[33]
(2)
إن الرؤية في منطق العلم والعقل لا تتحقق إلا إذا كان الشيء مقابلاً أو حالاً في المقابل من غير فرق بين تفسيرها حسب رأي القدماء أو حسب العلم الحديث ، فإن القدماء كانوا يفسرون الرؤية على النحو التالي :
خروج الشعاع من العين وسقوطه على الأشياء ثم انعكاسه عن الأشياء ورجوعه إلى العين لكي تتحقق الرؤية .
ولكن العلم الحديث كشف بطلان هذا التفسير وقال : إنها صدور الأشعة من الأشياء ودخولها إلى العين عن طريق عدستها وسقوطها على شبكية العين فتحقق الرؤية .
وعلى كل تقدير فالضرورة قاضية على أن الإبصار بالعين متوقف على حصول المقابلة بين العين والمرئى أو حكم المقابلة ، كما في رؤية
[34]
وهذا أمر تحكم به الضرورة وإنكار مكابرة واضحة ، فإذا كانت ماهيّة الرؤية هي ما ذكرناه فلا يمكن تحققها فيما إذا تنزه الشيء عن المقابلة أو الحلول في المقابل .
وبعبارة واضحة : أن العقل والنقل اتفقا على كونه سبحانه ليس بجسم ولا جسماني ولا في جهة ، والرؤية فرع كون الشيء في جهة خاصة ، وما شأنه هذا لا يتعلق إلا بالمجوس لا بالمجرد .
ثم إن الرازي أراد الخدش في هذا الأمر البديهي ولكنه رجع خائباً ، واعترض على هذا الاستدلال بوجهين :
الأول : أن اداء الضرورة والبداهة على امتناع رؤية الموجود المنزه عن المكان والجهة أمر باطل ، لأنه لو كان بديهياً لكان متفقاً عليه بين العقلاء ، وهذا غير متفق عليه بينهم ، فلا يكون بديهياً ولذلك لو عرضنا قضية أن الواحد نصف الأثنين لا يختلف فيه اثنان ، وليست القضية الأولى في البداهة في قوة القضية الثانية (1)
يلاحظ عليه : بأنه خفى على الرازي بأن للبداهة مراتب مختلفة فكون نور القمر مستفاداً من الشمس قضية بديهية ، ولكن أين هذه البداهة من بداهة قولنا : الواحد نصف الاثنين ، أضف إلى ذلك أن العقلاء متفقون على لزوم المقابلة أو حكمها على تحقق الرؤية ، وإنما خالف فيه أمثال من خالف القضايا البديهية كالسوفسطائيين ، حيث ارتابوا في وجودهم وعلومهم وأفعالهم مع أنهم كانوا يعدون من الطبقات العليا
ـــــــــــــــ
1ـ الرازي الأربعون : 190؛ ولاحظ أيضاً مفاتيح الغيب 13:130.
[35]
في المجتمع اليوناني .
الثاني : أن المقابلة شرط في الرؤية في الشاهد ، فلم قلتم إنه في الغائب كذلك .
وتحقيقه هو أن ذات الله تعالى مخالفة بالحقيقة والماهية لهذه الحوادث والمختلفات في الماهية لا يجب استواؤها في اللوازم ، فلم يلزم من كون الادراك واجباً في الشاهد عن حضور هذه الشرائط ، كونه واجباً في الغائب عند حضورها (1) .
هذا كلامه في كتاب الأربعين ، ويقول في تفسيره : ألم تعلموا إن ذاته تعالى مخالفة لسائر الذوات ، ولا يلزم من ثبوت حكم في شيء ثبوت مثل ذلك الحكم فيما يخالفه ، والعجب أن القائلين بالامتناع يدعون الفطنة والكياسة ولم يتنبه أحد لهذا السؤال ، ولم يخطر بباله ركاكة هذا الكلام (2) .
يلاحظ عليه : أن الرازي غفل عن أن الرؤية من الأمور الإضافية القائمة بالرائي والمرئي ، فالتقابل من لزوم الرؤية بما هي هي ، فاختلاف المرئي في الماهيات كاختلاف الرائي في كونه حيواناً أو إنساناً لا مدخلية له في الموضوع ، فافتراض نفس الرؤية وتعلقها بالشيء وغض النظر عن الرائي وخصوصيات المرئي يجرّنا إلى القول : بأن الرؤية رهن التقابل أو حكمه ، وذلك لأن الموضوع لحكم العقل من لزوم المقابلة في الرؤية هو نفسها هي هي ، والموضوع متحقق في
ــــــــــــ
1ـ الرازي ، الأربعون : 190ـ 191، وانظر أيضاً : 217 ،218، 313.
2ـ الرازي ، مفاتيح الغيب 13: 130.
[36]
الشاهد والغائب ، والمادي والمجرد ، فاحتمال انتقاض الحكم باختلاف المرئي يناقض ما حكم به بأن الرؤية بما هي هي لا تنفك عن التقابل فإنه أشبه بقول القائل : إن نتيجة 2+2 هو الأربعة ، لكن إذا كان المعدود مادياً لا مجرداً ، ويردّ بأن الموضوع نفس اجتماع العددين وهو متحقق في كلتا الصورتين .
ثم ماذا يقصد ( الرازي ) من الغائب ؟ هل يقصد الموجود المجرّد عن المادة ولوازمها ؟ فبداهه العقل تحكم بأن المنزّه عن الجسم والجسمانية والجهة والمكان لا يتصور أن يقع طرفاً للمقابلة ، وإن أراد منه الغائب عن الأبصار مع احتمال كونه جسماً أو ذا جهة ، فذلك ابطال للعقيدة الإسلامية الغراء التي تبنتها الأشاعرة وكذلك الرازي نفسه في غير واحد من كتبه الكلامية وفي غير موضع في تفسيره .
ولقائل أن يسأل الرازي : أنه لو وقعت الرؤية على ذاته سبحانه فهل تقع على كلّه أو بعضه ؟ فلو وقعت على الكّل تكون ذاته محاطة لا محيطة ، وهذا باطل بالضرورة ، ولو وقعت على الجزء تكون ذاته ذا جزء مركب .
ومما ذكرنا تتبين ركاكة ما استدل به الرازي على كلامه .
المحاولة اليائسة في تجويز الرؤية :
إن مفكري الأشاعرة الذين لهم أقدام راسخة في المسائل العقلية لما وقعوا في تناقض من جراء هذا الدليل ذهبوا إلى الجمع بين الرؤية والتنزيه ، وإليك بيان ذلك :
[37]
1ـ الرؤية بلا كيف :
هذا العنوان هو الذي يجده القارئ في كتب الأشاعرة ، وربما تعبّر عنه خصومهم بالبلكفة، ومعناه أن الله تعالى يرى بلا كيف وأن المؤمنين في الجنة يرونه بلا كيف ، أي منزهاً عن المقابلة والجهة والمكان .
يلاحظ عليه : أن تمنّي الرؤية بلا مقابلة ولا جهة ولا مكان ، أشبه برسم أسد بلا رأس ولا ذنب على جسم بطل ، فالرؤية التي لا تكون المرئي فيها مقابلاً للرائي ولا متحققاً في مكان ولا متحيزاً في جهة كيف تكون رؤيته بالعيون والأبصار .
والحق أن اعتماد الأشاعرة على أهل الحديث في قولهم بلا كيف مهزلة لا يعتمد عليها ، فإن الكيفية ربما تكون من مقومات الشيء ، ولولاها لما كان له أثر ، فمثلاً عندما يقولون : إن لله يداً ورجلاً وعيناً وسمعاً بلا كيف ويصرّحون بوجود واقعيات هذه الصفات حسب معانيها اللغوية لكن بلا كيفية ، فإنه يلاحظ عليه ، بأن اليد في اللغة العربية وضعت للجارحة حسب ما لها من الكيفية ، فاثبات اليد لله بالمعنى اللغوي مع حذف الكيفية ، يكون مساوياً لنفي معناه اللغوي ، ويكون راجعاً إلى تفسيره بالمعاني المجازية التي تفرّون منها فرار المزكوم من المسك ، ومثله القدم والوجه .
وبعبارة أخرى : أن الحنابلة والأشاعرة يصرّون على أن الصفات الخبرية كاليد والرجل والقدم والوجه ، في الكتاب والسنّة ، يجب أن تفسّر بنفس معانيها اللغوية ، ولا يجوز لنا حملها على معانيها المجازية كالقدرة في اليد مثلاً ، ولما رأوا أن ذلك يلازم التجسيم التجأوا إلى قولهم
[38]
يد بلا كيف ، ولكنهم مادروا أن الكيفية في اليد والوجه وغيرهما مقومة لمفاهيمها ، فنفي الكيفية يساوق نفي المعنى اللغوي ، فكيف يمكن الجمع بين المعنى اللغوي والحمل عليه بلا كيف .
ومنه يعلم حال الرؤية بالبصر والعين ، فإن التقابل مقوّم لمفهومها ، فاثباتها بلا كيف يلازم نفي أصل الرؤية ، وقد عرفت أن الكلام في النظر بالبصر والرؤية بالعين ، لا الرؤية بالقلب أو في النوم .
وقد أوضحنا حال الصفات الخبرية في بحوثنا الكلامية (1).
2ـ اختلاف الأحكام باختلاف الظروف :
إن بعض المثقفين من الجد لما أدركوا بعقوله أن الرؤية لا تنفك عن الجهة التجأوا إلى القول بأن كل شيء في الآخرة غيره في الدنيا ، ولعل الرؤية تتحقق في الآخرة بلا هذا اللازم السلبي .
لكن هذا الكلام رجم بالغيب ، لأنه إن أراد من المغايرة بأن الآخرة ظرف للتكامل ,ان الأشياء توجد في الآخرة بأكمل الوجوه و أمثلها ، فهذا لا مناقشة فيه ، يقول سبحانه : ( كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابهاً) ( البقرة /25) ولكن إن أراد أن القضايا العقلية البديهية تتبدل في الآخرة إلى نقيضها فهذا يوجب انهيار النظم الكلامية والفلسفية والأساليب العلمية التي يعتمد عليها المفكرون من أتباع الشرائع وغيرهم ، إذ معنى ذلك أن النتائج المثبتة في
ــــــــــ
1ـ لاحظ بحوث في الملل والنحل 2: 96-105.
[39]
جدول الضرب سوف تتبدل في الآخرة إلى ما يباينها فتكون نتيجة ضرب 2×2=5أو 10 أو 000 وأن قولنا : كل ممكن يحتاج إلى علّة يتبدّل في الآخرة إلى أن الممكن غنّي عن العلة .
فعند ذلك لا يستقر حجر على حجر وتنهار جميع المناهج الفكرية ، ويصير الإنسان سوفسطائياً مائة بالمائة .
3ـ عدم الاكتراث بإثبات الجهة :
إن أساتذة الجامعات الإسلامية في الرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة بدلاً من أن يجهدوا أنفسهم في فهم المعارف ويتجرّدوا في مقام التحليل عن الآراء المسبقة ، نراهم يقدمون لشباب الجامعات وخريجيها دعماً مالياً وفكرياً لمواصلة البحوث حول الرؤية في محاولة لاثباتها واثبات الجهة لله تعالى ، وإليك نموذج من ذلك .
يقول الدكتور أحمد بن محمد خريج جامعة أم القرى : إن إثبات رؤية حقيقية بالعيان من غير مقابلة أو جهة ، مكابرة عقلية ، لأن الجهة من لوازم الرؤية ، واثبات اللزوم ونفي اللازم مغالطة ظاهرة .
ومع هذا الاعتراف تخلص عن الالتزام بإثبات الجهة لله بقوله .
إن إثبات صفة العلوّ لله تبارك وتعالى ورد في الكتاب والسنة في مواضع كثيرة جداً ، فلا حرج في إثبات رؤية الله تعالى من هذا العلوّ الثابت له تبارك وتعالى ، ولا يقدح هذا في التنزيه ، لأن من أثبت هذا أعلم البشر بما يستحق الله تعالى من صفات الكلمات .
أما لفظ الجهة فهو من الألفاظ المجملة التي لم يرد نفيها ولا
[40]
إثباتها بالنص فتأخذ حكم مثل هذه الألفاظ (1).
ويلاحظ على هذا الكلام ما يلي :
أولاً : كيف ادّعى أن الكتاب والسنّة أثبتا العلوّ لله الذي هو مساوق للجهة ، فإن أراد قوله سبحانه : ( ثم استوى على العرش ) فقد حقق في محله بأن استواءه على العرش كناية عن استيلائه على السماوات والأرض وعدم عجزه عن التدبير ، وأين هو من إثبات العلوّ لله ، فقد أوضحنا مفادّ هذه الآيات في أسفارنا الكلامية (2) .
وإن أراد ما جمعه ابن خزيمة وأضرابه من حشويات المجسمة والمشبهة ، فكلها بدع يهودية أو مجوسية تسربت إلى المسلمين ويرفضها القرآن الكريم وروايات أئمة أهل البيت عليهم السلام .
ثانياً : إذا إفترضنا صحة كونه موجوداً في جهة عالية ينظر إلى السماوات والأرض فكيف يكون محيطاً بكل شيء وموجوداً مع كل شيء فإذا كان هذا معنى التنزيه فسلام على التجسيم .
ونعم ما قال الشاعر المعرّة.
وياموت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل
فالذي تستهدفه رسالات السماء يتخلص في توحيده سبحانه ,انه واحد لا نظير له ولا مثيل أوّلاً ، وتنزيهه سبحانه عن مشابهة الممكنات والموجودات ثانياً .
غير أن أصحاب الحديث بعد رحيل الرسول توغلوا في وحل
ـــــــــــــــــ
1ـ أحمد بن ناصر ، رؤية الله تعالى ، نشر معهد البحوث العلمية في مكة المكرمة : 61 .
2- الالهيات 1: 330- 340.
[41]
حبائل الشرك والتجسيم وأبطلوا كلتا النتيجتين ، فقالوا بقدم القرآن وعدم حدوثه ، وأثبتوا بذلك مثلاً لله في الأزلية وكونه قديماً كقدمه سبحانه .
واثبتوا لله سبحانه العلوّ الجهة اغتراراً ببعض الظواهر والأحاديث المستودة ، فأبطلوا بذلك تنزيهه ـ سبحانه ـ وتعاليه عن مشابهة المخلوقات .
فخالفوا رسالات السماء في موردين أصيلين :
التوحيد : بالقول بقدم القرآن .
التنزيه : بإثبات الجهة والرؤية .
( كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً )
[42]
(3)
إن الذكر الحكيم يصف الله سبحانه بصفات تهدف جميعها إلى تنزيهه عن الجسم والجسمانية ، وأنه ليس له مثيل ولا نظير ، ولا ندّ ولا كفو ، وأنه محيط بكل شيء ، ولا يحيطه شيء ، إلى غير ذلك من الصفات المنزهة التي يقف عليها الباحث إذا جمع الآيات الواردة في هذا المجال وبدورنا نشير إلى بعض منها :
قال سبحانه:
1ـ ( فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) ( الشورى /11)
2ـ ( قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد * ) ( الإخلاص /1ـ4) .
3ـ ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم )
[43]
(الحديد )
4ـ ( هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم أستوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير ) ( الحديد 4).
5ـ ( هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون ) الحشر /23) .
6ـ ( هو الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم ) ( الحشر /24) .
7ـ ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ) ( المجادلة /7) .
8ـ ( ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط ) ( فصلت /54) .
9ـ ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ) ( البقر/255) .
10ـ ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) ( الأنعام /103) .
وحصيلة هذه الآيات أنه لا يوجد في صفحة الوجود له مثل ، وهو أحد لا كفو له ، لم يلد ولم يولد ، بل هو أزليّ ، فبما أنه أزليّ الوجود ،
[44]
فوجوده قبل كل شيء أي لا وجود قبله .
وبما أنه أبدي ّ الوجود ، فهو آخر كل شيء إذ لا وجود بعده .
وبما أنه خالق السماوات والأرض فالكون قائم بوجوده ، فهو باطن كل شيء ، كما أن النظام البديع دليل على وجوده ، فهو ظاهر كل شيء ، لا يحويه مكان ، لأنه خالق السماوات والأرض وخالق الكون والمكان ، فكان قبل أن يكون أي مكان .
وبما أن العالم دقيقه وجليله فقير محتاج إليه قائم به ، فهو مع الأشياء معيّة قيّوميّة لا معيّة مكانيّة ، ومع الإنسان أينما كان .
فلا يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ، وذلك مقتضى كونه قيوماً به ، ولا يمكن للقيوم الغيبوبة عمّا قام به ، وفي النهاية هو محيط بكل شيء لا يحيطه شيء ، فقد أحاط كرسيه السماوات والأرض ، فالجميع محاط وهو محيط ، ومن كان بهذه المنزلة لا تدركه الأبصار الصغيرة الضعيفة ولا يقع في أفقها ، ولكنه لكونه محيطاً يدرك الأبصار.
هذه صفاته سبحانه في القرآن ذكرناه بإيجاز وأوردناها بلا تفسير .
وقد علمت أن من سمات العقيدة الإسلامية كونها عقيدة سهلة لا إبهام فيها ولا لغز ، فلو وجدنا شيئاً في السنّة أو غيرها ما يصطدم بهذه الصفات فيحكم عليه بالتأويل إن صح السند ، أو بالضرب عرض الجدار إن لم يصح .
[45]
فمن تلا هذه الآيات وتدبر فيها يحكم بأنه سبحانه فوق أن يقع في وهم الإنسان وفكره ومجال بصره وعينه ، وعند ذلك لو قيل له : إنه جاء في الأثر : إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا ( البدر ) لا تضامون في رؤيته(1) .
فسيجد أن هذا الكلام يناقض ما تلا من الآيات أو أستمع إليها وسيشكك ويقول : إذا كان الخالق البارئ الذي هو ليس بجسم ولا جسماني ، لا يحويه مكان ومحيط بالسماوات والأرض ، فكيف يرى يوم القيامة كالبدر في وجهه خاصة وناحية عالية مع أنه كان ولا علو ولا جهة ، بل هو خالقهما ، وأين هذه الرؤية من وصفه سبحانه بأنه لا يحويه مكان ولا يقع في وجهه وهو محيط بكل شيء ؟!
ولا يكون هذا التناقض بين الوصفين بأقل من التناقض الموجود في العقيدة النصرانية من أنه سبحانه واحد وفي الوقت نفسه ثلاثة .
وكلما حاول القائل بالرؤية الجمع بين العقيدتين ، لا يستطيع أن يرفع التعارض والاصطدام بين المعرفتين في أنظار المخاطبين بهذه الآيات والرواية ، ومن جرد نفسه عن المجادلات الكلامية والمحاولات الفكرية للجمع بين المعرفتين يرى التعريفين متصادمين ، فأين القول بأنه سبحانه بعيد عن الحس والمحسوسات منزّه عن الجهة والمكان محيط بعوالم الوجود ، وفي نفس الوقت تنزله سبحانه منزلة الحسّ والمحسوسات ، واقعاً بمرأى ومنظر من الإنسان يراه ويبصر كما يبصر
ــــــــــــــــــــــــ
1ـ البخاري ، الصحيح 4: 200.
[46]
البدر ويشاهده في أفق عال .
وقد عرفت في التمهيد أن السهولة في العقيدة والخلوّ من الألغاز هو من سمات العقيدة الإسلامية ، فالجمع بين المعرفتين كجمع النصارى بين كونه واحداً وثلاثاً .
هذا من جانب ، ومن جانب آخر نرى أنه سبحانه كلما طرح مسألة الرؤية في القرآن الكريم فإنما يطرحها ليؤكد عجز الإنسان عن نيلها ، ويعتبر سؤالها وتمنيتها من الإنسان أمراً فظيعاً وقبيحاً وتطلعاً إلى ما هو دونه .
1ـ قال سبحانه : ( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثنا كم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ) ( البقرة /55-56).
2ـ وقال سبحانه: ( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطاناً مبيناً ) ( النساء /153) .
3ـ وقال سبحانه : ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخرّ موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) ( الأعراف /143) .
4ـ وقال سبحانه : ( واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا ، فلما
[47]
أخذتهم الرجفة قال ربّ لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ) ( الأعراف/155) .
فالمتدبر في هذه الآيات يقضي بأن القرآن الكريم يستعظم الرؤية ويستفظع سؤالها ويقبحّه ويعد الإنسان قاصراً عن أن ينالها على وجه ينزل العذاب عند سؤالها .
فلو كانت الرؤية أمراً ممكناً ولو في وقت آخر ، لكان عليه سبحانه أن يتلطف عليهم بأنكم سترونه في الحياة الآخرة لا في الحياة الدنيا ، ولكنا نرى أنه سبحانه يقابلهم بنزول الصاعقة فيقتلهم ثم يحييهم بدعاء موسى ، كما أن موسى لما طلب الرؤية وأجيب بالمنع تاب إلى الله سبحانه وقال : أنا أول المؤمنين بأنك لا ترى .
فالإمعان بما ورد فيها من عتاب وتنديد وإماتة وإنزال عذاب يدل بوضوح على أن الرؤية فوق قابلية الإنسان ، وطلبه لها أشبه بالتطلع إلى أمر محال ، فعند ذلك لو قيل للمتدبر في الآيات إنه روى قيس بن أبي حازم أنه حدّثه جرير وقال: خرج علينا رسول الله ليلة البدر فقال ( إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته ) (1) ، يجد الحديث مناقضاً لما ورد في هذه الآيات ويشك أنه كيف صار الأمر الممتنع أمراً ممكناً ، والإنسان غير المؤهل على الرؤية مؤهلاً لها .
إن هنا محاولتين للتخلص من التضاد الموجود بين الآيات ،
ــــــــــ
1ـ البخاري ، الصحيح 4: 200.
[48]
وخبر قيس بن أبي حازم الدال على وقوع الرؤية في الآخرة .
المحاولة الأولى :
إن تعارض الآيات والرواية من قبيل تعارض المطلق والمقيد ، فلا مانع من الجمع بينهما بحمل الأولى على الحياة الحاضرة ، والثانية على الحياة الآخرة .
يلاحظ عليه : بأن الجمع بين الآيات والرواية على نحو ما ذكر أشبه بمحاولة الفقيه إذا فوجئ بروايتين تكون النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق ، فيجمع بينهما بحمل المطلق على المقيد .
ولو صح ما ذكر فإنما هو في المسائل الفرعية لا العقائدية ، وليست الآيات الواردة فيها كالمطلق ، والحديث كالمقيد ، بل هي بصدد بيان العقيدة الإسلامية على أنه سبحانه فوق أن تناله الرؤية ، وإن من تمناها فإنما يتمنى أمراً محالاً .
والدافع إلى هذا الجمع إنما هو تزمتهم بالروايات وتلقيهم صحيح البخاري وغيره من صحيحاً على الإطلاق لا يقبل النقاش والنقد ، فلم يكن لهم محيص من معاملة الروايات والآيات معاملة الاطلاق والتقييد ، ولأجل ذلك فكلما تليت هذه الآيات للقائلين بالجواز يجيبون بأن الجميع يعود إلى هذه الدنيا ولا صلة له بالآخرة ، ولكنهم غافلون عن أن الآيات تهدف في تنديدها وتوبيخها إلى ملاحظة طلب نفس الرواية
ــــــــــــــ
1ـ يظهر ذلك الجواب عن أكثر المتأولين لآيات النفي حيث يقدرونها بالدنيا .
[49]
بما هي هي ، بغض النظر عن الدنيا والآخرة ، ولا صلة لها بظرف السؤال ، فحمل تلك الآيات على ظرف خاص تلاعب بالكتاب العزيز وتقديم للسنّة على القرآن ، واعتماد على الظن مكان وجود القطع والقبض .
وأيمن الله لو لم يكن في الصحاح حديث قيس ين أبي حازم وغيره لما كان لديهم أيّوازع على تأويل الآيات .
المحاولة الثانية :
لقد تصدّى أبو الحسن الأشعري للإجابة عن الآيات الأخيرة وزعم أن الاستعظام إنما كان لطلبهم الرؤية تعنتاً وعناداً ، وقال : إن بني إسرائيل سألوا رؤية الله عز وجل على طريق الانكار لنبوة موسى وترك الإيمان به حتى يروا الله لأنهم قالوا : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) فلما سألوه الرؤية على كريق ترك الإيمان بموسى عليه السلام حتى يريهم الله من غير أن تكون الرؤية مستحيلة عليه ، كما استعظم الله سؤال أهل الكتاب أن ينزل عليهم كتاباً من السماء من غير أن يكون ذلك مستحيلاً ، ولكن لأنهم أبوا أن يؤمنوا بنبي الله حتى ينزل عليهم من السماء كتاباً )(1) .
يلاحظ عليه : أولاً : أن ما ذكره من أن الاستعظام لأجل كون طلبهم كان عن عناد وتعنت لا لطلب معجزة زائدة ، لو صح فإنما يصح في غير هذه الآيات ، أعني في قوله سبحانه : ( وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً
ــــــــــــ
1ـ الإبانة عن أصول الديانة : 15ط . دار الطباعة المنيرية ، القاهرة .
[50]
كبيراً) ( الفرقان /21)، لا فيما تلوناه من الآيات ، فإن الظاهر منها إن الاستعظام والاستفظاع راجعان إلى نفس السؤال بشهادة قوله : ( فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ) ( النساء /153) والذي يوضح ذلك أن التوبيخ والتنديد راجعان إلى نفس السؤال ـ مع غض النظر عن سبب السؤال ، وهل هو لغاية زيادة العلم أو للعتو ؟ ـ أمور :
1ـ إنه سبحانه سمى سؤالهم ظلماً وتعدّيا عن الحد .
2ـ إن موسى سمّى سؤالهم سؤالاً سفهيّاً .
3ـ عندما طلب موسى الرؤية أجيب بالخيبة والحرمان ،ولم يكن سؤاله عن عناد واستكبار ، ولو كانت الخيبة مختصة بالدنيا ، كان عليه سبحانه الرجوع إليه بالعطف والحنان بأنها غير ممكنة في هذه الدار وسوف تراني في الآخرة .
وثانياً : أنه سبحانه وإن جمع في آية سورة النساء (1) ، بين نزول الكتاب من السماء عليهم ، ورؤية الله جهرة ، لكن كون الأول أمراً ممكناً لا يكون دليلاً على كون الثاني مثله ، وذلك لأن وجه الشبه بين الأمرين ليس الإمكان أو الاستحالة حتى يكونا مشاركين فيهما ، بل هو طلب أمر عظيم ، وشيء ليسوا مستأهلين له ، فلا يكون إمكان الأول دليلاً على إمكان الثاني .
على أن قوله سبحانه ( فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ) مشير إلى
ــــــــــــــــــــــ
1ـ النساء : 153.
[51]
الفرق بين الطلبين مع المشاركة في أمر الاستعظام وهو استحالة الثاني دون الأول ولذا أسماه أكبر .
وبذلك يقف على ضعف ما ذكره الرازي في تفسيره ، لكونه مأخوذاً من كلام إمامه الأشعري .
ونقل كلام أبي الحسين المعتزلي في كتاب التصفّح وناقشه بوجه غير تامّ (1).
ــــــــــــــــ
1ـ الرازي ، مفاتيح الغيب 3: 85.
[52]
رؤية الله في الذكر الحكيم
(4)
قد عرفت تعبير الكتاب عن الرؤية إجمالاً ، وأنه يعدّ طلب الرؤية وسؤالها أمراً فظيعاً ، قبيحاً ، موجباً لنزول الصاعقة والعذاب ، والآيات السالفة وضحت موقف الكتاب من هذه المسألة لكن علة وجه الإجمال ، غير أنا إذا استنطقنا ما سبق من الآيات ، نقف على قضاء الكتاب في أمر الرؤية على وجه التفصيل . وقد عقدنا هذا الفصل لدراسة بعض ما سبق وتحليله .
قال سبحانه : ( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل * لا تدركه الأبصار وهو اللطيف الخبير ) ( الأنعام /102-103) والاستدلال بالآية يتوقف على البحث في مرحلتين :
المرحلة الأولى : في بيان مفهوم الدرك لغة :
الدرك في اللغة اللحوق والوصول وليست بمعنى الرؤية ، ولو
[53]
أريد منه الرؤية فإنما هو باعتبار قرينيه المتعلق .
قال ابن فارس : الدرك له أصل واحد ( أي معنى واحد ) وهو لحوق الشيء بالشيء ووصوله إليه ، يقال : أدركت الشيء ، أدركه إدراكاً ، ويقال : أدرك الغلام والجارية إذا بلغا ، وتدارك القوم : لحق آخرهم أولهم ، فأما قوله تعالى : ( بل أدارك علمهم في الآخرة ) ( النمل /66) فهو من هذا ، لأن علمهم أدركهم حين لم ينفعهم (1).
وقال ابن منظور مثله ، وأضاف : فقي الحديث ( أعوذ بك من درك الشقاء ) أي لحوقه ، يقال : مشيت حتى أدركته ، وعشت حتى أدركته ، وأدركته ببصري أي رأيته (2).
إذا كان الدرك بمعنى اللحوق والوصول فله مصاديق كثيرة ، فالادراك بالبصر التحاق من الرائي بالمرئي بالبصر ، والادراك بالمشي ، كما في قول ابن منظور : مشيت حتى أدركته ، التحاق الماشي بالمتقدم بالمشي ، وهكذا غيره .
فإذا قال سبحانه : ( لا تدركه الأبصار ) يتعين ذلك المعنى الكلي ( اللحوق والوصول ) بالرؤية ، ويكون معنى الجملة أنه سبحانه تفرد بهذا الوصف تعالى عن الرؤية دون غيره .
المرحلة الثانية : في بيان مفهوم الآيتين :
أنه سبحانه لما قال : ( وهو على كل شيء وكيل ) ربما يتبادر إلى
ـــــــــــ
1ـ ابن فارس ، مقاييس اللغة 2: 366.
2ـ ابن منظور ، اللسان 10: 419.
[54]
بعض الأذهان أنه إذا صار وكيلاً على كل شيء ، يكون جسماً قائماً بتدبير الأمور الجسمانية ، لكن يدفعه بأنه سبحانه مع كونه وكيلاً لكل شيء ( لا تدركه الأبصار ) .
وعندما يتبادر من ذلك الوصف إلى بعض الأذهان أنه إذا تعالى عن تعلق الأبصار فقد خرج عن حيطة الأشياء الخارجية وبطل الربط الوجودي الذي هو مناط الادراك والعلم بينه وبين مخلوقاته ، يدفعه قوله : ( وهو يدرك الأبصار ) ثم تعليله بقوله : ( وهو اللطيف الخبير ) و( اللطيف ) هو الرقيق النافذ في الشيء و( الخبير) من له الخبرة الكاملة ، فإذا كان تعالى محيطاً بكل شيء لرقته ونفوذه في الأشياء ، كان شاهداً على كل شيء ، لا يفقده ظاهر كل شيء ، وباطنه، ومع ذلك فهو عالم بظواهر الأشياء وبواطنها من غير أن يشغله شيء عن شيء أو يحتجب عنه شيء بشيء .
وبعبارة أخرى أن الأشياء في مقام التصور على أصناف :
1ـ ما يرى ويرى كالإنسان .
2ـ ما يرى ولا يرى كالاعراض النسبية كالابوة والنبوة .
3ـ ما يرى ولا يرى كالجمادات .
4ـ ما يرى ولا يرى وهذا القسم تفرد به خالق جميع الموجودات بأنه يرى ولا يرى والآية بصدد مدحه وثنائه بأنه جمع بين الأمرين يرى ولا يرى لا بالشق الأول وحده نظير قوله سبحانه : ( فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم ) ( الأنعام /14) ودلالة الآية على أنه سبحانه لا يرى بالأبصاربمكان من الوضوح غير أن للرازي ومن لفّ لفّه
[55]
تشكيكات نأتي بها مع تحليلها :
الشبهة الأولى :
إن الآية في مقام المدح ، فإذا كان الشيء في نفسه تمتنع رؤيته فلا يلزم من عدم رؤيته مدح و تعظيم للشيء ، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه ، كانت هذه القدرة الكاملة على المدح والعظمة ، فثبت أن هذه الآية دالة على أنه جائز الرؤية حسب ذاته(1) .
إن هذا التشكيك يحط من مقام الرازي ، فهو أكثر عقلية من هذا التشكيك ، وذلك لأنه زعم أن المدح بالجملة الأولى ، أعني قوله سبحانه : ( لاتدركه الأبصار ) وغفل عن أن المدح بمجموع الجزئين المذكورين في الآية ، بمعنى أنه سبحانه لعلو منزلته لا يدرك وفي الوقت نفسه يدرك غيره ، وهذا ظاهر لمن تأمل في الآية ونظيرتها قوله سبحانه : يطعم ولا يطعم ، فهل يرضى الرازي بأنه سبحانه يمكن له الأكل والطعم .
الشبهة الثانية:
إن لفظ الأبصار صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهو يفيد الاستغراق ، فقوله : ( لا تدركه الأبصار ) بمعنى لا تراه جميع الأبصار ، وهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب ( 2).
ــــــــــــــــ
1ـ الرازي ، مفاتيح الغيب 13: 125.
2ـ الرازي ، مفاتيح الغيب 13: 126.
[56]
يلاحظ عليه : أن المتبادر في المقام كما في نظائره هو عموم السلب أي لا يدركه أحد من ذوي الأبصار ، نظير قوله سبحانه: ( إن الله لا يحب المعتدين ) (البقرة /190) وقوله سبحانه : ( فإن الله لا يحب الكافرين ) ( آل عمران /32) وقوله سبحانه : ( والله لايحب الظالمين ) ( آل عمران /57) .
يقول الإمام علي عليه السلام : ( الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ، ولا يحصى نعمائه العادون ، ولا يؤدي حقه المجتهدون ، الذي لا تدركه بعد الهمم ولا يناله غوض الفطن ) (1).
فهل يحتمل للرازي في هذه الآيات والجمل سلب العموم وأنه سبحانه لا يحب جميع المعتدين والكافرين والظالمين ، ولكن يحب بعض المعتدين والكافرين والظالمين ، أو أن بعض القائلين يبلغون مدحته ويحصون نعماءه .
وهذا دليل على أن الموقف المسبق للرازي هو الذي دفعه لدراسة القرآن لأجل دعمه ، وهو آفة الفهم الصحيح من الكتاب .
الشبهة الثالثة : الإدراك هو الإحاطة :
إن هذه الشبهة ذكرها ابن حزم في فصله والرازي في مفاتيح الغيب وابن قيّم في كتاب الأرواح إلى بلاد الأفراح (2) ، وقد أسهبوا الكلام في تطوير الشبهة ، ولا يسع المقام لنقل عباراتهم كلها ، وإنما نشير إلى المهم من كلماتهم .
ــــــــــــــ
1ـ نهج البلاغة ، الخطبة الأولى .
2ـ وقبلهم الطبري كما سيوافيك نصّه في خاتمة المطاف .
[57]
وبما أن الأساس لكلام هؤلاء هو ابن حزم الظاهري نذكر نص كلامه أولاً .
قال : إن الإدراك في اللغة يفيد معنى زائداً عن النظر ، وهو بمعنى الإحاطة ، وليس هذا المعنى في النظر والرؤية ، فالإدراك ( الإحاطة ) فيض عن الله تعالى على كل حال في الدنيا والآخرة ، والدليل على ذلك قوله سبحانه : ( فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلاّ إن معي ربي سيهدين ) ففرق الله عز وجل بين الإدراك والرؤية فرقاً جلياً ، لأنه تعالى أثبت الرؤية بقوله : ( فلما تراءى الجمعان ) ، وأخبر تعالى بأنه رأى بعضهم بعضاً فصحت منهم الرؤية لبني إسرائيل ، ولكن نفى الله الإدراك بقول موسى عليه السلام لهم : ( كلاّ إن معي ربي سيهدين ) فأخبر تعالى أنه رأى أصحاب فرعون بني إسرائيل ولم يدركوهم ، ولا شك في أن ما نفاه الله تعالى غير الذي أثبته ،فالإدراك غير الرؤية والحجة لقولنا قول الله تعالى (1).
يلاحظ عليه :أن الشبهة تعرب عن أن صاحبها لم يقف على كيفية الإستدلال بالآية على نفي الرؤية ، فزعم أن أساسه هو كون الإدراك في اللغة بمعنى الرؤية ، فرد عليه بأنه ليس بمعنى الرؤية ، بشهادة أنه سبحانه جمع في الآية بين إثبات الرؤية ونفي الدرك ، ولكنه غفل عن أن مبدأ الاستدلال ليس ذلك ، وقد قلنا سابقاً : إن الإدراك في اللغة بمعنى اللحوق والوصول وليس بمعنى الرؤية ابتداءً ، وإنما يتعين في النظر والرؤية
ـــــــــــــ
1ـ ابن حزم ، الفصل بين الملل والنحل 3: 32، ولاحظ : ابن القيم ، حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح : 229 .
[58]
حسب المتعلق ، ولأحل ذلك لو جرد عن المتعلق ـ كما في الآية ـ لا يكون بمعنى الرؤية ، ولذلك جمع فيها بين الرؤية ونفى الدرك ، لأن الدرك هناك بحكم عدم ذكر المتعلق كالبصر ، بمعنى اللحوق والوصول ، فقد وقع الترائي بين الفريقين ، ورأى فرعون وأصحاب بني إسرائيل ، ولكن لم يدركوهم أي لم يلحقوهم .
وعلى ضوء ذلك إذا جرّد عن المتعلق مثل البصر والسمع يكون بمعنى اللحوق ، وإذا اقترن بمتعلق مثل البصر يتعين في النظر والرؤية ، لكن على وجه الاطلاق من غير نظر إلى الفرد الخاص من الرؤية .
وبذلك يظهر أن ما أطنب به الرازي في كلامه لا يرجع إلى شيء ، حيث قال : لا نسلم إن إدراك البصر تعبير عن الرؤية ، بل هو بمعنى الإحاطة ، فالمرئي إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده وجوانبه ونهاياته صار كأن ذلك الإبصار إحاطة به فسمى هذه الرؤية إدراكاً ، أما إذا لم يحط البصر بجوانب المرئي لم تسم تلك الرؤية إدراكاً ، فالحاصل أن الرؤية جنس تحتها نوعان ، رؤية مع الإحاطة ورؤية لا مع الإحاطة ، والرؤية مع الإحاطة هي المسماة بالإدراك ، فنفي الإدراك يفيد نفي نوع واحد من نوعي الرؤية ، ونفي النوع لا يوجب نفس الجنس ، فلم يلزم من نفي الإدراك عن الله تعالى نفي الرؤية عنه .
[59]
ثم قال : فهذا وجه حسن مقبول في الاعتراض على الكلام الخصم (1) .
ويلاحظ عليه بأن ما ذكره الرازي كان افتراء على اللغة للحفاظ على المذهب ، وهذا أشبه بتفسير القرآن بالرأي ، ولو لا أن الرازي من أتباع المذهب الأشعري لما تجرأ بذلك التصرف .
ونحن بدورنا نسأله: ما الدليل على أن الإدراك إذا اقترن بالبصر يكون بمعنى الإدراك الاحاطي ، مع أننا نجد خلافة في الأمثلة التالية ، نقول : أدركت طعمه أو ريحه أو صوته ، فهل هذه بمعنى أحطنا إحاطة تامة بها ، أو أنه بمعنى مجرد الدرك بالأدوات المذكورة من غبر اختصاص بصورة الإحاطة ، مثل قولهم أدراك الرسول ، فهل هو بمعنى الإحاطة بحياته أو يراد منه إدراكه مرة أو مرتين ، ولم يفسره أحد من أصحاب المعاجم بما ذكره الرازي .
وحاصل الكلام : أن اللفظة إذا اقترنت ببعض أدوات كالبصر والسمع يحمل المعنى الكلّي أي اللحوق والوصول ، على الرؤية والسماع ، سواء كان الإدراك على وجه الإحاطة أو لا ، وأما إذا تجرّدت اللفظة عن القرينة تكون بمعنى نفس اللحوق ، قال سبحانه : ( حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ) ( يونس /90) ومعنى الآية : ( حتى إذا لحقه الغرق ) ورأى نفسه غائصاً في الماء استسلم وقال : ( آمنت …) .
ــــــــــــ
1ـ الرازي ، مفاتيح الغيب 13: 127.
[60]
وقال سبحانه : ( فضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخاف دركاً ولا تخشى ) ( طه/77) ، أي لا تخاف لحوق فرعون وجيشه بك وبمن معك من بني إسرائيل .
وقال سبحانه : ( فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ) ( الشعراء /61) فأثبت الرؤية ونفى الدرك ، وما ذلك إلا لأن الإدراك إذا جرد عن المتعلق لا يكون بمعنى الرؤية بتاتاً ، بل بمعنى اللحوق .
نعم إذا اقترن بالبصر يكون متمحّضاً في الرؤية من غير فرق بين نوع ونوع ، وتحصيصه بالنوع الإحاطي لأجل دعم المذهب افتراءً على اللغة .