1) .

يلاحظ عليه : بأنه من أين وقف على اختصاص النفي بمن كتب عليه الفناء ، مع إطلاق الآية ، ولماذا لا يجعل الموضوع لعدم تحملها الوجود الامكاني القاصر المحفوظ في كلتا الدارين .

وما ذكره في آخر كلامه من أن كل كمال أتّصف به المخلوق وأمكن أن يتّصف به الخالق فالخالق أولى به صحيح من حيث الضابطة والقانوتن ، لكنه باطل من حيث التطبيق على المورد ، فإن ما يوصف به المخلوق على قسمين : فمنه ما يكون كمالاص له ككونه عالماً قادراً حيّاً سميعاً بصيراً ، فالله أولى بأن يوصف به ، ومنه ما لا يكون كمالاً للأول ، لكنه يكون موجباً للنقص في الثاني لاستلزامه التجسيم والتشبيه والجهة والحاجة إلى المكان ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً .

وكان الأولى للكاتب وأشباهه أن لا يخوضوا غمار هذه المسائل التي تحتاج إلى قدر كبير من التفكر والعناية الخاصة .

إذا لم تستطع أمراً فدعه       وجاوزه إلى ما تستطيع

ــــــــــــــ

1ـ الدكتور أحمد بن ناصر ، رؤية الله تعالى : 47ـ 48.

[71]

4ـ توبته لأجل طلب الرؤية :

إن موسى عليه السلام بعدما أفاق ، أخذ بالتنزيه أولاً والتوبة والإنابة إلى ربه ثانياً ، ظاهر الآية أنه تاب من سؤاله ، كما أن الظاهر من قوله : ( وأنا أول المؤمنين ) إنه أول المصدّقين بأنه لا يرى بتاتاً .

للباقلاني أحد دعاة مذهب الإمام الأشعري كلاماً في تفسير التوبة ، أشبه بالتفسير بالرأي ، قال :

يحتمل إن موسى تاب لأجل أنه ذكر ذنوباً قد قدم التوبة منها فجدد التوبة عند ذكرها لهول ما رأى ، أو تاب من ترك استئذانه منه سبحانه في هذه المسألة العظيمة (1) .

لكن كل ما ذكره وجوه لا يتحملها ظاهر الآية ، وإنما تورط فيها لأجل دعم المذهب ، وهذا هو الذي ندد به النبي الأكرم وقال : ( من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ) ، ومثله قول الرازي في تفسير قوله : ( وأنا أول المؤمنين ) بأنه لا يراك أحد في الدنيا ، أو أول المؤمنين ، بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك ( 2) .

***             

شبهة المخالفين :

 

قد تقدم أن الآية استدّل بها النافون والمثبتون ، وقد تعرفت على

ـــــــــ

1ـ الباقلاني ( ت /403) ، التمهيد : 270ـ 271.

2ـ الرازي ، مفاتيح الغيب 14: 235 بتخليص ، لاحظ خاتمة المطاف تجد فيها كلمات السلف الصالح في تفسير التوبة.

[72]

استدلال النافين ، وليس المثبتين للرؤية استدلالاً علمياً ، وإنما يرجع محصل كلامهم إلى ابداء شبهتين هما:

 

الشبهة الأولى : لو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها الكليم عليه السلام

 

إن الآية دالة على أن موسى عليه السلام سأل الرؤية ، ولا شك أن موسى عليه السلام يكون عارفاً بما يجب ويجوز ويمتنع على الله تعالى ، فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها ، وحيث سألها علمنا أن الرؤية جائزة على الله تعالى (1) .

ولاستدلال بطلب موسى إنما يكون متقناً إذا تبين أنه عليه السلام طلبها باختيار ومن غير ضغط من قوته ، فعندئذ يصلح للتمسك به ظاهراً ، وأنى للمستدل إثبات ذلك ، مع إن القرائن تشهد على أنه سأل الرؤية على لسان قومه حيث كانوا مصرين على ذلك على وجه يأتي بيانه وتوضيحه يتوقف على بيان أمور :

1ـ أنه سبحانه ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية أولاً (2) .

2ـ أنه سبحانه أتبعها بذكر فصة العجل وما دار بين موسى وأخيه وقومه ثانياً .

3ـ ثم نقل إختيار موسى من قومه سبعين رجلاً لميقاته سبحانه وقال: ( واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال

ــــــــــــــــــ

1ـ مفاتيح الغيب 14: 229.

2ـ الأعراف : الآية 143.

3ـ الأعراف : الآيات 148ـ 154.

[73]

ربّ لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي بها من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ) ( الأعراف /155) .

والإجابة الحاسمة تتوقف على توضيح أمر آخر وهو : هل كان سؤال موسى الرؤية مستقلاً عن طلب القوم الرؤية ، أم لا صلة له بطلبهم ؟  من غير فرق بين القول بوقوع الطلبين في زمان واحدٍ أو زمانين ، بل المهم ، وجود الصلة بين السؤالين وعدمها ، وكون الثاني من توابع السؤال الأول .

والظاهر بال المقطوع به هو الأول ، ويدل على ذلك أمران :

 

الأول : سياق الآيات ليس دليلاً قطعياً

 

إن ذهاب موسى بقومه إلى الميقات كان قبل تحقق قصة العجل ، لوقوله سبحانه : ( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة بأختهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك ) ( النساء /153) ، فإن تخلل لفظة (ثم) حاك عن تأخرها عن الذهاب ، ومع ذلك كلّه فقد جاء ذكر ذهابهم إلى الميقات في سورة الأعراف بعد ذكر قصة العجل ، وهذا لو دل على شيء فإنما يدل على أن السياق ليس دليلاً قطعياً لا يجوز مخالفته ، فكما جاز تأخير المتقدم وجوداً في مقام البيان فكذلك يجوز تكرار ما جاء في أثناء القصة في آخره لنكتة سنوافيك بها .

فما نقله الرازي عن بعضهم من أنهم خرجوا إلى الميقات ليتوبوا

[74]

عن عبادة العجل فقالوا في الميقات : ( أعطنا ما لم تعطه أحداً قبلنا …) (1) ليس بشيء ، وقد عرفت تصريح الآية على تقدم سؤالهم الرؤية على عبادته .

 

الثاني : استقلال السؤالين غير معقول

 

إن لاحتمال استقلال السؤالين صورتين :

الأولى : أن يتقدم موسى بسؤال الله الرؤية لنفسه ثم يحدث ما حدث ، من خروره صعقاً وإفاقته وإنابته ثم إنه بعدما سار بقومه إلى الميقات سأله قومه أن يري الله لهم جهرة ، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون .

الثانية : عكس الصورة الأولى ، بأن يسير موسى بقومه إلى الميقات ثم يسألونه رؤية الله جهرة فيحدث ما حدث ثم هو في يوم آخر أو بعد تلك الواقعة يسأل الرؤية لنفسه فيخاطب بقوله : ( لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل ) .

إن العقل يحكم بامتناع كلتا الصورتين عادة حسب الموازين العادية .

أما الأولى ، فلو كان موسى متقدماً في السؤال وسمع من الله ما خاطبه به بقوله ( لن تراني ) كان عليه أن يذكر قومه بعواقب السؤال ، وأنه سألها ربه ففوجئ بالغشيان ، مع أنه لم يذكرهم بشيء مما جرى عليه

ــــــــــــــ

1ـ الرازي ، مفاتيح الغيب 14: 239.

[75]

حين طلبهم ، ولو ذكرهم لما سكت عنه الوحي .

أما الثانية : فهو كذلك ، لأنه لو كان قد تقدم سؤال قومه الرؤية وقد شاهد موسى ما شاهد حيث اعتبر عملهم سفيهاً فلا يصح في منطق العقل أن يطلب الكليم ذلك لنفسه بعد ذلك مستقلاً.

وكل ذلك يؤكد عدم وجود ميقاتين ولا لقاءين ولا سؤالين مستقلين ، وإنما كان هناك ميقات واحد ولقاء واحد وسؤالان بينهما ترتب وصلة ، والدافع إلى السؤال الثاني هو نفس الدافع إلى السؤال الأول ، وعندئذ لايدل سؤال موسى الرؤية على كونها أمراً ممكناً لاندفاعه إلى السؤال من قبل قومه .

وتوضيح ذلك : إن الكليم لما أخبر قومه بأن الله كلمه وقربه وناجاه ، قال قومه : لن نؤمن بك حتى نسمع كلامه كما سمعت ، فاختار منهم سبعين رجلاً لميقاته وسأله سبحانه أن يكلمه ، فلما كلم الله وسمع القوم كلامه قالوا : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) فعند ذلك أخذتهم الصاعقة بظلمهم ، وإلى هذه الواقعة تشير الآيات التالية :

1ـ ( وإذ واعدنا موسى أربعين ليلةً ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ) ( البقرة /151) .

2ـ ( وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة بأختكم الصاعقة وأنم تنظرون ) ( البقرة /55) .

3ـ ( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ) ( النساء/153) .

[76]

4ـ ( واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال ربّ لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا أنت خير الغافرين ) ( الأعراف /155) .

إلى هذه اللحظة الحساسة لم يتكلم موسى عليه السلام حول الرؤية ولم ينبس بها ببنت شفه ولم يطلب شيئاً ، وإنما طلب منه سبحانه أن يحييهم حتى يدفع عن نفسه اعتراض قومه إذا رجع إليهم ، وهو القائل : ( قال ربّ لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي أتهلكنا بما فعل السّفهاء منّا إنْ هي إلاّ فتنتك ) .

فلو كان هناك سؤال فإنّما كان بعد هذه المرحلة وبعد إصابة الصاعقة السائلين ، وعودتهم إلى الحياة بدعاء موسى ، وعندئذٍ نتساءل هل يصلح للكليم أن يطلب السؤال لنفسه وقد رأى بأمّ عينيه ما رأى ؟ كلا ، وكيف يصح له أن يسأله وقد وصف السؤال بالسفاهة ، فلم يبق هناك إلاّ احتمال آخر ، وهو أنّه بعدما عاد قومه إلى الحياة أصرّوا على موسى وألحّوا عليه أن يسأل الرؤية لنفسه لا لهم حتى تحلّ رؤيته لله مكان رؤيتهم فيؤمنوا به بعد اخباره بالرؤية (1) وهذا هو المعقول والمرتقب من قوم موسى الذين عرفوا بالعناد واللجاج ، وبما أنّ موسى لم يقدم على السؤال إلاّ بإصرارٍ منهم لكي يسكتهم ، لذلك لم يتوجه إلى الكليم أيّ تبعة ولا مؤاخذة ، بل خوطب بقوله : ( لن تراني ولكن انظر إلى الجبل

______________________

1- أو لتستمتعوا النصّ باستحالة ذلك من عند الله كما سيوافيك في كلام الزمخشري .

[77]

فإن استقرّ مكانه فسوف تراني ) .

وللإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام هنا كلام حول سؤال موسى :

قال علي بن محمد بن الجهم : حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا عليّ بن موسى عليهما السلام ، فقال له المأمون : يا ابن رسول الله أليس من قولك أنّ الأنبياء معصومون ؟ قال : بلى ، فسأله عن آيات من القرآن ، فكان فيما سأله أن قال له : فما معنى قول الله عزّ وجل ( ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لنْ تراني ) كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران عليه السلام لا يعلم أن الله – تعالى ذكره – لا تجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال ؟ .

فقال الرضا عليه السلام : (( إنّ كليم الله موسى بن عمران عليه السلام علم أنّ الله تعالى عن أن يري بالأبصار ، ولكنه لما كلّمه الله عزّ وجل وقرّبه نجيّاً رجع إلى قومه فأخبرهم أنّ الله عزّ وجل كلّمه وقربه وناجاه ، فقالوا : لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت ، وكان القوم سبعمائة ألف رجل ، فاختار منهم سبعين ألفاً ، ثم اختار منهم سبعة آلاف ثمّ اختار منهم سبعمائة ثمّ اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربّه ، فخرج بهم إلى طور سيناء ، فأقامهم في سفح الجبل ، وصعد موسى عليه السلام إلى الطور وسأل الله تبارك وتعالى أن يكلمه ويسمعهم كلامه ، فكلّمه الله تعالى ذكره وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام ، لأنّ الله عزّ وجل أحدثه في الشجرة ، ثم جعله منبعثاً منها حتى سمعوه من جميع الوجوه ، فقالوا : لن نؤمن لك بأنّ هذا الذي سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرةً فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا بعث الله عزّ وجل عليهم

[78]

صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا ، فقال موسى : يا ربّ ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنك ذهبت بهم فقتلتهم لأنك لم تكن صادقاً فيما ادّعيت من مناجاة الله إياك ، فأحياهم الله وبعثهم معه ، فقالوا : إنك لو سألت الله أن يريك أن تنظر إليه لأجابك وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته ، فقال موسى عليه السلام : يا قوم إن الله لا يرى بالأبصار ولا كيفية له ، وإنما يعرف بآياته ويعلم بإعلامه ، فقالوا : إنك لو سألت الله أن يريك أن تنظر إله لأجابك وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته ، فقال موسى عليه السلام : يا قوم إن الله لا يرى بالأبصار ولا كيفية له ، وإنما يعرف بآياته ويعلم بإعلامه ، فقالوا : لن نؤمن لك حتى تسأله ، فقال موسى عليه السلام : يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم ، فأوحى الله جل جلاله إليه : يا موسى اسألني ما سألوك فلن تجد أؤاخذك بجهلهم فعند ذلك قال موسى عليه السلام : ( رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل ( بآية من آياته ) جعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك ( يقول : رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي ) وأنا أول المؤمنين ) منهم بأنك لا ترى ).

فقال المأمون : لله يا أبا الحسن ، والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة (1).

وللزمخشري في المقام تفسير رائع قال : ما كان طلب الرؤية إلا ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضلالاً وتبرأ من فعلهم ، وذلك أنهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم وأعلمهم الخطأ ونبههم على الحق فلجوا وتمادوا في لجاجهم ، وقالوا لابد ، ولن نؤمن حتى نرى الله جهرة ، فأراد

ــــــــــــــ

1ـ الصدوق ، التوحيد 121برقم 24 ما جاء في الرؤية .

[79]

أن يسمحوا النص من عند الله باستحالة ذلك وهو قوله: ( لن تراني ) ليتقينوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبة ، فلذلك قال : ( رب أرني أنظر إليك ) (1) .

وعلى كل تقدير فما ذكره صاحب الكشاف قريب مما ذكرناه ، وكلا البيانين يشتركان في أن السؤال لم يكن بدافع من نفس موسى ، بل بضغط من قومه .

ولكن الرازي ناقش في هذه المقالة وقال :

ظاهر الحال يقتضي أن تكون هذه القصة مغايرة للقصة المتقدمة لأن الأليق بالفصاحة إتمام الكلام في القصة الأولى في وضع واحد ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى غيرها ، فأما ذكر بعض القصة ( سؤال موسى الرؤية ) ثم الانتقال منها إلى قصة أخرى ( إتخاذ العجل ربّاً ) ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى بقية الكلام في القصة الأولى ( سؤال قوم موسى ) يوجب نوعاً من الخبط والإضطراب ، والأولى صون كلام الله تعالى عنه ( 2) .

والجواب : أنه سبحانه أخذ ببيان قصة مواعدة موسى ثلاثين ليلة من آية 142وختمها في الآية 155، فالمجموع قصة واحدة كسبيكة واحدة ، ولكن سبب العود إلى ما ذكر في أثناء القصة في آخرها هو إبراز العناية بسؤال الرؤية باعتباره مسألة مهمة في حياة بني إسرائيل .

فقد اتضح مما ذكرنا عدم دلالة الآية على إمكان رؤيته سبحانه

ــــــــــــ

1ـ الزمخشري ، الكشاف 1: 573ـ 574 ط مصر .

2ـ الرازي ، مفاتيح الغيب 15: 70.

[80]

بطلب موسى .

 

***

الشبهة الثانية : تجلّيه على الجبل

 

إن تجلّيه سبحانه للجبل هو رؤية الجبل له ، فلما رآه ( سبحانه ) اندّكت أجزاؤه ، فإذا كان الأمر كذلك ثبت أنه تعالى جائز الرؤية ، وأقصى ما في الباب أن يقال : الجماد جماد ، والجماد يمتنع أن يرى شيئاً ، إلا أن نقول لا يمتنع أن يقال : إنه تعالى خلق في ذلك الجبل الحياة والعقل والفهم ثم خلق فيه الرؤية متعلقة بذات الله (1) .

لكن يلاحظ على هذا الكلام : إن ما ذكره من رؤية الجبال لله تعالى مع إفتراضه الحياة والعقل والفهم للجبل شيء نسجه فكره ، وليس في الآية أي دليل عليه ، والحافز إلى هذه الفكرة هو الدفاع عن الموقف المسبق والعقيدة التي ورثها ، وظاهر الآية أنه سبحانه تجلّى للجبل وهو لم يتحمل تجلّيه لا أنه رآه وشاهده .

وأما التجلّي ، فكما يحتمل أن يكون بالذات كذلك يحتمل أن يكون بالفعل ، فمن لم يتحمل تجلّيه بفعله وقدرته فالأولى أن لا يتحمل تجلّيه بذاته ، وعندئذ فمن المحتمل جداً أن يكون تجلّيه بآثاره وقدرته وأفعاله ، فعند ذلك لا يدل أن تجلّيه للجبل كان بذاته .

أضف إلى ذلك أن أقصى ما تعطيه الآية هو الإشعار بذلك لذا لا

ـــــــــــ

1ـ الرازي ، مفاتيح الغيب 24: 232.

[81]

يمكن التمسك به وطرح الدلائل القاطعة عقلاً ونقلاً على امتناع رؤيته .

إلى هنا تم ما أردناه من دلالة الذكر الحكيم على امتناع الرؤية ، وقد استنطقنا الآيات السالفة بوجه تفصيلي ، وتعرفت فيه على موقفه من الرؤية بالعيون والأبصار .

[82]

رؤية الله في الذكر الحكيم

دراسة أدلة المثبتين

(7)

الآية الأولى : إلى ربّها ناظرة

 

استدل القائلون بجواز الرؤية بآيات متعددة والمهم فيها هو الآية التالية ، أعني قوله سبحانه : ( كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون الآخرة * وجوه يؤمئذ ناظرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة ) ( القيامة /20ـ 25) .

يقول الشارح القوشجي في شرحه لتجريد الاعتقاد : إن النظر إذا كان بمعنى الانتظار يستعمل بغير صلة ويقال انتظرته ، وإذا كان بمعنى التفكر يستعمل بلفظة ( في ) وإذا كان بمعنى الرأفة يستعمل بلفظة (اللام) ، وإذا كان بمعنى الرؤية استعمل بلفظة ( إلى ) ، فيحمل على الرؤية (1) .

أقول : لقد طال الجدال حول ما هو المقصود من النظر في الآية ، بين مثبتي الرؤية ونافيها ، ولو أتينا بأقوالهم لطال بنا المقام ، فإن المثبتين

ـــــــــــــــــ

1ـ القوشجي ، شرح التجريد : 334.

[83]

يركزون على أن الناظرة بمعنى الرؤية ، كما أن نافيها يفّسرونها بمعنى الانتظار ، مع أن تسليم كونه بمعنى الرؤية غير مؤثر في إثبات مدّعيها كما سيظهر ، والحق عدم دلالتها على جواز رؤية الله بتاتاً ، وذلك لأمرين :

الأول : أنه سبحانه استخدم كلمة ( وجوه ) لا ( عيون ) ، فقسم الوجوه إلى قسمين : وجوه ناضرة ، ووجوه باسرة ، ونسب النظر إلى الوجوه لا العيون ، والعجب أن المستدل غفل عن هذه النكتة التي تحدد معنى الآية وتخرجها عن الإبهام والتردد بين المعنيين ، وأنت لا تجد في الأدب العربي القديم ولا الحديث مورداً نسب فيه النظر إلى الوجوه وأريد منه الرؤية بالعيون والأبصار ، بل كلما أريد منه الرؤية نسب إليهما .

الثاني : لا نشك أن( الناظرة ) في قوله ( إلى ربها ناظرة ) بمعنى الرائية ، ونحن نوافق المثبتين بأن النظر إذا استعمل مع ( إلى ) يكون بمعنى الرؤية ، لكن الذي يجب أن نلفت إليه نظر المستدل هو أنه ربما يكون المعنى اللغوي ذريعة لتفهيم معنى كنائي ، ويكون هو المقصود بالأصالة لا المدلول اللغوي ، فلو قلنا : زيد كثير الرماد ، فالجملة مستعملة في معناها اللغوي ، ولكن كثرة الرماد مراد استعمالي لا جدّي ، والمراد الجدّي هو ما اتخذ المعنى الاستعمالي وسيلة لإفهامه للمخاطب ، والمراد هنا هو جوده وسخاؤه وكثرة إطعامه ، فإذا قال الرجل : زيد الذي يعدّ أوساخاً ملوثة لبيته ، فيكون قد ذمّه دون أن يمدحه ، بل يجب علينا أن

[84]

نقول : بأنه أخبر عن جوده وسخائه ، والعبرة في النسبة المراد الجدي لا الاستعمالي ، وهذه هي القاعدة الكلية في تفسير كلمات الفصحاء والبلغاء .

وىلآن سنوضح مفاد الآية ونبيين ما هو المراد الاستعمالي  والجدي فيها ، وذلك لا يعلم إلا برفع ابهام الآية بمقابلها ، فنقول : إن هناك ستة آيات تقابلها ثلاثة ، وهي كالآتي :

1ـ ( كلا بل تحبون العاجلة ) يقابلها:  ( وتذرون الآخرة ) .

2ـ ( وجوه يومئذ ناضرة ) يقابلها:  ( وجوه يومئذ باسرة ) .

3ـ ( إلى ربها ناظرة ) يقابلها : ( تظن أن تفعل بها فاقرة ) .

فلا شك أن الآيات الأربع الأول واضحة لا خفاء فيها ، وإنما الإبهام وموضع النقاش هو الشق الأول من التقابل الثالث ، فهل المراد منه جداً هو الرؤية ، أو أنها كناية عن انتظار الرحمة ؟ والذي يعيّن أحد المعنيين هو الشق الثاني من التقابل ، أعني ( تظن أن يفعل بها فاقرة ) فهو صريح في أن أصحاب الوجوه الباسرة ينتظرون العذاب الكاسر لظهرهم ، ويظنون نزوله ، وهذا الظن لا ينفك عن الانتظار، فكل ظان لنزول العذاب منتظر ، فيكون قرينة على أن أصحاب الوجوه المشرقة ينظرون إلى  ربهم ، أي يرجون رحمته ، وهذا ليس تصرفاً في الآيات ولا تأويلاً لها ، وإنما هو رفع الإبهام عن الآية بالآية المقابلة لها وترى ذلك التقابل والانسجام في آيات أخرى ، غير أن الجميع سبيكة واحدة .

1ـ ( وجوه يومئذ مشفرة ) يقابلها : ( ضاحكة مستبشرة ) .

[85]

2ـ ( ووجوه يومئذ عليها غبرة ) يقابلها : ( ترهقها قترة )(1) .

فإن قوله ( ضاحكة مستبشرة ) قائم مقام قوله ( إلى ربها ناظرة ) فيرفع ابهام الثاني بالأول .

3ـ ( وجوه يومئذ خاشعة ) يقابلها : ( عاملة ناصبة * تصلى ناراً حامية ) ( الغاشية /2-4) .

4ـ ( وجوه يومئذ ناعمة ) يقابلها : ( لسعيها راضية * في جنّةٍ عاليةٍ ) ( الغاشية 8-10).

أنظر إلى الإنسجام البديع ، والتقابل الواضح بينهما ، والهدف الواحد ، حيث الجميع بصدد تصنيف الوجوه يوم القيامة ، إلى ناضر ومسفر ، وناعم وإلى باسر ، وأسود ( غبرة ) وخاشع .

أما جزاء الصنف الأول فهو الرحمة والغفران ، وتحكيه الجمل التالية :

إلى ربها ناظرة ، ضاحكة مستبشرة ، في جنةٍ عاليةٍ .

وأما جزاء الصنف الثاني فهو العذاب والابتعاد عن الرحمة ، وتحكيه الجمل التالية :

تظن أن يفعل بها فاقرة ، ترهقها قترة ، تصلى ناراً حامية.

أفبعد هذا البيان يبقى شك في أن المراد من ( إلى ربها ناظرة ) هو انتظار الرحمة !!! والقائل بالرؤية يتمسك بهذه الآية ، ويغض النظر عما حولها من الآيات ، ومن المعلوم أن هذا من قبيل محاولة اثبات المدّعى

ـــــــــــــ

1ـ عبس : 38-40.

[86]

بالآية ، لا محاولة الوقوف على مفادها .

ويدلّ على ذلك أن كثيراً ما تستخدم العرب النظر بالوجوه في انتظار الرحمة أو العذاب ، وإليك بعض ما ورد في ذلك :

وجوه بها ليل الحجاز على الهوى           إلى ملك كهف الخلائق نـاظرة

وجــوه نــاظرات يوم بــدر         إلى الرحمـــن يأتي بالفلاح  

فلا نشك أن قوله : وجوه ناظرات بمعنى رائيات ، ولكن النظر إلى الرحمن هو كناية عن انتظار النصر والفتح .

إني إليك لمــا وعدت لنـاظر           نظر الفقير إلـى الغني الموسر

فلا ريب أن اللفظين في الشعر وإن كانا بمعنى الرؤية ، ولكن نظر الفقير إلى الغني ليس بمعنى النظر بالعين ، بل الصبر والانتظار حتى يعينه .

قال سبحانه : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) ( آل عمران /77) ، والمراد من قوله: ( لا ينظر إليهم ) هو طردهم عن ساحته وعدم شمول رحمته لهم وعدم تعطفه عليهم ، لا عدم مشاهدته إياهم ، لأن رؤيته وعدمها ليس أمراً مطلوباً لهم حتى يهدّدوا بعدم نظرة سبحانه إليهم ، بل الذي ينفعهم هو وصول رحمته إليهم ، والذي يصح تهديدهم به هو عدم شمول لطفه لهم ، فيكون المراد عدم تعطفه إليهم ، على أن تفسير قوله ( لا ينظر إليهم ) ب ( لا يراهم ) يستلزم الكفر ، فإنه سبحانه يرى الجميع ( وهو يدرك الأبصار ) .

والحاصل : أن النظر إذا أسند إلى العيون يكون المعنى بالمراد     

[87]

الاستعمالي والجدّي هو الرؤية على أقسامها ، وإذا أسند إلى الشخص كالفقير أو إلى الوجوه فيراد به الرؤية استعمالاً والانتظار جدّاً .

ثم إن لصاحب الكشاف هنا كلمة جيدة ، حيث يقول بهذا الصدد : يقال : ( أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي ) يريد معنى التوقع والرجاء ، ومن هذا القبيل قوله :

وإذا نــظرت إليك من ملك        والبحر دونك زدتني نعماً

وقال : سمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم ويأوون إلى مقائلهم تقول : عيينتي نويظرة إلى الله وإليكم ، تقصد راجية ومتوقعة لا حسانهم إليها ، كما هو معنى قولهم : أن أنظر إلى الله ثم إليك ، وأتوقع فضل الله ثم فضلك (1) .