النبيّ كانوا يعرفون ذلك له فلا يأخذ بيد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أحد غيره .
وقال الحماني في حديثه : كان إذا جلس اتّكأ على عليّ ، وإذا قام وضع يده على عليّ عليه السلام(1).
ومنها: أنّه صاحب حوض رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم يوم القيامة .
روى محمّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : «كأنّي أنظر إلى تدافع مناكب اُمّتي على الحوض ، فيقول الوارد للصادر: هل شربت ؟ فيقول : نعم واللهّ لقد شربت ، ويقول بعضهم : لا واللهّ ما شربت فيا طول عطشاه »(2) .
وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم لعلّي عليه السلام : «والذي نبّأ محمّداً وأكرمه ، إنّك لذائد عن حوضي ، تذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصادي عن الماء، بيدك عصا من عوسج ، كأنّي أنظرإلى مقامك من حوضي» (3).
وعن طارق عن عليّ عليه السلام قال : «ربّ العباد والبلاد، والسبع الشداد ، لأذودنّ يوم القيامة عن الحوض بيديّ هاتين القصيرتين» قال : وبسط يديه(4).

_________
(1) مناقب ابن شهراشوب 2: 219، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 38: 306 | 8 . (2) نقله المجلسي في بحار الأنوار39: 216 | 6.
(3) مناقب الخوارزمي : 60، ونحوه في مناقب ابن شهر آشوب 2: 162، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 39: 216 | 6 .
(4) أمالي الطوسي 1 : 175 ، فضائل أحمد: 200 | 279 الرياض النضرة 3: 186، مجمع الزوائد 9 : 135، وفيها نحوه .

( 370)
وفي رواية اُخرى : «والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، لاقمعنّ بيديّ هاتين عن الحوض أعداءنا، ولا وردنّ أحبّاءنا»(1).
ومنها : اختصاصه عليه السلام بالمناجاة يوم الطائف .
فروي عن جابربن عبدالله : أن النبي عليه وآله السلام لما خلا بعلي يوم الطائف وناجاه طويلاً قال أحد الرجلين لصاحبه : لقد طالت مناجاته لابن عمّه ، فبلغ ذلك النبيّ فقال : «ما أنا ناجيته ، بل الله انتجاه »(2).
ومنها: تفرّده عليه السلام بآية النجوى والعمل بها .
فروي عن مجاهد قال : قال عليّ عليه السلام : «آية من القران لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي ، آية النجوى، كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم ، فكلّما أردت أن اُناجي النبيّ صلّى الله عليه واله وسلّم تصدّقت بدرهم ثمّ نسخت بقوله : (فَاِن لَم تَجدوا فَاِنّ اللهَ غَفُوز رَحيم ) (3)(4).

_________
(1) مناقب ابن شهرآشوب 2: 162، ونقله المجلسي في بحار الأنوار39: 216 | 6 .
(2) بصائرالدرجات : 81 | 43، الأختصاص: 200، أمالي الطوسي 1: 266 و 340، العمدة لابن بطريق : 362 | 703، مناقب ابن المغازلي : 125 | 164،ورواه الترمذي في صحيحه 5: 639 | 3726، الكنجي الشافعي في كفاية الطالب :327و 328، ومحب الدين الطبري في ذخائر العقبى : 85 ، والرياض النضرة 3: 170، إلا أن فيها «فقال الناس» بدل «فقال أحد الرجلين» ، وكذا رواه الخطيب في تاريخ بغداد 7: 402 وفيه: «فقالوا» ، وابن الأثيرفي اُسد الغابة 4 : 27 وفيه «فقال بعض الصحابة».
(3) المجادلة 58 : 13.
(4) تفسير القمي 2 : 357، المصنف لابن أبي شيبة 12: 81 | 12174، تفسير الطبري 28 : 14 ،أحكام القرآن للجصاص3: 428 ، مستدرك الحاكم 2: 481، المناقب لابن ألمغازلي: 326 | 373، شواهد التنزيل للحسكاني 2: 231 | 951 و 237 | 960 و961 ، الرياض النضرة 3: 170 ، تفسير ابن كثير 4: 349.

( 371)
وفي رواية اُخرى : «بي خفّف الله عن هذه الاُمّة، فلم تنزل في أحد قبلي ولا تنزل في أحد بعدي»(1).
وروى السندي ، عن ابن عبّاس قال : كان الناس يناجون رسول الله صلّى اللهّ عليه واله وسلّم في الخلاء إذا كانت لأحدهم حاجة، فشقّ ذلك على النبيّ صلّى اللهّ عليه واله وسلّم ففرض الله على من ناجاه سرّاً أن يتصدّق بصدقة، فكفّوا عنه وشقّ ذلك عليهم (2).
ومنها : أنّ حبّه إيمان وبغضه نفاق . .
فقد اشتهرعنه عليه السلام أنّه قال : «لوضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ، ولوصببت الدنيا بجملتها على المنافق أن يحبّني ما أحبّني ، وذلك أنّه قضي فانقض على لسان النبيّ الاُمّي صلّى الله عليه واله وسلّم : أنّه لا يبغضك مؤمن ولا يحبّك منافق »(3).
ومنها : ما قاله فيه يوم الحديبية لمّا كتب عليه السلام كتاب الصلح بين رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأهل مكّة فكتب : «بسم الله الرحمن الرحيم».
فقال سهيل بن عمرو: هذا كتاب بيننا وبينك يا محمّد، فافتتحه بما
_________
(1) العمدة لابن بطربق : 185| 283، صحيح الترمذي 5 : 406| ذيل حديث 3300، خصائص النسائي : 161| ذيل حديث 152 ، مسند أبي يعلى الموصلي 1: 322 | ذيل حديث 400 ، تفسير الطبري 28 : 15 ، مناقب ابن المغازلي : 325| ذيل الحديث372، شواهد التنزيل للحسكاني 2: 232 | ذيل حديث 953 و 234| ذيل حديث 954 و955 ، كفاية الطالب : 136 ، ميزان الاعتدال 3: 146 .
(2) أحكام القران للجصاص 3: 428 ، تفسير ابن كثير 4 : 350، وفيهما عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس .
(3) نهج البلاغة 3: 163 | 45 ، أمالي الطوسي : 209 ، ربيع الأبرار للزمخشري 1: 488 .

( 372)
نعرفه واكتب باسمك اللهم .
فقال : «اُكتب باسمك اللهم وامح ما كتبت» .
فقال عليه السلام : «لولا طاعتك يا رسول اللهّ لما محوت» .
فقال النبيّ عليه واله السلام : «اكتب : هذا ما قاضى عليه محمّد رسول اللهّ سهيل بن عمرو».
فقال سهيل : لو أجبتك في الكتاب إلى هذا لأقررت لك بالنبوّة ، فامح هذا الاسم واكتب محمّد بن عبدالله .
فقال له عليّ عليه السلام : «إنّه واللهّ لرسول اللهّ على رغم أنفك» .
فقال النبيّ صلّى الله عليه واله وسلّم : «امحها يا عليّ» .
فقال له : «يا رسول الله ، إنّ يدي لا تنطلق تمحو اسمك من النبوّة» .
قال : فضع يدي عليها. فمحاها رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم بيده وقال لعليّ : «ستدعى إلى مثلها فتجيب وأنت على مضض (1)»(2).
ومنها: ما رواه ربعي بن خراش عن أمير المؤمنين عليه السلام قال :
«أقبل سهيل بن عمر ورجلان - أوثلاثة - معه إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الحديبية فقالوا له : إنّه ياتيك قوم من سفلنا وعبداننا فارددهم علينا، فغضب حتّى احمارّ وجهه ، وكان إذا غضب عليه السلام يحمارّ وجهه ثمّ قال : لتنتهن يا معشر قريش أو ليبعثنّ الله عليكم رجلاً امتحن الله قلبه للايمان ، يضرب رقابكم وأنتم مجفلون عن الدين . فقال أبوبكر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: «لا». قال عمر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال : لا، ولكنّه ذلكم خاصف النعل في الحجرة . وأنا أخصف نعل رسول الله صلّى الله عليه وآله
_________
(1) المضض : وجع المصيبة. «لسان العرب 7: 233».
(2) تفسير القمي 2: 312 ارشاد المفيد1: 119 ونحوه في : صحيح مسلم 3: 1409 | 90، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 362 | 10 .

( 373)
وسلّم في الحجرة».
ثمّ قام وقال علي عليه السلام : "اما انه قد قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : من كذّب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار»(1).

_________
(1) ارشاد المفيد 1: 122 ، مناقب ابن شهرآشوب 3: 44، العمدة : 224 | 353، الترمذي5: 634 | 3715 ، مناقب ابن المغازلي : 439 | 24 ، كفاية الطالب : 97 ، ذخائر العقبى :76، وفيها باختلاف يسير، ونحوه في : مستدرك الحاكم 4: 298، ودون ذيله في : تاريخ بغداد 1: 133، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 364 | 11.

( 374)
(الفصل الثاني)
في ذكر مقاماته في الجهاد مع النبي
صلّى الله عليه واله وسلّم ومواقفه ومشاهده
على سبيل الجملة والاختصار
الحكم بن عتيبة، عن مقسم ، عن ابن عبّاس قال : كانت راية رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم مع عليّ عليه السلام في المواقف كلّها: يوم بدر، ويوم اُحد، ويوم حنين ، ويوم الأحزاب ، ويوم فتح مكّة وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة في المواطن كلّها ويوم فتح مكّة ، وراية المهاجرين مع عليّ عليه السلام(1) .
ومن مقاماته الجليلة : مواساته رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ليلة الفراش وبذله مهجته دونه ، قال ابن عبّاس : لمّا انطلق النبيّ إلى الغار أنام عليّاً عليه السلام في مكانه وألبسه برده ، فجاءت قريش تريد أن تقتل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فجعلوا يرمون عليّاً وهم يرون أنّه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فجعل يتضوّر(2) فلمّا نظروا إذا هوعليّ عليه السلام (3) .
وروى علي بن هاشم ، عن محمّد بن عبدالله بن أبي رافع ، عن أبيه ، عن جدّه أبي رافع قال : كان عليّ يجهّز النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حين كان في الغار ياتيه بالطعام والشراب ،واستاجر له ثلاث رواحل ، للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ولأبي بكر ولدليلهم ، وقيل : وخلّفه النبيّ صلّى الله عليه
_________
(1) انظر: كفاية الطالب : 335 ، وذخائر العقبى :75 .
(2) التضوّر: التلوي من وجع الضرب . «القاموس المحيط 2: 77».
(3) تفسير فرات الكوفي : 10 ، مستدرك الحاكم 3: 4، وفيهما نحوه ، ونقله المجلسي في

=


( 375)
وآله وسلّم يخرج إليه أهله فاخرجهم ، وأمره أن يؤدّي عنه أمانته ووصاياه وما كان يؤتمن عليه من مال ، فادّى عليّ عليه السلام أماناته كلّها .
وقال له النبيّ عليه واله السلام : «إنّ قريشاً لن يفتقدوني ما رأوك» فاضْطَجع على فراش رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فكانت قريش ترى رجلاً على فراش النبيّ فيقولون : هومحمّد، فحبسهم الله عن طلبه ، وخرج عليّ إلى المدينة ماشياً على رجليه فتورمت قدماه ، فلمّا قدم المدينة رآه النبيّ فاعتنقه وبكى رحمة له ممّا رأى بقدميه من الورم ، وأنّهما يقطران دماً، فدعا له بالعافية ومسح رجليه ، فلم يشكهما بعد ذلك (1).
ومن مقاماته في غزوة بدر : أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بعثه ليلة بدر أن يأتيه بالماء حين قال لأصحابه : «من يلتمس لنا الماء» فسكتوا عنه فقال عليّ عليه السلام : «أنا يا رسول الله » .
فاخذ القربة وأتى القليب فملأها، فلما أخرجها جاءت ريح فاهرقته ثمّ عاد إلى القليب فملأها فجاءت ريح فاهرقته ، فلمّا كانت الرابعة ملأها فاتى بها إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فاخبره بخبره ، فقال رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم : «أمّا الريح الأولى فجبرئيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك ، وأمّا الريح الثانية فميكائيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك ، وأمّا الريح الثالثة فإسرافيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك » .
رواه محمّد بن عبيدالله بن أبي رافع عن أبيه عن جدّه أبي رافع (2) .
ومنها : أنّه عليه السلام بارز الوليد بن عتبة فقتله ، وبارزعتبة حمزة بن
_________

=

بحار الأنوار19: 84 | 35 .
(1) تاريخ ابن عساكر- ترجمة الإمام علي (ع ) - 1 : 154 ، ودون صدره في : اُسد الغابة 4 :19، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 84 | 35 .
(2) نحوه في : قرب الاسناد : 111 | 387، تفسير العياشي 2 : 65 | 70، ونقله المجلسي في

=


( 376)
عبدالمطّلب فقتله حمزة، وبارز شيبة عبيدة بن الحارث فاختلفت بينهما ضربتان قطعت إحداهما فخذ عبيدة فاستنقذه عليّ عليه السلام بضربة بدر بها شيبة فقتله ، وشركه في ذلك حمزة، وكان قتل هؤلاء أوّل وهن لحق المشركين وذل دخل عليهم ، ونصرة وعزّ للمؤمنين .
وقتل أيضاً بعده العاص بن سعيد بن العاص .
وقتل حنظلة بن أبي سفيان ، وطعيمة بن عدي ، ونوفل بن خويلد وكان من شياطين قريش ، ولمّا عرف النبيّ عليه السلام حضوره يوم بدر قال :
«اللهم اكفني نوفل بن خويلد».
ولم يزل عليه السلام يقتل منهم واحداً بعد واحد حتّى أتى على شطر المقتولين منهم ، وكانوا سبعين قتيلاً، وختم الأمر بمناولته النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كفّاً من الحصى، فرمى بها في وجوههم وقال لهم : «شاهت الوجوه» فولّوا على أدبارهم منهزمين وكفى الله المؤمنين شرّهم (1).
ومن مقاماته عليه السلام في غزوة اُحد: أنّ الفتح كان له في هذه الغزاة كما كان بيده يوم بدر، واختصّ بحسن البلاء فيها والصبر.
قال أبو البختري القرشيّ: كانت راية قريش ولواؤها جميعاً بيد قصيّ ابن كلاب ، ثمّ لم تزل الراية في يد ولد عبدالمطّلب يحملها منهم من حضر الحرب حتى بعث الله رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم فصارت راية قريش وغير ذلك إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فاقرّها في بني هاشم ، وأعطاها علي بن أبي طالب في غزوة ودّان ، وهي أوّل غزوة حمل فيها راية في الإسلام مع النبيّ ، ثمّ لم تزل معه في المشاهد : ببدر وهي البطشة الكبرى، وفي يوم اُحد وكان اللواء يومئذ في بني عبدالدار فاعطاها رسول الله صلّى الله عليه
_________

=

بحار الأنوار 19 : 293 | 36.
(1) انظر: ارشاد المفيد 1 : 70 .

( 374)
وآله وسلّم مصعب بن عميرفاستشهد ووقع اللواء من يده ، فتشوّفته القبائل ، فاخذه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ودفعه إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام ؛ فجمع له الراية واللواء، فهما إلى اليوم في بني هاشم.
وكان لواء المشركين مع طلحة بن أبي طلحة-وكان يدعى كبش الكتيبة - فتقدّم وتقدّم عليّ عليه السلام ، وتقاربا فضربه عليّ ضربة على مقدّم رأسه فبدرت عيناه وصاح صيحة لم يسمع مثلها وسقط اللواء من يده ، فاخذه أخ له يقال له : مصعب ، فرماه عاصم بن ثابت فقتله ، ثمّ أخذ اللواء أخٌ له يقال له : عثمان ، فرماه عاصم أيضاً بسهم فقتله ، فاخذه عبدٌ لهم يقال له : صواب ، وكان من أشدّ الناس فضربه عليّ عليه السلام فقطع يمينه ، فاخذ اللواء بيده اليسرى فضرب عليّ يده فقطعها، فأخذ اللواء على صدره وجمع يديه المقطوعتين عليه فضربه عليّ عليه السلام على اُمّ رأسه فسقط صريعاً وانهزم القوم .
وأكبّ المسلمون على الغنائم ، وقد كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أقام على الشعب خمسين رجلاً من الأنصار وأمّر عليهم رجلاً منهم ، وقال لهم : «ا تبرحوا مكانكم وإن قتلنا عن آخرنا» فلمّا رأى أصحاب الشعب الناس يغتنمون قالوا لأميرهم : نريد أن نغتنم كما غنم الناس ، فقال : إنّ رسول الله قد أمرني أن لا أبرح من موضعي هذا ، فقالوا له : إنّه أمرك بهذا وهو لا يدري أنّ الأمر، يبلغ إلى ما نرى، ومالوا إلى الغنائم وتركوه .
فحمل عليه خالد بن الوليد فقتله ، وجاء من ظهر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يريده ، وقُتل من ،أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سبعون رجلاً وانهزموا هزيمة عظيمة ، وأقبلوا يصعدون الجبال وفي كلّ وجه ، ولم يبق معه إلاّ أبودجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف ، وأميرالمؤمنين عليه السلام ، فكلّما حملت طائفة على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم
( 378)
استقبلهم أمير المؤمنين عليه السلام فدفعهم عنه حتّى انقطع سيفه ، فلمّا رأى رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم الهزيمة كشف البيضة عن رأسه وقال : «إليّ أنا رسول الله ، إلى أين تفرّون عن الله وعن رسوله»؟ ! !
وثاب إليه من أصحابه المنهزمين أربعة عشر رجلاً، منهم : طلحة بن عبيدالله وعاصم بن ثابت ، وصد الباقون الجبل ، وصاح صائح بالمدينة : قُتل رسول الله ، فانخلعت القلوب لذلك ، وتحيّر المنهزمون فاخذوا يميناً وشمالاً .
وروى عكرمة قال : سمعت عليّاً عليه السلام يقول : «لمّا انهزم الناس يوم أحد عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لحقني من الجزع عليه ما لم أملك نفسي ، وكنت أمامه أضرب بسيفي بين يديه ، فرجعت أطلبه فلم أره فقلت : ما كان رسول الله ليفرّ وما رأيته في القتلى فاظنّه رُفع من بيننا، فكسّرت جفن سيفي وقلت في نفسي : لاُقاتلنّ به عنه حتّى أقتل ، وحملت على القوم فأفرجوا فإذا أنا برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقد وقع على الأرض مغشيّاً عليه ، فقمت على رأسه فنظر إليّ فقال : ما صنع الناس يا عليّ ؟ فقلت : كفروا يا رسول الله وولّوا الدبر واسلموك ، فنظر إلى كتيبة قد أقبلت فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : ردّ عني يا عليّ هذه الكتيبة، فحملت عليها بسيفي أضربها يميناً وشمالاً حتّى ولّوا الأدبار فقال لي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : أما تسمع مديحك في السماء، أنّ ملكاً يقال له : رضوان ينادي : «لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ عليّ» فبكيت سروراً وحمدت الله على نعمه ».
وتراجع المنهزمون من المسلمين إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وانصرف المشركون إلى مكّة، وانصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلّم إلى المدينة فاستقبلته فاطمة عليها السلام ومعها إِناء فيه ماء فغسلت به وجهه
( 379)
ولحقه أميرالمؤمنين عليه السلام ومعه ذو الفقار وقد خضب الدم يده إلى كتفه فقال لفاطمة عليها السلام : «خذي هذا السيف فقد صدقني اليوم ، وقال :
أفاطم هاك السيف غير ذميم * فلست برعديد ولا بمليم
لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد * وطاعة ربٍّ بالعباد عليم »
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « خذيه يا فاطمة، فقد أدّى بعلك ما عليه ، وقد قتل الله بسيفه صناديد قريش»(1).
ومن مقاماته المشهورة في غزوة الأحزاب : قتله عمرو بن عبد ود، فروى ربيعة السعدي قال : أتيت حذيفة بن اليمان فقلت : يا أبا عبدالله ، إنّا لنتحدّث عن عليّ عليه السلام ومناقبه فيقول لنا أهل البصرة : إنّكم تفرطون في عليّ عليه السلام ، فهل أنت محدّثي بحديث فيه ؟
فقال حذيفة : يا ربيعة، والذي نفسي بيده ، لو وضع جميع أعمال أصحاب محمد في كفّة الميزان منذ بعث الله محمداً صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل عليّ في الكفّة الاُخرى لرجّح عمل عليّ عليه السلام على جميع أعمالهم .
فقال ربيعة : هذا الذي لا يُقام له ولا يُقعد!
فقال حذيفة : يا لكع (2) وكيف لا يحمل ، وأين كان أبوبكر وعمر وحذيفة وجميع أصحاب محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم عمرو بن عبد ود وقد دعا إلى المبارزة فاحجم الناس كلّهم ما خلا علياً فإنّه برز إليه فقتله الله على يده ، والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من عمل
_________
(1)ارشادالمفيد 1 : 79، وأوردمنه القمي في تفسيره 1: 112قطعاً متفرقة، وكذا في : مناقب ابن شهرآشوب 3: 123 و 125 و 299 .
(2) اللكع : اللئيم والعبد الذليل النفس : «الصحاح - لكع - 3 :1280»

( 380)
جميع أصحاب محمد إلى يوم القيامة(1) .
وروى الواقدي قال : حدّثنا عبد اللهّ بن جعفر، عن (ابن أبي عون )(2)عن الزهري قال : جاء عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب ونوفل بن عبداللهّ بن المغيرة وضرار بن الخطّاب الفهري في يوم الأحزاب إلى الخندق فجعلوا يطيفون به يطلبون مضيقاً منه ليعبروا، فانتهوا إلى مكان أكرهوا خيولهم فيه فعبرت ، وجعلوا يجولون بخيلهم فيما بين الخندق وسلع ، والمسلمون وقوف لا يقدم أحدٌ منهم عليهم ، وجعل عمرو بن عبد ود يدعو إلى البراز ويقول :
ولقد بَحِحت من النداء بجمـ * ــعهم : هل مِن مبارز؟

ـ الأبيات ـ .

في كلّ ذلك يقوم عليّ بن أبي طالب عليه السلام من بينهم ليبارزه فيامره رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالجلوس انتظاراً منه ليتحرّك غيره ، والمسلمون كأن على رؤوسهم الطير لمكان عمرو بن عبد ود وممّن معه ووراءه ، وكان عمرو فارس قريش وكان يعدّ بالف فارس ، فلما طال نداء عمرو بالبراز وتتابع قيام عليّ عليه السلام قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : «ادن منّي» فدنا منه ، فنزع عمامته عن رأسه وعمّمه بها وأعطاه
_________
(1)ارشاد المفيد ا : 153 ، ارشاد القلوب :245 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 19 : 60 .
(2) في نسختي «ط» و«ق» : ابن عون ، وفي نسخة «م» : ابي ، واثبتنا الصواب ، وهوعبدالرحمن ابن ابي عون ، ويعرف بابن ابي عون ، وهوموافق لما في مغازي الواقدي وارشاد المفيد .
ذكره ابن حجر في تهذيبه (6: 388 | 820) وقال : عبدالواحد بن ابي عون الدوسي ، ويقال الأويسي المدني ، روى عن سعد بن إبراهيم ، والقاسم بن محمد، وسعيد المقبري ، وابن المنكدر، والزهري. . .
توفي سنة (144هـ ).

( 381)
سيفه ذا الفقار وقال له : «امض لشأنك» ثمّ قال : «اللهم أعنه» .
فسعى نحوعمرو ومعه جابر بن عبدالله لينظر ما يكون منه ومن عمرو، ولمّا توجّه إليه قال النبيّ : «خرج الإيمان سائره إلى الكفر سائره» فلمّا انتهى إليه قال : «يا عمرو، إنّك كنت في الجاهليّة تقول : لا يدعوني أحدٌ إلى ثلاث إلاّ قبلتها أو واحدة منها»
قال : أجل.
قال : «فإنّي أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله وأن تسلم لربّ العالمين » .
قال : يا ابن أخ أخّر هذه عنّي .
فقال له عليّ : «أما إنّها خيرٌ لك لوأخذتها " ثمّ قال :"فهاهنا اُخرى» .
قال : ما هي ؟
قال : «ترجع من حيث جئت » .
قال : لاتُحَدّث نساء قريش بهذا أبداً.
قال : «فهاهنا اُخرى» .
قال : ما هي ؟
قال :«تنزل فتقاتلني » .
قال : فضحك عمرو وقال : إنّ هذه الخصلة ما كنت أظنّ أنّ أحداً من العرب يرومني مثلها، إنّي لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك وقد كان أبوك لي نديماً .
قال عليّ عليه السلام : «لكنّي اُحبّ أن أقتلك ، فانزل إن شئت».
فأسف (1) عمروونزل فضرب وجه فرسه حتّى رجع .

_________
(1) اسف : غضب .« لصحاح - ا سف - 4: 1331».

( 382)
قال جابر بن عبد الله: وثارت بينهما قترة(1) فما رأيتهما، وسمعت التكبير تحتها، فعلمت أنّ عليّاً قد قتله ، وانكشف أصحابه حتّى طفرت خيولهم الخندق .
وتبادر المسلمون حين سمعوا التكبير ينظرون ما صنع القوم ، فوجدوا نوفل بن عبدالعزّى في جوف الخندق فجعلوا يرمونه بالحجارة فقال لهم : قتلة أجمل من هذه ، ينزل إليّ بعضكم اُقاتله ، فنزل إليه عليّ عليه السلام فضربه حتّى قتله .
قال جابر: فما شبّهت قتل عليّ عمراً إلاّ بما قصّ الله تعالى من قصّة داود وجالوت حيث قال : (فَهَرمُوهُمْ بِاِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ ) (2).
وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد قتله : «الان نغزوهم ولا يغزوننا»(3).
ومن مواقفه في بني قريظة: أنّه ضرب أعناق رؤساء اليهود أعداء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الخندق ، منهم : حيي بن أخطب وكعب بن أسد بأمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (4).
ومن مقاماته المشهورة في غزوة وادي الرمل - ويقال : إنّها تسمّى غزوة السلسلة-: انه خرج ومعه لواء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد أن خرج غيره إليهم ورجع عنهم خائباً ، ثمّ خرج صاحبه وعاد بما عاد به الأول ، فمضى عليّ عليه السلام حتّى وافى القوم بسحر، وصلّى بأصحابه صلاة الغداة وصفّهم صفوفاً واتّكأ على سيفه مقبلاً على العدوّ وقال : «يا هؤلاء، أنا رسول
_________
(1) القترة : الغبار. «الصحاح -قتر- 2 : 1885»
(2) البقرة 2 : 251 .
(3) مغازي الواقدي 2 : 470 بتصرف ، وكذا رواه المفيد عنه في الارشاد 1 : 100.
(4) انظر: ارشاد المفيد 1 : 111، ومناقب ابن شهرآشوب 2 : 83 .

( 383)
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن تقولوا : لا إله إلاّ الله محمد رسول الله وإلاّ ضربتكم بالسيف » .
فقالوا له : إرجع كما رجع صاحباك .
قال : «أنا أرجع ! لا والله حتّى تسلموا أو لأضربنّكم بسيفي هذا ، أنا عليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب».
فاضطرب القوم وواقعهم فانهزموا وظفر المسلمون وحازوا الغنائمِ (1).
فروت اُمّ سلمة قالت : كان نبيّ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قائلاً في بيتي إذ انتبه فزعاً من منامه فقلت : الله جارك .
قال : «صدقت ، الله جاري ، ولكن هذا جبرئيل يخبرني أنّ عليّاً قادم » .
ثمّ خرج إلى الناس فامرهم أن يستقبلوا عليّاً، وقام المسلمون صفّين مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فلمّا بصر به عليّ ترجّل عن فرسه وأهوى إلى قدميه يقبّلهما .
فقال له النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : «اركب ، فإنّ الله ورسوله عنك راضيان» .
فبكى عليّ عليه السلام فرحاً وانصرف إلى منزله (2).
وقد ذكر بعض أصحاب السير إنّ في هذه الغزاة نزل على النبيّ (والْعادياتِ ضَبْحا(3)(4) إلى آخرها.

_________
(1)ارشادالمفيد 1: 113 مفصلاً.
(2)ارشادالمفيد 1: 116.
(3) العاديات 100 : ا .
(4) انظر: تفسير القمي 2: 434 ، ارشاد المفيد 1: 117 ، وأمالي الطوسي 2: 21 ، ومجمع البيان 5 : 528 ، ومناقب ابن شهرآشوب 3: 141.

( 384)
وأما مقامه بخيبر وبلاؤه يوم الحديبية فممّا مرّ ذكره فيما قبل (1).
ومن مقاماته قبل الفتح : أنّ رسول الله صلّى اللهّ عليه وآله وسلّم دبّر الأمر في ذلك بالكتمان وسأل الله عزّوجلّ أن يطوي خبره عن أهل مكّة حتّى يفجأهم بدخولها، فكان المؤتمن على هذا السرّ أميرالمؤمنين عليه السلام ، ثمّ أنماه إلى جماعة من بعد، فكتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى أهل مكّة يطلعهم فيه على سرّ رسول اللهّ في المسيرإليهم ، وأعطى الكتاب امرأة سوداء وأمرها أن تاخذ على غير الطريق .
فنزل بذلك الوحي ، فدعا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أميرالمؤمنين عليه السلام وقال : «إنّ بعض أصحابي قد كتب إلى أهل مكّة يخبرهم بخبرنا، والكتاب مع امرأة سوداء قد أخذت على غير الطريق ، فخذ سيفك والحقها وانتزع الكتاب منها» وبعث معه الزبير بن العوّام .
فمضيا على غير الطريق ، فادركا المرأة، فسبق إليها الزبير وسألها عن الكتاب فانكرته وحلفت أنّه لا شيء معها وبكت ، فقال الزبير: يا أبا الحسن ما أرى معها كتاباً ، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام : «يخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنّ معها كتاباً ويأمرني بأخذه منها وتقول أنه لا كتاب معها»!
ثمّ اخترط السيف وقال : «أما والله لئن لم تخرجي الكتاب لأكشفنّك ثمّ لأضربن عنقك » .
فقالت له : إذا كان لا بدّ من ذلك فاعرض يا ابن أبي طالب عنّي بوجهك .
فاعرض عنها ، فكشفت قناعها فاخرجت الكتاب من عقيصتها ، فاخذه
_________
(1) مرّ في صفحة: 366 و 371.

( 385)
أميرالمؤمنين عليه السلام وصار به إلى رسول الله صلّى الله وآله وسلّم (1).
ومن مقاماته : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أعطى الراية سعد ابن عبادة يوم الفتح وأمره أن يدخل بها مكّة ، فاخذها سعد وجعل يقول :
اليوم يوم الملحمه * اليوم تسبى(2)الحرمه
فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : «أدرك يا عليّ سعداً وخذ الراية وكن أنت الذي تدخل بها»(3) .
فاستدرك النبيّ صلّى الله عليه واله وسلّم به ما كاد يفوت من صواب التدبير بإقدام سعد على أهل مكّة ، وعلم أنّ الأنصار لا ترضى أن يأخذ أحد من الناس الراية من سيّدها سعد ويعزله عن ذلك المقام إلاّ من كان في مثل حال النبيّ من رفعة الشأن وجلالة المكان .
ومن مواقفه : أنّه لمّا دخل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم المسجد الحرام وجد فيه ثلاثمائة وستين صنماً بعضها مشدود ببعض ، فقال لأمير المؤمنين عليه السلام : «أعطني يا عليّ كفّاً من الحصى» فقبض له أمير المؤمنين عليه السلام كفاً من الحص ، فرماها بها وهويقول : (جاء الحقّ وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقأ)(4) . فما بقي منها صنم إلاّ خرّ لوجهه ، ثمّ
_________
(1) ارشاد المفيد ا : 56 ، ونحوه في : سيرة ابن هشام 4 : 40 ، وصحيح البخاري 5: 184 وصحيح مسلم 4: 1941 | 2494، وتاريخ اليعقوبي 2 : 58، ومسند أحمد1: 79، وتاريخ الطبري 3 : 48 ، ومستدرك الحاكم 3: 301 ودلائل النبوة للبيهقي 5: 14 .
(2) في نسختي «ط» و«ق»: تستحل ، وما أثبتناه من نسخة «م ».
(3) ارشاد المفيد ا : 60و 134 ، مغازي الواقدي 2: 822، سيرة ابن هشام 4: 49، تاريخ الطبري 3 : 56 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17: 272 .
(4) الاسراء 17: 81 .

( 386)
أمر بها فاُخرجت من المسجد وكُسّرت (1).
ومن حسن بلائه في الإسلام فيما اتّصل بفتح مكّة : أنّ الله خصّه بتلافي فارط من خالف نبيّه في أوامره ، وذلك أنّه أنفذ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة داعياً لهم إلى الإسلام ، فخالف أمره وقتل القوم وهم على الإسلام لترة(2) كانت بينه وبينهم ، فأصلح النبيّ صلّى اللهّ عليه واله وسلّم ما أفسده خالد بأمير المؤمنين عليه السلام ، فأنفذه ليعطف القوم ويسل سخائمهم (3)، وأمره أن يَدّي القتلى ، ويُرضي بذلك الأولياء ، فبلغ أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك مبلغ الرضا، وأدّى ديات القتلى وأرضاهم عن اللهّ وعن رسوله ، فتمّ بذلك موادّ الصلاح ، وانقطعت أسباب الفساد(4) .
ومن مقاماته في غزوة حنين : أنّ المسلمين انهزموا بأجمعهم ، فلم يبق مع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلاّ عشرة أنفس : تسعة من بني هاشم خاصّة وعاشرهم أيمن ابن اُمّ أيمن ، فقُتل أيمن وثبتَ التسعة الهاشميّون حتّى ثاب إلى رسول الله من كان انهزم وكانت الكرّهّ لهم على المشركين ، وذلك قوله تعالى : (ثُمّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ على رسوله وعلى المُؤمِنِينَ)(5) يعني عليّاً عليه السلام ومن ثبت معه من بني هاشم ، وهم ثمانية : العبّاس ابن عبدالمطّلب عن يمين رسول الله ، والفضل بن العباس عن يساره ، وأبو
_________
(1) ارشاد المفيد 1: 138.
(2) الترة : التبعة . «النهاية 1: 189».
(3) السخيمة : الموجدة في النفس . «العين 4 :205» .
(4) انظر: ارشاد المفيد 1: 55 ، وسيرة ابن هشام 4 : 70، طبقات ابن سعد2 : 147، تاريخ الطبري 5: 66، ودلائل النبوة للبيهقي 5: 113، الكامل في التاريخ 2: 255 .
(5) التوبة 9 : 26 .

( 387)
سفيان بن الحارث ممسك بسرجه عند ثفر(1) بغلته ، وأميرالمؤمنين عليه السلام بين يديه بالسيف ، ونوفل بن الحارث ، وربيعة بن الحارث ، وعبدالله ابن الزبير بن عبد المطّلب ، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب حوله .
ولما رأى رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم هزيمة القوم عنه قال للعبّاس وكان جهورياً صيّتاً : «ناد في القوم وذكّرهم العهد» فنادى العبّاس بأعلى صوته : يا أهل بيعة الشجرة ، يا أصحاب سورة البقرة إلى أين تفرّون ؟ ! اذكروا العهد الذي عاهدكم عليه رسول الله صلّى اللهّ عليه واله وسلّم .
فلم يسمعها أحدٌ إلاّ رمى بنفسه الأرض ، وانحدروا حتّى لحقوا بالعدوّ، وأقبل رجل من هوازن على جمل له أحمر، بيده راية سوداء وهو يرتجز:
أنا أبو جَرولَ لابَراح * حتّى نُبيحَ القومَ أونُباح
فصمد له أميرالمؤمنين فضرب عجزبعيره فصرعه ، ثمّ ضربه فقطّره (2) وكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جرول ولمّا قتله وضع المسلمون سيوفهم فيهم وأمير المؤمنين عليه السلام يقدمهم حتّى قتل أربعين رجلاً من القوم ، ثمّ كانت الهزيمة والأسر حينئذ(3) .
ولمّا قسّم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم غنائم حنين أقبل رجلٌ طوال أدم ، بين عينيه أثر السجود فسلّم ولم يخصّ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ثمّ قال : قد رأيتك وما صنعت في هذه الغنائم .
فقال : «وكيف رأيت ؟» قال : لم أرك عدلت ! !
_________
(1) الثفَر: السير في مؤخرة السرج . «القاموس المحيط 1: 383»
(2 ) قطّره : ألقاه على أحد جانبيه .«الصحاح - قطر- 2: 796»
(3) انظر: ارشاد المفيد 1: 140، المناقب لابن شهرآشوب 3: 143.

( 388)
فغضب رسول اللهّ صلّى اللهّ عليه واله وسلّم وقال : «ويلك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون ؟»
فقال المسلمون : ألا نقتله ؟
قال : «دعوه ، فإنّه سيكون له أتباع يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، يقتلهم الله على يد أحبّ الخلق إليه من بعدي» فقتلهم أمير المؤمنين صلوات اللهّ وسلامه عليه في من قتل من الخوارج (1).
ومن مقاماته يوم الطائف : أنّ النبي صلّى الله عليه واله وسلّم أنفذه وأمره أن يطأ ما وجد، ويكسّركلّ صنم وجده ، فخرج فلقيه خيلٌ من خثعم في جمع كثير، فبرز له رجلٌ من القوم يقال له : شهاب في غبش الصبح فقال : هل من مبارز، فقتله أميرالمؤمنين عليه السلام ومضى في تلك الخيل حتّى كسّر الأصنام وعاد إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو محاصر أهل الطائف ، فلمّا رآه النبي صلّى الله عليه واله وسلّم كبّر للفتح وأخذ بيده فخلا به وناجاه طويلاً .
ثمّ خرج من حصن الطائف نافع بن غيلان في خيل من ثقيف فقتله أميرالمؤمنين عليه السلام وانهزم المشركون ولحق القوم الرعب ، فنزل منهم جماعة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فاسلموا(2).
_________
(1) ارشاد المفيد 1: 148، وأنظر: مسند أحمد 2: 219، وتاريخ الطبري 3 : 92 ، واُسد الغابة 2: 139 .
(2) انظر: ارشاد المفيد 1 : 152 ، ومناقب ابن شهرآشوب 3 : 144 .