رؤيـــة الله في ضوء الكتاب والسّنة والعقل الصريح

تأليف الشيخ : جعفر السبحاني

قال الله تعالى :

( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) ( الأنعام /103)

وقال تعالى وتقدس : و لما جاء موسى لميقاتنا و كلمه ربه قال ربي أرني أنظر إليك قال لن تراني و لكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلّى ربه للجبل جعله دكاً وخرّ موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين) ( الأعراف /143)

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه وحده نستعين وعليه وحده نتوكل

والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد رسله ، وخاتم أنبيائه وآله ومن سار على خطاهم وتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

يهتم المسلمون اهتماماً كبيراً بالعقيدة الصحيحة لأنها تشكل حجر الزاوية في سلوكهم ومناراً يضيء دروبهم وزاداً لمعادهم.

ولهذا كرّس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الفترة المكيّة من حياته الرسالية نفسه لإرساء أسس التوحيد الخالص ، ومكافحة الشرك والوثنية ، ثم بنى عليها في الفترة المدنية صرح النظام الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي .

ولهذا ـ ونظراً للحاجة المتزايدة ـ رأينا أن نقدم للأمة الإسلامية الكريمة دراسات عقائدية عابرة مستمدة من كتاب الله العزيز ، والسنة الشريفة الصحيحة ، والعقل السليم ، وما اتفق عليه علماء الأمة الكرام والله الموفق .

تمهيد

سمات العقيدة الإسلامية

إن للعقيدة الإسلامية سمات نذكر منها ما يلي :

1ـ سهولة العقيدة :

للعقيدة الإسلامية صفات متعددة ، منها : سهولة فهمها وتعلمها ؛ لأنها عقيدة شاملة لا تختص بالفلاسفة والمتكلمين والمفكرين ، إلا أن ذلك لا يعني أنها سذاجتها وابتذالها وعدم خضوعها للبراهين العقلية ، بل يعني أنها في متانتها ورصانتها وخضوعها للبراهين والأدلة ، بعيدة عن الألغاز والابهامات ، فلو فسرت وبينت لفهمها عامة الناس حسب مستوياتهم ، فهي بهذه الصفة تخالف ما تتبناه نصرانية اليوم والأمس ، التي أحاطت بها إبهامات في العقيدة وألغز في الدين ، بحيث لم يتيسر لأحد لحد الآن حل مشاكلها وألغازها ، فالمسلم مثلاً إذا سئل عن عقيدته في التوحيد ، وعن صفات الله تعالى يقول : ( هو الله أحد ، الله الصمد ، لم

يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد ) .

وقد جاء في الأثر أن جماعة من أهل الكتاب سألوا النبي (ص) وقالوا : إنسب لنا ربك ، فنزلت سورة التوحيد (1) .

فالعقيدة الإسلامية في هذا المجال واضحة المفاهيم ، جلية المعالم ، لا يكسوها إبهام ولا يسترها لغز ، فيخرج المسلم في مقام الوصف وتبيين العقيدة مرفوع الرأس ، فللعقيدة براهينها الواضحة ، التي يمكن أن يقف عليها كل من درسها .

وأما لو سئل النصراني عن ذلك ، فإنه يتلعثم في بيان عقيدته ، فتارة يقول : إنه واحد وفي الوقت نفسه ثلاثة ، ثم يضيف أنه لا منافاة بين كون الشيء واحداً وكثيراً .

ومن المعلوم أن هذه العقيدة بهذا الإبهام والإجمال لا تقبلها الطباع السلمية ، إذ كيف تذعن بأنه سبحانه واحد لا نظير له ولا مثيل ولا ندّ ، ولكنه مع ذلك له أنداد ثلاثة وأمثال متعددة ، فهذه العقيدة تناقض أولها آخرها ويرد آخرها أولها ، فهو سبحانه إما واحد لا نظير له وإما كثير له أمثال .

وقس على ذلك سائر المواضيع في العقيدة الإسلامية وقابلها مع ما يقول سائر الشرائع فيها ، ترى تلك الصفة بنفسها في العقيدة الإسلامية ونقيضها في غيرها .

إن من العوامل التي ساعدت على سرعة انتشار الإسلام في مختلف الحضارات وتغلغلها بين الأوساط ، اتصافها بسهولة العقيدة ويسر التكليف .

ـــــــــــــــــ

1ـ الطبرسي ، مجمع البيان 5: 564.

[8]

يقول الأستاذ الشيخ محمد محمد المدني :

يقول الله عز وجل في حث العباد على التفكير في خلقه وآثاره وما له من تصريف وتدبير : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) ، ( قل انظروا ماذا في السماوات والأرض) ، ( فانظروا كيف بدأ الخلق ) ، ( انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه ) ، ( فانظروا إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها ) ، ( قل سيروا في الأرض فانظروا ) ، ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) .

ويقول الله عز وجل في وصف نفسه وأعلام المخلوقين بأنه فوق ما يعقلون أو يدركون : (وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ) ، ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) ، ( قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد)، ( وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون * بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم * ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل * لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) .

فالقرآن الكريم لم يأت لنا أبداً بشيء يفصح عن ذات الله تعالى من حيث الحقيقة والكنه ، وإنما هو يلفت دائماً إلى آثار الله في الخلق والتصريف (1) .

ـــــــــــــــــــــ

1ـ القاهرة ، دار التقريب بين المذاهب الإسلامية ، مجلة رسالة الإسلام ، العدد 49: 50ـ 51.

[9]

2ـ الإذعان في العقيدة والتعبّد في الأحكام :

وهناك أمر ثان نلفت إليه نظر القارئ وهو الفرق الواضح بين العقيدة والأحكام الشرعية العملية ، فإن المطلوب في الأولى هو الاعتقاد الجازم ، ومن المعلوم أن الإذعان بشيء متوقف على ثبوت مقدّمات بديهية أو نظرية منتهية إليها حتى يستتبعها اليقين والإذعان ، وهذا بخلاف الأحكام الشرعية ، فإن المطلوب فيها هو العمل وتطبقها في مجالات الحياة ، ولا تتوقف على القطع بصدورها عن الشارع ، وهذا الفرق بين العقائد الأحكام يجرّنا إلى التأكد من صحة الدليل وإتقانه أو ضعفه وبطلاته في مجال العقائد أكثر الأحكام ، ولذلك نرى أئمة الفقه يعملون بأخبار الآحاد في مجال الأحكام والفروع العملية ولا يشترطون إفادتها القطع أو اليقين ، وهذا بخلاف العقائد التي يفترض فيها اطمئنان ورسوخ الفكرة في القلب والنفس ، فيرفضون خبر الآحاد في ذلك المجال ويشترطون تواتر النص أو استفاضته إلى حدّ يورث العلم .

3ـ خضوعها للبرهان العقلي :

وهناك أمر ثالث وراء هذين الأمرين ، وهو أنه لا يمكن لأي باحث إسلامي أن يرفض العقل ويكتفي بالنص إذا أراد أن يعتمد الأسلوب العلمي في مجال العقيدة ؛ لأن الأخذ بالنص متوقف على ثبوت أصول موضوعية مسبقة تتبنى نبوة الرسول الأكرم وحجية قوله ، فما لم يثبت للعالم صانع حكيم ، قد بعث الأنبياء والرسل بالمعجزات

[10]

والبيّنات لهداية الناس ، لا تثبت نبوة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وحجية كلامه في مجال العقيدة ، ولا يمكن أن نعتمد على النصوص وسنّة الرسول في إثبات الصانع ونبوة رسوله .

وهذا هو الذي يفرض علينا أن نستجيب للعقل ، باعتباره العمود الفقري للعقائد التي يبنى عليها صرح النبوة المحمدية ( ص) ، ولذلك نرى أن الكتاب العزيز يثبت هذا الأصل من الأصول بدلالة العقل وإرشاده ، فيستدل على أصول التوحيد بمنطق العقل ، ويتكلم باسم العقل ويقول : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ) ( الأنبياء /22) فيستدل على توحيده ونفي الآلهة المتعددة بقضية شرطية ، وهي ترتب الفساد في حالة تعدد الآلهة .

ويقول سبحانه : ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلى بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ) ( المؤمنون /91) .

ويقول سبحانه : ( قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً) ( الإسراء /42) .

فالآيات الثلاث على اختلافها في الإجمال والتفصيل تستبطن برهاناً مشرفاً خالداً على جبين الدهر .

ويقول سبحانه : ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ) ( الطور /35) فيعتمد على الفطرة في إبطال وجود الممكن وتحققه بلا علّة وصانع .

كما نرى أتقن البراهين وأوضحها في إبطال ربوبية الأجرام

[11]

السماوية من خلال محاجة إبراهيم الخليل ( ع) مع عبدتها ، فيستدل بالأفول على بطلان ربوبيتها ضمن آيات ، قال سبحانه : ( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين * فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين ) ( الأنعام /75ـ 79) .

فقد بلغ الخليل النهاية في مجال المعرفة على وجه رأى ملكوت السماوات والأرض ، فأراه سبحانه ملكوتهما ، أي كونهما قائمين بالله سبحانه ، وما ذلك إلا ليكون موقناً ومذعناً لأصول التوحيد ، وما أراه ملكوت السماوات والأرض إلا بإلهامه البرهان الدامغ الذي أثبت به بطلان ربوبية الكوكب والقمر والشمس ، وانتهى في آخره إلى أنه لا إله إلا هو ، وقال بعد ذكر البراهين ( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين ) ( الأنعام / 79) .

فهذه الآيات ونظائرها تكشف عن أصل موضوعي في الشريعة الإسلامية وهو أن الغاية من طرح الأصول العقائدية للإذعان بها والوصول إلى اليقين ، لا التعبّد بها دون يقين ، وهذا يفرض علينا أن نفتح مسامعنا لنداء العقل ودعوته ، خصوصاً في الأصول الأولية التي تبني عليها نبوة النبي الأكرم . فمن حاول تعطيل العقل وأبعده عن ساحة البحث واى أ  

كتفى بالنص ، فقد لعب بورق خاسر ، إذ أن بديهة العقل تحكم

[12]

أن الاكتفاء بالسمع في عامة الأصول مستلزم للدور ، وتوقف صحة الدليل على ثبوت المدعى وبالعكس .

إن رفض العقل في مجال البرهنة على العقيدة ـ من قبل بعض الفرق ـ صار سبباً لتغلغل العقائد الخرافية بين كثير من الطوائف الإسلامية ، وفي ظل هذا الأصل ، أي إبعاد العقل ، دخلت أخبار التجسيم والتشبيه في الصحاح والمسانيد عن طريق الأخبار والبرهان الذين تظاهروا بالإسلام فحشروا عقائدهم الخرافية بين المحدثين والسذج من الناس اغتراراً بإسلامهم وصدق لهجتهم .

إن من مواهبه سبحانه أنه أنار مصباح العقل في كل قرن وزمان ليكون حصناً أمام نفوذ الخرافات والأوهام ، وليميز به الإنسان الحق عن الباطل فيما له فيه حق القضاء ، إلا أن هذا لا يعني أن المرجع الوحيد في العقيدة هو العقل دون الشرع ، وإنما يهدف إلى أن اللبنات الأولية لصرح العقيدة الإسلامية تجب أن تكون خاضعة للبرهان ، ولا تناقض حكم العقل .

وعندما تثبت الأصول الموضوعية في مجال العقيدة وتثبت في ظلها نبوة النبي الأكرم (ص) ، يكون كل ما جاء به النبي (ص) حجة في العقائد والأحكام ، لكن بشرط الاطمئنان بصدورها عن النبي الأكرم (ص) .

وقد خرجنا في هذه المقدمة الموجزة بثلاث نتائج : الأولى : أن العقيدة الإسلامية عقيدة سهلة يمكن اعتناقها بيسر دون تكلف .

[13]

الثانية : أن المطلوب في العقائد هو الإذعان وعقد القلب ، وهذا لا يحصل إلا بعد ثبوت المقدمات المنتهية إليه ، وليس من شأن أخبار الآحاد خلق اليقين والإذعان ما لم يثبت صدورها عن مصدر الوحي على وجه القطع واليقين ، بخلاف الأحكام ، فإن المطلوب فيها هو العمل تعبداً .

الثالثة : أن الأصول التي تبنى عليها ثبوت النبوة لا تثبت إلا بالعقل دون الشرع .

ففي ضوء هذه النتائج الثلاث ندرس فكرة رؤية الله تعالى يوم القيامة التي أحدثت ضجة في الأونة الأخيرة ، لكن سنقف على حقيقة الأمر بإذنه سبحانه .

[14]

(1)

حقيقة التجسيم والتشبيه والجهة والرؤية

لما انتشر الإسلام في الجزيرة العربية ، ودخل الناس في الإسلام زرافات ووحدانا ، لم لم يجد اليهود والنصارى المتواجدون فيها محيصاً إلا الاستسلام ، فدخلوا  فيه متظاهرين به ، غير معتقدين غالباً إلا من شملتهم العناية الإلهية منهم وكانوا قليلين ، ولكن الأغلبية الساحقة منهم خصوصاً الأحبار والرهبان بقوا على ما كانوا عليه من العقائد السابقة .

وبما أنهم كانوا من أهل الكتاب عارفين بما في العهدين من القصص والحكايات والأصول والعقائد ، عمدوا إلى نشرها بين المسلمين بخداع خاص ، وبطريقة تعليمية ولما كانت السذاجة  تغلب على عامة المسلمين لذا تلقوهم كعلماء ربانيين ، يحملون العلم ، فأخذوا ما يلقونه إليهم بقلب واع ونية صادقة ، وبالتالي نشر هؤلاء في هذا الجوّ المساعد كلّ ما عندهم من القصص الإنحرافية والعقائد

[15]

الباطلة ، خصوصاً فيما يرجع إلى الجسيم والتشبيه وتصغير شأن الأنبياء في أنظار المسلمين ، بإسناد المعاصي الموبقة إليهم ، والتركيز على القدر وسيادته في الكون على كل شيء ، حتى على إرادة الله سبحانه ومشيته .

ولم تكن رؤية الله بأقل مما سبق في تركيزهم عليها .

فما ترى في كتب الحديث قديما وحديثاً من الأخبار الكثيرة حول التجسيم ، والتشبيه ، والقدر السالب للاختبار والرؤية ونسبة المعاصي إلى الأنبياء ، فكل ذلك من آفات المستسلمة من اليهود والنصارى . فقد حسبها المسلمون حقائق راهنة وقصصاً صادقة فتلقوها بقبول حسن نشرها السلف بين الخلف ، ودام الأمر على ذلك .

ومن العوامل التي فسحت المجال للأحبار والرهبان لنشرها ما في العهدين بين المسلمين ، النهي عن تدوين حديث الرسول (ص) ونشره ونقله والتحدث به أكثر من مائة سنة ، فأوجد الفراغ الذي خلفه هذا العمل أرضية مناسبة لظهور بدع يهودية ونصرانية وسخافات مسيحية وأساطير  يهودية ، خصوصاً من قبل الكهنة والرهبان .

فقد كان التحدث بحديث الرسول (ص) أمراً مكروهاً ، بل محظوراً من قبل الخلفاء إلى عصر عمر بن عبد العزيز ( 19ـ 101هـ ) ، بل إلى عصر المنصور العباسي ( 143هـ) ، ولكن كان المجال للتحدث بالأساطير ، وقد أسلم سنة تسع للهجرة ، وهو أول من قص بين المسلمين واستذن عمر أن يقص على الناس قائماً ، فأذن له،

[16]

وكان يسكن المدينة ثم انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان (1) .

ولما سمحت الظروف لمثل هذا الكتابي أن يتحدث بما تعلم في حياته السابقة ومنع من أراد التحدث بحديث الرسول ، لذا كان المجال خصباً لنشر الأساطير والعقائد الخرافية . 

   يقول الشهرستاني : وضع كثير من اليهود الذين اعتنقوا الإسلام أحاديث متعددة في مسائل التجسيم والتشبيه وكلها مستمدة من التوراة(2) .

وهذا هو المقدسي يتكلم عن وجود هذه العقائد بين عرب الجاهلية ، يقول : وكان فيهم من كل ملة ودين ، وكانت الزندقة والتعطيل في قريش ، والمزدكية والمجوسية في تميم ، واليهود والنصرانية في غسان ، وعبادة الأوثان في سائرهم (3).

قال ابن خلدون : إن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية ، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ، ويستفيدونه منهم ، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى ، مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم ، فامتلأت التفاسير من

ـــــــــــــ

1ـ ابن عبد البر ، الاستيعاب ، في هامش الاصابة ، وابن حجر ، الاصابة 1: 189، والجزري ، أسد الغابة 1: 215 ، والمتقي الهندي ، كنز العمال 1: 281برقم 29448.

2ـ الشهرستاني ، الملل والنحل 1: 117.

3ـ المقدسي ، البدء والتاريخ 4: 31.

[17]

المنقولات عندهم وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات ، وأصلها كلها كما قلنا من التوراة أو مما كانوا يفترون (1).

ولوأردنا أن ننقل كلمات المحققين حول الخسارة التي أحدثها اليهود والنصارى لطال بنا الكلام وطال مقالنا مع القراء .

ومن أكابر أحبار اليهود الذين تظاهروا بالإسلام هو كعب الأحبار ، حيث خدع عقول المسلمين وحتى الخلفاء والمترجمين من علماء الرجال ، وقد أسلم في زمن أبي بكر وقدم من اليمن في خلافة عمر ، فانخدع به الصحابة وغيرهم .

قال الذهبي : العلامة الحبر الذي كان يهودياً فأسلم بعد وفاة النبي ، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر (رض) ، وجالس أصحاب محمد ، فكان يحدثهم عن كتب الاسرائيلية ويحفظ عجائب ، ـ إلى أن قال :ـ حدّث عنه أبو هريرة ومعاوية وابن عباس ، وذلك من قبيل رواية الصحابي عن تابعي ، وهو نادر عزيز ، وحدّث عنه أسلم مولى عمر وتبيع الحميري ابن امرأة كعب ، وروى عنه عدّة من التابعين كعطاء بن يسار وغيره مرسلاً ، وقع له رواية في سنن أبي داود والترمذي والنسائي (2) .

وعرفه الذهبي أيضاً في بعض كتبه بأنه من أوعية العلم (3).

ــــــــــــ

1ـ ابن خلدون ، المقدمة : 439.

2ـ الذهبي ، سير أعلام النبلاء 3: 489.

3ـ الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1: 52.

[18]

فقد وجد الحبر الماكر جوّاً ملائماً لنشر الأساطير والقصص الوهمية ، وبذلك بث سمومه القاتلة بين الصحابة والتابعين ، وقد تبعوه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً .

وقد تنبه إلى جسامة الخسارة التي أحدثها ذلك الحبر لفيف من القدماء ، منهم ابن كثير في تفسيره ، حيث أنه بعدما أورد طائفة من الأخبار في قصة ملكة سبأ مع سليمان ، قال : والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما وجد في صحفهم ، كروايات كعب ووهب ـ سامحهما الله تعالى ـ في ما نقلا إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب مما كان وما لم يكن ، ومما حرف وبدل وفسخ ، وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ (1).

والذي يدل على عمق مكره وخداعه لعقول المسلمين أنه ربما ينقل شيئاً من العهدين ، وفي الوقت ذاته نرى أن بعض الصحابة الذين تتلمذوا على يديه وأخذوا منه ينسب نفس ما نقله إلى الرسول ! والذي يبرر ذلك العمل حسن ظنهم وثقتهم به ، فحسبوا المنقول أمراً واقعياً ، فنسبوه إلى النبي زاعمين أنه إذا كان كعب الأحبار عالماً به فالنبي أولى بالعلم منه .

فإن كنت في شك من ذلك فاقرأ نصين في موضوع واحد أحدهما للإمام الطبري في تاريخه ينقله عن كعب الأحبار في حشر

ـــــــــــــــــــــ

1ـ ابن كثير ، التفسير ، قسم سورة النمل 3: 339.

[19]

الشمس والقمر يوم القيامة ، والآخر للإمام ابن كثير صاحب التفسير ينقله عن أبي هريرة عن النبي الأكرم ، مضمون الحديث ينادي بأعلى صوته بأنه موضوع مجعول على لسان الوحي ، نشره الحبر الخادع وقبله الساذج من المسلمين .

1ـ الطبري : عن عكرمة ، قال : بينا ابن عباس ذات يوم جالس إذ جاء رجل فقال : يا ابن عباس سمعت العجب من كعب الحبر يذكر في الشمس والقمر ، قال : وكان متكئاً فاحتفر ثم قال : وما ذاك ؟ قال : زعم يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم ، قال عكرمة : فطارت من ابن عباس سفه ووقعت أخرى غضباً ثم قال : كذب كعب ،  كذب كعب ، كذب كعب ، ثلاث مرات ، بل هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام ، الله أجل وأكرم من أن يعذب على طاعته ، ألم تسمع قول الله تبارك وتعالى ( وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ) ، إنما يعني دؤوبهما في الطاعة ، فكيف يعذب عبدين يثني عليهما أنهما دائبان في طاعته؟ قاتل الله هذا الحبر وقبّح حبريته ، ما أجراه على الله وأعظم فريته على هذين العبدين المطيعين لله ، قال : ثم استرجع مراراً (1).

2ـ قال ابن كثير : روى البزار ، عن عبد العزيز بن المختار ، قال : سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن في هذا المسجد ـ مسجد الكوفة ـ ، وجاء الحسن فجلس إليه فحدث ، قال : حدّثنا أبو هريرة أن رسول الله (ص) قال : ( إن الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة )

ــــــــــــــ

1ـ الطبري ، التاريخ 1: 44ط بيروت .

[20]

فقال الحسن : وما ذنبهما ؟ فقال : أحدثك عن رسول الله (ص) وتقول ـ أحسبه قال ـ : وما ذنبهما ، ثم قال : لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه (1) .

ولما كان إسلام كعب الأحبار بعد رحيل الرسول ، لذلك تعذر عليه إسناد ما رواه من أساطير إلى النبي الأكرم ، ولو أنه أدرك شيئاً من حياته (ص) وإن كان قليلاً لنسب تلك الأساطير إليه ، ولكن حالت المشيئة الإلهية دون أمانيه الباطلة ، ولكن أبا هريرة لما صحب النبي واستحسن الظن بكعب الأحبار ، وكان أستاذه في الأساطير نسب الرواية إلى النبي (ص) .

هذا نموذج قدمته إلى القراء لكي يقفوا على دور الأحبار والرهبان في نشر الدع اليهودية والنصرانية بين المسلمين ، وأن لا يحسنوا الظن بمجرد النقل من دون التأكد من صحته .

هذا غيض من فيض وقليل من كثير مما لعب به مستسلمة اليهود والنصارى في أحاديثنا وأصولنا ، ولو لا أنه سبحانه قيض في كل آونة رجالاً مصلحين كافحوا هذه الخرافات وأيقضوا المسلمين من السبات لذهبت هذه الأساطير بروعة الإسلام وصفائه وجلاله .

كعب الأحبار وتركيزه على التجسيم والرؤية :

إن المتفحص فيما نقل عن ذلك الحبر يقف على أنه كان يركز على فكرتين يهوديتين : الأولى فكرة التجسيم ، والثانية رؤية الله تعالى .

ــــــــــــــــــــ

1ـ تفسير ابن كثير 4: 475 ط دار الاحياء .

[21]

يقول عن الفكرة الأولى : أن الله تعالى نظر إلى الأرض فقال : إني واطئ على بعضك ، فاستعلت إليه الجبال ، وتضعضعت له الصخرة ، فشكر لها ذلك ، فوضع عليها قدمه فقال : هذا مقامي ومحشر خلقي ، وهذه جنتي وهذه ناري ، وهذا موضع ميزاني ، وأنا ديّان الدين (1) .

ففي هذه الكلمة الصادرة عن هذا الحبر تصريح على تجسيمه تعالى قسّم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد (ص) (2) ، وعنه انتشرت هذه الفكرة ، أي فكرة التقسيم بين المسلمين .

ومن أعظم الدواهي أن الرجل تزلف إلى الخلفاء في خلافة عمر وعثمان وتحدث عن الكثير من القصص الخرافية ، وبعدما توفي عثمان تزلف إلى معاوية ونشر في عهده ما يؤيد به ملكه ودولته ، ومن كلماته في حق الدولة الأموية ، يقول : مولد النبي بمكة ، وهجرته بطيبة ، وملكه بالشام (3).

وبذلك أضفى على الدولة الأموية صبغة شرعية وجعل ملكهم وسلطتهم امتداداً لملك النبي وسلطته.

ـــــــــــــ

1ـ أبو تميم الاصفهاني ، حلية الأولياء ^: 20.

2ـ ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة 3: 237.

3ـ الدارمي ، السنن 1: 5.

[22]

الرؤية في كتب العهدين :

إذا كان كعب الأحبار وزملائه يحملون فكرة الرؤية ، فلا غروّ ولا عجب في أنهم اتبعوا في نشر الفكرة في العهد القديم ، وإليك بعض ما ورد فيه من تصريح برؤية الرب :

1ـ وقال ( الرب ) : لا تقدر أن ترى وجهي ؛ لأن الإنسان لا يراني ويعيش .

وقال الرب : هو ذا عندي مكان فتقف على الصخرة ، ويكون من اجتاز مجدي إني أضعك في نقرة من الصخرة وأسترك بيدي حتى اجتاز ثم أرفع يدي فتنظر ورائي ، وأما وجهي فلا يرى (1) . 

وعلى هذا فالرب يرى قفاه ولا يرى وجهه !

2ـ رأيت السيد جالساً على كرسي عال .. فقلت : ويل لي لأن عيني قد رأتا الملك ربّ الجنود (2) .

والمقصود من السيد هو الله جل ذكره .

3ـ كنت أرى أنه وضعت عروش ، وجلس القديم الأيام ، لباسه أبيض كالثلج وشعر رأسه كالصوف النقي وعرشه لهيب نار (3).

4ـ أما أنا فبالبر أنظر وجهك (4) .

5ـ فقال منوح لامرأته : نموت موتاً لأننا قد رأينا الله ( 5) .

ـــــــــــــــ

1ـ سفر الخروج ، آخر الاصحاح الثالث والثلاثون .

2ـ أشعيا6ـ 6.

3ـ دانيال 7: 9 .

4ـ مزامير داود17: 15.

5ـ القضاة 13: 23.

[23]

6ـ فغضب الربّ على سليمان ، لأن قلبه مال عن الرب ، إله إسرائيل الذي تراءى له مرتين (1) .

7ـ وقد رأيت الرب جالساً على كرسيه ، وكل جند البحار وقوف لديه (2).

8ـ كان في سنة الثلاثين في الشهر الرابع في الخامس من الشهر ، وأنا بين المسبّيين عند نهر خابور ، أن السماوات انفتحت فرأيت رؤى الله ـ إلى أن قال ـ: هذا منظر شبه مجد الرب ، ولما رأيته خررت على وجهي وسمعت صوت متكلم (3).

إن فكرة الرؤية تسربت إلى المسلمين من المتظاهرين بالإسلام ، كالأحبار والرهبان ، وصار ذلك سبباً لجرأة طوائف من المسلمين على جعلها في ضمن العقيدة الإسلامية  ، بحيث يكفّر منكرها أحياناً أو يفسق ، ولما صارت تلك العقيدة راسخة في القرنين الثاني والثالث بين المسلمين ، عاد المتكلمون الذين تربوا بين أحضانهم للبرهنة والاستدلال على تلك الفكرة من الكتاب أولاً والسنة ثانياً ، ولو لا رسوخها بينهم لما تحمّلوا عبء الاستدلال وجهد البرهنة ، وسوف يوافيك أن الكتاب يرد فكرة الرؤية ويستعظم أمرها وينكرها بشدة ، وما استدل به على جواز الرؤية من الكتاب فلا يمت إلى الموضوع بصلة .

إن مسألة رؤية الله تعالى قد طرحت على صعيد البحث والجدال

ـــــــــــــــ

1ـ الملوك الأول 11: 9.

2ـ الملوك الأول 22: 19.

3ـ حزقيال 1: 1و28.

[24]

في القرن الثاني ، عندما حكيت العقائد على نسق الأحاديث ، ووردت فيها رؤيته سبحانه يوم القيامة ، فلأجل ذلك عدّت من العقائد الإسلامية ، حتى أن الإمام الأشعري عندما تاب عن الاعتزال ولحق بأهل الحديث رقى يوم الجمعة كرسياً ونادى بأعلى صوته : من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه نفسي أن فلان بن فلان كنت قلت بخلق القرآن وأن الله لا يرى بالأبصار وأن أفعال الشر أنا أفعلها ، وإني تائب مقلع معتقد للردّ على المعتزلة (1) .

وقال في الإبانة : وندين بأن الله تعالى يرى في الآخرة بالأبصار كما ير القمر ليلة البدر ، يراه المؤمنون ، كما جاءت الروايات عن رسول الله (2) .

وقال في كتابه الآخر : بسم الله ، إن قال قائل : لم قلتم إن رؤية الله بالأبصار جائزة من باب القياس؟ قيل له : قلنا ذلك لأن ما لا يجوز أن يوصف به تعالى ويستحيل عليه لا يلزم في القول بجواز الرؤية (3).

وهذا النص يعرب عن أن الرؤية كانت في ذلك العصر وفي عصر الإمام أحمد جزء من العقائد الإسلامية ، ولذلك لا تجد كتاباً كلامياً إلا ويذكر رؤية الله تبارك وتعالى في الآخرة ، ويقررها جزءاً من العقائد الإسلامية ، حتى أن الإمام الغزالي مع ما أوتي من مواهب كبيرة وكان من المصرين على التنزيه ـ فوق ما يوجد في كتب الأشاعرة ـ لم يستطع أن

ـــــــــــــ

1ـ ابن النديم ، الفهرس : 271؛ ابن خلكان ، وفيات الأعيان 3: 285.

2ـ الإمام الأشعري ، الابانة : 21.

3ـ الإمام الأشعري ، اللمع : : 61بتلخيص .

[25]

يخرج عن إطار العقيدة ، وقال : العلم بأنه تعالى مع كونه منزهاً عن الصورة والمقدار ، مقدساً عن الجهات والأنظار ، يرى بالأعين والأبصار (1) .

ثم إنهم اختلفوا في الدليل على الرؤية ، ففرقه منهم اعتمدوا على الأدلة العقلية دون السمعية ، كسيف الدين الآمدي أحد مشايخ الأشاعرة في القرن السابع (551_ 631هـ) يقول : لسنا نعتمد في هذه المسألة على غير المسلك العقلي ، إذ ما سواه لا يخرج عن المظاهر السمعية ، وهي مما يتقاصر عن إفادة القطع واليقين ، فلا يذكر إلا على سبيل التقريب ) (2) .

وفرقة أخرى كالرازي وغيره قالوا : العمدة في جواز الرؤية ووقوعها هو جواز السمع ، وعليه الشيخ الشهرستاني في نهاية الاقدام (3) .

الرؤية بالأبصار لا بالقلب ولا بالرؤيا :

محل النزاع بين الأشاعرة ومن قبلهم الحنابلة وأصحاب الحديث وبين غيرهم من أهل التنزيه ، هو رؤية الله سبحانه بالأبصار التي هي نعمة من نعم الله سبحانه وطريق إلى وقوف الإنسان على الخارج .

ــــــــــــــــــــــ

1ـ الغزالي ، قواعد العقائد : 169.

2ـ الآمدي ، غاية المرام في علم الكلام : 174.

3ـ الرازي ، معالم الدين :37 ؛ والاربعون : 148؛ والمحصل : 138؛ والشهرستاني ، نهاية الاقدام : 369.

[26]

يقول سبحانه : ( هو الذي أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) ( النحل /78) .

فالمثبت للرؤية والنافي لها يركز على موضوع واحد هو الرؤية بالأبصار ، وأن الخارج عن هذا الموضوع خارج عن إطار العقيدة.

وبذلك يظهر أن الرؤية بغير الأبصار تأويل للعقيدة التي أصر عليها أصحاب أحمد ، بل الملتحق به الإمام الأشعري ، ولا يمت إلى موضوع البحث بصلة فقد نقل عن ضرار وحفص الفرد : أن الله لا يرى بالأبصار ، ولكن يخلق لنا يوم القيامة حاسة سادسة غير حواسنا فندركه بها (1) .

يقول ابن حزم : إن الرؤية السعيدة ليست بالقوة الموضوعة بالعين ، بل بقوة أخرى موهوبة من الله(2).

إلى غير ذلك من الكلمات التي حرّفت النقطة الرئيسية في البحث ، ومعتقد أهل الحديث الأشاعرة ، ونحن نركز في البحث على الرؤية بالأبصار ، وأما الرؤية بغيرها فخارجة عن مجاله .

فإذا كانت الحنابلة والأشاعرة مصّرين على جواز الرؤية ، فأئمة أهل البيت ومن تبعهم من الإمامية والمعتزلة والزبيدية قائلون بامتناعها في الدنيا والآخرة .

فالبيت الأموي والمنتمون إليه من أهل الحديث كانوا من داعة التجسيم والتشبيه والجبر وإثبات الجهة ، والرؤية لله سبحانه ، وأما الإمام

ــــــــــــــ

1ـ الإمام الأشعري ، مقالات الإسلاميين : 261.

2ـ ابن حزم الفصل 3: 2.

[27]

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وبيته الطاهر وشيعتهم فكانوا من دعاة التنزيه والاختبار ، ومن الرافضين لهذه البدع المستوردة من اليهود بحماس .

وقد نجم في ضل العراك الفكري بين العلويين والأمويين منهجان في مجال المعارف كل يحمل شعاراً ، فشيعة غلإمام وأهل بيته يحملون شعار التنزيه والاختيار ، والأمويون وشيعتهم يحملون شعار التشبيه والجبر ، وقد اشتهر منذ قرون ، القول بأن : التنزيه والاختيار علويان ، والتشبيه والجبر أمويان .

فصارت النتيجة في النهاية أن كل محدث متزلف إلى البيت الأموي يحشد أخبار التجسيم والجبر ، بلا مبالاة واكتراث ، لكن الواعين من أمة محمد الموالين لأهل بيته كانوا يتجنبون نقل تلك الآثار .

قال الرازي في تفسير قوله ( ليس كمثله شيء ) : احتج علماء التوحيد قديما وحديثاً بهذه الآية على نفي كونه جسماً مركباً من الأعضاء والأجزاء ، حاصلاً في المكان والجهة .

قالوا : لو كان جسماً لكان مثلاً لسائر الأجسام ، فيلزم حصول الأمثال والأشياه ، وذلك باطل بصريح قوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ـ إلى أن قال :ـ

واعلم إن محمد بن اسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سماه بالتوحيد ، وهو في الحقيقة كتاب الشرك ، واعترض عليها ، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات ، لأنه كان رجلاً مضطرب الكلام ، قليل الفهم ناقص العقل ، فقال : نحن

[28]

نثبت لله وجهاً ونقول : إن لوجه ربنا من النور والضياء والبهاء ، ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره ، ووجه ربنا منفي عنه الهلاك والفناء ، ونقول : إن لبني آدم وجوهاً كتب الله عليها الهلاك والفناء ، ونفى عنها الجلال والاكرام ، غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء ، ولو كان مجرد اثبات الوجه لله يقتضي التشبيه يقتضي التشبيه لكان من قال إن لبني آدم وجوهاً وللخنازير والقردة والكلاب وجوهاً ، لكان قد شبّه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب ثم قال : ولا شك إنه اعتقاد الجهنمية : لأنه لو قيل له : وجهك يشبه وجه الخنازير والقردة لغضب ولشافهه بالسوء ، فعلمنا أنه لا يلزم من اثبات الوجه واليدين لله إثبات التشبيه بين الله وبين خلقه .

إلى أن قال : وأقول هذا المسكين الجاهل إنما وقع في أمثال هذه الخرافات لأنه لم يعرف حقيقة المثلين ، وعلماء التوحيد حققوا الكلام في المثلين ثم فرعوا عليه الاستدلال بهذه الآية (1) .

وليس ابن خزيمة أول أو آخر محدث تأثر بهذه البدع ، بل كانت الفكرة تتغلغل بين أكثر أهل الحديث الذين منهم .

1ـ عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد التميمي الدارمي السجستاني ، صاحب المسند المتوفى عام 280هـ صاحب النقض ، يقول فيه : إن الله فوق عرشه وسماواته.

2ـ حشيش بن أصرم ، مؤلف كتاب الاستقامة ، يعرفه الذهبي : بأنه

ــــــــــــ

1ـ الرازي ، مفاتيح الغيب 27: 150 ـ 151.

[29]

يرد فيه على أهل البدع ، ويريد به أهل التنزيه الذين يرفضون أخبار التشبيه ، توفي عام 253هـ.

3ـ أحمد بن محمد بن الأزهر بن حريث السجستاني السجزي ، نقل الذهبي في ميزان الاعتدال عن السلمي قال : سألت الدار قطني عن الأزهري ، فقال : هو أحد بن محمد بن الأزهر بن حريث ، سجستاني منكر الحديث ، لكن بلغني أن ابن خزيمة حسن الرأي فيه ، وكفى بهذا فخراً (1) .

يلاحظ عليه : أنه كفى بهذا ضعفاً ، ل، ابن خزيمة هذا رئيس المجسمة والمشتبهة ، ومنه يعلم حال السجستاني . توفي سنة 312هـ (2).

4ـ محمد بن اسحاق بن خزيمة ، ولد عام 311هـ وقد ألف ( التوحيد وإثبات صفات الرب ) ، وكتابه هذا مصدر المشّبهة والمجسّمة في العصور الأخيرة ، وقد اهتمّت به الحنابلة وخصوصاً الوهابية فقاموا بنشره على نطاق وسيع وسيأتي الحديث عنه .

5- عبد الله بن أحمد بن حنبل ، ولد عام 213 هـ وتوفي عام 290هـ يروي أحاديث أبيه ( الإمام أحمد بن حنبل ) وكتابه (( السنة )) المطبوع لأوّل مرّة بالمطبعة السلفية ومكتبتها عام 1349 هـ وهو كتاب مشحون بروايات التجسيم والتشبيه ، يروي فيه ضحك الرّب ، وتكلمه واصبعه ويده ورجله وذراعيه وصدره وغي ذلك ممّا سيمر عليك بعضه .

وهذه الكتب الحديثية الطافحة بالإسرائيليات والمسيحيات

[30]

جرّت الويل على الأمّة وخدع بها المغفّلون من الحنابلة والحشوية وهم يظنّون أنهم يحسنون صنعاً .

الرؤية في كلمات الإمام علي عليه السلام :

من يرجع إلى خطب الإمام علي عليه السلام في التوحيد وما أثر عن أئمة العترة الطاهرة يقف على أنّ مذهبهم في ذلك هو امتناع الرؤية ، وأنّه سبحانه لا تدركه أوهام القلوب فكيف بأبصار العيون ، وإليك نزراً يسيراً ممّا ورد في هذا الباب :

1- قال الإمام علي عليه السلام في خطبة الأشباح : (( الأول الذي لم يكن له قبل فيكون شيء قبله ، والآخر الذي ليس له بعد فيكون شيء بعده ، والرادع أناسي الأبصار عن أن تناله أو تدركه (1) .

2- وقد سأله ذعلب اليماني فقال : هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين ؟؛  فقال عليه السلام : أفأعبد ما لا أرى ؟ فقال : وكيف تراه ؟ فقال : لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان ، قريب من الأشياء غير ملابس ، بعيد غير مبائن (2).

3- وقال عليه السلام : ( الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد ، ولا تحويه المشاهد ، ولا تراه النواظر ،  ولا تحجبه السواتر (3) .

ـــــــــــــــــــــــــ

1ـ نهج البلاغة ، الخطبة 87طبعة مصر المعروف بطبعة عبدة . والاناسي جمع إنسان ، وإنسان البصر هم ما يرى وسط الحدقة ممتاز عنها في لونها .

2ـ نهج البلاغة ، الخطبة 174.

3ـ نهج البلاغة ، الخطبة 180.

[31]

إلى غير ذلك من خطبه عليه السلام الطاحفة بتقديسه وتنزيهه عن إحاطة القلوب والأبصار به (1) .

وأما المروي عن سائر أهل البيت عليهم السلام فقد عقد ثقة الإسلام الكليني في كتابه ( الكافي ) باباً خاصاً للموضوع روى فيه ثمان روايات (2) ، كما عقد الصدوق في كتاب التوحيد باباً لذلك روى فيه إحدى وعشرين رواية ، يرجع قسم منها إلى نفي الرؤية الحسيّة البصرية ، وقسم منها يثبت رؤية معنوية قلبية سنشير إليه في محله (3).

ثم إن للإمام الطاهر علي بن موسى الرضا احتجاجاً في المقام على مقال المحدث أبي قرة ، حيث ذكر الحديث الموروث عن الحبر الماكر ( كعب الأحبار ) : من أنه سبحانه قسم الرؤية والكلام بين نبيين كما تقدم .

فقال أبو قرة : فإنا رؤينا : أن الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين ، فقسم لموسى عليه السلام الكلام ، ولمحمد صلى الله عليه وآله وسلم الرؤية .

فقال أبو الحسن عليه السلام : فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين الجن والإنس أنه لا تدركه الأبصار ولا يحيطون به علماً وليس كمثله شيء ، أليس محمد (ص) ؟ قال : بلى .

قال أبو الحسن عليه السلام : فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنه جاء من عند الله ، وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله ، ويقول : إنه لا

ـــــــــــ

1ـ لاحظ الخطبتين 48و81 من الطبعة المذكورة .

2ـ الكافي 1: 95، باب إبطال الرؤية .

3ـ الوحيد : 107ـ 122 باب 8.

[32]

تدركه الأبصار ولا يحيطون به علماً وليس كمثله ، ثم يقول : أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً وهو على صورة البشر ، أما تستحيون ؟ أم قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا ، أن يكون أتى عن الله بأمرهم ثم يأتي بخلافه من وجه آخر .

فقال أبو قرة : إنه يقول : ( ولقد رآه نزلة أخرى )( النجم /13)

فقال أبو الحسن عليه السلام : إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) (النجم /11)يقول : ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما رأت عيناه ثم أخبر بما رأت عيناه فقال : ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) (النجم /18) فآيات الله غير الله ، وقال : ( ولا يحيطون به علماً ) ( طه/110) فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم ووقعت المعرفة .

فقال أبو قرة : فتكذّب بالرواية ؟

فقال أبو الحسن عليه السلام : إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذّبتها ، وما أجمع المسلمون عليه أنه لا يحاط به علماً ، ولا تدركه الأبصار ، وليس كمثله شيء .

ـــــــــــــــ

1ـ الطبرسي ، الاحتجاج 2: 375ـ 376.