ل- مقتل أبي مخنف للمورخ الشهير لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن مسلم الازدى الغامدى المتخذ من تاريخ الامم والملوك للمورخ المحدث ابي جعفر محمد بن جرير الطبرى من منشورات المكتبة العامة لحضرة العلامة المحقق آية الله العظمى السيد شهاب الدين المرعشي النجفي دام ظله الوارف مع التعاليق الهامة
لحجة الاسلام والمسلمين آية الله الحاج ميرزا حسن الغفاري دامت بركاته محرم الحرام 1398 المطبعة العلمية قم
2
بسم الله الرحمن الرحيم
خلافة يزيد بن معاوية قال ( 1 ) هشام بن محمد عن ابي مخنف : ولي يزيد في هلال رجب سنة 60 وامير المدينة الوليد بن عتبة بن ابي سفيان ، وامير الكوفة النعمان بن بشير الانصاري ، وامير البصرة عبيدالله بن زياد ، وامير مكة عمرو بن سعيد بن العاص . ولم يكن ليزيد همة حين ولي الابيعة النفر
* ( هامش ) * ( 1 ) هشام بن محمد بن السائب ابوالمنذر الناسب الكلبي
الاخبارى النسابة العلامة ، روى عن ابيه ابي النضر الكلبي المفسر وعن مجالد ، وحدث عنه جماعة . قال احمد بن حنبل : انما كان صاحب سمر ونسب ، وقيل : ان تصانيفه ازيد من مأة وخمسين مصنفا ، مات سنة اربع ومأتين ، ومن الرواة عنه محمد بن سعيد وولده العباس بن هشام ، وكان واسع الحفظ جدا . وذكره ابن ابي طي في الامامية وقص له قصة مع جعفر الصادق رحمه الله تعالى ، ونقل ابوالفرج الاصبهاني عن ابي يعقوب الحريمى قال : كان هشام بن الكلبي علامة نسابة وراوية للمثالب ، وبلغت كتبه كما عدها ابن النديم في الفهرست مأة واربعة واربعين كتابا .
3
الذين أبوا على معاوية الاجابة إلى بيعة يزيد حين دعا الناس إلى بيعته ، وانه ولي عهده بعده والفراغ من امرهم ، فكتب إلى الوليد : بسم الله الرحمن الرحيم من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة اما بعد : فان معاوية كان عبدا من عباد الله اكرمه الله واستخلفه وخوله ومكن له فعاش بقدر ومات بأجل فرحمه الله فقد عاش محمودا ومات برا تقيا والسلام . وكتب اليه في صحيفة كانها أذن فأرة أما بعد : فخذ حسينا وعبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير بالبيعة اخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام . فلما اتاه نعى معاوية فظع به وكبر عليه فبعث إلى مروان بن الحكم فدعاه اليه وكان الوليد يوم قدم المدينة قدمها مروان متكارها فلما راى ذلك الوليد منه شتمه عند جلسائه ، فبلغ ذلك مروان فجلس عنه وصرمه فلم يزل كذلك حتى جاء نعى معاوية إلى الوليد ،
* ( هامش ) * ميزان الاعتدال ( ج 4 ص 304 ) لسان الميزان ( ج 6 ص 196 ) وقال النجاشي هو العالم بالايام المشهور بالفضل والعلم ، وله الحديث
المشهور قال : اعتللت علة عظيمة نسيت علمي فجلست إلى جعفر بن محمد عليه السلام فسقاني العلم في كأس فعاد الي علمي وكان ابوعبدالله عليه السلام يقربه ويدنيه وينشطه . تنقيح المقال ( ج 3 ص 303 ط المطبعة المرتضوية بالنجف الاشرف ) .
4
فلما عظم على الوليد هلاك معاوية وما امر به من اخذ هؤلاء الرهط بالبيعة فزع عند ذلك إلى مروان ودعاه . فلما قرأ عليه كتاب يزيد استرجع وترحم عليه ، واستشاره الوليد في الامر وقال كيف ترى ان نصنع ؟ قال : فاني ارى ان تبعث
الساعة إلى هؤلاء النفر فتدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة فان فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم ، وان ابواقدمتهم فضربت اعناقهم قبل ان يعلموا بموت معاوية فانهم ان علموا بموت معاوية وثب كل امرى منهم في جانب واظهر الخلاف والمنابذة ودعا إلى نفسه ، ( 1 ) لا أدري اما ابن عمرفاني لا أراه يرى القتال ولا يحب أنه يولى على الناس الا أن يدفع اليه هذا الامر عفوا ، فارسل عبدالله بن عمرو بن عثمان وهو اذ ذاك غلام حدث اليهما يدعوهما ، فوجدهما في المسجد وهما جالسان ، فاتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس ولا يأتيانه في مثلها ، فقال : اجيبا الامير يدعو كما ، ( 2 ) فقال له : انصرف الان نأتيه . ثم اقبل احدهما على الاخر فقال عبدالله بن الزبير للحسين : ظن فيما تراه بعث الينافي هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها ، فقال حسين : قد ظننت ارى طاغيتهم قد هلك فبعث الينا ليأخذنا بالبيعة قبل ان يفشو في الناس الخبر .
* ( هامش ) * ( 1 ) الظاهر أنه زائد ويؤيد هذا عدم ذكره في الكامل لابن
أثير الجزرى . ( 2 ) في الكامل : فقالا .
5
فقال : وانا ما اظن غيره ، قال : فما تريد ان تصنع ؟ قال : اجمع فتيانى الساعة ثم امشى اليه ، فاذا بلغت الباب احتبستهم عليه ثم دخلت عليه ، قال فاني اخافه عليه ( 1 ) اذا دخلت ، قال لا آتيه الاوانا على الامتناع قادر ، فقام فجمع اليه مواليه واهل بيته ثم اقبل يمشي حتى انتهى إلى باب الوليد وقال لاصحابه : اني داخل فان دعوتكم او سمعتم صوته ( 2 ) قد علا فاقتحموا على باجمعكم والا فلا تبرحوا حتى اخرج اليكم . فدخل فسلم عليه بالامرة ومروان جالس عنده فقال حسين كانه لا يظن ما يظن من موت معاوية : الصلة خير من القطيعة اصلح الله ذات بينكما فلم يجيباه في هذا بشئ ، وجاء حتى جلس ، فأقرأه الوليد
الكتاب ونعى له معاوية ودعاه إلى البيعة ، فقال حسين : انالله وانا اليه راجعون ورحم الله معاوية وعظم لك الاجر . أما ما سئلتني من البيعة فان مثلى لا يعطى بيعته سرا ولا اراك تجترئ بها منى سرا دون ان نظهرها على رؤوس الناس علانية ، قال أجل . قال : فاذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع
الناس فكان امرا واحدا ، فقال له الوليد وكان يحب العافية : فانصرف على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس ، فقال له مروان : والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينكم ،
* ( هامش ) * ( 1 ) في الكامل : أخافه عليك . ( 2 ) في الكامل:صوتى .
6
وبينه ، احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع او تضرب عنقه . فوثب عند ذلك الحسين فقال : يابن الزرقاء أنت تقتلني ام هو ؟ كذبت والله وأثمت ، ثم خرج فمر باصحابه فخرجوا معه حتى اتى منزله ، فقال مروان للوليد : عصيتني لا والله لا يمكنك من مثلها من نفسه ابدا . قال الوليد : وبخ غيرك يا مروان انك اخترت لي التي فيها هلاك ديني ، والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأني قتلت حسينا ، سبحان الله اقتل حسينا ان
قال لا ابايع ؟ والله اني لا اظن امرء‌ا يحاسب بدم حسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة . فقال له مروان : فاذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت ، يقول
هذا له وهو غير الحامد له على رأيه . وأما ابن الزبير فقال : الان آتيكم ، ثم أتى داره فكمن فيها ، فبعث الوليد اليه فوجده مجتمعا في اصحابه متحرزا ، فألح عليه بكثرة الرسل والرجال في أثر الرجال ، فاما حسين فقال : كف حتى
تنظر وننظر وترى ونرى . واما ابن الزبير فقال لا تعجلوني فاني آتيكم امهلوني فألحوا عليهما عشيتهما تلك كلها واول ليلهما وكانوا على حسين اشد ابقاء‌ا . وبعث الوليد إلى ابن الزبير موالى له فشتموه وصاحوا به يابن الكاهلية والله لتأتين الامير أو ليقتلنك : فلبث بذلك نهاره كله واول ليلة يقول : الان اجيئ .
7
فاذا استحثوه قال : والله لقد استربت بكثرة الارسال وتتابع هذه الرجال فلا تعجلوني حتى أبعث إلى الامير من يأتيني برأيه وامره ، فبعث اليه اخاه جعفر بن الزبير فقال : رحمك الله كف عن عبدالله فانك قد افزعته وذعرته بكثرة رسلك وهو آتيك غدا ان شاء الله ، فمر رسلك فلينصرفوا عنا فبعث اليهم فانصرفوا .
وخرج ابن الزبير من تحت الليل فأخذ طريق الفرع هو وأخوه جعفر ليس معهما ثالث وتجنب الطريق الاعظم مخافة الطلب ، وتوجه نحو مكة ، فلما اصبح بعث اليه الوليد فوجده قد خرج ، فقال مروان : والله ان اخطاء مكة فسرح في اثره الرجال ، فبعث راكبا من موالى بني امية في ثمانين راكبا فطلبوه ولم يقدروا عليه فرجعوا فتشاغلوا عن حسين بطلب عبدالله يومهم ذلك حتى امسوا . ثم بعث الرجال إلى الحسين عند المساء ، فقال : اصبحوا ثم ترون ونرى ، فكفوا عنه تلك الليلة ولم يلحوا عليه . فخرج حسيين من تحت ليلته وهي ليلة الاحد ليومين بقيا من رجب سنة 60 وكان مخرج ابن الزبير قبله بليلة خرج ليلة السبت فاخذ طريق الفرع فبينا عبدالله بن الزبير يساير اخاه جعفر اذا تمثل جعفر بقول صبرة الحنظلي : وكل بني ام سيمسون ليلة * ولم يبق من اعقابهم غير واحد فقال عبدالله : سبحان الله ما أردت إلى ما اسمع يا اخي ، قال والله يا اخي ما اردت به شيئا مما تكره ، فقال : فذاك والله اكره إلى ان يكون جاء على لسانك من غير تعمد ، قال : وكأنه تطير منه ،
8
واما الحسين فانه خرج ببنيه واخوته وبنى اخيه وجل اهل بيته الا محمد بن الحنفية فانه قال له : يا اخي انت احب الناس إلى واعزهم على ولست ادخر النصيحة لاحد من الخلق أحق بها منك ، تنح بتبعتك ( 1 ) عن زيد بن معاوية وعن الامصار ما استطعت ، ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك ، فان بايعوا لك حمدت الله على ذلك ، وان اجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا يذهب به مروء تك ولا فضلك ، اني اخاف ان تدخل مصرا من هذه الامصار وتأتي جماعة من الناس فيختلفون بينهم فمنهم طائفة معك واخرى عليك فيقتتلون فتكون لاول الاسنة ، فاذا خير هذه الامة كلها نفسا وابا واما اضيعها دما وأدلها اهلا . قال له الحسين : فاني ذاهب يا أخي ، قال : فانزل مكة فان اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك وان نبت يبك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس وتعرف عند ذلك الرأى ، فانك أصوب ما يكون رأيا واحزمه عملا حتى تستقبل الامور استقبالا ولا تكون الامور عليك أبدا اشكل منها حين تستدبرها استدبارا . قال يا اخي : قد نصحت فاشفقت فارجو أن يكون رأيك سديدا موفقا . قال ابومخنف وحدثني عبدالملك ( 2 ) بن نوفل بن مساحق
* ( هامش ) * ( 1 ) في الكامل : ببيعتك . ( 2 ) عبدالملك بن نوفل بن مساحق بن عبدالله بن مخرمة بن
9
عن ابي - سعيد ( 1 ) المقبرى قال : نظرت إلى الحسين داخلا مسجد
* ( هامش ) * عبدالعزيز بن ابي قيس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لوى العامرى ابونوفل المدنى روى عن ابيه وابى عصام المزنى وكيسان بن سعيد المقبرى وربيعة العنزى ، وعنه ابومخنف لوط بن يحيى وابواسماعيل الازدى صاحب فتوح الشام وابن عيينة ، ذكره ابن حبان في الثقات - ( تهذيب التهذيب ج 6 ص 428 ) . وفي الكاشف للعلامة الذهبي ( ج 2 ص 216 ط دار التاليف بمصر ) . قال : عبدالملك بن نوفل بن مساحق عن ابيه وابي سعيد المقبري وعنه ابن عيينة وابواسماعيل محمد بن عبدالله الازدي ثقة . (1 ) كيسان ابوسعيد المقبري صاحب العباء مولى ام شريك ، روى عن عمر وعلي وعبدالله بن سلام واسامة بن زيد وابي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم وابي هريرة وابي شريح الخزاعي وابي سعيد الخدري وعقبة بن عامر وعبدالله بن وديعة وغيرهم : روى عنه ابنه سعيد وابن ابنه عبدالله بن سعيد وعمر وبن ابي عمر ومولى المطلب وابوالغصن ثابت بن قيس وعبدالملك بن نوفل بن مساحق وابوصخر حميد بن زياد ، ذكره ابن سعد في الطبقة الاولى من اهل المدينة . وقال الواقدي : كان ثقة كثير الحديث ، توفى سنة مأة ، وقال ابن سعد : توفى في خلافة الوليد بن عبدالملك ، وقال النسائي لا باس به ، وقال
10
المدينة وانه ليمشى وهو معتمد على رجلين يعتمد على هذا مرة وعلى هذا مرة وهو يتمثل بقول ابن مفرغ . لاذعرت السوام في فلق الصب * ح مغيرا ولا دعيت يزيدا يوم اعطى من المهابة ( 1 ) ضيما * والمنايا يرصدننى ان احيدا
قال : فقلت في نفسي : والله ما تمثل بهذين البيتين الا لشئ يريد ، قال فما مكث الا يومين حتى بلغنى انه سار إلى مكة . ثم ان الوليد بعث إلى عبدالله بن عمر فقال : بايع ليزيد ، فقال اذا بايع الناس بايعت ، فقال رجل ما يمنعك أن تبايع انما تريدان يختلفوا الناس بينهم فيقتتلوا ويتفانوا فاذا جهدهم ذلك قالوا : عليكم بعبدالله بن عمر لم يبق غيره بايعوه ، قال عبدالله : ما أحب ان يقتتلوا ولا يختلفوا ولا يتفانوا ، ولكن اذا بايع الناس ولم يبق غيري بايعت ، قال : فتركوه وكانوا
لا يتخوفونه . قال : ومضى ابن الزبير حتى اتى مكة وعليها عمرو بن سعيد ، فلما دخل مكة قال : انما انا عائذ ولم يكن يصلى بصلوتهم ولا يفيض
* ( هامش ) * ابراهيم الحربي : كان ينزل المقابر فسمى بذلك ، وقيل : ان عمر جعله على حفر القبور فسمى المقبرى ، وقال البخاري في صحيحه : قال
اسماعيل بن ابي اويس : انما سمى المقبرى لانه كان ينزل ناحية المقابر . (تهذيب التهذيب ج 8 ص 453 ) ( 1 ) في الكامل : المهانة .
11
بافاضتهم كما يقف هو واصحابه ناحية ثم يفيض بهم وحده ويصلى بهم وحده .
قال : فلما سار الحسين نحو مكة قال : فخرج منها خائفا يترقب ، قال رب نجنى من القوم الظالمين ، فلما دخل مكة قال : فلما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي ان يهديني سواء السبيل .
12
ذكر قصة مسلم بن عقيل وشخوصه إلى الكوفة ومقتله واما مخنف فانه ذكر من قصة مسلم بن عقيل وشخوصه إلى الكوفة ومقتله قصة هي اشبع واتم من خبر عمار الدهني عن ابي جعفر الذي ذكرناه ما حدثت عن هشام بن محمد عنه قال : حدثني ( 1 )
* ( هامش ) * ( 1 ) قال العلامة العسقلاني في ( لسان الميزان ج 3 ص 408
ط حيدر آباد ) عبدالرحمن بن جندب ، روى عن كميل بن زياد رحمه الله تعالى ، روى عنه ابوحمزة الثمالى . وفي ( جامع الرواة ج 1 ص 447 ط شركت چاپ رنگين ) للعلامة المحقق المدقق الاردبيلي رضوان الله تعالى عليه : جعله من اصحاب علي ( ع ) واستند في ذلك إلى الرجال الوسيط للعلامة السيد الجليل الفاضل الزكي ميرزا محمد الاسترابادي رحمه الله .
13
عبدالرحمان بن جندب ، قال : حدثني عقبة بن ( 1 ) سمعان مولى الرباب ابنة امرئ القيس الكلبية امرأة حسين وكانت مع سكينة ابنة حسين وهو مولى لابيها وهي اذ ذاك صغيرة ، قال : خرجنا فلزمنا الطريق الاعظم . فقال للحسين اهل بيته : لو تنكبت الطريق الاعظم كما فعل ابن الزبير لا يلحقك الطلب قال : لا والله لا افارقه حتى يقضى الله ما هو احب اليه قال : فاستقبلنا عبدالله ابن مطيع .
* ( هامش ) * ( 1 ) اورده في جامع الرواة ( ج 1 ص 539 ) وجعله من اصحاب الحسين عليه السلام مستندا في ذلك إلى الرجال الوسيط للعلامة ميرزا
محمد الاسترابادى رضي الله عنه . وفي تنقيح المقال ( ج 2 ص 254 ) ما لفظه : عقبة بن سمعان عده الشيخ ره في رجاله من اصحاب الحسين ( ع ) وقد ذكره الطبري وغيره من مورخي الواقعة ويفهم مما ذكروه أنه كان عبدا للرباب زوجة الحسين عليه السلام وأنه كان يتولى خدمة أفراسه وتقديمها له ، فلما استشهد الحسين ( ع ) فر على فرس فأخذه أهل الكوفة فزعم أنه عبد للرباب بنت امرئ القيس الكلبية زوجة الحسين عليه السلام فاطلق وجعل يروى الواقعة كما حدثت ومنه اخذت أخبارها .
14
فقال للحسين : جعلت فداك اين تريد ؟ قال : اما الآن فاني اريد مكة ، واما بعدها فاني استخير الله ، قال : خار الله لك وجعلنا فداك فاذا أنت اتيت مكة فاياك ان تقرب الكوفة فانها بلدة مشؤمة بها قتل ابوك وخذل اخوك واغتيل بطعنة كانت تأتي على نفسه ، الزم الحرم فانك سيد العرب لا يعدل بك والله اهل الحجاز احدا ويتداعى اليك الناس من كل جانب لا تفارق الحرم فذاك عمي وخالي فوالله لئن هلكت لنسترقن بعدك ، فأقبل حتى نزل مكة فأقبل اهلها يختلفون اليه ويأتونه ومن كان بها من المعتمرين واهل الافاق وابن الزبير بها قد لزم الكعبة فهو قائم يصلي عندها عامة النهار ويطوف ويأتي حسينا فيمن يأتيه فيأتيه اليومين المتواليين ويأتيه بين كل يومين مرة ولا يزال يشير عليه بالرأى وهو اثقل خلق الله على ابن الزبير قد عرف ان اهل الحجاز لايبايعونه ولا يتابعونه ابدا ما دام حسين بالبلد وان حسينا اعظم في اعينهم وانفسهم منه واطوع في الناس منه . فلما بلغ اهل الكوفة هلاك معاوية ارجف اهل العراق بيزيد وقالوا قد امتنع حسين وابن الزبير ولحقا بمكة وكتب اهل الكوفة إلى حسين وعليهم النعمان ابن بشير . قال ابومخنف : فحدثني الحجاج ( 1 ) بن علي عن محمد ( 2 ) بن
* ( هامش ) * ( 1 ) في لسان الميزان " ج 2 ص 178 " : حجاج بن علي شيخ روى عنه ابومخنف ، وروى حجاج عن عبدالله بن عباد بن يغوث . ( 2 ) الظاهر كونه محمد بن السائب بن بشر بن النضر الكلبي
15
بشر الهمداني قال : اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد فذكرنا هلاك معاوية فحمدنا الله عليه ، فقال لنا سليمان بن صرد : ان معاوية قد هلك وان حسينا قد تقبض على القوم ببيعته وقد خرج إلى مكة وانتم شيعته وشيعة أبيه ، فان كنتم تعلمون انكم ناصروه ومجاهد وعدوه فاكتبوا اليه ، وان خفتم الوهل والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه . قالوا لا بل نقاتل عدوه ونقتل انفسنا دونه .
قال : فاكتبوا اليه ، فكتبوا اليه ( بسم الله الرحمن الرحيم )  لحسين بن علي من سليمان بن صرد والمسيب بن نجمة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر وشيعته من المؤمنين والمسلمين من اهل الكوفة سلام عليك فانا نحمد اليك الله الذي لا إله إلا هو . اما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الامة فابتزها امرها وغصبها فيأها وتأمر عليها بغير رضى منها ، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها
* ( هامش ) * الكوفى من اصحاب الصادق " ع " وانه والد هشام الناسب العالم المشهور المعروف بالكلبي النسابة كما يظهر ذلك من " لسان الميزان ج 5
ص 94 " حيث قال : محمد بن بشر عن عمرو بن عبدالله الحضرمي ، وعنه ابن اسحاق ، أفرده البخاري بترجمة ، وذكر ابن ابي حاكم عن ابيه انه محمد بن
السائب الكلبي نسبه ابواسحاق إلى جده فانه محمد بن السائب بن بشر .
16
واغنيائها ، فبعدا له كما بعدت ثمود انه ليس علينا امام ، فاقبل لعل الله ان يجمعنا بك على الحق ، والنعمان بن بشير في قصر الامارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد ، ولو قد بلغنا انك قد أقبلت الينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام ان شاء الله والسلام ورحمة الله عليك . قال : ثم سرحنا بالكتاب مع عبدالله بن سبع الهمداني وعبدالله بن وال وامرنا هما بالنجاء ، فخرج الرجلان مسرعين حتى قدما على حسين لعشر مضين من شهر رمضان بمكة ، ثم لبثنا يومين ثم سرحنا اليه قيس بن مسهر الصيداوي وعبدالرحمان بن عبدالله بن الكدن الارحبي وعمارة بن عبيد السلولي فحملوا معهم نحوا من ثلاثة وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والاربعة . قال ثم لبثنا يومين آخرين ثم سرحنا اليه هاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبدالله الحنفي وكتبنا معهما ( بسم الله الرحمن الرحيم ) لحسين بن علي من شيعته من المؤمنين والمسلمين : أما بعد فحيهلا فان الناس ينتظرونك ولا رأى لهم في غيرك فالعجل العجل والسلام عليك . وكتب شبث بن ربعى وحجار بن ابجر ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم وعزرة بن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد بن عمير التميمي : اما بعد فقد اخضر الجناب واينعت الثمار وطمت الجمام فاذا شئت فاقدم على جندلك مجند والسلام عليك وتلاقت الرسل كلها عنده فقرأ الكتب وسأل الرسل عن امر الناس . ثم كتب مع هاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبدالله الحنفي 17 وكان آخر الرسل ( بسم الله الرحمن الرحيم ) من حسين بن علي إلى الملاء من المؤمنين والمسلمين : أما بعد فان هانئا وسعيدا قدما علي بكتبكم وكانا آخر من قدم علي من رسلكم ، وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلكم : انه ليس علينا امام فاقبل لعل الله ان يجمعنا بك على الهدى والحق . وقد بعثت اليكم أخي وابن عمي وثقتي من اهل بيتي ، وأمرته ان يكتب الي بحالكم وأمركم ورأيكم ، فان كتب الي أنه قد أجمع رأى ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم علي مثل ما قدمت علي به رسلكم وقرأت في كتبكم أقدم عليكم وشيكا ان شاء الله ، فلعمري ما الامام الا العامل بالكتاب والاخذ بالقسط والدائن بالحق والحابس نفسه على ذات الله والسلام .
قال ابومخنف : وذكر ( 1 ) ابوالمخارق الراسبي قال : اجتمع
* ( هامش ) * ( 1 ) ابوالمخارق عن ابن عمر ، وعنه فضيل الثمالى ، الصواب ابوعجلان . الكاشف للعلامة الذهبي " ج 3 ص 375 ط دار التأليف بمصر " وفي المغنى للعلامة المذكور " ج 2 ص 807 ط مكتبة دار الدعوة بحلب " ابوالمخارق عن ابن عمر . وفي تهذيب التهذيب " ج 12 ص 226 ط حيدرآباد " . ابوالمخارق الكوفى ، عن ابن عمر أن الكافر ليجر لسانه ، وعنه
18
ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبدالقيس يقال لها : مارية ابنة سعد او منقذاياما وكانت تشيع وكان منزلها لهم مألفا يتحدثون فيه . وقد بلغ ابن زياد اقبال الحسين فكتب إلى عامله بالبصرة : ان يضع المناظر ويأخذ بالطريق ، قال : فاجمع يزيد بن نبيط الخروج وهو من عبدالقيس إلى الحسين ، وكان له بنون عشرة ، فقال : ايكم يخرج معي ؟ فانتدب معه ابنان له : عبدالله وعبيدالله ، فقال لاصحابه في بيت تلك المرأة : اني قد ازمعت على الخروج وانا خارج ، فقالوا
له : انا نخاف عليك اصحاب ابن زياد ، فقال : اني والله لوقد استوت اخفافهما بالجدد لهان على طلب من طلبني . قال : ثم خرج فقوى في الطريق حتى انتهى إلى حسين ( ع ) فدخل في رحله بالابطح وبلغ الحسين مجيئه فجعل يطلبه ، وجاء الرجل إلى رحل الحسين فقيل له : قد خرج إلى منزلك فاقبل في اثره ، ولما لم يجده الحسين جلس في رحله ينتظره ، وجاء البصرى فوجده في رحله
جالسا فقال : بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا قال : فسلم عليه وجلس اليه فخبره بالذي جاء له ، فدعا له بخير ، ثم أقبل معه حتى اتى فقاتل معه فقتل معه هو وابناه . * ( هامش ) *
الفضل بن يزيد الثمالي صوابه ابوالعجلان المحاربي وقد تقدم التنبيه عليه ، وقال الحاكم ابواحمد : ابومخارق مغراء العبدي ، حديثه في الكوفيين ، روى عن ابن عمر ، وعنه ابواسحاق السبيعي والحسن بن عبيدالله النخعي .
19
ثم دعا مسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي و عمارة بن عبيد السلولى وعبدالرحمان بن عبدالله بن الكدن الارحبي فامره بتقوى الله وكتمان امره واللطف ، فان رأى الناس مجتمعين مستوثقين عجل اليه بذلك ، فاقبل مسلم حتى أتى المدينة فصلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وودع من أحب منأهله . ثم استأجر دليلين من قيس فاقبلا به فضلا الطريق وجاراو أصابهم عطش شديد ، وقال الدليلان : هذا الطريق حتى ينتهي إلى الماء وقد كادوا ان يموتوا عطشا . فكتب مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي إلى حسين وذلك بالمضيق من بطن الخبيت . اما بعد فاني اقبلت من المدينة معي دليلان لي فجارا عن الطريق وضلا واشتد علينا العطش فلم يلبثنا ان ماتا واقبلنا حتى انتهينا إلى
الماء فلم ننج الا بخشاشة انفسنا وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت وقد تطيرت من وجهي هذا فان رأيت اعفيتنى منه وبعثت غيري والسلام . فكتب اليه حسين : اما بعد فقد خشيت الا يكون حملك على الكتاب إلى في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له الا الجبن ، فامض لوجهك الذي وجهتك له والسلام عليك . فقال مسلم لمن قرأ الكتاب : هذا ما لست اتخوفه على نفسي ، فاقبل كما هو حتى مربماء لطيئ فنزل بهم ثم ارتحل منه فاذا رجل يرمى الصيد فنظر اليه قد رمى ظبيا حين اشرف له فصرعه ، فقال مسلم : يقتل عدونا ان شاء الله .
20
ثم اقبل مسلم حتى دخل الكوفة فنزل دار المختار بن ابي عبيد وهي التي تدعى اليوم دار مسلم بن المسيب ، واقبلت الشيعة تختلف اليه ، فلما اجتمعت اليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب حسين فأخذوا يبكون ، فقام عابس بن ابي شبيب الشاكري فحمدالله واثنى عليه ثم قال : اما بعد فاني لا اخبرك عن الناس ، ولا اعلم ما في انفسهم ، وما اغرك منهم ، والله احدثك عما انا موطن نفسي عليه ، والله لاجيبنكم اذا دعوتم ، ولا قاتلن معكم عدوكم ولا ضربن بسيفي دونكم حتى القى الله ، لا اريد بذلك الا ما عند الله . فقام حبيب بن مظاهر الفقعسى فقال : رحمك الله قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك ، ثم قال : وانا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه . ثم قال الحنفي مثل ذلك ، فقال الحجاج بن علي : فقلت لمحمد بن بشر فهل كان منك انت قول ؟ فقال : ان كنت لاحب ان يعزالله اصحابي بالظفر وما كنت لاحب ان اقتل وكرهت ان اكذب ، واختلفت الشيعة اليه حتى علم مكانه فبلغ ذالك النعمان بن بشير . قال ابومخنف حدثني نمر بن ( 1 ) وعلة عن ابي ( 2 ) الوداك قال
* ( هامش ) * ( 1 ) في لسان الميزان " ج 6 ص 171 ط حيدر آباد " .
نمر بن وعلة عن الشعبي ، وعنه ابومخنف لوط ، وفي المغنى للعلامة الذهبي " ج 2 ص 701 ط دار الدعوة بحلب " . نمير بن وعلة عن الشعبى ، قلت ما روى عنه سوى ابومخنف .
21
خرج الينا النعمان بن بشير فصعد المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قال : اما بعد فاتقوا الله عباد الله ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة فان فيهما يهلك الرجال وتسفك الدماء وتغصب الاموال وكان حليما ناسكا يحب العافية . قال : اني لم اقاتل من لم يقاتلني ولا أثب على من لا يثب على ولا اشاتمكم ولا اتحرش بكم ولا آخذ بالقرف ولا الظنة ولا التهمة
* ( هامش ) * وفي ميزان الاعتدال " ج 4 ص 373 " نمير بن وعلة عن الشعبي ، وعنه ابومخنف لوط فقط ( 2 ) في ميزان الاعتدال " ج 4 ص 584 " . هو جبر بن نوف الكوفي صاحب ابي سعيد الخدري صدوق مشهور . وفي تنقيح المقال " ج 3 ص 37 من باب الكنى " ابووداك هو شقيق ابن سلمة من اصحاب امير المؤمنين ( ع ) وعن التقريب : ابووداك بفتح الواو وتشديد الدال وآخره كاف كوفى صدوق متهم من الرابعة . في تهذيب التهذيب " ج 2 ص 60" . جبر بن نوف الهمدانى البكالى ابوالوداك الكوفى ، روى عن ابي سعيد الخدري وشريح القاضي ، وعنه مجالد وقيس بن وهب وابواسحاق وعلي بن ابي طلحة واسماعيل بن ابي خالد وابوالتياح ، قال ابن معين : ثقة ، وقال النسائي : صالح قلت : اخرج النسائي حديثه في السنن الكبرى في الحدود وغيرها ، وقال ابن ابي خثيمة : قيل لابن معين : عطية مثل ابي الوداك ؟ قال : لا ، قيل فمثل ابي هارون قال : ابوالوداك ثقة ماله ولابي هارون ، وذكره ابن حبان في الثقات .
22
ولكنكم ان ابديتم صفحتكم لي ونكثتم بيعتكم وخالفتم امامكم فوالله الذي لا اله غيره لاضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولولم يكن لي منكم ناصر ، اما اني ارجو أن يكون من يعرف الحق منكم اكثر ممن يرديه الباطل ، قال فقام اليه عبدالله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني امية فقال : انه لا يصلح ما ترى إلى الغشم ان هذا الذي انت عليه فيما بينك وبين عدوك رأى المستضعفين . فقال : أن أكون من المستضعفين في طاعة الله احب إلى من أن اكون من الاعزين في معصية الله ، ثم نزل وخرج عبدالله بن مسلم وكتب إلى يزيد بن معاوية اما بعد : فان مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة فبايعته الشيعة للحسين بن علي ، فان كان لك بالكوفة حاجة فابعث اليها رجلا قويا ينفذ امرك ويعمل مثل عملك في عدوك ، فان النعمان بن بشير رجل ضعيف وهو يتضعف فكان اول من كتب اليه . ثم كتب اليه عمارة بن عقبة بنحو من كتابه ثم كتب اليه عمر بن سعد بن ابي وقاص بمثل ذلك . قال هشام : قال عوانة : فلما اجتمعت الكتب عند يزيد ليس بين كتبهم الا يومان دعا يزيد بن معاوية سرجون مولى معاوية فقال : ما رأيك ؟ فان حسينا قد توجه نحو الكوفة ، ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع للحسين ، وقد بلغنى عن النعمان ضعف وقول سيئ ، واقرأه كتبهم فما ترى من استعمل على الكوفة ؟ وكان يزيد عاتبا على عبيدالله بن زياد ، فقال سرجون : أرايت معاوية لو نشر لك أكنت آخذا برأيه ؟ قال : نعم فأخرج عهد عبيدالله على الكوفة فقال : هذا رأى معاوية ومات
23
وقد أمر بهذا الكتاب ، فأخذ برأيه وضم المصرين إلى عبيدالله وبعث اليه بعهده على الكوفة ، ثم دعا مسلم بن عمر والباهلى وكان عنده فبعثه إلى عبيدالله بعهده إلى البصرة وكتب اليه معه : اما بعد فانه كتب إلى شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشق عصا المسلمين ، فسرحين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي أهل الكوفة فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه
او تقتله او تنفيه والسلام . فأقبل مسلم بن عمر وحتى قدم على عبيدالله بالبصرة فأمر عبيدالله بالجهاز والتهيئ والمسير إلى الكوفة من الغد وقد كان حسين كتب إلى اهل البصرة كتابا . قال هشام قال ابومخنف حدثني الصقعب ( 1 ) بن زهير عن ابي
* ( هامش ) * ( 1 ) خلاصة تذهيب تهذيب الكمال " ص 176 ط حلب " .
الصقعب باسكان القاف وفتح العين ابن زهير بن عبدالله الازدي الكوفي عن عطاء بن يسار وعمرو بن شعيب ، وعنه ابن أخيه لوط وابو اسماعيل الازدي . وفي هامش ذلك الكتاب : وثقة ابوزرعة . وفي تهذيب التهذيب " ج 4 ص 432 " الصقعب بن زهير بن عبدالله بن زهير بن سليم الازدي الكوفي ، روى عن زيد بن اسلم وعطاء بن ابي رباح وعمرو بن شعيب وغيرهم ، وعنه جرير بن حازم وحماد بن زيد وابن اخته لوط بن يحيى ابومخنف وابواسماعيل الازدي وعباد بن عباد وغيرهم ، قال
24
عثمان ( 2 ) النهدى قال : كتب حسين مع مولى لهم يقال له : سليمان ،
* ( هامش ) *  ( ابوزرعة : ثقة ، وقال ابوحاتم : شيخ ليس بالمشهور ، وذكره ابن حبان في الثقات . الكاشف " ج 2 ص 187 " ( 2 ) عبدالرحمان بن مل ابوعثمان النهدى وكان في حيات النبي صلى الله عليه وآله سمع عمرو ابيا ، عنه ايوب والحذاء قال سليمان التيمى : ان لاحسبه كان لا يصيب ذنبا ، ليله قائم ونهاره صائم ان كان ليصلى حتى يغشى عليه ، مات سنة مأة او بعدها بيسير
تهذيب التهذيب " ج 6 ص 277 " عبدالرحمن بن مل بن عمرو بن عدي بن وهب بن ربيعة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن رفاعة ابن مالك بن نهد ابوعثمان النهدى ، سكن الكوفة ثم البصرة ، ادرك الجاهلية واسلم على عهد رسول الله
صلى الله عليه وآله وصدق اليه ولم يلقه . وروى عن عمر وعلي وسعد وسعيد وطلحة وابن مسعود وحذيفة وأبي ذر وابي بن كعب واسامة بن زيد وبلال وحنظلة الكاتب وزهير بن عمرو وزيد بن ارقم وعمر وبن العاص وابي بكرة وابن عباس وابن عمروابن عمرو بن العاص وعبدالرحمن بن ابي بكر وابي برزة الاسلمى وابي هريرة وابي سعيد وابي موسى الاشعري وعايشة وام سلمة وغيرهم
وعنه ثابت البناني وقتادة وعاصم الاحول وسليمان التيمى وابوالتياح وعوف الاعرابي وخالد الحذاء وايوب السختياني وحميد الطويل وابوتميمة الهجيمي وعباس الجريرى وابونعامة عبد ربه السعدى وعثمان بن غياث
25
وكتب بنسخة إلى رؤس الاخماس بالبصرة والى الاشراف ، فكتب إلى مالك بن مسمع البكرى ، والاى الاحنف بن قيس ، والى المنذر بن الجارود ، والى مسعود بن عمرو ، والى قيس بن الهيثم ، والى عمرو بن عبيدالله بن معمر فجاء‌ت منه نسخة واحدة إلى جميع اشرافها . اما بعد فان الله اصطفى محمدا صلى الله عليه وآله على خلقه واكرمه بنبوته واختاره لرسالته ثم قبضه الله اليه ، وقد نصح لعباده وبلغ ما أرسل به صلى الله عليه وآله وكنا اهله واوليائه واوصياء‌ه وورثته واحق الناس بمقامه في الناس ، فاستأثر علينا قومنا بذلك ، فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية ، ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه ، وقد احسنوا وأصلحوا وتحروا الحق ، فرحمهم الله وغفر لنا ولهم ، وقد بعثت رسولى اليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله فان السنة قد اميتت ،
* ( هامش ) * وعلي بن زيد بن جدعان وجماعة . وقال عبدالقاهر بن السرى عن أبيه عن جده : كان ابوعثمان من قضاعة وادرك النبي صلى الله عليه وآله ولم يره وسكن الكوفة ، فلما قتل الحسين تحول إلى البصرة وحج ستين ما بين حجة وعمرة ، وكان يقول : أتت على مأة وثلاثون سنة ومامنى شئ الا وقد انكرته خلا املى ، وقال معتمر بن سليمان التيمى عن ابيه : اني لاحسب ان أبا عثمان كان لا يصيب ذنبا كان ليله قائما ونهاره صائما ، وقال ابن ابي حاتم عن ابيه : كان ثقة ، وكان عريف قومه ، وقال ابوزرعة والنسائي وابن خراش : ثقة، مات سنة خمس وتسعين وهو ابن ثلاثين ومأة .
26
وان البدعة قد احييت ، وأن تسمعوا قولى وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد ، والسلام عليكم ورحمة الله . فكل من قرء ذلك الكتاب من أشراف الناس كتمه غير المنذر بن الجارود فانه خشى بزعمه ان يكون دسيسا من قبل عبيدالله ، فجاء‌ه
بالرسول من العشية التي يريد صبيحتها أن يسبق إلى الكوفة وأقرأه كتابه ، فقدم الرسول فضرب عنقه وصعد عبيدالله منبر البصرة فحمدالله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فوالله ما تقرن بي الصعبة ، ولا يقعقع لي بالشنان ، واني لنكل لمن عاداني ، وسم لمن حاربني ، أنصف القارة من راماها ، يا أهل البصرة ان أمير المؤمنين ولاني الكوفة وأنا غاد اليها الغداة ، وقد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان ، واياكم والخلاف والارجاف ، فوالذي لا اله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لاقتلنه وعريفه ووليه ، ولاخذن الادنى بالاقصى حتى تستمعوا لي ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاق ، أنابن زياد أشبهته من بين من وطئ الحصى ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم . ثم خرج من البصرة واستخلف أخاه عثمان بن زياد وأقبل إلى الكوفة ومعه مسلم بن عمرو الباهلى ، وشريك بن الاعور الحارثي ، وحشمه وأهل بيته حتى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء وهو ملتثم والناس قد بلغهم اقبال حسين اليهم فهم ينتظرون قدومه ، فظنوا حين قدم عبيدالله أنه الحسين ، فأخذ لا يمر على جماعة من الناس الا سلموا عليه وقالوا : مرحبا بك يابن رسول الله ، قدمت خير مقدم ، فرأى من
27 تباشيرهم بالحسين عليه السلام ما ساء‌ه . فقال مسلم : بن عمرو لما أكثروا : تأخروا : هذا الامير عبيدالله بن زياد ، فأخذ حين أقبل على الظهر وانما معه بضعة عشر رجلا ، فلما دخل القصر وعلم الناس أنه عبيدالله بن زياد دخلهم من ذلك كابة وحزن شديد ، وغاظ عبيدالله ما سمع منهم وقال : الا أرى هؤلاء كما أرى قال هشام : قال ابومخنف : فحدثني المعلى بن كليب عن ابي وداك ، قال : لما نزلالقصر نودى : الصلاة جامعة ، قال : فاجتمع الناس فخرج الينا فحمد الله
واثنى عليه ثم قال : أما بعد فان امير المؤمنين أصلحه الله ولاني مصركم وثغركم وأمرني بانصاف مظلومكم ، وأعطاء محرومكم ، وبالاحسان إلى سامعكم ومطيعكم ، وبالشدة على مريبكم وعاصيكم ، وأنا متبع فيكم أمره ، ومنفذ فيكم عهده ، فانا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البر ، وسوطى وسيفي على من ترك أمري ، وخالف عهدي ، فليبق امرء على نفسه الصدق ينبى عنك لا الوعيد ، ثم نزل فاخذ العرفاء والناس أخذا شديدا فقال : اكتبوا إلى الغرباء ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين
ومن فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق ، فمن كتبهم لنا فبرئ ، ومن لم يكتب لنا أحدا فيضمن لنا ما في عرافته ألا يخالفنا منهم مخالف ، ولا يبغى علينا منهم باغ ، فمن لم يفعل برئت منه الذمة ، وحلال لنا ماله وسفك دمه ، وأيما عريف وجد في عرافته من بغية امير المؤمنين احد لم يعرفه الينا صلب على باب داره والغيت تلك العرافة من العطاء وسير إلى موضع بعمان الزارة
28
وأما عيسى بن يزيد الكناني فانه قال فيما ذكر عمر بن شبة عن هارون بن مسلم عن علي بن صالح عنه ، قال : لما جاء كتاب يزيد إلى عبيدالله بن زياد انتخب من اهل البصرة خمسمأة فيهم عبدالله بن الحارث بن نوفل ، وشريك بن الاعور ، وكان شيعة لعلي ، فكان اول من سقط بالناس شريك ، فيقال : انه تساقط غمرة ومعه ناس ، ثم سقط عبدالله بن الحارث ، وسقط معه ناس ورجوا أن يلوى عليهم عبيدالله ويسبقه الحسين إلى الكوفة ، فجعل لا يلتفت إلى من سقط ويمضي حتى ورد القادسية وسقط مهران مولاه فقال أيا مهران على هذه الحال ان أمسكت عنك حتى تنظر إلى القصر فلك مأة الف قال لا والله ما استطيع فنزل عبيدالله فأخرج ثيابا مقطعة من مقطعات اليمن ، ثم اعتجر بمعجرة يمانية ، فركب بغلته ثم انحدر راجلا وحده ، فجعل يمر بالمحارس ، فكلما نظروا اليه لم يشكوا انه الحسين فيقولون : مرحبا بك يابن رسول الله ، وجعل لا يكلمهم وخرج اليه الناس من دورهم و بيوتهم ، وسمع بهم النعمان بن بشير فغلق عليه وعلى خاصته . وانتهى
اليه عبيدالله وهو لا يشك انه الحسين ومعه الخلق يضجون . فكلمه النعمان فقال : انشدك الله الا تنحيت عني ، ما أنا بمسلم اليك امانتى ومالي في قتلك من أرب ، فجعل لا يكلمه ، ثم انه دنا وتدلى الاخر بين شرفتين فجعل يكلمه فقال : افتح لافتحت ، فقد طال ليلك ، فسمعها انسان خلقه فتكفى إلى القوم فقال : أي قوم ابن مرجانة والذي لا إله غيره ، فقالوا : ويحك انما هو الحسين ففتح له النعمان فدخل وضربوا الباب في وجوه الناس فانفضوا واصبح فجلس على المنبر
29
فقال : ايها الناس اني لاعلم انه قد سار معي وأظهر الطاعة لي من هو عدو للحسين حين ظن ان الحسين قد دخل البلد وغلب عليه ، والله ما عرفت منكم أحدا ثم نزل وأخبر أن مسلم بن عقيل قدم قبله بليلة وأنه بناحية الكوفة ، فدعا مولى لبني تميم فاعطاه مالا وقال : انتحل هذا الامر وأعنهم بالمال واقصد لهاني ومسلم وانزل عليه ، فجاء هانئا فاخبره انه شيعة وأن معه مالا . وقدم شريك بن الاعور شاكيا فقال لهاني : مر مسلما يكون عندي فان عبيدالله يعودني ، وقال شريك لمسلم : أرأيتك ان امكنتك من عبيدالله اضاربه انت بالسيف ؟ قال : نعم والله ، وجاء عبيدالله شريكا يعوده في منزل هاني وقد قال شريك لمسلم اذا سمعتني اقول : اسقوني ماء‌ا فاخرج عليه فاضربه ، وجلس عبيدالله على فراش شريك وقام على رأسه مهران فقال : اسقوني مائا ، فخرجت جارية بقدح فرأت مسلما فزالت ،
فقال شريك : اسقوني ماء‌ا ثم قال الثالثة : ويلكم تحموني الماء اسقونيه ولوكانت فيه نفس ، ففطن مهران فغمز عبيدالله فوثبب ، فقال شريك : أيها الامير اني اريد ان اوصى اليك ، قال اعود اليك ، فجعل مهران يطرد به وقال ارادوالله قتلك ، قال : وكيف مع اكرامي شريكا وفي بيت هاني ويد ابي عنده يد ، فرجع فأرسل إلى اسماء بن خارجة ومحمد بن الاشعث فقال : ائتياني بهاني ، فقالا له : انه لا يأتي الا بالامان ، قال : وماله وللامان ، وهل أحدث حدثا ؟ انطلقا فان لم يأت الا بأمان فآمناه تأتياه ، فدعواه فقال : انه ان اخذني قتلني فلم يزالا به حتى جائا به وعبيدالله يخطب يوم الجمعة فجلس في المسجد وقد رجل هاني غديرتيه ، فلما صلى عبيدالله قال :
30
ياهاني فتبعه ودخل فسلم ، فقال عبيدالله : يا هاني اما تعلم ان ابي قدم هذا البلد فلم يترك احدا من هذه الشيعة الا قتله غير ابيك وغير حجر ، وكان مع حجر ما قد علمت ، ثم لم يزل يحسن صحبتك ، ثم كتب إلى امير الكوفة ان حاجتى قبلك هاني ، قال نعم . قال فكان جزائي ان خبأت في بيتك رجلا ليقتلني ؟ قال : ما فعلت ، فأخرج التميمي الذي كان عينا عليهم ، فلما رآه هاني علم ان قد اخبره الخبر . فقال ايها الامير قد كان الذي بلغك ولن اضيع يدك عني ، فأنت آمن واهلك فسر حيث شئت ، فكبا عندها ومهران قام على رأسه في يده معكزة ، فقال ، واذلاه هذا العبد الحائك يؤمنك في سلطانك ؟ فقال : خذه ، فطرح المعكزة واخذ بصفيرتي هاني ثم اقنع بوجهه ، ثم اخذ عبيدالله المعكزة فضرب به وجه هاني وندر الزج فارتز في الجدار ، ثم ضرب وجهه حتى كسر انفه وجبينه وسمع الناس الهيعة وبلغ الخبر مذحج فأقبلوا واطافوا بالدار ، وامر عبيدالله بهاني فالقى في بيت ، وصيح المذحجيون وأمر عبيدالله مهران ان يدخل عليه شريحا فخرج فأدخله عليه ودخلت الشرط معه . فقال : يا شريح قد ترى ما يصنع بي ؟ قال : اراك حيا . قال وحي انا مع ما ترى ؟ اخبرقومي انهم ان انصرفوا قتلني ، فخرج إلى عبيدالله فقال رأيته حيا ورأيت أثرا سيئا قال وتنكر ان يعاقب الوالى رعيته ، اخرج إلى هؤلاء فأخبرهم ، فخرج وأمر عبيدالله الرجل فخرج معه فقال لهم شريح : ما هذه الرعة السيئة ، الرجل حي وقد عاتبه سلطانه بضرب لم يبلغ نفسه ، فانصرفوا ولا تحلوا بانفسكم ولا بصاحبكم
31
فانصرفوا . وذكر هشام عن ابي مخنف عن المعلى بن كليب عن ابي الوداك
قال : نزل شريك بن الاعور على هاني بن عروة المرادي وكان شريك شيعيا وقد شهد صفين مع عمار ، وسمع مسلم بن عقيل بمجيئي عبيدالله ومقالته التي قالها وما اخذ به العرفاء والناس ، فخرج من دار المختار وقد علم به حتى انتهى إلى دار هاني بن عروة المرادي فدخل ، بابه وارسل اليه ان اخرج ، فخرج اليه هاني فكره هاني مكانه حين رآه . فقال له مسلم : اتيتك لتجيرني وتضيفني ، فقال : رحمك الله لقد كلفتني شططا ، ولولا دخولك داري وثقت لاحببت ولسألتك ان تخرج عني غير انه ياخذني من ذلك ذمام وليس مردود مثلي على مثلك عن
جهل ادخل فآواه وأخذت الشيعة تختلف اليه في دار هاني بن عروة . ودعا ابن زياد مولى يقال له معقل فقال له : خذ ثلاثة آلاف درهم ثم اطلب مسلم بن عقيل واطلب لنا اصحابه ثم اعطهم هذه الثلاثة
آلاف فقال ( 1 ) لهم : استعينوا بها حرب عدوكم واعلمهم انك منهم ، فانك لوقد اعطيتها اياهم اطمأنوا اليك ووثقوا بك ولم يكتموك شيئا من أخبارهم ، ثم اغد عليهم ورح ، ففعل ذلك فجاء حتى اتى إلى مسلم بن عوسجة الاسدى من بني سعد بن ثعلبة في المسجد الاعظم وهو يصلي وسمع الناس يقولون ان هذا يبايع للحسين، فجاء فجلس حتى فرغ من صلاته .
* ( هامش ) * ( 1 ) الظاهر كونه فقل كما في الكامل .
32
ثم قال يا عبدالله : اني امرء من اهل الشام مولى لذي الكلاع انعم الله على بحب اهل هذا البيت وحب من احبهم ، فهذه ثلاثة آلاف درهم اردت بها لقاء رجل منهم ، بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وكنت اريد لقاء‌ه فلم أجد احدا يدلني عليه ولا يعرف مكانه ، فاني لجالس آنفا في المسجد اذ سمعت نفرا من المسلمين يقولون : هذا رجل له علم باهل هذا البيت واني اتيتك لتقبض هذا المال وتدخلني على صاحبكم فابايعه وان شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه . فقال : احمد الله على لقائك اياي فقد سرني ذلك لتنال ما تحب ولينصر الله بك اهل بيت نبيه ، ولقد ساء‌ني معرفتك اياي بهذا الامر من قبل أن ينمى مخافة هذا الطاغية وسطوته ، فاخذ بيعته قبل ان يبرح واخذ عليه المواثيق المغلظة لينا صحن وليكتمن فاعطاه من ذلك ما رضي به . ثم قال له : اختلف إلى اياما في منزلي فانا طالب لك الاذن على صاحبك ، فأخذ يختلف مع الناس فطلب له الاذن ، فمرض هاني بن عروة فجاء عبيدالله عائدا له ، فقال له عمارة بن عبيد السلولي: انما جماعتنا وكيدنا قتل هذا الطاغية فقد امكنك الله منه فاقتله ، قال هاني: ما أحب أن يقتل في داري ، فخرج فما مكث الاجمعة حتى مرض شريك بن الاعور وكان كريما على ابن زياد وعلى غيره من الامراء وكان شديد التشيع فأرسل اليه عبيدالله اني رائح اليك العشية . فقال لمسلم : ان هذا الفاجر عائدى العشية فاذا جلس فاخرج
33
اليه فاقتله ثم اقعد في القصر ليس احد يحول بينك وبينه ، فان برئت من وجعى هذا أيامى هذه سرت إلى البصرة وكفيتك امرها ، فلما كان من العشى اقبل عبيدالله لعيادة شريك . فقام مسلم بن عقيل ليدخل وقال له شريك : لا يفوتنك اذا جلس ، فقام هاني بن عروة اليه فقال : اني لا احب أن يقتل في داري كانه استقبح ذلك ، فجاء عبيدالله بن زياد فدخل فجلس فسأل شريكا عن وجعه وقال : ما الذي تجد ومتى اشكيت ، فلما طال سؤاله اياه ورآى أن الاخر لا يخرج خشي ان يفوته فأخذ يقول : ما تنظرون بسلمى أن تحيوها اسقنيها وان كانت فيها نفسي ، فقال ذلك مرتين او ثلاثا ، فقال عبيدالله ولا يفطن ما شأنه : اترونه يهجر ؟ فقال له هاني : نعم اصلحك الله ما زال هذا ديدنه قبيل عماية الصبح حتى ساعته هذه .
ثم انه قام فانصرف ، فخرج مسلم فقال له شريك ما منعك من قتله ؟ فقال : خصلتان أما أحدهما فكراهة هاني ان يقتل في داره ، واما الاخرى فحديث حدثه الناس عن النبي صلى الله عليه وآله ان الايمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن ، فقال هاني : اما والله لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا غادرا ولكن كرهت ان يقتل في داري ، ولبث شريك بن الاعور بعد ذلك ثلاثا ثم مات ، فخرج ابن زياد فصلى عليه وبلغ عبيدالله بعد ما قتل مسلما وهانيا ان ذلك الذي كنت سمعت من شريك في مرضه انما كان يحرض مسلما ويأمره بالخروج اليك ليقتلك . فقال عبيدالله : والله لا اصلى على جنازة رجل من اهل العراق ابدا ووالله لولا ان قبر زياد فيهم لنبشت شريكا ، ثم ان معقلا مولى ابن
34
زياد الذي دسه بالمال إلى ابن عقيل واصحابه اختلف إلى مسلم بن عوسجة اياما ليدخل على ابن عقيل فأقبل به حتى ادخل عليه بعد موت شريك بن الاعور فأخبره خبره كله فأخذ ابن عقيل بيعته . وامر أبا ثمامة الصائدي فقبض ماله الذي جاء به وهو الذي كان يقبض اموالهم وما يعين به بعضهم بعضا ، يشتري لهم السلاح وكان به بصيرا ، وكان من فرسان العرب ووجوه الشيعة واقبل ذلك الرجل يختلف اليهم فهو اول داخل وآخر خارج يسمع اخبارهم ويعلم اسرارهم ثم ينطلق بها حتى يقرها في اذن ابن زياد ، قال : وكان هاني يغدو ويروح إلى عبيدالله ، فلما نزل به مسلم انقطع من الاختلاف وتمارض فجعل لا يخرج فقال ابن زياد لجلسائه :مالى لا ارى هانئا ؟ فقالوا : هو شاك فقال : لو علمت بمرضه لعدته . قال ابومخنف - فحدثني المجالد ( 1 ) بن سعيد ، قال : دعا
* ( هامش ) * ( 1 ) مجالد بن سعد بن عمير بن بسطام بن ذي مران بن شرحبيل بن ربيعة بن مرثد بن جشم الهمداني ابوعمرو ويقال أبوسعيد الكوفي .
روى عن الشعبي وقيس بن أبي حازم وأبي الوداك جبر بن نوف وزياد بن علاقة ومحمد بن بشر الهمداني ومرة ووبرة بن عبدالرحمان وغيرهم . وعنه ابنه اسماعيل واسماعيل بن ابي خالد وهو من اقرانه وجرير بن حازم وشعبة والسفيانان وابن المبارك وعبدالواحد بن زياد وهشيم وحماد بن زيد وعيسى بن يونس وحفص بن غياث ويحيى بن
35
عبيدالله محمد بن الاشعث واسماء بن خارجة . قال ابومخنف - حدثني الحسن ابن عقبة المرادى انه بعث معهما عمرو بن الحجاج الزبيدي . قال ابومخنف - وحدثني نمر بن وعلة عن ابي الوداك قال : كانت روعة اخت عمرو بن الحجاج تحت هاني بن عروة ، وهي ام يحيى بن
* ( هامش ) * ابي زائدة وابن فضيل وأبوعقيل الثقفى وابن نمير وعبدالرحيم بن سليمان وابوخالد الاحمر وابواسماعيل المؤدب وعبدة بن سليمان ويحيى بن القطان وابواسامة ومحاضربن المودع وغيرهم . قال ابن عدى : له عن الشعبي عن جابر احاديث صالحة وعن غير جابر ، وعامة ما يرويه غير محفوظة ، وقال عمر وبن علي وغيره مات سنة ( ثلث ) اربع واربعين ومأة في ذي الحجة ، حديثه عند مسلم مقرون ، وقال يعقوب بن سفيان تكلم الناس فيه وهو صدوق . وقال الساجى : قال محمد بن المثنى : يحتمل حديثه لصدقه ، وقال العجلى جائر الحديث الا ان ابن مهدي كان يقول : اشعث بن سوار كان اقرء منه : وقال البخاري صدوق . وقال البخاري في الضعفاء : ابن ابي القاضي ، حدثني عبدالله
بن جرير رجل من بني سعد - حدثنا عبدالله بن نمير ، عن مجالد عن الشعبي
عن ابن عباس قال : لما ولدت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله سماها
المنصورة ، فنزل جبرائيل فقال : يا محمد الله يقرئك السلام ويقرئ مولودك السلام ، وهو يقول : ما ولد مولود احب إلى منها ، وانها قد لقبها باسم خير مما سميتها . سماها فاطمة ، لانها تفطم شيعتها من النار .
36
هانئ فقال لهم : ما يمنع هانئ بن عروة من اتياننا ؟ قالوا : ما ندري اصلحك الله وانه ليشتكي ، قال : قد بلغني انه قد برأ وهو يجلس على باب داره فالقوه فمروه الا يدع ما عليه في ذلك من الحق فاني لا احب ان يفسد عندي مثله من اشراف العرب ، فاتوه حتى وقفوا عليه عشية وهو جالس على بابه فقالوا : ما يمنعك من لقاء الامير فانه قد ذكرك وقد قال لو اعلم انه شاك لعدته فقال لهم :الشكوى يمنعنى فقالوا له : يبلغه انك تجلس كل عشية على باب دارك وقد استبطأك والابطاء والجفاء لا يحتمله السلطان اقسمنا عليك لما ركبت معنا . فدعا بثيابه فلبسها ثم دعا ببغلة فركبها حتى اذا دنا من القصر كان نفسه أحست ببعض الذي كان ، فقال لحسان بن اسماء بن خارجة : يابن اخي اني والله لهذا الرجل لخائف فما ترى ؟ قال : اى عم والله ما اتخوف عليك شيئا ولم تجعل على نفسك سبيلا ، وانت برئ وزعموا ان اسماء لم يعلم في اي شيئ بعث اليه عبيدالله ، فاما محمد فقد علم به . فدخل القوم على ابن زياد ودخل معهم فلما طلع قال عبيدالله أتتك بخائن رجلاه وقد عرس عبيدالله اذ ذاك بام نافع ابنه عمارة بن عقبة
فلما دنا من ابن زياد وعنده شريح القاضي التفت نحوه فقال : اريد حباء‌ه ويريد قتلى * عذيرك من خليلك من مراد وقد كان له اول ما قدم مكرما ملطفا . فقال له هاني : وما ذاك ايها الامير ؟ قال : ايه يا هاني بن عروة ما هذه الامور التي تربص في دورك لامير المؤمنين وعامة المسلمين جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك وظننت ان ذلك يخفى
37
على لك ، قال : ما فعلت وما مسلم عندي ، قال بلى قد فعلت ، قال : ما فعلت قال : بلى ، فلما كثر ذلك بينهما وابى هاني الا مجاحدته ومناكرته دعا ابن زياد معقلا ذلك العين فجاء حتى وقف بين يديه فقال تعرف هذا قال نعم . وعلم هانئ عند ذلك انه كان عينا عليهم وانه قد اتاه باخبارهم فسقط في خلده ساعة ثم ان نفسه راجته فقال له : اسمع مني وصدق مقالتي ، فوالله لا اكذبك والله الذي لا اله غيره ما دعوته إلى منزلي ولا علمت بشئ من امره حتى رأيته جالسا على بابي فسألني النزول على فاستحييت من رده ودخلني من ذلك ذمام فأدخلته داري وضفته
وآويته ، وقد كان من امره الذي بلغك فان شئت اعطيت الان موثقا مغلظا وما تطمئن اليه الا ابغيك سوء‌ا وان شئت اعطيتك رهينة تكون في يدك حتى آتيك وانطلق اليه فآمره ان يخرج من داري إلى حيث شاء من الارض فاخرج من ذمامه وجواره ، فقال لا والله لا تفارقني ابدا حتى تأتيني به ، فقال : لا والله لا اجيئك به ابدا انا اجيئك بضيفي تقتله ؟ قال والله لتأتيني به . قال : والله لا آتيك به . فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي وليس بالكوفة شامي ولا بصري غيره فقال : اصلح الله الامير خلني واياه حتى اكلمه لما رأى لجاجته وتأبيه على ابن زياد ان يدفع اليه مسلما ، فقال لهانئ : قم إلى هيهنا حتى اكلمك ، فقام فخلا به ناحية من ابن زياد وهما منه على ذلك قريب حيث يراهما اذا رفعا اصواتهما سمع ما يقولان واذا خفضا خفي عليه ما يقولان .
38
فقال له مسلم : يا هاني اني انشدك الله ان تقتل نفسك وتدخل البلاء على قومك وعشيرتك فوالله اني لا نفس بك عن القتل وهو يرى ان عشيرته ستحرك في شأنه ان هذا الرجل ابن عم القوم وليسوا قاتليه ولا ضائريه فادفعه اليه فانه ليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة انما تدفعه إلى السلطان ، قال : بلى والله ان على في ذلك للخزي والعار أنا ادفع جارى وضيفي وأنا حي صحيح اسمع وأرى شديد الساعدكثير الاعوان والله لولم اكن الا واحدا ليس لي ناصر لم ادفعه حتى اموت
دونه ، فاخذينا شده وهو يقول والله لا ادفعه اليه أبدا . فسمع ابن زياد ذلك فقالادنوه مني فادنوه منه ، فقال : والله لتأتيني به او لاضربن عنقك ، قال : اذا تكثر البارقة حول دارك ، فقال : والهفا عليك ابا لبارقة تخوفني وهو يظن ان عشيرته سيمنعونه فقال ابن زياد : ادنوه مني فأدنى فاستعرض وجهه بالقضيب فلم يزل يضرب انفه وجبينه وخده حتى كسر انقه وسيل الدماء على ثيابه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب ، وضرب هاني بيده إلى قائم سيف
شرطي من تلك الرجال وجابذه الرجل ومنع ، فقال عبيدالله احرورى سائر اليوم احللت بنفسك قد حل لنا قتلك خذوه فالقوه في بيت من بيوت الدار واغلقوا عليه بابه واجعلوا عليه حرسا ففعل ذلك به . فقام اليه اسماء بن خارجة فقال : ارسل غدر سار اليوم ؟ امرتنا ان نجيئك بالرجل حتى اذا جئناك به وادخلناه عليك هشمت وجهه وسيلت دمه على لحيته وزعمت انك تقتله . فقال له عبيدالله : وانك
لهيهنا فأمر به فلهزوتعتع به ثم ترك فحبس . واما محمد بن الاشعث فقال :
39
قدرضينا بما رأى الامير لنا كان ام علينا انما الامير مؤدب . وبلغ عمرو بن الحجاج ان هانئا قد قتل فاقبل في مذحج حتى احاط بالقصر ومعه جمع عظيم ثم نادى أنا عمرو بن الحجاج هذه فرسان مذحج ووجوهها لم تخلع طاعة ولم نفارق جماعة . وقد بلغهم ان صاحبهم يقتل فاعظموا ذلك ، فقيل لعبيدالله : هذه مذ حج بالباب فقال لشريح القاضي ادخل على صاحبهم فانظر اليه ثم اخرج فاعلمهم انه حي لم يقتل وانك قد رأيته فدخل اليه شريح فنظر اليه . قال ابومخنف - فحدثني الصقعب بن زهير عن عبدالرحمان ( 1 )
* ( هامش ) * ( 1 ) عبدالرحمن بن شريح بن عبدالله بن محمود بن المعافرى ابوشريح الاسكندراني ، روى عن ابي هاني حميد بن هاني وابي قبيل حييى بن هاني وايوب بن بجيد بالباء وسهل بن ابي امامة بن سهل بن حنيف وابي الاسود محمد بن عبدالرحمان بن نوفل وشراحيل بن يزيد وعبدالكريم بن الحارث وواهب بن عبدالله المعافري وابي الصباح محمد بن سمير الرعيتي وابي الزبير وغيرهم . وعنه ابن المبارك وابن وهب وابن القاسم والقاسم بن كثير وزيد بن الحباب وموسى بن داود الضبي وابوصالح المصري وهانئ بن المتوكل . قال احمد وابن معين والنسائي : ثقة ، وزاد احمد ليس به بأس . وقال ابوحاتم : لا باس به ، وذكره ابن حبان في الثقات ، قال
40
بن شريح قال سمعته يحدث اسماعيل بن طلحة قال : دخلت على هاني فلما رآني قال : يا الله يا للمسلمين اهلكت عشيرتي فأين اهل الدين واين اهل المصر تفاقدوا يخلوني وعدوهم وابن عدوهم والدماء تسيل على لحيته اذ سمع الرجة على باب القصر وخرجت واتبعني فقال يا شريح اني لا اظنها اصوات مذ حج وشيعتي من المسلمين ان دخل على عشرة نفر انقذوني . قال فخرجت اليهم ومعي حميد بن بكر الاحمري ارسله معي ابن زياد وكان من شرطه ممن يقوم على رأسه وايم الله لولا مكانه معى لكنت أبلغت اصحابه ما امرني به ، فلما خرجت اليهم قلت : ان الامير لما بلغه مكانكم ومقالتكم في صاحبكم امرني بالدخول اليه فاتيته فنظرت اليه
فامرني ان القأكم وان اعلمكم انه حي وان الذي بلغكم من قتله كان باطلا ، فقال عمرو واصحابه فاما اذ لم يقتل والحمد لله ثم انصرفوا قال ابومخنف - حدثني الحجاج بن علي عن محمد بن بشير الهمداني قال : لما ضرب عبيدالله هانئا وحبسه خشى أن يثب الناس به فخرج فصعد المنبر ومعه اشراف الناس وشرطه وحشمه فحمدالله واثنى عليه . ثم قال : اما بعد ايها الناس فاعتصموا بطاعة الله وطاعة ائمتكم * ( هامش ) * ابن يونس : توفي بالاسكندرية سنة سبع وستين ومأة وكانت له عبادة وفضل ، قلت : وقال العجلى مصري ثقة . تهذيب التهذيب ( ج 6 ص 193 )
41
ولا تختلفوا ولا تفرقوا فتهلكوا وتذلوا وتجفوا وتحرموا ، ان اخاك من صدقك وقد اعذر من انذر قال : ثم ذهب لينزل فما نزل عن المنبر حتى دخلت النظارة المسجد من قبل التمارين يشتدون ويقولون قد جاء ابن عقيل قد جاء ابن عقيل فدخل عبيدالله القصر مسرعا واغلق ابوابه قال ابومخنف - حدثني ( 1 ) يوسف بن يزيد عن عبدالله بن حازم ، قال : انا والله رسول ابن عقيل إلى القصر لانظر إلى ما صار امر هانئ ، قال : فلما ضرب وحبس ركبت فرسى وكنت اول اهل الدار دخل على مسلم بن عقيل بالخبر واذ نسوة لمراد مجتمعات ينادين يا عثرتاه يا ثكلاه ، فدخلت على مسلم بن عقيل بالخبر فامرني ان انادي في اصحابه وقد ملاء منهم الدور حوله وقد بايعه ثمانية عشر الفا وفي الدور
* ( هامش ) * ( 1 ) الظاهر كونه يوسف بن زيد البصري ابومعشر البراء العطار . روى عن عبيد بن الاخنس وسعيد بن عبدالله بن جبير بن حية وخالد بن ذكوان وأبي حازم بن دينار وصدقة بن طيلة وموسى بن دهقان وعثمان بن غياث وعدة . وعنه زيد بن الخطاب يحيى بن يحيى النيسابوري ابوكامل فضل بن حسين الجحدري ومحمد بن ابي بكر المقدمى وسيدان بن مضارب ولؤين وغيرهم قال ابوحاتم : يكتب حديثه ، وقال على بن الجنيد عن محمد بن ابي بكر المقدمى ثنا أبومعشر البحراء وكان ثقة ، وذكره ابن حبان في الثقات . تهذيب التهذيب (ج11 ص 429 ) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 440
42
اربعة آلاف رجل فقال لي : ناديا منصور امت وناديت يا منصور امت وتنادي اهل الكوفة فاجتمعوا اليه . فعقد مسلم لعبيدالله بن عمرو بن عزير الكندي على ربع كندة وربيعة وقال : سرامامى في الخيل ثم عقد لمسلم بن عوسجة الاسدي
على ربع مذحج وأسد وقال انزل في الرجال فانت عليهم وعقد لابن ثمامة الصائد على ربع تميم وهمدان وعقده لعباس ين جعدة الجدلي على ربع المدينة ثم اقبل نحو القصر فلما بلغ ابن زياد اقباله تحرز في القصر وغلق الابواب . قال ابومخنف - حدثني يوسف ( 1 ) بن ابي اسحاق عن عباس
 * ( هامش ) * ( 1 ) يوسف بن اسحاق بن ابي اسحاق السبيعي وقد ينسب إلى جده ، روى عن ابيه وجده وشعبى وابن المنكدر وعمار الدهني وعبدالله بن محمد بن عقيل . وعنه ابنه ابراهيم وابنا عمه اسرائيل وعيسى ابنا يونس بن ابي
اسحاق وابن عيينة ، لم يكن في ولد ابي اسحاق احفظ منه ، وقال ابوحاتم : يكتب حديثه ، وقال ابن حبان في الثقات : كان احفظ من ولد ابي اسحاق مستقيم الحديث على قلته . مات سنة سبع وخمسين ومأة ، وقال ابن سعد : مات في زمن ابي جعفر ، قلت : وقال الدار قطنى : ثقة . تهذيب التهذيب ( ج 11 ص 408 ) ميزان الاعتدال ( ج 4 ص 462 ) الكاشف ( ج 3 ص 297 ) خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ( ص 438 )
43
الجدلي قال : خرجنا مع ابن عقيل اربعة آلاف فلمابلغنا القصر الا ونحن ثلثمأة قال : واقبل مسلم يسير في الناس من مراد حتى احاط بالقصر ثم ان الناس تداعوا الينا واجتمعوا فوالله ما لبثنا الا قليلا حتى امتلاء المسجد من الناس والسوق وما زالوا يثوبون حتى المساء ، فضاق بعبيدالله ذرعه وكان كبر امره ان يتمسك بباب القصر وليس معه الا ثلاثون رجلا من الشرط وعشرون رجلا من اشراف الناس واهل بيته ومواليه واقبل اشراف الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذي يلي دار الرومين وجعل من بالقصر مع ابن زياد يشرفون عليهم فينظرون اليهم فيتقون ان يرموهم بالحجارة وان يشتموهم وهم لا يفترون على عبيدالله وعلى ابيه ودعا عبيدالله كثير بن شهاب ابن حصين الحارثي فامره ان يخرج فيمن اطاعه من مذحج فيسير بالكوفة ويخذل الناس عن ابن عقيل و يخوفهم الحرب ويحذرهم عقوبة السلطان ، وامر محمد بن الاشعث ان يخرج فيمن اطاعه من كندة وحضر موت فيرفع رأيه امان لمن جاء‌ه من الناس ، وقال مثل ذلك للقعقاع بن شور الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن ابحر العجلي وشمر بن ذي الجوشن العامري وحبس سائر وجوه الناس عنده استيحاشا اليهم لقلة عدد من معه من الناس، وخرج كثير بن شهاب يخذل الناس عن ابن عقيل . قال ابومخنف - فحدثني ابن ( 1 ) جناب الكلبي أن : كثيرا
* ( هامش ) * ( الظاهر كونه أبي جناب الكلبي ، وسيأتي ترجمته في يحيى
بن أبي حية ابوجناب الكلبي .
44
ألقى رجلا من كلب يقال له ، عبدالاعلى بن يزيد قد لبس سلاحه يريد ابن عقيل في بني فتيان فاخذه حتى أدخله على ابن زياد فاخبره خبره ، فقال لابن زياد انما أردتك ، قال : وكنت وعدتني ذلك من نفسك ، فأمر به فحبس ، وخرج محمد بن الاشعث حتى وقف عند دور بنى عمارة وجاء‌ه عمارة بن صلخب الازدي وهو يريد ابن عقيل عليه سلاحه ، فاخذه فبعث به إلى ابن زياد فحبسه فبعث ابن عقيل إلى محمد بن الاشعث من المسجد عبدالرحمان بن شريح الشبامى ، فلما رآى محمد بن الاشعث كثرة من اتاه أخذ يتنحى ويتأخر وأرسل القعقاع بن شور الذهلي إلى محمد الاشعث قد حلت على ابن عقيل من العرار فتأخر عن موقفه . فأقبل حتى دخل على ابن ذياد من قبل دار الروميين ، فلما اجتمع عند عبيدالله كثير بن شهاب ومحمد والقعقاع فيمن أطاعهم من قومهم فقال له كثير وكانوا مناصحين لابن زياد : اصلح الله الامير معك في القصر ناس كثير من أشراف الناس ومن شرطك واهل بيتك ومواليك . فاخرج بنا اليهم ، فأبى عبيدالله ، وعقد لشبث بن ربعى لواء‌ا فاخرجه . وأقام الناس مع ابن عقيل يكبرون ويثوبون حتى المساء وأمرهم شديد فبعث عبيدالله إلى الاشراف فجمعهم اليه ثم قال : اشرفوا على الناس فمنوا اهل الطاعة الزيادة والكرامة ، وخوفوا اهل المعصية الحرمان والعقوبة واعملوهم فصول الجنود من الشام اليهم . قال ابومخنف : حدثني سليمان بن ابي راشد عن عبدالله بن حازم الكبرى من الازد من بني كبير ، قال اشرف علينا الاشراف
45
فتكلم كثير بن اول الناس حتى كادت الشمس أن تجب فقال : ايها الناس الحقوا باهاليكم ولاتعجلوا الشر ولا تعرضوا انفسكم للقتل فان هذه جنود امير المؤمنين يزيد قد اقبلت ، وقد اعطى الله الامير عهدا لئن اتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء ويفرق مقاتلتكم في مغازي اهل الشام على غير طمع وأن يأخذ البرئ بالسقيم والشاهد بالغائب حتى لا يبقى له فيكم بقية من الله المعصية الا اذاقها وبال ماجرت ايديها وتكلم الاشراف بنحو من كلام هذا فلما سمع مقالتهم الناس اخذوا يتفرقون واخذوا ينصرفون قال ابومخنف - فحدثني المجالد بن سعيد ، أن المرأة كانت تأتي ابنها او اخاها فتقول . انصرف الناس يكفونك ، ويجئ الرجل إلى ابنه او اخيه فيقول غدا يأتيك اهل الشام فما تصنع بالحرب والشر انصرف فيذهب به فما زالوا يتفرقون ويتصدعون حتى امسى ابن عقيل وما معه ثلاثون نفسا في المسجد حتى صليت المغرب فما صلى مع ابن عقيل الا ثلاثون نفسا فلما راى انه قد امسى وليس معه الا اولئك النفر خرج متوجها نحو ابواب كندة ، فلما بلغ الابواب ومعه منهم عشرة ، ثم خرج من الباب واذا ليس معه انسان والتفت فاذا هو لا يحس احدا يدله على الطريق ولا يدله على منزل ولا يواسيه بنفسه ان عرض له عدو ، فمضى على وجهه يتلدد في ازقة الكوفة لا يدرى ابن يذهب حتى خرج إلى دور بنى جبلة من كندة ، فمشى حتى انتهى إلى باب امرأة يقال لها : طوعة ام ولد كانت للاشعث بن قيس فاعتقها فتزوجها اسيد الحضرمي فولدت له بلالا .
46
وكان بلال قد خرج مع الناس وامه قائمة تنتظره ، فسلم عليها ابن عقيل ، فردت عليه ، فقال لها : يا امة الله اسقيني ماء‌ا ، فدخلت فسقته فجلس ، وأدخلت الاناء ثم خرجت فقالت : يا عبدالله الم تشرب ؟ قال : بلى ، قالت : فاذهب إلى أهلك ، فسكت ، ثم عادت فقالت مثل ذلك فسكت ، ثم قالت له : فئ لله سبحان الله يا عبدالله فمر إلى اهلك عافاك الله فانه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا احله لك فقام فقال يا امة الله مالي في هذا المصر منزل ولا عشيرة ، فهل لك إلى أجر ومعروف ولعلي مكافئتك به بعد اليوم ، فقالت يا عبدالله وما ذاك ؟ قال : انا مسلم بن عقيل ، كذبني هؤلاء القوم وغروني قالت انت مسلم ؟ قال : نعم ، قالت : ادخل ، فادخلته بيتا في دارها غير البيت الذي تكون فيه ، وفرشت له وعرضت عليه العشاء ، فلم يتعش ولم يكن باسرع من ان جاء ابنها فرآها تكثر الدخول في البيت والخروج منه ، فقال : والله ليريبني كثرة دخولك هذا البيت منذ الليلة وخروجك منه ان لك لشأنا . قالت يا بني : أله عن هذا ، قال لها : والله لتخبرني ، قالت : أقبل على شأنك ولا تسألني عن شئ ، فالح عليها فقالت : يا بني لا تحدثن احدا من الناس بما اخبرك به وأخذت عليه الايمان فحلف لها فاخبرته فاضطجع وسكت وزعموا أنه قد كان شريدا من الناس . وقال بعضهم
كان يشرب مع اصحاب له ، ولما طال على ابن زياد وأخذ لا يسمع لاصحاب ابن عقيل صوتا كان يسمعه قبل ذلك قال لاصحابه : اشرفوا فانظروا هل ترون منهم احدا ؟
47
فأشرفوا فلم يروا احدا ، قال : فانظروا لعلهم تحت الظلال قد كمتوا لكم ففرعوا بحابح المسجد وجعلوا يخفضون شعل النار في ايديهم ثم ينظرون هل في الظلال احد وكانت احيانا تضئ لهم واحيانا لا تضئ لهم كما يريدون فدلوا القناديل وانصاف الطنان تشد بالحبال ثم تجعل فيها النيران ثم تدلى حتى تنتهي إلى الارض، ففعلوا ذلك في اقصى الظلال وادناها واوسطها حتى فعلوا ذلك بالظلة التي فيها المنبر . فلما لم يروا شيئا اعلموا ابن زياد ففتح باب السدة التي في المسجد ثم خرج فصعد المنبر وخرج اصحابه معه فامرهم فجلسوا حوله قبيل العتمة وامر عمرو بن نافع فنادى الا برئت الذمة من رجل من الشرطة والعرفاء او المناكب او المقاتلة صلى العتمة إلى في المسجد فلم يكن له الا ساعة حتى امتلاء المسجد من الناس ثم امر مناديه فاقام الصلاة . فقال الحصين بن تميم ان شئت صليت بالناس او يصلى بهم غيرك ودخلت انت فصليت في القصر فاني لا آمن ان يغتالك بعض اعدائك فقال مرحرسى فليقوموا ورائي كما كانوا يقفون ودرفيهم فاني لست بداخل اذا ، مصلى بالناس . ثم قام فحمدالله واثنى عليه ، ثم قال : اما بعد فان ابن عقيل السفيه الجاهل قد اتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق ، فبرئت ذمة الله من رجل وجدناه في داره ومن جاء به فله ديته اتقوا الله عباد الله والزموا طاعتكم وبيعتكم ولا تجعلوا على انفسكم سبيلا ، يا حصين ابن تميم ثكلتك امك ان صاح باب سكة من سكك
48 الكوفة او خرج هذا الرجل ولم تأتني به وقد سلطتك على دوراهل الكوفة
فابعث مراصدة على افواه السكك واصبح غدا واستبر الدور وجس خلالها حتى تأتيني بهذا الرجل ، وكان الحصين على شرطه وهو من بني تميم . ثم نزل ابن زياد فدخل وقد عقد لعمرو بن حريث رأية وأمره على الناس فلما اصبح جلس مجلسه واذن للناس فدخلوا عليه واقبل محمد بن الاشعث فقال مرحبا بمن لا يستغش ولايتهم ثم اقعده إلى جنبه واصبح ابن تلك العجوز وهو بلال بن اسيد الذي اوت امه ابن عقيل فغدا إلى عبدالرحمان بن محمد بن الاشعث فأخبره بمكان ابن عقيل عندامه . قال : فاقبل عبدالرحمان حتى اتى اباه وهو عند ابن زياد
فساره ، فقال له ابن زياد : ما قال لك قال : أخبرني ان ابن عقيل في دار من دونا ، فنخس بالقضيب في جنبه ثم قال : قم فأتني به الساعة . قال ابومخنف : فحدثني قدامة بن ( 1 ) سعيد بن زائده بن قدامة الثقفي : ان ابن الاشعث حين قام ليأتيه بابن عقيل بعث إلى عمرو بن حريث وهو في المسجد خليفته على الناس ان ابعث مع ابن الاشعث ستين او سبعين رجلا كلهم من قيس ، وانما كره ان يبعث معه قومه لانه
* ( هامش ) * ( 1 ) قدامة بن سعيد بن ابي زائدة عده الشيخ من اصحاب الباقر عليه السلام جامع الرواة ( ج 2 ص 23 ) تنقيح المقال ( ج 2 ص 28 ) من حرف القاف .
49
قد علم ان كل قوم يكرهون ان يصادف فيهم مثل ابن عقيل ، فبعث معه عمرو بن عبيدالله بن عباس السلمي في ستين او سبعين من قيس حتى اتوا الدار التي فيها ابن عقيل . فلما سمع وقع حوافر الخيل واصوات الرجال عرف انه قداتى ، فخرج اليهم بسيفه واقتحموا عليه الدار فشد عليهم يضربهم بسيفه حتى اخرجهم من الدار ، ثم عادوا اليه فشد عليهم كذلك . فاختلف هو وبكير بن حمران الاحمري ضربتين فضرب بكير فم مسلم فقطع شفته العليا واشرع السيف في السفلى ونصلت لها ثنيتاه ، فضربه مسلم ضربة في رأسه منكرة وثنى باخرى على حبل العاتق كادت تطلع على جوفه ، فلما رأوا ذلك اشرفوا عليه من فوق ظهر البيت فاخذوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في اطنان القصب ثم يقبلونها عليه من فوق البيت ، فلما رأى ذلك خرج عليهم مصلتا بسيفه في السكة فقاتلهم ، فاقبل عليه محمد بن الاشعث فقال : يافتى لك الامان لا تقتل نفسك ، فاقبل يقاتلهم وهو يقول : اقسمت لا اقتل الا حرا * وان رأيت الموت شيئا نكرا كل امرئ يوما ملاق شرا * ويخلط البارد سخنا مرا رد شعاع الشمس فاستقرا * اخاف ان اكذب اواغرا فقال له محمد بن الاشعث : انك لا تكذب ولا تخدع ولا تغر ، ان القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك ، وقد اثخن بالحجارة وعجز عن القتال وانبهر فاسند ظهره إلى جنب تلك الدار ، فدنا محمد
50
بن الاشعث ، فقال : لك الامان ، فقال : آمن انا ؟ قال : نعم ، وقال القوم : انت آمن غير عمرو بن عبيدالله بن العباس السلمى فانه قال : لا ناقة لي في هذا ولا جمل وتنحى . وقال ابن عقيل : اما لو لم تؤمنوني ما وضعت يدي في ايديكم ، واتى ببغلة فحمل عليها واجتمعوا حوله وانتزعوا سيفه من عنقه ، فكانه عند ذلك آيس من نفسه ، فدمعت عيناه ، ثم قال هذا اول الغدر ، قال محمد بن الاشعث : ارجوالا ( لا ) يكون عليك بأس ، قال : ما هو الا الرجاء اين امانكم ؟ انا لله وانا اليه راجعون وبكى . فقال له عمرو بن عبيدالله بن عباس : ان من يطلب مثل الذي تطلب اذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك قال : اني والله ما لنفسي ابكى ولا لها من القتل ارثى وان كنت لم احب لها طرفة عين تلفا ولكن ابكى لاهلى المقبلين إلى ، ابكى لحسين وآل حسين ، ثم اقبل على محمد بن الاشعث فقال : يا عبدالله اني اراك والله ستعجز عن اماني فهل عندك خير تستطيع ان تبعث من عندك رجلا على لساني يبلغ حسينا فاني لا اراه الا قد خرج اليكم اليوم مقبلا او هو خرج غدا هو واهل بيته وان ما ترى من جزعى لذلك .
فيقول : ان ابن عقيل بعثني اليك وهو في ايدي القوم اسير لا يرى ان تمشى حتى تقتل ، وهويقول : ارجع باهل بيتك ولا يغرك اهل الكوفة فانهم اصحاب ابيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت او القتل ، ان اهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لمكذوب رأى ، فقال ابن الاشعث : والله لافعلن ولاعلمن ابن زياد اني قد امنتك .
51
قال ابومخنف : فحدثني جعفر بن ( 1 ) حذيفة الطائي وقد عرف سعيد بن شيبان الحديث قال : دعا محمد بن الاشعث اياس بن العثل الطائي من بني مالك بن عمرو بن ثمامة ، وكان شاعرا وكان لمحمد زوارا ، فقال له : الق حسينا فابلغه هذا الكتاب ، وكتب فيه الذي امره ابن عقيل وقال له : هذا زادك وجهازك ومتعة لعيالك ، فقال : من أين لي براحلة فان راحلتي قد انضيتها ، قال : هذه راحلة فاركبها برحلها . ثم خرج فاستقبله بزبالة لاربع ليال فاخبره الخبر وبلغه الرسالة ،
فقال له حسين : كل ما حم نازل ، وعندالله نحتسب انفسنا وفساد امتنا ، وقد كان مسلم بن عقيل حيث تحول إلى دار هاني بن عروة وبايعه ثمانية عشر الفا قدم كتابا إلى حسين مع عابس بن ابي شبيب الشاكري . اما بعد : فان الرائد لا يكذب اهله ، وقد بايعني من اهل الكوفة ثمانية عشر الفا ، فعجل الاقبال حين يأتيك كتابي فان الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية رأى ولا هوى والسلام واقبل محمد بن الاشعث بابن عقيل إلى باب القصر فاستأذن ، فاذن له ، فأخبر عبيدالله خبر ابن عقيل وضرب بكير اياه ، فقال : بعدا
* ( هامش ) * ( 1 ) جعفر بن حذيفة . عن علي ، وعنه أبومخنف وفي كتاب ابن أبي حاتم جعفر بن حذيفة من آل عامر بن جوين بن عامر بن قبس
الجرمي كان مع علي يوم صفين ، وروى عنه أبومخنف ، وذكره ابن حبان في الثقات ميزان الاعتدال ( ج 1 ص 405 ) المغنى ( ج 1 ص 132 ) لسان الميزان ( ج 2 ص 113 ) .
52
له ، فأخبره محمد بن الاشعث بما كان منه وما كان من أمانه اياه ، فقال عبيدالله : ما انت والامان ، كانا ارسلناك تومنه ؟ انما ارسلناك تأتينا به فسكت ، وانتهى ابن عقيل إلى باب القصر وهو عطشان وعلى باب القصر ناس جلوس ينتظرون الاذن منهم عمارة بن عقبة بن ابي معيط ، وعمرو بن حريث ، ومسلم بن عمرو ، وكثير بن شهاب . قال ابومخنف - فحدثني قدامة بن سعد : ان مسلم بن عقيل حين انتهى إلى باب القصر فاذا قلة باردة موضوعة على الباب ، فقال ابن عقيل: اسقوني من هذا الماء ، فقال له مسلم بن عمرو اتراها ما ابردها ، لا والله لا تذوق منها قطرة ابدا حتى تذوق الحميم في نار جهنم ، قال له ابن عقيل : ويحك من أنت ؟ قال : انا بن من عرف الحق اذا انكرته ، ونصح لامامه اذ غششته ، وسمع واطاع اذ عصيته وخالفت ، انا مسلم بن عمرو الباهلي ، فقال ابن عقيل : لامك الثكل ما اجفاك وما افظك واقسى قلبك واغلظك ؟ انت يابن باهلة اولى
بالحميم والخلود في نار جهنم مني ، ثم جلس متساندا إلى حائط . قال ابومخنف - وحدثني سعيد بن مدرك بن عمارة : ان عمارة بن عقبة بعث غلاما له يدعى قيسا فجاء‌ه بقلة عليها منديل ومعه قدح فصب فيه ماء‌ا ثم سقاه ، فاخذ كلما شرب امتلاء القدح دما ، فلما ملاء القدح المرة الثالثة ذهب ليشرب فسقطت ثنيتاه فيه ، فقال : الحمد لله لو كان لي من الرزق المقسوم شربته . وادخل مسلم علي ابن زياد فلم يسلم عليه بالامرة ، فقال له الحرسى : الا تسلم على الامير ؟ فقال له : ان كان يريد قتلى فما سلامى عليه وان كان لا يريد قتلى فلعمرى ليكثرن
53
سلامى عليه .
فقال له ابن زياد : لعمرى لتقتلن ، قال كذالك ، قال : نعم ، قال : فدعنى اوصى إلى بعض قومي ، فنظر إلى جلساء عبيدالله وفيهم عمر بن سعد ، فقال يا عمر : ان بيني وبينك قرابة ولي اليك حاجة وقد يجب لى عليك نجح حاجتي وهو سر فأبى ان يمكنه من ذكرها ، فقال له عبيدالله : لا تمتنع ان تنظر في حاجة ابن عمك ، فقام معه فجلس حيث ينظر اليه ابن زياد ، فقال له : ان على بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة سبعمأة درهم فاقضها عني ، وانظر جثتي فاستوهبها من ابن زياد فوارها ، وابعث إلى حسين من يرده ، فاني قد كتبت اليه اعلمه ان الناس معه ولا اراه الا مقبلا . فقال عمر لابن زياد : اتدري ما قال لي ؟ انه ذكر كذا وكذا ، قال له ابن زياد : انه لا يخونك الامين ولكن قد يؤتمن الخائن ، اما ما لك فهو لك ولسنا نمنعك ان تصنع فيه ما احببت ، واما حسين فانه ان لم
يردنا لم نرده ، وان ارادنا لم نكف عنه ، واما جثته فانا لن نشفعك فيها انه ليس باهل منا لذلك ، قد جاهدنا وخالفنا وجهد على هلاكنا ، وزعموا انه قال : اما جئته فانا لا نبالى اذا قتلناه ما صنع بها . ثم ان ابن زياد قال : ايه يابن عقيل اتيت الناس وامرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتتهم وتفرق كلمتهم وتحمل بعضهم على بعض ، قال : كلا لست اتيت ، ولكن اهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دمائهم ، وعمل فيهم اعمال كسرى وقيصر ، فاتيناهم لنأمر بالعدل
وندعو إلى حكم الكتاب .
54
قال : وما أنت وذاك يا فاسق اولم نكن نعمل بذاك فيهم اذ انت بالمدينة تشرب الخمر ؟ قال : أنا اشرب الخمر ، والله ان الله ليعلم انك غير صادق ، وانك قلت بغير علم ، واني لست كما ذكرت ، وان احق بشرب الخمر مني واولى بها من يلغ في دماء المسلمين ولغا ، فيقتل النفس التي حرم الله قتلها ، ويقتل النفس ، بغير النفس ويسفك الدم الحرام ، ويقتل على الغضب والعداوة وسوء الظن وهو
يلهو ويلعب كان لم يصنع شيئا . فقال له ابن زياد : يا فاسق ان نفسك تمنيك ما حال الله دونه ولم يرك اهله ، قال فمن اهله يابن زياد ؟ قال : امير المؤمنين يزيد ، فقال : الحمد لله على كل حال رضينا بالله حكما بيننا وبينكم ، قال : كأنك
تظن ان لكم في الامر شيئا ، قال : والله ما هو بالظن ولكنه اليقين ، قال : قتلني ان لم اقتلك قتلة لم يقتلها احد في الاسلام . قال : اما انك احق من احدث في الاسلام ما لم يكن فيه ، اما انك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة ، ولا احد من الناس احق بها منك . واقبل ابن سمية يشتمه ويشتم حسينا وعليا وعقيلا واخذ مسلم لا يكلمه . وزعم اهل العلم ان عبيدالله امرله بماء فسقى بخزفة . ثم قال له : انه لم يمنعنا نسقيك فيها الا كراهة ان تحرم بالشرب فيها ثم نقتلك ولذلك سقيناك في هذا . ثم قال : اصعدوا به فوق القصر فاضربوا عنقه ، ثم اتبعوا جسده رأسه ، فقال : يا ابن الاشعث اما والله لولا انك آمنتنى ما استسلمت ، قم بسيفك دوني فقد اخفرت ذمتك . ثم قال : يابن زياد اما والله
55
لو كانت بيني وبينك قرابة ما قتلتني . ثم قال ابن زياد : اين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف وعاتقه ؟ فدعى فقال : اصعد فكن انت الذي تضرب عنقه، فصعد به وهو يكبر ويستغفر ويصلى على ملائكة الله ورسله وهو يقول : اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا واذ لونا واشرف به على موضع الجرارين اليوم ، فضربت عنقه واتبع جسده رأسه . قال ابومخنف - حدثني الصقعب بن زهير عن ( 1 ) عوف
* ( هامش ) * ( 1 ) الظاهر كونه عوف بن أبي جميلة لا أبي حجيفة ، فان ابن أبي حجيفة اسمه عون ، وستأتي ترجمته وعلى فرض كونه أبي جميلة هو عوف بن أبي جميلة العبدي الهجري ابوسهل البصري المعروف بالاعرابي ، واسم ابيه جميلة بندويه ، ويقال : بل بندويه اسم امه واسم أبيه رزينة . روى عن ابي رجاء العطاردي ، وأبي عثمان النهدي ، وأبي العالية ، وأبي المنهال سيار بن سلامة ، وخلاس الهجري والحسن بن أبي الحسن البصري ، وأخيه سعيد بن أبي الحسن ، وأنس ومحمد ابني سيرين ، وزرارة بن أوفى ، وعلقمة بن وائل ، وقسامة بن زهير ، ويزيد الفارسي ، وأبي نضرة العبدي ، وخالد الاشجع ، وزياد
بن مخراق وعبدالله بن عمرو بن هند وجماعة . وعنه شعبة ، والثوري ، وابن المبارك والقطان ، وهشيم وعيسى بن يونس وغندر ومروان بن معاوية ومعتمر بن سليمان وروح بن عبادة وعدة كثيرة .
56
بن ابي حجيفة قال : نزل الاحمري بكير بن حمران الذي قتل مسلما فقال له ابن زياد : قتلته ؟ قال : نعم ، قال : فما كان يقول وانتم تصعدون به ؟ قال : كان يكبر ويسبح ويستغفر ، فلما ادنيته لاقتله قال : اللهم احكم بيننا وبين قوم كذبونا وغرونا وخذلونا وقتلونا ، فقلت له : ادن مني الحمد لله الذي اقادني منك فضربته ضربة لم تغن شيئا ، فقال : اما ترى في خدش تخد شنيه وفاء من دمك ايها العبد، فقال ابن زياد : وفخرا عند الموت ، قال : ثم ضربته الثانية فقتلته . قال: وقام محمد بن الاشعث إلى عبيدالله بن زياد فكلمه في هاني بن عروة وقال : انك قد عرفت منزلة هاني بن عروة في المصر وبيته في العشيرة ، وقد علم قومه أني وصاحبي سقناه اليك ، فانشدك الله لما وهبته لي فاني أكره عداوة قومه ، هم أعز أهل المصر وعدد أهل اليمن . قال : فوعده أن يفعل ، فلما كان من امر مسلم بن عقيل ماكان بداله فيه وأبى ان يفى له بما قال ، قال : فامربهانئ بن عروة حين قتل مسلم بن عقيل فقال : اخرجوه إلى السوق ، فاضربوا عنقه ، قال :
* ( هامش ) * قال عبدالله بن احمد عن أبيه : ثقة صالح . وقال اسحاق بن منصور عن ابن معين : ثقة . وقال ابوحاتم : صدوق صالح . وقال النسائي ثقة ثبت ، وقال الوليد بن عتبة عن مروان بن معاوية : كان يسمى الصدوق ، وقال محمد بن عبدالله الانصاري كان يقال عوف الصدوق . وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث ومات سنة ست واربعين ومأة . تهذيب التهذيب ( ج 8 ص 166 )
57
فأخرج بهانئ حتى انتهى إلى مكان من السوق كان يباع فيه الغنم ، وهو مكتوف فجعل يقول : وامذ حجاه ولا مذ حج لي اليوم وامذ حجاه و اين مني مذحج . فلما رأى ان احدا لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف ثم قال اما من عصا او سكين اوحجر او عظم يجاحش به رجل عن نفسه ؟ قال : ووثبوا اليه فشدوه وثاقا ، ثم قيل له : امدد عنقك فقال : ما انابها مجد سخى ، وما انا بمعينكم على نفسي ، قال : فضربه مولى لعبيد الله بن زياد تركى يقال له رشيد بالسيف فلم يصنع سيفه شيئا فقال هاني : إلى الله المعاد اللهم إلى رحمتك ورضوانك ، ثم ضربه اخرى فقتله . قال : فبصر به عبدالرحمان بن الحصين المرادي بخازر وهو مع عبيدالله بن زياد ، فقال الناس هذا قاتل هاني بن عروة ، فقال ابن الحصين قتلني الله ان لم اقتله اواقتل دونه ، فحمل عليه بالرمح ، فطعنه فقتله .
ثم ان عبيدالله بن زياد لما قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة دعا بعبد الاعلى الكلبي الذي كان اخذه كثير بن شهاب في بني فتيان فاتى به : فقال له : اخبرني بامرك فقال : اصلحك الله خرجت لانظر ما يصنع الناس فاخدني كثير بن شهاب ، فقال له : فعليك وعليك من الايمان المغلظة ان كان اخرج الا ما زعمت ، فابى ان يحلف ، فقال عبيدالله : انطلقوا بهذا إلى جبانة السبع فاضربوا عنقه بها ، قال: فانطلق به فضربت عنقه . قال : واخرج عمارة بن صلخب الازدى وكان ممن يريد ان يأتي مسلم بن عقيل بالنصرة لينصره ، فأتى به ايضا عبيدالله ، فقال له : ممن
58
انت ؟ قال : من الازد ، قال : انطلقوا به إلى قومه فضربت عنقه فيهم . فقال عبدالله بن الزبير الاسدي في قتلة مسلم بن عقيل وهاني بن عروة المرادى ويقال قاله الفرزدق . ان كنت لا تدرين ماالموت فانظرى * إلى هانئ في السوق وابن عقيل إلى بطل قد هشم السيف وجهه * وآخر يهوى من طمار قتيل اصابهما امر الامير فاصبحا * احاديث من يسرى بكل سبيل ترى جسدا قد غير الموت لونه * ونضح دم قد سال كل مسيل فتى هو احيى من فتاة حيية * واقطع من ذي شفرتين صقيل ايركب اسماء الهما ليج آمنا * وقد طلبته مذحج بذخول تطيف حواليه مراد وكلهم * على رقبة من سائل ومسول فان انتم لم تثأروا باخيكم * فكونوا بغايا ارضيت بقليل قال ابومخنف - عن ابي جناب ( 1 ) يحيى بن ابي حية الكلبى
* ( هامش ) * ( 1 ) يحيى بن أبي حية ابوجناب الكلبي الكوفي واسم أبي حية حي روى عن أبيه ويزيد بن البراء بن عازب ، وعبدالرحمان ابن أبي ليلى ، والضحاك بن مزاحم ، والحسن البصري ، وابي بردة بن أبي موسى ، وشهر بن حوشب ، واياد بن لقيط ، وعبدالله بن عيسى بن عبدالرحمان بن ابي ليلى ، ومغراء العبدي وجماعة . وعنه السفيانان ، والحسن بن صالح ، وجرير وهشيم ، والنضر بن زرارة ، وعبدة بن سليمان الكلابي ، ووكيع ، وابوبدر شجاع بن الوليد ، وجعفر بن عون . وأبونعيم وغيرهم . قال الذهلي : سمعت يزيد بن هارون يقول : كان صدوقا .
59
قال : ثم ان عبيدالله بن زياد لماقتل مسلما وهانئا بعث برؤوسهما مع هانئ بن ابي حية الوادعى والزبير بن الاروح التميمى إلى يزيد بن معاوية وامر كاتبه عمرو بن نافع ان يكتب إلى يزيد بن معاوية بما كان من مسلم وهانئ فكتب اليه كتابا اطال فيه وكان اول من اطال في الكتب ، فلما نظر فيه عبيدالله بن زياد كرهه وقال : ما هذا التطويل وهذه الفضول اكتب : اما بعد فالحمد لله الذي اخذ لامير المؤمنين بحقه ، وكفاه مؤنة عدوه ، اخبر امير المؤمنين اكرمه الله ان مسلم عقيل لجأ إلى دار هاني بن عروة المرادى ، واني جعلت عليهما العيون ، ودسست اليهما الرجال ، وكدتهما حتى استخرجتهما ، وامكن الله منهما فقدمتهما فضربت اعناقهما ، وقد بعثت اليك برؤوسهما مع هاني بن ابي حية الهمداني والزبير بن الاروح التميمي ، وهما من اهل السمع والطاعة والنصيحة ، فليسألهما امير المؤمنين عما احب من امر ، فان عندهما
* ( هامش ) * قال ابونعيم : لم يكن بأبي جناب بأس ، وكذا قال احمد وابن
معين وابوداود عن أبي نعيم ، وقال عبدالله الدورقى عن ابن معين : ليس به بأس ، وقال عثمان الدارمى عن ابن معين : صدوق ، وقال ابن نمير : صدوق ، وقال ابوزرعة : صدوق ، وقال ابن خراش : كان صدوقا ، وذكره ابن حبان في الثقات قال الغلابي عن ابن معين مات سنة سبع واربعين ومأة ، وفيها ارخه ابن سعد ومطين ، وقال ابونعيم وغيره : مات سنة خمسين ومأة ، قلت : وقال الساجى : كوفى صدوق . تهذيب التهذيب ( ج 11 ص 201 )
60
علما وصدقا وفهما وورعا والسلام . فكتب اليه يزيد : أما بعد فانك لم تعد ان كنت كما احب ، عملت عمل الحازم وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش ، فقد أغنيت وكفيت ، وصدقت ظنى بك ورأيى فيك ، وقد دعوت رسوليك فسألتهما وناجيتهما فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت فاستوص بهما خيرا ، وانه قد بلغني : ان الحسين بن علي قد توجه نحو العراق فضع المناظر والمسالح ، واحترس على الظن ، وخذ على التهمة غير الا تقتل الا من قاتلك ، واكتب إلى في كل ما يحدث من الخبر والسلام عليك ورحمة الله . قال أبومخنف - حدثني الصقعب بن الزهير عن عون ( 1 ) بن ابي حجيفة قال : كان مخرج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال مضين من ذي الحجة سنة 60 ويقال يوم الاربعاء لسبع ( 2 ) مضين
* ( هامش ) * ( 1 ) عون بن ابي حجيفة وهب بن عبدالله السوائي الكوفي ،
روى عن ابيه ومسلم بن رياح الثقفي وله صحبة ، وعنه شعبة والثورى وقيس بن ربيع ومالك بن مغول وحجاج بن ارطاة وصدقة بن ابي عمران وابوالعميس ورقبة بن مصقلة وعمر بن ابي زائدة واشعث بن سوار وابوخالد الدالاني وآخرون . قال ابن معين وابوحاتم والنسائي ثقة . قلت : وذكره ابن حبان في الثقات قال خليفة :مات في آخر ولاية خالد على العراق وقال ابن قانع : مات سنة ست عشرة ومأة ( 2 ) في الكامل : لتسع مضين وهو الاصح .
61
سنة 60 من يوم عرفة بعد مخرج الحسين من مكة مقبلا إلى الكوفة بيوم ، قال : وكان مخرج الحسين من المدينة إلى مكة يوم الاحد لليلتين بقيتا من رجب سنة 60 ، ودخل مكة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان ، فأقام بمكة شعبان وشهر رمضان وشوال وذا القعده . ثم خرج منها لثمان مضين من ذي الحجة يوم الثلاثاء يوم التروية في اليوم الذي خرج فيه مسلم بن عقيل ، وذكر هارون بن مسلم عن علي بن صالح عن عيسى بن يزيد : أن المختار بن أبي عبيد وعبدالله بن الحارث بن نوفل كانا خرجا مع مسلم ، خرج المختار براية خضراء ، وخرج عبدالله برأية حمراء وعليه ثياب حمر ، وجاء المختار برأيته فركزها على باب عمرو بن حريث . وقال : انما خرجت لامنع عمرا وأن الاشعث والقعقاع بن شور وشبث بن ربعى قاتلوا مسلما وأصحابه عشية سار مسلم إلى قصر ابن زياد قتالا شديدا ، وان شبثا جعل يقول : انتظروا بهم الليل يتفرقوا فقال له القعقاع : انك قد سددت على الناس وجه مصيرهم ، فافرج لهم ينسربوا ، وأن عبيدالله أمر ان يطلب المختار وعبدالله بن الحارث وجعل فيهما جعلا فأتى بهما فحبسا .
62
خروج الحسين عليه السلام من مكة متوجها إلى الكوفة
قال هشام عن ابي مخنف : حدثني الصقعب بن زهير عن عمر بن ( 1 ) عبدالرحمان ابن الحارث بن هشام المخزومي ، قال : لما
* ( هامش ) * ( 1 ) عمر بن عبدالرحمان بن الحارث بن هشام بن المغيرة
المخزومي المدني . روى عن ابي هريرة وابي بصرة الغفاري وعائشة وجماعة من الصحابة وعن اخيه ابي بكر بن عبدالرحمان . روى عنه عبدالمالك بن عمير وعامر الشعبي وحمزة بن عمرو العائذي الضبي . قال ابن خراش : ابوبكر وعمر وعكرمة وعبدالله بنو عبدالرحمان بن الحارث كلهم اجلة ثقات يضرب بهم المثل ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : روى عن جماعة من الصحابة ، روى عنه الشعبي ، وقد ذكر البلاذري ان ابن الزبير استعمل عمر بن عبدالرحمان هذا على الكوفة . تهذيب التهذيب ( ج 7 ص 472 ) خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 284 ،
63
قدمت كتب أهل العراق إلى الحسين وتهيأ للمسير إلى العراق أتيته فدخلت عليه وهو بمكة ، فحمدت الله واثنيت عليه ثم قلت : أما بعد فاني أتيتك يابن عم لحاجة اريد ذكرها لك نصيحة ، فان كنت ترى أنك تستنصحنى والا كففت عما اريد ان اقول ، فقال : قل ، فوالله ما اظنك بسيئ الرأى ولا هو القبيح من الامر والفعل ، قال : قلت له : انه قد بلغنى أنك تريد المسير إلى العراق واني مشفق عليك من مسيرك ، انك تأتي بلدا فيه عما له وامراء‌ه ومعهم بيوت الاموال ، وانما الناس عبيد لهذا الدرهم والدينار ، ولا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره ومن انت أحب اليه ممن يقاتلك معه ، فقال الحسين : جزاك الله خيرا يا ابن عم ، فقدوالله علمت انك مشيت بنصح وتكلمت بعقل ، ومهما يقض من أمر يكن أخذت برأيك
او تركته فأنت عندي أحمد مشير وأنصح ناصح ، قال : فانصرفت من عنده فدخلت على الحارث بن خالد بن العاص بن هشام فسألني هل لقيت حسينا ؟ فقلت له : نعم ، قال : فما قال لك وما قلت له ؟ قال ، فقلت له : قلت كذا وكذا وقال كذا وكذا ، فقال نصحته ورب المروة الشهباء أما ورب البنية ان الرأى لما رأيته قبله أو تركه ثم قال : رب مستنصح يغش ويردى * وظنين بالغيب يلفى نصيحا
قال ابومخنف - وحدثني ( 1 ) الحارث بن كعب الوالبى عن عتبة
* ( هامش ) * ( 1 ) الحارث بن كعب الازدى الكوفى ، ذكرهما الطوسي
في رجال الشيعة .
 
64
بن سمعان ان حسينا لما اجمع المسير إلى الكوفة اتاه عبدالله بن عباس فقال : يابن عم انك قد ارجف الناس ، انك سائر إلى العراق ، فبين لي ما انت صانع ؟ قال : اني قد اجمعت المسير في احد يومي هذين ان شاء الله تعالى . فقال له ابن عباس : فاني اعيذك بالله من ذلك ، اخبرني رحمك الله اتسير إلى قوم قد قتلوا اميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم ؟ فان كانوا قد فعلوا ذلك ، فسر اليهم ، وان كانوا انما دعوك اليهم واميرهم عليهم قاهر لهم ، وعماله تجبى بلادهم ، فانهم انما دعوك إلى الحرب والقتال ولا آمن عليك ان يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك وان يستنفروا اليك فيكونوا اشد الناس عليك . فقال له حسين : واني استخير الله وانظر ما يكون ؟ قال : فخرج ابن عباس من عنده واتاه ابن الزبير فحدثه ساعة ، ثم قال : ما ادرى ما تركنا هؤلاء القوم وكفنا عنهم ونحن ابناء المهاجرين وولاة هذا الامر دونهم خبرني ما تريد ان تصنع ؟ فقال الحسين : والله لقد حدثت نفسي باتيان الكوفة ولقد كتب إلى شيعتي بها واشراف اهلها واستخير الله، فقال له ابن الزبير : اما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت بها : قال : ثم انه خشى ان يتهمه فقال : اما انك لو اقمت بالحجاز ثم اردت هذا الامر هيهنا ما خولف عليك ان شاء الله ، ثم قام فخرج من عنده . فقال الحسين : ها ان هذا ليس شئ يؤتاه من الدنيا احب اليه من ان اخرج من الحجاز إلى العراق ، وقد علم انه ليس له من الامر
65
معي شئ وان الناس لم يععد لوه بى ، فودأني خرجت منها لتخلوله . قال فلما كان من العشى او من الغد اتى الحسين عبدالله بن العباس فقال : يابن عم اني اتصبر ولا اصبر ، اني اتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال ، ان اهل العراق قوم غدر فلا تقربنهم ، اقم بهذا البلد فانك سيد اهل الحجاز ، فان كان اهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب اليهم فلينفوا عدوهم ثم اقدم عليهم ، فان ابيت الا ان تخرج فسر إلى اليمن ، فان بها حصونا وشعابا وهي ارض عريضة طويلة ، ولابيك بها شيعة ، وانت عن الناس في عزلة ، فتكتب إلى الناس وترسل وتبث دعاتك ، فاني ارجو ان يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية فقال له الحسين : يابن عم اني والله لاعلم انك ناصح مشفق ، ولكني قد ازمعت واجمعت على المسير ، فقال له ابن عباس : فان كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك ، فوالله اني لخائف ان تقتل كما قتل عثمان ونساء‌ه وولده ينظرون اليه . ثم قال ابن عباس : لقد اقررت عين ابن الزبير يتخليتك اياه والحجاز والخروج منها وهو يوم لا ينظر اليه احد معك ، والله الذي لا اله الا هو لو اعلم انك اذا اخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع على وعليك الناس اطعتنى لفعلت ذلك ، قال : ثم خرج ابن عباس من عنده فمر بعبد الله بن الزبير فقال : قرت عينك يابن الزبير ثم قال : يالك من قنبرة بمعمر * خلالك الجو فبيضى واسفرى ونقرى ما شئت ان تنقرى
 
66
هذا حسين يخرج إلى العراق وعليك بالحجاز ( 1 ) قال ابومخنف - قال ابوجناب يحيى بن ابي حية عن عدي بن حرملة الاسدي عن عبدالله بن سليم والمذري بن المشمعل الاسديين قالا : خرجنا حاجين من الكوفة حتى قدمنا مكة ، فدخلنا يوم التروية فاذا نحن بالحسين وعبدالله بن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى
فيما بين الحجر والباب ، قالا : فتقربنا منهما فسمعنا ابن الزبير وهو يقول للحسين : ان شئت ان تقيم اقمت فوليت هذا الامر ، فآزرناك وساعدناك ونصحنا لك وبايعناك . فقال له الحسين : ان ابي حدثني ان بها كبشا يستحل حرمتها فما احب ان اكون انا ذلك الكبش ، فقال له ابن الزبير : فاقم ان شئت وتوليني انا الامر فتطاع ولا تعصى ، فقال : وما اريد هذا ايضا . قالا : ثم انهما اخفيا كلامهما دوننا فما زالا يتناجيان حتى سمعنا دعاء الناس رائحين متوجهين إلى مني عند الظهر ، قالا : فطاف الحسين بالبيت وبين الصفا والمروة وقص من شعره وحل من عمرته ثم توجه نحو الكوفة وتوجهنا نحو الناس إلى منى .
* ( هامش ) * ( 1 ) في الكامل ذكر بعد هذا : وكان الحسين يقول : والله
لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفى ، فاذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرام المرأة ، قال : و ( الفرام ) خرقة تجعلها المرأة في قبلها اذا حاضت .
 
67
قال أبو - مخنف عن ابي سعيد ( 1 ) عقيصى عن بعض اصحابه قال : سمعت الحسين بن علي وهو بمكة وهو واقف مع عبدالله بن الزبير فقال له ابن الزبير : إلي يابن فاطمة فأصغى اليه فساره ، قال : ثم التفت الينا الحسين فقال : أتدرون ما يقول ابن الزبير ؟ فقلنا : لا ندري جعلنا الله فداك ، فقال : قال أقم في هذا المسجد اجمع لك الناس ، ثم قال الحسين : والله لان اقتل خارجا منها بشبر احب إلى من ان اقتل داخلا منها بشبر ، وايم الله لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا في حاجتهم ، ووالله ليعتدن على كما اعتدت اليهود في السبت قال ابومخنف - حدثني الحارث بن كعب الوالبي عن عقبة بن
سمعان قال : لما خرج الحسين من مكة اعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص عليهم يحيى بن سعيد فقالوا له : انصرف ابن تذهب ، فابى عليهم ومضى ، وتدافع الفريقان فاضطربوا بالسياط ثم ان الحسين واصحابه امتنعوا منهم امتناعا قويا .
* ( هامش ) * ( 1 ) عقيصا ابوسعيد التيمى ( التميمي ) اسمه دينار عن علي عليه السلام يعد في موالى بنى تيم ، ذكره ابن حبان في الثقات في عقيصا ،
فقال صاحب الكرابيسى : روى عن علي وعمار ، وعنه محمد بن جحادة . وقد أخرج له الحاكم في المستدرك وقال : ثقة مأمون ، وقال ابوحاتم : هو لين وهو احب إلى من اصبغ بن نباتة . لسان الميزان ( ج 2 ص 433 ) ميزان الاعتدال ( ج 3 ص 88 ) .
68
ومضى الحسين ( ع ) على وجهه فنادوه يا حسين : الا تتقى الله تخرج من الجماعة وتفرق بين هذه الامة ؟ فتأول حسين قول الله عزوجل ( لى عملى ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وانا برى مما تعملون ) . قال : ثم ان الحسين اقبل حتى مر بالتنعيم فلقى بها عيرا قد اقبل بها من اليمن بعث بها بحير بن ريسان الحميري إلى يزيد بن معاوية ، وكان عامله على اليمن وعلى العير الورس والحلل ينطلق بها إلى يزيد فاخذها الحسين ، فانطلق بهم قال لاصحاب الابل : لا اكرهكم من احب ان يمضى معنا إلى العراق او فينا كراء‌ه وأحسنا صحبته ومن احب ان يفارقنا من مكاننا هذا اعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الارض ، قال :فمن فارقه منهم حوسب فأوفى حقه ومن مضى منهم معه اعطاه كراء‌ه وكساه .
قال ابومخنف - عن ابي جناب عن عدى بن حرملة عن عبدالله بن سليم والمذري قالا : اقبلنا حتى انتهينا إلى الصفاح فلقينا الفرزدق بن غالب الشاعر فواقف حسينا فقال له : اعطاك الله سؤلك واملك فيما تحب فقال له الحسين : بين لنا نبأ الناس خلفك فقال له الفرزدق : من الخبير سألت قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني امية
والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء فقال له الحسين : صدقت لله الامر والله يفعل ما يشاء وكل يوم ربنا في شأن ان نزل القضاء بما نحب فنحمدالله على نعمائه وهو المستعان على اداء الشكر وان حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد من كان الحق نيته والتقوى سريرته ثم حرك
69
الحسين راحلته فقال : السلام عليك ثم افترقا . قال ابومخنف - حدثني الحارث بن كعب الوالبى عن علي بن الحسين بن علي بن ابيطالب ، قال : لما خرجنا من مكة كتب عبدالله بن جعفر بن ابيطالب إلى الحسين بن علي مع ابنيه عون ومحمد اما بعد : فاني اسئلك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي فاني مشفق عليك من الوجه الذي توجه له ان يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك ان هلكت اليوم طفئ نور الارض فانك علم المهتدين ورجاء المؤمنين ، فلا تعجل بالسير فاني في اثر الكتاب والسلام . قال : وقام عبدالله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد بن العاص فكلمه وقال : اكتب إلى الحسين كتابا تجعل له فيه الامان وتمنيه فيه البر والصلة وتوثق له في كتابك وتسأله الرجوع لعله يطمئن إلى ذلك فيرجع فقال عمرو بن سعيد : اكتب ما شئت وأتنى به حتى اختمه فكتب عبدالله بن جعفر الكتاب ثم أتى به عمرو بن سعيد فقال له : اختمه وابعث به مع اخيك يحيى بن سعيد فانه احرى أن تطمئن نفسه اليه ويعلم انه الجد منك ففعل . وكان عمرو بن سعيد عامل يزيد بن معاوية على مكة ، قال : فلحقه يحيى وعبدالله بن جعفر ثم انصرفا بعد أن أقرأه يحيى الكتاب فقالا : اقرأناه الكتاب وجهدنا به ، وكان مما اعتذر به الينا أن قال : اني رأيت رؤيا فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وامرت فيها بامر انا ماض له على كان اولى فقالا له : فما تلك الرؤيا ؟ قال : ما حدثت احدا بها وما انا محدث بها حتى القى ربى قال : وكان كتاب عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي .
70
بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي اما بعد فاني اسأل الله ان يصرفك عما يوبقك وان يهديك لما يرشدك بلغني أنك قد توجهت إلى العراق واني اعيذك بالله من الشقاق فاني اخاف عليك فيه الهلاك ، وقد بعثت اليك عبدالله بن جعفر ويحيى بن سعيد فأقبل إلى معهما فان لك عندي الامان والصلة والبر وحسن الجوار لك الله على بذلك شهيد وكفيل ومراع ووكيل والسلام عليك .قال : وكتب اليه الحسين : اما بعد فانه لم يشاقق الله ورسوله من دعا إلى الله عزوجل و عمل صالحا وقال : انني من المسلمين ، وقد دعوت إلى الامان والبرو
الصلة فخير الامان امان الله ولن يؤمن الله يوم القيامة من لم يخفه في الدنيا فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا امانة يوم القيامة فان كنت نويت بالكتاب صلتي وبري فجزيت خيرا في الدنيا والاخرة والسلام . قال ابومخنف - عن هشام بن الوليد عمن شهد ذلك قال : اقبل الحسين بن علي باهله من مكة ومحمد بن الحنفية بالمدينة قال : فبلغه خبره وهو يتوضأ في طست ، فبكى حتى سمعت وكف دموعه في الطست . قال ابومخنف - حدثني يونس ( 1 ) بن ابي اسحاق السبيعي
* ( هامش ) * ( 1 ) يونس بن ابي اسحاق عمرو بن عبدالله الهمداني السبيعي ابو اسرائيل الكوفي ، روى عن ابيه وأنس وأبي بردة وأبي بكر ابني ابي
71
قال : ولما بلغ عبيد الله اقبال الحسين من مكة إلى الكوفة بعث الحصين بن نمير صاحب شرطه حتى نزل القادسية ونظم الخيل ما بين القادسية إلى خفان ، وما بين القادسية إلى القطقطانة والى لعلع وقال الناس هذا الحسين يريد العراق . قال ابومخنف - وحدثني محمد بن قيس ان الحسين اقبل حتى اذا بلغ الحاجر من بطن الرمة بعث قيس بن مسهر الصيداوي إلى اهل الكوفة وكتب معه اليهم : بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى اخوانه من
* ( هامش ) * موسى الاشعري وأبي السفر سعيد بن يحمد ويزيد بن ابي مريم وابراهيم بن محمد بن سعد وعدة كثيرة . وعنه ابنه عيسى والثوري وابن المبارك وابن مهدي والقطان ووكيع وابواسحاق الفزاري والفضل بن موسى وعدة كثيرة . قال عمرو بن علي عن ابن مهدي : لم يكن به بأس . وقال عثمان الدارمي عن ابن معين : ثقة ، قلت فيونس او اسرائيل من احب اليك ؟ قال : كل ثقة ، وقال اسحاق بن منصور وغيره عن ابن معين ثقة ، وقال ابوحاتم : كان صدوقا . وقال النسائي : ليس به بأس . وقال ابن عدى له احاديث حسان وروى عنه الناس ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال : مات سنة تسع وخمسين ومأة . تهذيب التهذيب ( ج 1 ص 433 ) .
72
المؤمنين والمسلمين ، سلام عليكم فاني احمد اليكم الله الذي لا اله الا هو ، اما بعد فان كتاب مسلم بن عقيل جاء‌ني يخبرني فيه بحسن رأيكم واجتماع ملئكم على نصرنا والطلب بحقنا فسألت الله ان يحسن لنا الصنع وان يثيبكم على ذلك اعظم الاجر ، وقد شخصت اليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية فاذا قدم عليكم رسولى فاكمشوا امركم وجدوا ، فاتى قادم عليكم في ايامى هذه ان شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وكان مسلم بن عقيل قد كان كتب إلى الحسين قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة : أما بعد فأن الرائد لا يكذب أهله ، ان جمع أهل الكوفة معك فاقبل حين تقرء كتابي والسلام عليك . قال : فأقبل الحسين بالصبيان والنساء معه لا يلوى على شئ ، واقبل قيس بن مسهر الصيداوي إلى الكوفة بكتاب الحسين حتى اذا انتهى إلى القادسية أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى عبيدالله بن زياد ، فقال له عبيدالله : اصعد إلى القصر فسب الكذاب بن الكذاب ، فصعد ثم قال : أيها الناس ان هذا الحسين بن علي خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول الله وأنا رسوله اليكم وقد فارقته بالحاجر فأجيبوه . ثم لعن عبيدالله بن زياد واباه و استغفر لعلي بن ابيطالب ، قال : فأمر به عبيدالله بن زياد أن يرمى به من فوق القصر فرمى به فتقطع فمات . ثم اقبل الحسين سيرا إلى الكوفة فانتهى إلى ماء من مياه العرب ، فاذا عليه عبدالله بن مطيع العدوي وهونازل هيهنا ، فلما رأى الحسين
73
قام اليه فقال : بأبي انت وامي يابن رسول الله ، ما اقدمك ؟ واحتمله فانزله . فقال له الحسين : كان من موت معاوية ما قد بلغك فكتب إلى اهل العراق يدعونني إلى انفسهم ، فقال له عبدالله بن مطيع : اذكرك الله يابن رسول الله وحرمة الاسلام ان تنتهك ، انشدك الله في حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله ،انشدك الله في حرمة العرب ، فوالله لئن طلبت ما في ايدي بنى امية ليقتلنك ، ولئن قتلوك لايهابون بعدك أحدا ابدا ، والله وانها لحرمة الاسلام تنتهك ، وحرمة قريش وحرمة العرب ، فلا تفعل ولا تأت الكوفة ولا تعرض لبني امية . قال : فابى الا ان يمضى ، قال فاقبل الحسين حتى اذا كان بالماء فوق زرود . قال ابومخنف - فحدثني السدى ( 1 ) عن رجل من بنى فزارة قال
* ( هامش ) * ( 1 ) هو اسماعيل بن عبدالرحمن بن ابي كريمة السدى ابومحمد القرشى مولاهم الكوفى الاعور ، وهو السدى الكبير كان يقعد في سدة
باب الجامع فسمى السدى . روى عن انس وابن عباس ورآى ابن عمر والحسن بن علي عليه السلام وأبا هريرة وأبا سعيد ، وروى عن ابيه ويحيى بن عباد وأبي صالح مولى ام هانى وسعد بن عبيدة وابى عبدالرحمان السلمى وعطاء وعكرمة وغيرهم . وعنه شعبة والثورى والحسن بن صالح وزائدة وابوعوانة وابوبكر بن عياش وغيرهم . قال علي عن القطان : لا بأس به ما سمعت احدا يذكره الا بخير وما تركه احد .
74
لما كان زمن الحجاج بن يوسف كنا في دار الحارث بن ابي ربيعة التي في التمارين التي أقطعت بعد زهير بن القين من بني عمرو بن يشكر من بجيلة وكان اهل الشام لا يدخلونها فكنا محتبين فيها ، قال : فقلت للفزارى حدثني عنكم حين أقبلتم مع الحسين بن علي قال : كنا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة نساير الحسين فلم يكن شئ ابغض الينا من ان نسايره في منزل ، فاذا سار الحسين تخلف زهير بن القين ، واذا نزل الحسين تقدم زهير حتى نزلنا يومئذ في منزل لم نجد بدا من ان ننازله فيه ، فنزل الحسين من جانب ونزلنا في جانب ، فبينا نحن جلوس نتغدى من طعام لنا اذ اقبل رسول الحسين حتى سلم ثم دخل فقال : يا زهير بن القين ان ابا عبدالله الحسين بن علي بعثنى اليك لتأتيه ، قال فطرح كل انسان ما في يده حتى كائنا على رؤوسنا الطير ، قال ابومخنف - فحدثنى دلهم بنت عمرو امرأة زهير بن القين قالت : فقلت له : ايبعث اليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه سبحان الله لو أتيته فسمعت من كلامه ثم انصرفت ، قالت : فاتاه زهير بن القين فما
* ( هامش ) * وقال ابوطالب عن احمد : ثقة قال النسائي في الكنى : صالح وقال ابن عدي : له احاديث يرويها عن عدة شيوخ وهو عندى مستقيم الحديث صدوق لا بأس به . وقال خليفة : مات سنة 127 ، وقال العجلى ثقة عالم بالتفسير راوية له ، وذكره ابن حبان في الثقات . تهذيب التهذيب ( ج 1 ص 313 ) ميزان الاعتدال ( ج 1 ص 236 ) الكاشف ( ج 1 ص 125 ) .
75
لبث ان جاء مستبشرا قد اسفر وجهه ، قالت : فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه
فقدم وحمل إلى الحسين ، ثم قال لامرأته انت طالق ، الحقى باهلك فاني لا احب ان يصيبك من سببى الاخير ثم قال لاصحابه : من احب منكم ان يتبعنى والا فانه آخر العهد ، اني ساحدثكم حديثا غزونا بلنجر ففتح الله علينا واصبنا غنائم ، فقال لنا سلمان الباهلى : افرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من المغانم ؟ فقلنا نعم فقال لنا : اذا أدركتم شباب آل محمد فكونوا اشد فرحا بقتالكم معهم بما اصبتم من الغنائم فاما انا فاني استودعكم الله ، قال : ثم والله ما زال في اول القوم حتى قتل. قال ابومخنف - حدثني ابوجناب الكلبي عن عدى بن حرملة الاسدى عن عبدالله بن سليم والمذري بن المشمعل الاسديين قالا : لما قضينا حجنا لم يكن لناهمة الا اللحاق بالحسين في الطريق لننظر ما يكون من أمره وشأنه ، قأقبلنا ترفل بنانا قتانا مسرعين حتى لحقناه بزرود فلما دنونا منه اذا نحن برجل من اهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين . قالا : فوقف الحسين كأنه يريده ثم تركه ومضى ومضينا نحوه ، فقال احدنا لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا فلنسأله فان كان عنده خبر الكوفة علمناه ، فمضينا حتى انتهينا اليه فقلنا : السلام عليك . قال : وعليكم السلام ورحمة الله . ثم قلنا : فمن الرجل ؟ قال : اسدى . فقلنا : فنحن اسديان فمن انت ؟ قال انا بكير بن المثعبة ، فانتسبنا له ثم قلنا : اخبرنا عن الناس وراء‌ك قال : نعم لم اخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهاني
76
بن عروة فرأيتهما يجران بارجلهما في السوق ، قالا فاقبلنا حتى لحقنا بالحسين فسايرناه حتى نزل الثعلبية ممسيا فجئناه حين نزل فسلمنا عليه فرد علينا فقلنا له : يرحمك الله ان عندنا خبرا فان شئت حدثنا علانية وان شئت سرا قال : فنظر إلى اصحابه وقال : ما دون هؤلاء سر ، فقلنا له : ارأيت الراكب الذي استقبلك غشاء‌ا امس ؟ قال : نعم وقد أردت مسألته ، فقلنا : قد استبرأنا لك خبره وكفيناك مسئلته ، وهوابن امرئ من أسد منا ذو رأى وصدق وفضل وعقل وانه حدثنا انه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وحتى رآهما يجران في السوق بارجلهما ، فقال : انا لله وانا اليه راجعون رحمة الله عليهما ، فردد ذلك مرارا ، فقلنا : ننشدك الله في نفسك واهل بيتك الا انصرفت من مكانك هذا
فانه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة بل نتخوف ان تكون عليك قال فوثب عند ذلك بنو عقيل بن ابي طالب . قال ابومخنف - حدثني عمر بن خالد ( 1 )  عن زيد بن ( 2 ) على
* ( هامش ) * ( 1 ) الظاهر كونه عمرو بن خالد لا عمر بن خالد وعليهذا فهو : عمرو بن خالد ابوخالد القرشى مولى بني هاشم ، اصله من الكوفة انتقل إلى واسط ، روى عن زيد بن علي بن الحسين ، وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين ، وفطر بن خليفة ، وحبيب بن ابي ثابت ، والثوري وابى هاشم الرماني و غيرهم . روى عنه اسرائيل بن يونس ، وعباد بن كثير البصري والحجاج بن
77
ارطاة ، وجعفر بن زياد الاحمر ، وسعيد بن زيد ، وسويد بن عبدالعزيز ، وعمر بن عبدالرحمن ابوحفص الابار ، ويحيى بن هاشم السمسار وجماعة وقد عده الشيخ ره من اصحاب الباقر عليه السلام وقال النجاشى : عمرو بن خالد ابوخالد الواسطي عن زيد بن علي له كتاب كبير رواه عنه نصر بن مزاحم المنقري وغيره ، وذكرابن فضال انه ثقة . تهذيب التهذيب ( ج 8 ص 26 ) تنقيح المقال ( ج 2 ص 330 ) ( 2 ) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابيطالب ابوالحسين المدني روى عن ابيه واخيه أبي جعفر الباقر ، وأبان بن عثمان ، وعروة بن الزبير ، وعبيدالله بن أبي رافع ، وعنه ابناه حسين وعيسى ، وابن أخيه جعفر بن محمد ، والزهري والاعمش وشعبة وسعيد بن خيثم ، واسماعيل السيدى ، وزبيد اليامى ، وزكريا بن أبي زائدة ، وعبدالرحمان بن الحارث بن عياش بن ابي ربيعة ، وابوخالد عمرو بن خالد الواسطى ، وابن ابي الزاد وعدة ذكره ابن حبان في الثقات وقال : رأى جماعة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله استشهد في سنة 121 / 122 وهو ابن 42 سنة . واليه تنسب الزيدية من طوائف الشيعة . وقال ابن أبي الدنيا : حدثني محمد بن ادريس ، حدثنا عبدالله بن ابي بكر العتكى عن جرير بن حازم انه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام متساندا إلى جزع زيد بن علي وزيد مصلوب وهو يقول للناس : هكذا تفعلون بولدى . تهذيب التهذيب ( ج 3 ص 419 ) ( الكاشف (ج1ص341 )
78
بن حسين وعن داود بن علي بن عبدالله بن عباس ان بني عقيل قالوا : لا والله لا نبرح حتى ندرك ثارنا او تذوق ما ذاق أخونا قال ابومخنف - عن ابي جناب الكلبي عن عدي بن حرملة عن عبدالله بن سليم والمذري بن المشمعل الاسديين قالا : فنظر الينا الحسين فقال : لا خير في العيش بعد هؤلاء قالا : فعلمنا انه قد عزم له رأيه على المسير قالا : فقلنا : خار الله لك ، قالا : فقال : رحمكما الله قالا : فقال له بعض اصحابه : انك والله ماأنت مثل مسلم بن عقيل ولو قدمت الكوفة لكان الناس اليك أسرع ، قال الاسديان ثم انتظر حتى اذا كان السحر قال
لفتيانه وغلمانه : اكثروا من الماء فاستقوا واكثروا ثم ارتحلوا وساروا حتى انتهوا إلى زبالة قال ابومخنف - حدثني ابوعلي الانصاري عن بكر بن مصعب المزني قال : كان الحسين لا يمر باهل ماء الا اتبعوه حتى انتهى إلى زبالة سقط اليه مقتل اخيه من الرضاعة مقتل عبدالله بن بقطر وكان سرحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق وهو لا يدري أنه قد اصيب فتلقاه خيل الحصين بن نمير بالقادسية فسرح به إلى عبيدالله بن زياد ، فقال : اصعد فوق القصر فالعن الكذاب بن الكذاب ثم انزل حتى ارى فيك رأيي قال : فصعد فلما اشرف على الناس قال : ايها الناس اني رسول الحسين ابن فاطمة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة ابن سمية الدعى ، فامر به عبيدالله فالقى من فوق القصر إلى الارض فكسرت عظامه وبقي به رمق ، فأتاه رجل يقال له
79
عبدالملك بن عمير اللخمي فذبحه ، فلما عيب ذلك عليه قال ، انما اردت ان اريحه قال هشام : حدثنا ابوبكر بن عياش عمن اخبره قال : والله ما هو عبدالملك بن عمير الذي قام اليه فذبحه ولكنه قام اليه رجل جعد طوال يشبه عبدالملك بن عمير قال فاتى ذلك الخبر حسينا وهو بزبالة ، فاخرج للناس كتابا فقرأ عليهم . بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد فانه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبدالله بن بقطر وقد خزلتنا شيعتنا ، فمن احب منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه منا ذمام قال : فتفرق الناس عنه تفرقا ، فاخذوا يمينا وشمالا حتى بقي في اصحابه الذين جاؤا معه من المدينة ، وانما فعل ذلك لانه ظن انما اتبعه الاعراب لانهم ظنوا انه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة اهله فكره ان يسيروا معه الا وهم يعلمون علام يقدمون ، وقد علم انهم اذا بين لهم لم يصحبه الا من يريد مواساته والموت معه . قال : فلما كان من السحر أمر فتيانه فاستقوا الماء واكثروا ثم سار حتى مر بطن العقبة فنزل بها . قال ابومخنف - فحدثني لوذان احد بني عكرمة : ان احد عمومته سأل الحسين ( ع ) اين تريد؟ فحدثه ، فقال له : اني انشدك الله لما انصرفت فوالله لا تقدم الا على الا سنة وحد السيوف ، فان هولاء الذين بعثوا اليك
80
لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطئوا لك الاشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأيا . فاما على هذه الحال التي تذكرها فاني لا أرى لك ان تفعل ، قال : فقال له يا عبدالله انه ليس يخفى على الرأى ما رأيت ولكن الله لا يغلب على امره ثم ارتحل منها .
 
81
مقتل الحسين عليه السلام واصحابه واعوانه وسبى اهله وعياله وأسرهن
عن ابي مخنف - قال : حدثني ابوجناب عن عدي بن حرملة عن عبدالله بن سليم والمذري بن المشمعل الاسديين قالا : اقبل الحسين ( ع ) حتى نزل شراف ،فلما كان في السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء فاكثروا ثم ساروا منها فرسموا صدر يومهم حتى انتصف النهار ، ثم ان رجلا قال : الله اكبر ، فقال الحسين : الله اكبر ما كبرت ؟ قال : رأيت النخل ، فقال له الاسديان : ان هذا المكان ما رأينا به نخلة قط ، قالا : فقال لنا الحسين : فما تريانه رأى ، قلنا : نراه رأى هوادى الخيل ، فقال : وانا والله ارى ذلك . فقال الحسين : اما لنا ملجأ نلجأ اليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد ، فقلنا له : بلى هذا ذوحسم إلى جنبك تميل اليه عن يسارك ، فان سبقت القوم اليه فهو كما تريد ، قال : فاخذ اليه ذات
اليسار ، قال : وملنا معه فما كان بأسرع من ان طلعت علينا هوادى الخيل فتبيناها وعدلنا ، فلما رأونا وقد عدلنا عن الطريق عدلوا الينا كان اسنتهم اليعاسيب، وكان رأياتهم اجنحة الطير .
82
قال : فاستبقنا إلى ذي حسم فسبقناهم اليه ، فنزل الحسين فأمر بأبنيته فضربت ، وجاء القوم وهم الف فارس مع الحرين يزيد التميمي اليربوعي حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حر الظهيرة والحسين واصحابه معتمون متقلدو اسيافهم .
فقال الحسين لفتيانه : اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفا ، فقام فتيانه فرشفوا الخيل ترشيفا . فقام فتية وسقوا القوم من الماء حتى ارووهم واقبلوا يملئون القصاع والاتوار والطساس من الماء ثم يدنونها من الفرس فاذا عب فيه ثلاثا او اربعا او خمسا عزلت عنه وسقوا آخر حتى سقوا الخيل كلها . قال هشام : حدثني لقيط عن علي بن الطعان المحاربي : كنت مع الحربن يزيد فجئت في آخر من جاء من اصحابه ، فلما رأى الحسين ما بي وبفرسي من العطش قال:أنخ الراوية والراوية عندى السقاء ، ثم قال : يابن اخي انخ الجمل فأنخته ، فقال : اشرب فجعلت كلما شربت سال الماء من السقاء ، فقال الحسين : اخنث السقاء أى اعطفه ، قال : فجعلت لا أدري كيف افعل ، قال : فقام الحسين فخنثه فشربت وسقيت فرسي . قال : وكان مجئ الحربن يزيد ومسيره إلى الحسين من القادسية
وذلك ان عبيدالله بن زياد لما بلغه اقبال الحسين بعث الحصين بن نمير التميمي وكان على شرطه فامره أن ينزل القادسية وان يضع المسالح فينظم ما بين القطقطانة إلى خفان ، وقدم الحربن يزيد بين يديه في هذه الالف من القادسية فيستقبل حسينا
83
قال : فلم يزل موافقا حسينا حتى حضرت الصلوة صلوة الظهر ، فامر الحسين الحجاج بن مسروق الجعفي ان يؤذن فاذن ، فلما حضرت الاقامة خرج الحسين في ازار ورداء ونعلين فحمد الله واثنى عليه ، ثم قال : ايها الناس انها معذرة إلى الله عزوجل واليكم ، اني لم آتكم حتى اتتنى كتبكم وقدمت على رسلكم ان اقدم علينا فانه ليس لنا امام لعل الله يجمعنا بك على الهدى ، فان كنتم على ذلك فقد جئتكم ، فان تعطوني ما اطمئن اليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم ، وان لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي اقبلت منه اليكم ، قال: فسكتوا عنه وقالوا للمؤذن : اقم ، فاقام الصلاة ، فقال الحسين ( ع ) للحر
اتريد ان تصلى باصحابك ؟ قال : لا بلى تصلى أنت ونصلى بصلاتك ، قال : فصلى بهم الحسين . ثم انه دخل واجتمع اليه اصحابه وانصرف الحر إلى مكانه الذي كان به ، فدخل خيمة قد ضربت له فاجتمع اليه جماعة من اصحابه وعاد أصحابه إلى صفهم الذي كانوا فيه فأعادوه ، ثم أخذ كل رجل منهم بعنان دابته وجلس في ظلها ، فلما كان وقت العصر أمر الحسين أن يتهيئوا للرحيل ثم انه خرج فأمر مناديه فنادى بالعصر وأقام فاستقدم الحسين فصلى بالقوم ثم سلم وانصرف إلى القوم بوجهه فحمدالله واثنى عليه ثم قال : اما بعد أيها الناس فانكم ان تتقوا وتعرفوا الحق لاهله يكن ارضى لله ، ونحن اهل البيت اولى بولاية هذا الامر عليكم من هؤلاء
84
المدعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان ، وان انتم كرهتمونا وجعلتم حقنا ( 1 ) وكان رأيكم غيرما اتتنى كتبكم وقدمت به على رسلكم انصرفت عنكم. فقال له الحربن يزيد : انا والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر ، فقال الحسين : يا عقبة بن سمعان أخرج الخرجين الذين فيهما كتبهم إلى ، فاخرج خرجين مملؤين صحفا فنشرها بين أيديهم ، فقال الحر : فانا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا اليك وقد امرنا اذا نحن لقيناك الا نفارقك حتى نقدمك على عبيد الله بن زياد، فقال له الحسين : الموت ادنى اليك من ذلك . ثم قال لاصحابه : قوموا فاركبوا ، فركبوا وانتظروا حتى ركبت نساء‌هم ، فقال لاصحابه : انصرفوا بنا ، فلما ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف ، فقال الحسين للحر : ثكلتك امك ما تريد ؟ قال : اما والله لو غيرك من العرب يقولها لى وهو على مثل الحال التي انت عليها ما تركت ذكرامه بالثكل ان اقوله كائنا من كان ، ولكن والله مالى إلى ذكر امك من سبيل الابا حسن ما يقدر عليه . فقال له الحسين : فما تريد ؟ قال الحر : اريد والله ان انطلق بك إلى عبيدالله بن زياد ، قال له الحسين : اذا والله لا اتبعك ، فقال له الحر : اذن والله لا ادعك ، فترادا القول ثلاث مرات ، ولما كثر الكلام بينهما قال له الحر : اني لم اومر بقتالك وانما امرت ان لا افارقك حتى اقدمك
* ( هامش ) * ( 1 ) في الكامل : جهلتم حقنا وهو الصحيح .
85
الكوفة ، فاذا أبيت فخذ طريقا لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلى المدينة لتكون بيني وبينك نصفا حتى أكتب إلى ابن زياد وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية ان أردت ان تكتب اليه او إلى عبيدالله بن زياد ان شئت ، فلعل الله إلى ذاك أن يأتي بامر يرزقني فيه العافية من أن ابتلى بشئ من أمرك ، قال فخذ هيهنا فتياسر عن طريق العذيب والقادسية وبينه وبين العذيب ثمانية وثلاثون ميلا . ثم ان الحسين سارفى اصحابه والحر يسايره . قال ابومخنف - عن عقبة ( 1 ) بن ابي العيزار ان الحسين خطب أصحابه وأصحاب الحر بالبيضة فحمد الله واثنى عليه ثم قال : ايها الناس ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من رآى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ، ناكثا لعهد الله ، مخالفا لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان ، فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله ان يدخله مدخله . الا وأن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمان ، واظهروا الفساد وعطلوا الحدود ، واستأثروا بالفيئ ، وأحلوا حرام الله
* ( هامش ) * ( 1 ) عقبة بن أبي العيزار الكوفي يروى عن الشعبي والنخعى روى عنه عبدالرحمان بن زياد ، يعتبر حديثه من غير رواية ابنه يحيى عنه . كذا قال ابن حبان في الثقات . لسان الميزان ( ج 4 ص 179 ) :
86
وحرموا حلاله ، وانا احق من غير ( 1 ) وقد أتتنى كتبكم وقدمت على رسلكم ببيعتكم أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني ، فان تممتم على بيعتكم تصيبوا رسشدكم ، فانا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسي مع أنفسكم وأهلى مع أهليكم ، فلكم في أسوة . وان لم تفعلوا و نقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي من أعناقكم ، فلعمرى ما هي لكم بنكر ، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم ، والمغرور من اغتربكم ، فحظكم اخطأتم ونصيبكم ضيعتم ، ومن نكث فانما ينكث على نفسه ، وسيغنى الله عنك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وقال عقبة بن ابي العيزار : قام حسين ( ع ) بذي حسم فحمدالله و اثنى عليه ثم قال : انه قد نزل من الامر قد ترون ، وان الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها واستمرت جدا ، فلم يبق منها الاصبابة كصبابة الاناء ،وخسيس عيش كالمرعى الوبيل . الا ترون أن الحق لا يعمل به ، وأن الباطل لا يتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا فاني لا ارى الموت الا شهادة ولا الحياة مع الظالمين الا برما . قال فقام زهير بن القين البجلى فقال لاصحابه : تكلمون أم أتكلم ، قالوا : لا بل تكلم فحمدالله واثنى عليه ثم قال : قد سمعنا هداك الله يابن رسول الله مقالتك ، والله لو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها مخلدين الا ان
فراقها في نصرك ومواساتك لاثرنا الخروج معك على الاقامة فيها ، قال : فدعى الحسين له ثم قال له خيرا .
* ( هامش ) * ( 1 ) في الكامل : من غيرى .
87
واقبل الحر يسايره وهو يقول له : يا حسين اني اذكرك الله في نفسك فاني أشهد لئن قاتلت لتقتلن ، ولئن قوتلت لتهلكن فيما ارى ، فقال له الحسين : أفبالموت تخوفنى وهل يعدوبكم الخطب ان تقتلوني ، ما أدرى ما أقول لك ، ولكن أقول كما قال أخو الاوس لابن عمه ولقيه وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له : أين تذهب ؟ فانك مقتول فقال : سامضى وما بالموت عار على الفتى * اذا مانوى حقا وجاهد مسلما وآسى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مثبورا يغش ويرغما قال : فلما سمع ذلك منه الحر تنحى عنه وكان يسير باصحابه في
ناحية وحسين في ناحية اخرى حتى انتهوا إلى عذيب الهجانات وكان بها هجائن النعمان ترعى هنالك ، فاذا هم بأربعة نفر قد اقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له الكامل ومعهم دليلهم الطرماح بن عدي على فرسه وهو يقول : يا ناقتى لا تذعرى من زجرى * وشمرى قبل طلوع الفجر
بخير ركبان وخير سفر * حتى تحلى بكريم النحر ثمت ابقاه بقاء الدهر قال : فلما انتهوا إلى الحسين أنشده هذه الابيات ، فقال : أما والله اني لارجو أن يكون خيرا ما أراد الله بنا ، قتلنا أم ظفرنا ، قال : وأقبل اليهم الحر بن يزيد فقال : ان هؤلاء النفر الذين من أهل الكوفة ليسوا ممن اقبل معك وأنا حابسهم أو رادهم
88
فقال له الحسين : لامنعنهم مما أمنع منه نفسى ، انما هؤلاء أنصاري وأعواني وقد كنت اعطيتني الا تعرض لي بشئ حتى يأتيك كتاب من ابن زياد ، فقال : أجل ، لكن لم يأتوا معك ، قال : هم اصحابي وهم بمنزلة من جاء معى ، فان تممت على ما كان بيني وبينك والا ناجزتك ، قال فكف عنهم الحر . قال ثم قال لهم الحسين : اخبروني خبر الناس ورائكم ، فقال له مجمع بن عبدالله العائذي وهو أحد النفر الاربعة الذين جاء‌وه : اما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم ، يستمال ودهم ويستخلص به نصيحتهم ، فهم الب واحد عليك واما سائر الناس بعد فان افئدتهم تهوى اليك وسيوفهم غدا مشهورة عليك . قال : اخبرني فهل لكم برسولي اليكم ؟ قالوا : من هو ؟ قال : قيس بن مسهر الصيداوي ، قالوا : نعم أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى ابن زياد فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك فصلى عليك وعلى ابيك ولعن ابن زياد واباه ودعا إلى نصرتك واخبرهم بقدومك ، فامر به ابن زياد فألقى من طمار القصر ، فترقرقت عينا حسين عليه السلام ولم يملك دمعه ثم قال : منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا الا تبديلا اللهم اجعل لنا ولهم الجنة نزلا ، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك ورغائب مذخور ثوابك . قال ابومخنف - حدثني جميل بن مرثد من بني معن عن الطرماح بن عدى أنه دنا من الحسين فقال له : والله اني لانظر فما أرى معك أحدا ، ولو لم يقاتلك الا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم ، وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة اليك بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس ما
89
لم ترعيناي في صعيد واحد جمعا اكثر منه ، فسألت عنهم فقيل : اجتمعوا ليعرضوا ثم يسرحون إلى الحسين ، فانشدك الله ان قدرت على الا تقدم عليهم شبرا الا فعلت ، فان أردت أن تنزل بلدا يمنعك الله به حتى ترى من رأيك ويستبين لك ما انت صانع ، فسر حتى أنزلك مناع جبلنا الذي يدعى اجأ امتنعنا والله به من ملوك غسان وحمير ومن النعمان بن المنذر ومن الاسود والاحمر والله ان دخل علينا ذل قط فأسير معك حتى انزلك القرية ثم نبعث إلى الرجال ممن بأجأ وسلمى من طئ ، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى ياتيك طئ رجالا وركبانا ثم اقم فينا ما بدالك ، فان هاجك هيج فأنازعيم لك بعشرين الف طائي يضربون بين يديك باسيافهم ، والله لا يوصل اليك ابدا ومنهم عين تطرف . فقال له : جزاك الله وقومك خيرا انه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف ولا ندري علام تنصرف بنا وبهم الامور في عاقبه . قال ابومخنف فحدثني جميل بن مرثد قال حدثني الطرماح ( 1 )
* ( هامش ) * ( 1 ) الطرماح بن عدي بكسر الطاء والراء المهملتين وتشديد الميم بعدها الف وحاء مهملة . عده الشيخ ره في رجاله تارة من اصحاب امير المؤمنين عليه السلام قائلا : الطرماح بن عدى رسوله إلى معاوية واخرى من اصحاب الحسين عليه السلام وهو في غاية الجلالة والنبالة ولولا الا مكالماته مع معاوية التي اظلمت الدنيا في عينه لاجلها وملازمته لسيد الشهداء في الطف إلى ان جرح وسقط بين القتلى لكفاه شرفا وجلالة ولا يضر عدم توفيقه
90
ابن عدي : فودعته وقلت له : دفع الله عنك شر الجن والانس اني قد امترت لاهلى من الكوفة ميرة ومعى نفقة لهم فآتيهم فاضع ذلك فيهم ثم اقبل اليك ان شاء الله ، فان الحقك فوالله لاكونن من انصارك قال : فان كنت فاعلا فعجل رحمك الله ، قال : فعلمت انه مستوحش إلى الرجال حتى يسألني التعجيل ، قال : فلما بلغت اهلى وضعت عندهم ما يصلحهم واوصيت فأخذ اهلى يقولون : انك لتصنع مرتك هذه شيئا ما كنت تصنعه قبل اليوم ، فأخبرتهم بما اريد . واقبلت في طريق بنى ثعل حتى اذا دنوت من عذيب الهجانات استقبلنى سماعة بن بدر فنعاه إلى فرجعت . قال : ومضى الحسين عليه السلام حتى انتهى إلى قصر بني مقاتل فنزل به فاذا هو بفسطاط مضروب . قال أبومخنف - حدثني المجالد بن سعيد عن عامر ( 1 ) الشعبي
* ( هامش ) * للشهادة لانه كان به رمق فاتوه قومه وحملوه وداووه فبرء و عوفى وكان على موالاته واخلاصه إلى ان مات كما يظهر شرح ذلك كله لمن راجع كتب الاخبار والسير والتواريخ . تنقيح المقال ( ج - 2 - ص - 109 ) (1 ) عامر بن شراحيل بن عبد وقيل : عامر بن عبدالله بن شراحيل الشعبى الحميري أبوعمر والكوفي من شعب همدان . روى عن علي ( عليه السلام ) وسعد وابن ابي وقاص وسعيد بن زيد وزيد بن ثابت وقيس بن سعيد بن عبادة وقرظة بن كعب وعبادة بن الصامت وأبي موسى الاشعرى وأبي مسعود الانصارى والبراء
91
أن الحسين بن علي رضي الله عنه قال : لمن هذا الفسطاط ؟ فقيل : لعبيدالله بن الحر الجعفى ، قال : ادعوه لي ، وبعث اليه فلما أتاه الرسول قال : هذا الحسين بن علي يدعوك ، فقال عبيدالله بن الحر : انا لله وانا اليه راجعون ، والله ما خرجت من الكوفة الا كراهة أن يدخلها * ( هامش ) * بن عازب وجابر بن عبدالله وجابر بن سمرة وحبشى بن جنادة والحسين وزيد بن ارقم وعدة كثيرة من الصحابة والتابعين . وعنه أبواسحاق السبيعي وسعيد بن عمرو بن اشوع واسماعيل بن ابي خالد ومجالد بن سعيد وعدة كثيرة وجماعات . قال منصور الغداني عن الشعبي : ادركت خمسمأة من الصحابة وقال أشعث بن سوار : لقى الحسن الشعبي فقال : والله كثير العلم ، عظيم الحلم ، قديم السلم من الاسلام بمكان . وقال عبدالملك بن عمير : مر ابن عمر على الشعبى وهو يحدث بالمغازى فقال : لقد شهدت القوم فلهو أحفظ لها واعلم بها . وقال ابن عيينة : كانت ، الناس تقول بعد الصحابة : ابن عباس في زمانه والشعبى في زمانه ،وقال العجلى : سمع من ثمانية واربعين من الصحابة . وقال ابن معين : قضى الشعبى لعمر بن عبدالعزيز ، قيل مات سنة ( 3 ) وقيل ( 4 ) وقيل ( 5 ) وقيل ( 6) وقيل ( 7 ) وقيل عشرة ومأة انتهى بتلخيص منا . تهذيب التهذيب ( ج5ص65)
92
الحسين وأنا بها ، والله ما أريد أراه ولا يراني ، فأتاه الرسول فأخبره ، فأخذ الحسين نعليه فانتعل ثم قام فجاء‌ه حتى دخل عليه فسلم وجلس ، ثم دعاه إلى الخروج معه ، فأعاد اليه ابن الحر تلك المقالة ، فقال : فالاتنصرنا فاتق الله أن تكون ممن يقاتلنا ، فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا الا هلك . قال : أما هذا فلا يكون أبدا ان شاء الله ثم قام الحسين ( ع ) من عنده حتى دخل رحله .
قال أبومخنف - حدثني عبدالرحمن بن حندب عن عقبة بن سمعان قال : لما كان في آخر الليل أمر الحسين بالاستقاء من الماء ، ثم أمرنا بالرحى ففعلنا ، قال : فلما ارتحلنا من قصر بنى مقاتل وسرنا ساعة خفق الحسين برأسه خفقة ثم انتبه وهو يقول : انا لله وانا اليه راجعون والحمد لله رب العالمين . قال : ففعل ذلك مرتين أو ثلاثا . قال : فأقبل اليه ابنه علي بن الحسين على فرس له فقال : انا لله وانا اليه راجعون والحمد لله رب العالمين ، يا أبت جعلت فداك مم حمدت الله واسترجعت ؟ قال : يأبنى اني خفقت برأسى خفقة ، فعن لي فارس على فرس ، فقال : القوم يسيرون والمنايا تسرى اليهم ، فعلمت أنها أنفسنا نعيت الينا ، قال له : يا أبت لا أراك الله سوء‌ا ألسنا على الحق ؟ قال : بلى والذي اليه مرجع العباد، قال : يا أبت اذا لا نبالى نموت محقين ، فقال له : جزاك الله من ولد خير ما جزى ولدا عن والده . قال : فلما أصبح نزل فصلى الغداة ثم عجل الركوب ، فأخذ يتياسر باصحابه يريد أن يفرقهم ، فيأتيه الحربن يزيد فيردهم فيرده
93
فجعل اذا ردهم إلى الكوفة ردا شديدا امتنعوا عليه فارتفعوا فلم يزالوا يتسايرون حتى انتهوا إلى نينوى المكان الذي نزل به الحسين ، قال : فاذا راكب على نجيب له وعليه السلاح متنكب قوسا مقبل من الكوفة ، فوقفوا جميعا ينتظرونه ، فلما انتهى اليهم سلم على الحربن يزيد وأصحابه ولم يسلم على الحسين ( ع ) وأصحابه ، فدفع إلى الحر كتابا من عبيدالله بن زياد فاذا فيه : أما بعد فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابى ويقدم عليك رسولى ، فلا تنزله الا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء ، وقد أمرت رسولى أن يلزمك ولا يفارقك حتى يأتينى بانفاذك أمرى والسلام . قال : فلما قرأ الكتاب قال لهم الحر : هذا كتاب الامير عبيدالله بن زياد يأمرني فيه أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه وهذا رسوله ، وقد أمره أن لا يفارقني حتى أنفذ رأيه وأمره ، فنظر إلى رسول عبيدالله يزيد بن زياد بن المهاصر أبوالشعثاء الكندى ثم النهدى فعن له ، فقال : أمالك
بن النسير البدى ؟ قال : نعم وكان أحد كندة ، فقال له يزيد بن زياد : ثكلتك امك ماذا جئت فيه ؟ قال : وما جئت فيه أطعت امامى ووفيت ببيعتى فقال له أبوالشعثاء : عصيت ربك وأطعت امامك في هلاك نفسك ، كسبت العار والنار ،قال الله عزوجل : وجعلنا منهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون فهو امامك . . قال : وأخذ الحر بن يزيد القوم بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولافى قرية فقالوا : دعنا ننزل في هذه القرية يعنون نينوى او هذه القرية يعنون الغاضرية او هذه الاخرى يعنون شفية ، فقال : لا والله ما استطيع ذلك،هذا رجل قد بعث إلى عينا
94
فقال له زهير بن القين : يابن رسول الله ان قتال هؤلاء اهون من قتال من يأتينا من بعدهم ، فلعمرى ليأتينا من بعد من ترى ما لا قبل لنا به ؟ فقال له الحسين : ما كنت لا بد أهم بالقتال ، فقال له زهير بن القين : سربنا إلى هذه القرية حتى ننزلها فانها حصينة وهي على شاطئ الفرات ، فان منعونا قاتلناهم فقتالهم أهون علينا من قتال من يجئ من بعدهم ، فقال له الحسين : وأية قرية هي ؟ قال : هي العقر ، فقال الحسين : أللهم اني أعوذ بك من العقر ، ثم نزل وذلك يوم الخميس وهو اليوم الثاني من المحرم سنة 61 . فلما كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في اربعة آلاف قال : وكان سبب خروج ابن سعد إلى الحسين ( ع ) ان عبيدالله بن زياد بعثه على اربعة آلاف من اهل الكوفة يسير بهم إلى دستبى وكانت الديلم قد خرجوا اليها وغلبوا عليها ، فكتب اليه ابن زياد عهده على الرى وامره بالخروج ، فخرج معسكرا بالناس بحمام اعين ، فلما كان من امر الحسين ما كان واقبل إلى الكوفة دعا ابن زياد عمر بن سعد فقال : سرالى الحسين فاذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك ، فقال له عمر بن سعد : ان رأيت رحمك الله ان تعفينى فافعل ، فقال له عبيدالله : نعم على ان ترد لنا عهدنا ، قال : فلما قال له ذلك قال عمر بن سعد : امهلنى اليوم حتى أنظر ، قال : فانصرف عمر يستشير نصحاء‌ه فلم يكن يستشير احدا الا نهاه قال : وجاء حمزة بن المغيرة بن شعبة وهو ابن اخته فقال انشدك الله يا خال ان تسير إلى الحسين فتأثم بربك وتقطع رحمك ، فوالله لان
95
تخرج من دنياك ومالك وسلطان الارض كلها لو كان لك خير لك من ان تلقى الله بدم الحسين ، فقال له عمر بن سعد : فانى افعل ان شاء الله . قال هشام :حدثنى عوانة بن الحكم عن عمار بن عبدالله بن يسار الجهنى عن ابيه قال : دخلت على عمر بن سعد وقد امر بالمسير إلى الحسين فقال : ان الامير امرنى بالمسير إلى الحسين فأبيت ذلك عليه ، فقلت له : اصاب الله بك ، ارشدك الله احل فلا تفعل ولا تسراليه ، قال : فخرجت من عنده فاتانى آت وقال : هذا عمر بن سعد يندب الناس إلى الحسين قال : فأتيته فاذا هو جالس ، فلما رآنى اعرض بوجهه فعرفت انه قد عزم على المسير اليه ، فخرجت من عنده . قال : فأقبل عمر بن سعد إلى ابن زياد فقال : اصلحك الله انك وليتني هذا العمل ، وكتبت لى العهد وسمع به الناس ، فان رأيت ان تنفذلى ذلك فافعل وابعث إلى الحسين في هذا الجيش من اشراف الكوفة من لست بأغنى ولا اجزأ عنك في الحرب منه فسمى له اناسا ،
فقال له ابن زياد : لا تعلمنى باشراف اهل الكوفة ولست استأمرك فيمن اريد ان ابعث ، ان سرت بجندنا والا فابعث الينا بعهدنا فلما رآه قد لج قال : فاني سائر ، قال : فأقبل في اربعة آلاف حتى نزل بالحسين من الغد من يوم نزل الحسين نينوى . قال فبعث عمر بن سعد إلى الحسين عليه السلام عزرة بن قيس الاحمسى فقال : ائته فسله ما الذي جاء به وماذا يريد ؟ وكان عزرة ممن كتب إلى الحسين فاستحيا منه ان يأتيه ، قال : فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه وكلهم ابى وكرهه ، قال : وقام اليه كثير بن عبدالله الشعبى
96
وكان فارسا شجاعا ليس يرد وجهه شيئ ، فقال : انا اذهب اليه والله لئن شئت لافتكن به ، فقال له عمر بن سعد : ما اريد ان يفتك به ، ولكن ائته فسله ما الذي جاء به ؟ قال : فاقبل اليه ، فلما رآه ابوثمامة الصائدى قال للحسين : اصلحك الله ابا عبدالله قد جاء‌ك شر اهل الارض واجرأه على دم وافتكه ، فقام اليه فقال : ضع سيفك ، قال : لا والله ولا كرامة انما انا رسول ، فان سمعتم مني ابلغتكم ما ارسلت به اليكم ، وان ابيتم انصرفت عنكم - فقال له : فاني آخذ بقائم سيفك ثم تكلم بحاجتك ، قال : لا والله لا تمسه ، فقال له : اخبرني ما جئت به وانا ابلغه عنك ولا ادعك تدنو منه فانك فاجر ، قال : فاستبا ثم انصرف إلى عمر بن سعد فاخبره الخبر . قال : فدعا عمر قرة بن قيس الحنظلى فقال له : ويحك يا قرة الق حسينا فسله ما جاء به وماذا يريد ؟ قال : فاتاه قرة بن قيس ، فلما رآه الحسين مقبلا قال : اتعرفون هذا ؟ فقال حبيب بن مظاهر : نعم هذا رجل من حنظلة تميمى وهو ابن اختنا ولقد كنت اعرفه بحسن الرأى وما كنت اراه يشهد هذا المشهد قال : فجاء حتى سلم على الحسين وابلغه رسالة عمر بن سعد اليه له ، فقال الحسين : كتب إلى اهل مصركم هذا ان اقدم ، فاما اذكر هونى فانا انصرف عنهم . قال : ثم قال له حبيب بن مظاهر : ويحك يا قرة بن قيس انى ترجع إلى القوم الظالمين ، انصر هذا الرجل الذي بآباء‌ه ايدك الله بالكرامة ، وايانا معك ، فقال له قرة : ارجع إلى صاحبى بجواب رسالته وارى رأيى ، قال : فانصرف إلى عمر بن سعد فاخبره الخبر ، فقال له عمر بن سعد : انى لارجو أن يعافينى الله من حربه وقتاله
97
قال هشام عن ابي مخنف قال : حدثني النضر بن صالح بن حبيب بن زهير العبسى عن حسان ( 1 ) بن فائد ابن ابي بكر العبسى ، قال : أشهد ان كتاب عمر بن سعد جاء إلى عبيدالله بن زياد وانا عنده فاذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فانى حيث نزلت بالحسين بعثت اليه رسولى فسألته عما أقدمه وماذا يطلب ويسأل ؟ فقال : كتب إلى اهل هذه البلاد وأتتنى رسلهم فسألونى القدوم ففعلت ، فاما اذكر هونى فبدا لهم غير ما أتتنى به رسلهم فانا منصرف عنهم . فلما قرئ الكتاب على ابن زياد قال : الان اذ علقت مخالبنا به * يرجو النجاة ولات حين مناص قال : وكتب إلى عمر بن سعد : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد بلغنى كتابك وفهمت ما ذكرت ، فأعرض على الحسين ان يبايع ليزيد بن معاوية هووجميع اصحابه ، فاذا فعل ذلك رأينا رأينا والسلام . قال : فلما أتى عمر بن سعد الكتاب قال قد حسبت الا يقبل ابن زياد العافية .
* ( هامش ) * ( 1 ) حسان بن فائد العبسى الكوفى . عن عمر بن الخطاب روى عنه ابواسحاق السبيعى . قال ابوحاتم : شيخ . وقال البخاري : يعد في الكوفيين . واخرج في تفسير النساء قال عمر : الجبت السحر وهذا جاء موصولا من طريق شعبة عن ابي اسحاق عنه . اخرجه مسدد في مسنده الكبير عن يحيى القطان عن شعبة . وذكره ابن حبان في ثقات التابعين . تهذيب التهذيب ( ج - 2 ص - 251 ) .
98
قال ابومخنف - حدثنى سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم الازدى قال : جاء من عبيدالله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد : اما بعد فحل بين الحسين واصحابه وبين الماء ولا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقى الزكى المظلوم امير المؤمنين عثمان بن عثمان بن عفان ، قال : فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمس مأة فارس ، فنزلوا على الشريعة وحالوا بين حسين واصحابه وبين الماء ان يسقوا منه قطرة ، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث . قال : ونازله عبدالله بن أبي حصين الازدى وعداده في بجيلة فقال : يا حسين الا تنظر إلى الماء كانه كبد السماء والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا . فقال الحسين : اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له ابدا . قال حميد بن مسلم : والله لعدته بعد ذلك في مرضه ، فوالله الذي لا اله الا هو لقد رايته يشرب حتى بغر ، ثم يقئ ثم يعود فيشرب حتى يبغر فما يروى ، فما زال ذلك دأبه حتى لفظ غصته يعنى نفسه . قال : ولما اشتد على الحسين واصحابه العطش دعا العباس بن علي بن ابيطالب اخاه فبعثه في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا وبعث معهم بعشرين قربة ، فجاء‌وا حتى دنوا من الماء ليلا ، واستقدم امامهم باللواء نافع بن هلال الجملى ، فقال عمرو بن الحجاج الزبيدي : من الرجل فجئ ما جاء بك ؟ قال : جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلاء‌تمونا عنه ، قال : فاشرب هنيئا ، قال : لا والله لا اشرب منه قطرة وحسين عطشان ومن ترى من اصحابه فطلعوا عليه ، فقال : لا سبيل إلى سقى هؤلاء ، انما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء ، فلما دنا منه اصحابه
99
قال لرجاله : املؤوا قربكم فشد الرجالة فملؤوا قربهم وثار اليهم عمرو بن الحجاج واصحابه ، فحمل عليهم العباس بن علي ونافع بن هلال فكفوهم ، ثم انصرفوا إلى رحالهم فقالوا : امضوا ، ووقفوا دونهم ، فعطف عليهم عمرو بن الحجاج واصحابه واطردوا قليلا ، ثم ان رجلا من صداء طعن من اصحاب عمرو بن الحجاج طعنه نافع بن هلال فظن انها ليست بشئ ، ثم انها انتقضت بعد ذلك فمات منها . وجاء اصحاب حسين بالقرب فأدخلوها عليه . قال ابومخنف - حدثني أبوجناب عن هاني بن ثبيت الحضرمي وكان قد شهد قتل الحسين قال : بعث الحسين ( ع ) إلى عمر بن سعد عمرو بن قرظة بن كعب الانصارى أن القنى الليل بين عسكرى وعسكرك قال : فخرج عمر بن سعد في نحو من عشرين فارسا ، وأقبل حسين في مثل ذلك ، فلما التقوا أمر حسين اصحابه ان يتنحوا عنه ، وأمر عمر بن سعد أصحابه بمثل ذلك ، قال فانكشفنا عنهما بحيث لا نسمع اصواتهما ولا كلامهما ، فتكلما فأطالا حتى ذهب من الليل هزيع ، ثم انصرف كل
واحد منهما إلى عسكره باصحابه ، وتحدث الناس فيما بينهما ظنا يظنونه ان حسينا قال لعمر بن سعد : اخرج معى إلى يزيد بن معاوية و ندع العسكرين ، قال عمر : اذن تهدم دارى . قال : انا ابنيها لك ، قال : اذن تؤخذ ضياغى ، قال : اذن اعطيك خيرا منها من مالى بالحجاز قال ؟ فتكره ذلك عمر ، قال : فتحدث الناس بذلك وشاع فيهم من غير ان يكونوا سمعوا من ذلك شيئا ولا علموه قال ابومخنف - واما ما حدثنا به المجالد بن سعيد والصقعب
100
بن زهير الازدى وغيرهما من المحدثين فهو ما عليه جماعة المحدثين قالوا : انه قال : اختاروا منى خصالا ثلاثا اما ان ارجع إلى المكان الذي اقبلت منه ، واما ان اضع يدى في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بينى وبينه رأيه واما ان تسيرونى إلى اى ثغر من ثغور المسلمين شئتم فاكون رجلا من اهله لى مالهم وعلى ما عليهم . قال ابومخنف - فاما عبدالرحمان بن جندب فحدثني عن عقبة بن سمعان قال : صحبت حسينا فخرجت معه من المدينة إلى مكة ، ومن مكة إلى العراقولم افارقه حتى قتل ، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله الا وقد سمعتها ، الا والله ما اعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من ان يضع يده في يد يزيد بن معاوية ولا ان يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ، ولكنه قال : دعونى فلا ذهب في هده الارض العريضة حتى ننظر ما يصير امر الناس . قال ابومخنف - حدثنى المجالد بن سعيد الهمداني والصقعب بن زهيرانهما كانا التقيا مرارا ثلاثا او اربعا حسين وعمر بن سعد ، قال : فكتب عمر بن سعد إلى عبيدالله بن زياد : اما بعد فان الله قد اطفأ النائرة ، وجمع الكلمة ، واصلح امر الامة ، هذا حسين قد اعطاني ان يرجع إلى المكان الذي منه اتى ، او ان نسيره إلى اى ثغر من ثغور المسلمين شئنا ، فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ، او ان يأتي يزيد امير المؤمنين فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه ، وفي هذا لكم رضى وللامة صلاح
101
قال فلما قرأ عبيدالله الكتاب قال : هذا كتاب رجل ناصح لاميره مشفق على قومه نعم قد قبلت . قال : فقام اليه شمر بذي الجوشن فقال : اتقبل هذا منه ؟ وقد نزل بارضك إلى جنبك ، والله لان رحل من بلدك ولم يضع يده في يدك ليكونن اولى بالقوة والعز ولتكونن اولى بالضعف والعجز ، فلا تعطه هذه المنزلة فانها من الوهن ولكن لينزل على حكمك هو واصحابه ، فان عاقبت فانت ولى العقوبة ،وان غفرت كان ذلك لك ، والله لقد بلغنى ان حسينا وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل ، فقال له ابن زياد : نعم ما رايت الراى رايك .
قال ابومخنف - فحدثنى سليمان بن ابي راشد عن حميد بن مسلم قال : ثم ان عبيدالله بن زياد دعا شمر بن ذي الجوشن فقال له : اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين واصحابه النزول على حكمى ، فان فعلوا فليبعث بهم إلى سلما ، وان هم ابوا فليقاتلهم ، فان فعل فاسمع له واطع ، وان هوابى فقاتلهم فانت امير الناس وثب عليه فاضرب عنقه وابعث إلى برأسه قال ابوممخنف - حدثني أبوجباب الكلبى قال : ثم كتب عبيدالله بن زياد إلى عمر بن سعد ، أما بعد فانى لم ابعثك إلى حسين لتكف عنه ولا لتطاوله ولا لتمنيه السلامة والبقاء ولا لتقعد له عندى شافعا ، انظر فان نزل حسين واصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلى سلما ، وان ابوا فازحف اليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم ، فانهم لذلك مستحقون ، فان قتل حسين فأوط الخيل صدره وظهره ، فانه عاق مشاق ، قاطع ظلوم ،
102
وليس دهرى في هذا أن يضر بعد الموت شيئا ولكن على قول لو قد قتلته فعلت هذا به ، ان أنت مضيت لامرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع وان ابيت فاعتزل عملنا وجندنا وخل بين شمربن ذي الجوشن وبين العسكر فانا قد امرناه بأمرنا والسلام . قال ابومخنف - عن الحارث ( 1 ) بن حصيرة عن عبدالله (2)
* ( هامش ) * ( 1 ) الحارث بن حصيرة الازدى ، ابوالنعمان الكوفي . عن زيد بن وهب وعكرمة وطائفة ، وعنه مالك ينعول ، وعبدالله بن نمير وطائفة . قال ابواحمد الزبيرى كان يومن بالرجعة ، وقال يحيى بن معين ثقة خشبى ،ينسبون إلى خشبة زيد بن علي لما صلب عليها . وقال النسائي : ثقة ، وقال زنيج : سألت جريرا أرأيت الحارث بن حصيرة ؟ قال : نعم ، رأيته شيخا كبيرا طويل السكوت يصر على امر عظيم . عباد بن يعقوب الرواجنى ، حدثنا عبدالله بن عبدالملك المسعودى