التالي

مسكن الفؤاد ص : 2

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي حكم بالفناء و الزوال على جميع عباده و أنفذ حكمه و أمره فيهم على وفق حكمته و مراده و

وعد الصابرين على قضائه و قدره جميل ثوابه و إسعاده و أوعد الساخطين جزيل نكاله و شديد وباله في معاده و لذذ قلوب العارفين

بتدبيره فبهجت نفوسهم في تسليمها بقياده هذا مع عجز كل منهم عن دفاع ما أمضاه و إن تمادى الجاهل في عناده فإياه سبحانه أحمد

على كل حال و أسأله الإمداد بتوفيقه و إرشاده و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أستدفع بها الأهوال في ضيق

المحشر و وهاده و أشهد أن محمدا ص عبده و رسوله أفضل من بشر و حذر و أعلم من رضي بالقضاء و صبر و خدم به سلطان معاده صلى

الله عليه و على آله الأخيار

مسكن الفؤاد ص : 3

أعظم الخلائق بلاء و أشدهم عناء و أسدهم تسليما و رضاء صلاة دائمة واصلة إلى كل واحد بانفراده و بعد فلما كان الموت هو

الحادث العظيم و الأمر الذي هو على تفريق الأحبة مقيم و كان فراق المحبوب يعد من أعظم المصائب حتى كاد يزيغ له قلب ذي

العقل و الموسوم بالحدس الصائب خصوصا و من أعظم الأحباب الولد الذي هو مهجة الألباب و لهذا رتب على فراقه جزيل الثواب و

وعد أبواه شفاعته فيهما يوم الم آب فلذلك جمعت في هذه الرسالة جملة من آثار النبوية و أحوال أهل الكلمات العلية و نبذة من

التنبيهات الجلية ما ينجلي به إن شاء الله الصداء عن قلوب المحزونين و تنكشف به الغمة عن المكروبين بل تبتهج به نفوس

العارفين و يستيقظ من اعتبره من سنة الغافلين و سميتها مسكنة الفؤاد عند فقد الأحبة و الأولاد و رتبتها على مقدمة و أبواب و خاتمة

أما المقدمة فاعلم أنه ثبت أن العقل هو الآلة التي بها عرف الله  ]الإله  [سبحانه و حصل به تصديق الرسل و التزام الشرائع و أنه

المحرص على طلب الفضائل و المخوف من الاتصاف بالرذائل فهو مدبر أمور الدارين و سبب لحصول

مسكن الفؤاد ص : 4

الرئاستين و مثله كالنور في الظلمة فقد يقل عند قوم فيكون كعين الأعمى الأعشى و يزيد عند آخرين فيكون كالنهار في وقت الضحى

فينبغي لمن رزق العقل أن لا يخالفه فيما يراه و لا يخلد إلى متابعة غفلته و هواه بل يجعله حاكما له و عليه و يراجعه فيما يرشده

إليه فيكشف  ]فينكشف  [له حينئذ ما يوجب الرضا بقضاء الله تعالى سيما فيما نزل به من هذا الفراق من وجوه كثيرة نذكر بعضها

الأول أنك إذا نظرت إلى عدل الله و حكمته و تمام فضله و رحمته و كمال عنايته ببريته إذ أخرجهم من العدم إلى الوجود و أسبغ

عليهم جلائل النعم و أيدهم بالألطاف و أمدهم بجزيل المعونة و الإسعاف كل ذلك ليأخذوا حظهم من السعادة الأبدية و الكرامة

السرمدية لا لحاجة منه إليهم و لا لاعتماد في شيء من أمره عليهم لأنه الغني المطلق و الجواد المحقق و كلفهم  ]تبارك و تعالى  [

بالتكاليف الشاقة و الأعمال النقلية ليأخذوا منه حظا و أملا و ليبلوهم أيهم أحسن عملا و ما فعل ذلك إلا لغاية منفعتهم و تمام

مصلحتهم و أرسل عليهم الرسل مبشرين و منذرين و أنزل عليهم الكتب و أودعها ما فيه بلاغ للعالمين و تحقيق هذا المرام  ]المقام  [

مستوفى في باب العدل

مسكن الفؤاد ص : 5

من علم الكلام و إذا كانت أفعاله تعالى و تقدس كلها لمصلحتهم و ما فيه تمام شرفهم و الموت من جملة ذلك كما نطق به الوحي

الإلهي في عدة آيات كقوله تعالى وَ ما كانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلّا بِإِذْنِ اللّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا و قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ

كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ و أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوج مُشَيَّدَة و اللّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ

مَوْتِها إلى غير ذلك من الآيات فلو لا أن في ذلك غاية المصلحة و نهاية الفائدة للعبد الضعيف الغافل عن مصلحته التائه في حيرة

جهله و غفلته لما فعله الله تعالى به لما قد عرفت من أنه أرحم الراحمين و أجود الأجودين فإن حدثتك نفسك بخلاف ذلك فاعلم أنه

الشرك الخفي و إن أيقنته و لم تطمئن نفسك و تسكن روعتك فهو الحمق الجلي و إنما نشأ ذلك من الغفلة عن حكمة الله تعالى في

بريته و حسن قضائه في خليقته حتى أن العبد ليبتهل و يدعو الله تعالى أن يرحمه و يجيب دعاءه في أمثال ذلك فيقول الله تعالى

لملائكته كيف أرحمه من شيء به أرحمه فتدبر رحمك الله تعالى في هذه الكلمات الإلهية تكفيك في هذا الباب إن شاء الله تعالى

الثاني أنه إذا نظرت إلى أحوال الرسل ع و صدقتهم فيما أخبروا به من الأمور الدنيوية و الأخروية و عدوا به

مسكن الفؤاد ص : 6

من السعادة الدائمة الأبدية و علمت أنهم أنما أتوا بما أتوا به عن الله جل جلاله و اعتقدت أن قولهم معصوم عن الخطإ محفوظ عن

الغلط و الهوى و سمعت ما وعدوا به من الثواب على أي نوع من أنواع المصائب كما ستراه و تسمعه سهل عليك موقعه و علمت أن

لك في ذلك غاية الفائدة و تمام السعادة الدائمة و أنك قد أعددت لنفسك كنزا من الكنوز مذخورا بل حرزا و معقلا و جنة من العذاب

الأليم و العقاب العظيم الذي لا يطيقه بشر و لا يقوى به أحد مع أن وليك  ]ولدك  [شاركك في هذه السعادة فقد فزت أنت و هو فلا

ينبغي أن تجزع و مثل لنفسك أنه لو وهمك أمر عظيم أو وثب عليك سبع أو حية أو هجمت عليك نار مضرمة و كان عندك أعز أولادك

و أحبهم إلى نفسك و بحضرتك نبي من الأنبياء لا ترتاب في صدقه و أخبرك أنك إذا افتديت بولدك سلمت أنت و ولدك و إن لم تفعل

عطبت و الحال أنك لا تعلم هل يعطب ولدك أو يسلم أ يشك العاقل أن الافتداء بالولد الذي يتحقق معه سلامة الولد و يرجى معه

أيضا سلامة الوالد هو عين المصلحة و أن عدم ذلك و التعرض لعطب الأب و الولد هو عين المفسدة

مسكن الفؤاد ص : 7

بل ربما قدم كثير من الناس نفسه على ولده و افتدى به و إن تيقن عطب الولد كما اتفق ذلك في المفاوز و المخمصة هذا كله و إن كان

في نار و عطب ينتفي  ]ينقضي  [ألمه في ساعة واحدة و ربما ينتقل بعده إلى الراحة و الجنة فما ظنك بألم يبقى أبد الآباد و يمكث

سنين  ]سنوات  [و أن يوما عند ربك منها كألف سنة مما تعدون و لو يراها أحدنا  ]و لو رآها راء  [و أشرف عليها لود أن يفتدي ببنيه و

صاحبته و أخيه و فصيلته التي تؤويه و من في الأرض جميعا ثم ينجيه كلا أنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر و تولى و جمع فأوعى

و من هنا جاء

ما ورد عن النبي ص أنه قال لعثمان بن مظعون رضي الله عنه و قد مات ولده فاشتد حزنه و جزعه عليه يا ابن مظعون إن للجنة ثمانية

أبواب و للنار سبعة أبواب أ فما  ]أ فلا  [يسرك أن لا تأتي بابا منها إلا وجدت ابنك إلى جنبك  ]إلى جنبه  [آخذا بحجزتك ليستشفع لك

إلى ربك حتى يشفعه الله تعالى و سيأتي له نظائر كثيرة

الثالث أنك إنما تحب بقاء ولدك لينفعك في دنياك أو في آخرتك و لا تريد في الأغلب بقاءه لنفسه فإن هذا هو المجبول على طبع

الخلق على أن منفعته لك على تقدير بقائه غير معلومة

مسكن الفؤاد ص : 8

بل كثيرا ما يكون المظنون عدمها فإن الزمان قد صار في آخره و الشقوة و الغفلة قد شملت أكثر الخلائق و قد عز السعيد و قل

الصالح الحميد فنفعه لك بل لنفسه على تقدير بقائه غير معلوم و انتفاعه الآن و سلامته من الخطر و نفعه لك قد صار معلوما فلا

ينبغي أن تترك الأمر المعلوم لأجل الأمر المظنون بل الموهوم و تأمل أكثر الخلف لأكثر السلف هل تجد منهم نافعا لأبويه إلا أقلهم

أو مستيقظا إلا واحدهم حتى إذا رأيت واحدا كذلك فعد ألوفا بخلافه و إلحاقك ولدك الواحد بالفرد النادر الفذ دون الأغلب الكثير

عين الغفلة و الغباوة فإن الناس بزمانهم أشبه منهم ب آبائهم كما ذكره سيد الوصيين و ترجمان رب العالمين ص مع أن ذلك الفرد الذي

تريده مثله أنما هو صالح نافع بحسب الظاهر و ما الذي يدريك بباطنه و فساد نيته و ظلمه لنفسه فلعلك لو كشفت عن باطنه ظهر لك

أنه منطو على معاصي و فضائح لا ترضاها لنفسك و لا لولدك و تتمنى أن ولدك لو كان على مثل حالته يموت فإنه خير له هذا كله إذا

كنت تريد أن تجعل ولدك واحدا في

مسكن الفؤاد ص : 9

العالمين و وليا من الصالحين فكيف و أنت لا تريده إلا ليرث بيتك أو بستانك أو دوابك و أمثال ذلك من الأمور الخسيسة الزائلة

عما قريب و تترك  ]تركه  [يرث الفردوس الأعلى في جوار أولاد النبيين و المرسلين مبعوثا مع الآمنين الفرحين مربا إن كان صغيرا في

حجر سارة أم النبيين كما وردت به الأخبار عن سيد المرسلين ما هذا إلا معدودا من السفه لو عقلت و لو كان مرادك أن تجعله من

العلماء الراسخين و الصلحاء المتقين و تورثه علمك و كتبك و غيرها من أسباب الخير فاذكر أيضا أن ذلك كله لو تم معك فما وعد

الله من العوض على فقده أعظم من مقصدك كما هو ستسمعه إن شاء الله تعالى مثل

ما رواه الصدوق عن الصادق ع ولد واحد يقدمه الرجل أفضل من سبعين ولد يبقون بعده يدركون القائم ع

و اعتبر أنه لو قيل إن رجلا فقيرا معه ولد عليه خلقان الثياب قد أسكنه في خربة مغفرة ذات آفات كثيرة و فيها بيوت حيات و عقارب و

سباع ضارية و هو معه على خطر عظيم فاطلع عليه رجل حكيم جليل ذو ثروة و حشمة  ]حشم  [و خدم و قصور

مسكن الفؤاد ص : 10

عالية و رتب سامية فرق لهذا الرجل و لولده فأرسل إليه بعض غلمانه أن سيدي يقول لك إني قد رحمتك مما بك في هذه الخربة و هو

خائف عليك و على ولدك من العاهات و قد تفضلت عليك بهذا القصر ينزل به ولدك و يوكل به جارية عظيمة من كرائم جواريه تقوم

بخدمته إلى أن تقضي أنت أغراضك التي في نفسك ثم إذا قدمت و أردت الإقامة أنزلتك معه في القصر بل في قصر أحسن من قصره

فقال الرجل الفقير أنا لا أرضى بذلك و لا يفارقني ولدي في هذه الخربة لا لعدم وثوقي بالرجل الباذل و لا زهدا مني في داره و قصره و

لا لأماني على ولدي في هذه الخربة بل طبعي اقتضى ذلك و ما أريد أن أخالف طبعي أ فما كنت أيها السامع لوصف هذا الرجل تعده من

أدنياء السفهاء و أخساء الأغبياء فلا تقع  ]فإياك أن تقع  [في خلق لا ترضاه لغيرك فإن نفسك أغر عليك من غيرك و اعلم أن لسع

الأفاعي و أكل السباع و غيرهما من آفات الدنيا لا نسبته له إلى أقل محنة من محن الآخرة المكتسبة في الدنيا بل لا نسبة لها إلى

إعراض الخالق سبحانه و توبيخه

مسكن الفؤاد ص : 11

ساعة واحدة في عرصة القيامة أو عرضة واحدة على النار مع الخروج منها بسرعة فما ظنك بتوبيخ يكون ألف عام أو أضعافه و بنفخه

من عذاب جهنم يبقى ألمها ألف عام و لسعه من حياتها و عقاربها يبقى ألمها أربعين خريفا و أي نسبة لأعلى قصر في دار الدنيا إلى

أدنى مسكن في الجنة و أي مناسبة بين خلقان الثياب في الدنيا إلى فاخرها إلى أعلى ما في الدنيا بالإضافة إلى سندس الجنة و

إستبرقها و هلم جرا ما فيها من النعيم المقيم بل لو تأملت بعين بصيرتك في هذا المثل و أجلت فيه رؤيتك علمت أن ذلك الكريم

الكبير بل جميع العقلاء لا يرضون من ذلك الفقير بمجرد تسليم ولده و رضائه بأخذه بل لا بد في الحكمة من حمده عليه و شكره و

إظهار الثناء عليه بما هو أهله لأن ذلك هو مقتضى حق النعمة الرابع أن في الجزع بذلك و السخط انحطاطا عظيما عن مرتبة الرضا

بقضاء الله و في فوات ذلك خطر وخيم و فوات نبيل عظيم فقد ذم الله تعالى من سخط بقضائه

و قال من لم يرض بقضائي و لم يصبر على بلائي فليعبد ربا سواي

و في كلامه لموسى ع حين قال له دلني على أمر فيه رضاك قال

مسكن الفؤاد ص : 12

إن رضاي في رضاك بقضائي

و في القرآن الكريم رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ

و أوحى الله تعالى إلى داود يا داود تريد و أريد و إنما يكون ما أريد فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد و إن لم تسلم ما أريد أتعبتك

فيما تريد ثم لا يكون ما أريد

و قال تعالى لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ و اعلم أن الرضا بقضاء الله تعالى ثمرة المحبة لله إذ من أحب

شيئا رضي بفعله و رضا العبد عن الله دليل على رضا الله تعالى عن العبد رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ و صاحب هذه المرتبة مع رضا

الله تعالى عنه الذي هو أكمل السعادات و أجل الكمالات لا يزال مستريحا لأنه لم يوجد منه أريد و لا أريد كلاهما عنده واحد و

رضوان الله أكبر إن ذلك لمن عزم الأمور و سيأتي لذلك بحث آخر إن شاء الله تعالى في باب الرضا و اعلم أن البكاء لا ينافي الرضا و

لا يوجب السخط و إنما مرجع ذلك إلى القلب كما ستعرفه إن شاء الله تعالى و من ثم بكاء الأنبياء و الأئمة ع على أبنائهم و أحبائهم

فإن ذلك أمر طبيعي للإنسان لا حرج فيه إذا لم يقترن بالسخط و

مسكن الفؤاد ص : 13

سيأتي الخامس أن ينظر صاحب المصيبة إلى أنه في دار قد طبعت على الكدر و العناء و جبلا على المصائب و البلاء فما يقع فيها من

ذلك هو مقتضى جبلتها و موجب طبيعتها و إن وقع خلاف ذلك فهو على خلاف العادة لأمر آخر خصوصا على الأكابر و النبلاء من الأنبياء

و الأوصياء و الأولياء فقد نزل بهم من الشدائد و الأهوال ما يعجز عن حملة الجبال كما هو معلوم في المصنفات التي لو ذكر بعضها

لبلغ مجلدات

و قد قال النبي ص أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل

و قال النبي ص الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر

و قد قيل إن الدنيا ليس فيها لذة على الحقيقة إنما لذاتها راحة من مؤلم و هذا أحسن لذاتها و أبهى بهجاتها مباشرة النساء المترتب

عليه حصول الأبناء كم يعقبه من قذى أقله ضعف القوى و تعب الكسب و العناء و متى حصل محبوب كانت آلامه تربو على لذاته و

السرور به لا يبلغ معشار حسراته و أقل آفاته في الحقيقة الفراق الذي ينكث الفؤاد و يذهب الأجساد فكلما تظن في الدنيا أنه

مسكن الفؤاد ص : 14

شراب سراب و عمارتها و إن حسنت إلى خراب و مالها و إن اغتر بها الجاهل إلى ذهاب و من خاض الماء الغمر لا يجزع من بلل كما أن

من دخل بين الصفين لا يخلو من وجل و من العجب من أدخل يده في فم الأفاعي كيف ينكر اللسع و أعجب منه من يطلب من المطبوع

على الضر النفع و ما أحسن قول بعض الفضلاء في مرثية ابنه

طبعت على كدر و أنت تريدها صفوا من الأقذار و الأكدار

و مكلفوا الأيام ضد طباعها متطلب في الماء حذوه نار

و إذا رجوت المستحيل فإنما تبني البناء على شفير هار

قال بعض العارفين ينبغي لمن نزلت به مصيبة أن يسهلها على نفسه و لا يغفل عن تذكر ما يعقبه من وجوب الفناء و تقضي المسار و

إن الدنيا دار من لا دار له و مال من لا مال له يجمعها من لا عقل له و يسعى لها من لا ثقة له و فيها يعادي من لا علم له و عليها يحسد

من لا فقه له من صح فيها سقم و من سقم فيها برم و من افتقر فيها حزن و من استغنى فيها فتن و اعلم أنك قد خلقت في

مسكن الفؤاد ص : 15

هذه الدار لغرض خاص لأن الله تعالى منزه عن العبث و قد قال الله تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ و قد جعلها مكتسبا

لدار القرار و جعل تعالى بضاعتها الأعمال الصالحة و وقتها العمر و هو قصير جدا بالنظر إلى ما يطلب من السعادة الأبدية التي لا

انقضاء لها فإن اشتغلت بها و استيقظت استيقاظ الرجال و اهتممت بشأنك اهتمام الأبدال رجوت أن تنال نصيبك منها فلا تضيع

عمرك في الاهتمام بغير ما خلقت له يضيع وقتك و يذهب عمرك بلا فائدة فإن الغائب لا يعود و الميت لا يرجع و تفوتك السعادة التي

خلقت لها فيا لها حسرة لا تفنى و غبن لا يزول إذا عاينت درجات السابقين و أبصرت منازل المقربين و أنت مقصر من الأعمال الصالحة

خلى من المتاجر الرائحة فقس ذلك الألم على هذه الآلام و ادفع أصعبهما عليك و أضرهما لك مع أنك تقدر على دفع سبب هذا و لا

تقدر على دفع سبب ذاك

كما قال ع إن صبرت جرى عليك القضاء و أنت مأجور و إن لم تصبر جرى عليك القضاء و أنت مأزور

فاغتنم شبابك قبل هرمك

مسكن الفؤاد ص : 16

و صحتك قبل سقمك و اجعل الموت نصب عينيك و استعد له بصالح العمل و دع الاشتغال بغيرك فإن الموت يأتي إليك دونه و تأمل

قوله تعالى وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلّا ما سَعى وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى فقصر أملك و أصلح  ]أحسن  [عملك فإن  ]فإنما  [السبب الأكثري

الموجب للاهتمام بالأموال و الأولاد طول الأمل

و قد قال النبي ص لبعض أصحابه إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء و إذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح و خذ من حياتك

لموتك و من صحتك لسقمك فإنك لا تدري ما اسمك غدا

و قال علي ع إن أشد ما أخاف عليكم خصلتان اتباع الهوى و طول الأمل فأما اتباع الهوى فإنه يعدل عن الحق و أما طول الأمل فإنه

يورث الحب للدنيا ثم قال ألا إن الله يعطي الدنيا لمن يحب و يبغض و إذا أحب عبدا أعطاه الإيمان ألا إن للدين أبناء و للدنيا أبناء

فكونوا من أبناء الدين و لا تكونوا من أبناء الدنيا ألا إن الدنيا قد ارتحلت مولية ألا إن الآخرة قد ارتحلت مقبلة ألا و إنكم في يوم

عمل ليس فيه حساب ألا و إنكم توشكون في يوم حساب ليس فيه عمل

و اعلم أن محبوبا يفارقك