التالي

مثيرالأحزان ص : 10

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الكاشف لعباده عن أسرار مراده الواصف نفسه في كتابه بإنجاز ميعاده الراقم على جباه البشر

محتوم لشقائه و إسعاده الذي أشرق قلوب أوليائه بنور هدايته و فتق أذهانهم لاقتفاء معرفته فخفيت عن بصائرهم حقيقة ذاته و

ظهرت لأبصارهم بدائع مصنوعاته و حارت في أحكام قدرة أفكار الألباء و قصرت عن وصف مقدس ذاته ألفاظ البلغاء و باعد أولياءه عن

دار الآثام و قربهم إلى دار السلام فتنافسوا في الوصول إلى الزاد و تناضلوا بالسبق إلى سلطان المعاد بما أراهم من آياته و معجز

رسله و رسالاته فخرجوا من أصداء القلوب و وعثاء الذنوب إلى مراد علام الغيوب فكان كاشفا للأسرار رافعا للأستار مزيلا للحجاب

عن المورد المستعذب المستطاب دالا على الهداية الكبرى ناشرا أعلام المسرة و البشرى فدعاهم حينئذ إلى طاعته لجهاد من صرف

عن سنن سنته و تجلى لهم من مطالع بصائرهم فغسلوا بماء الصفا كدر ضمائرهم فعزفت نفوسهم عن الدخول في حزب أهل الضلال و

اشتاقوا إلى حرب جيش القتال باقتحام الأهوال فيا لها نعمة أهدت إلى أنصار الله جل جلاله مسرة و ألقت على أعينهم قرة فنهضوا

إلى لقاء العدو بشفاه

مثيرالأحزان ص : 12

ظامئة إلى ارتشاف مرن السعادة و أرواح شائقة إلى الشهادة فرحين بانعقاد بيعهم الرابح يوم تفريق الجوائز و المنائح و علموا أنهم

لن يصلوا إلى خلعه السنية إلا بخلع الحياة و لبس المنية فيذلوا النفوس في لقاء العدو و مجاهدته و المبالغة في قتاله و مجالدته و

في هذه الرتبة العالية و البيعة الغالية تنافس أهل الطفوف في احتمال الحتوف و الصبر على نقط الرماح و شكل السيوف. و كانوا

كما قلت شعري هذا وصفا لحالهم في نزالهم

لهم جسوم بحر الشمس ذائبة و أنفس جاورت جنات باريها

كان مفسدها بالقتل مصلحها أو أن هادمها بالسيف بانيها

فيا ذوي البصائر و الأفهام و يا أرباب العقول و الأحلام أظهروا شعار الأحزان و ألبسوا الجزع على سادات الإيمان و اقتدوا بالرسول

في محبة بني الزهراء البتول و تعظيم ذوي القربى فقد وعدهم جل جلاله لعظمهم بأحسن العقبى. و لقد كشفت أمية سره المضروب

على سبطه بهتك حرمته و رهطه و نقضوا ما برمه و حلوا من عقد الدين ما أحكمه. و أنا مورد من نظمي هذه الأبيات في صفة هذه

الحركات

يا أمة نقضت عهود نبيها و غدت مقهقرة على الأعقاب

كنتم صحابا للرسول و إنما بفعالكم بنتم عن الأصحاب

و نبذتم حكم الكتاب على جهالة و دخلتم في جملة الأحزاب

بؤتم بقتل السبط و استحللتم دمه بكل منافق كذاب

فكما تدينوا قد تدانوا مثله في يوم مجمع محشر و حساب

فكم يومئذ من كبد مقروحة و دموع مسفوحة و لاطمة خدها و مستندبة جدها و ناشرة شعرها و هاتكة سترها و قد ذل الإيمان و قل

الأعوان و عطلت

مثيرالأحزان ص : 13

المراتع بفراقهم و هصرت الأغصان بانتشار أوراقهم و أظلم الإسلام بعد إشراقه و أمر الدين بعد حلو مذاقه فلو كان للنبي و ابنته

عين تنظر إلى الشهيد من عترته و الأطايب من أسرته و جثثهم عن الثياب عارية و جوارح الطير إليها هاوية و أفواه الوحوش

لوجوههم هاشمة و ثغور الأعداء لما حل بهم باسمة و الأجساد الطاهرة مرملة بالتراب مجردة عن الأسلاب فلأقرح ذلك قبله و أذاب

بانهمال الدموع غبرته و نح أيها المحب لآل الرسول نوح الفاقدة الثكول و ابك بالدموع السجام على أئمة الإسلام لعلك تواسيهم

بالمصاب بإظهار الجزع و الاكتئاب و الإعلان بالحنين و الانتحاب فوا خيبة من جهل فضلهم و قد ذكر جل جلاله في كتابه العزيز

نبلهم لأنهم الأدلة على النجاة في المعاد الهداة إلى طرق الرشاد. و لقد أحسن الشاعر بقوله

أضلوا في مفارز طمسوا الأعلام منها بفاحش التمويه و أراقوا دم الأدلة فالقوم إلى الحشر في ضلال و تيه

و قد قلت في أبياتي هذه ما ينبه الغافل على شرفهم و في الجنة على علو غرفهم

إن كنت في آل الرسول مشككا فاقرأ هديت النص في القرآن

فهو الدليل على علو محلهم و عظيم علمهم و عظم الشأن

و هم الودائع للرسول محمد بوصية نزلت من الرحمن

فأسعدوني بالنياحة و العويل و اندبوا لمن اهتز لفقده عرش الجليل و اسكبوا العبرات على الغريب القتيل فليتني أذود عنهم خطوب

الحمام و أدر مواقع تلك الآلام و أرفع بنفسي عن نفوسهم و أكون فداء شيخهم و رئيسهم حتى أقضي حق جدهم المرسل و أحول

بينهم و بين القدر المنزل.

مثيرالأحزان ص : 14

فقد رويت عن والدي رحمة الله عليه أن الصادق ع قال من ذكرنا عنده في مجلس فقد غيبا بشطر كلمة أو فاضت عيناه رحمة لنا و رقة

لمصابنا مثل جناح بعوضة غفرت له ذنوبه و لو كانت مثل زبد البحر

و كان زين العابدين ع يقول أيما مؤمن ذرفت عيناه لقتل الحسين ع حتى تسيل على خده بوأه الله بها في الجنة غرفا يسكنها أحقابا

و أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين ع و حزنا على ما مسنا من الأذى من عدونا بوأه الله منزل صدق و أيما مؤمن مسه فينا أذى صرف

الله عن وجهه الأذى و آمنه يوم القيامة من سخط النار

و رويت عن الأئمة الصادقين ع قالوا من بكى أو أبكى غيره و لو واحدا ضمنا له على الله الجنة و من لم يتأت له البكاء فتباكى فله

الجنة

مثيرالأحزان ص : 15

لما ذا وضع هذا الكتاب و قال جعفر بن محمد بن نما مصنف هذا الكتاب إن الذي بعثني على عمل هذا المقتل أني رأيت المقاتل قد

احتوى بعضها على الإكثار و التسويل و بعضها على الاختصار و التقليل فهي بين طويل مسهب و قصير قاصر عن الفوائد غير معرب و

النكت فيها قليلة و مرابعها من الطرف و الغرائب محيلة. فوضعت هذا المقتل متوسطا بين المقاتل قريبا من يد المتناول لا يفضي

لملالة و هذر و لا يجفى لنزارة و قصر ترتاح القلوب إلى عذوبة ألفاظه و يوقظ الراقد من نومه و إغماضه و تسرح النواظر في رياضه

و ينبه الغافل عن هذا المصاب و الذاهل عن الجزع و الاكتئاب. و أودعه ما أهمله كثير من المصنفين و أغفلته خواطر المؤلفين و

سميته مثير الأحزان و منير سبل الأشجان و رتبته على ثلاثة مقاصد. فإن كنتم أيها السامعون قد فاتكم شرف تلك النصرة و حرمتم

مصادمة خيول تلك الكسرة فلم تفتكم إرسال العبرة على السادة من العترة و لبس شعار الأحزان على الأسرة و الرغبة إلى الله جل

جلاله في المكافأة يوم الحساب و توفير قسطنا من الثواب إنه الكريم الوهاب

مثيرالأحزان ص : 16

المقصد الأول على سبيل التفصيل للأحوال السابقة لقتال آل الرسول ع

مولد الحسين

كان مولد الحسين ع لخمس خلون من شعبان سنة أربعة من الهجرة و قيل الثالث منه و قيل أواخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث و قيل

لثلاث أو لخمس خلون من جمادى الأولى سنة أربع من الهجرة. و كانت مدة حمله ستة أشهر و لم يولد لستة سواه و عيسى و قيل

يحيى بن زكريا ع. و لما ولد هبط جبرئيل ع و معه ألف ملك يهنئونه للنبي ص بولادته. و جاءت به فاطمة ع إلى النبي فسر و سماه

حسينا.

و قد روي عن زوجة العباس بن عبد المطلب و هي أم الفضل لبابة بنت الحارث قالت رأيت في النوم قبل مولده كان قطعة من لحم

رسول الله ص قطعت و وضعت في حجري فقصصت الرؤيا على رسول الله ص فقال إن صدقت رؤياك فإن فاطمة ستلد غلاما و أدفعه

إليك لترضعيه

مثيرالأحزان ص : 17

فجرى الأمر على ذلك فجئت به يوما فوضعته في حجره فبال فقطرت منه قطرة على ثوبه ص فقرصته فبكى فقال كالمغضب مهلا يا أم

الفضل فهذا ثوبي يغسل و قد أوجعت ابني قالت فتركته و مضيت لآتيه بماء فجئت فوجدته ص يبكي فقلت مم بكاؤك يا رسول الله

فقال إن جبرئيل أتاني فأخبرني أن أمتي تقتل ولدي هذا

و حدث ابن أبي ليلى عن أخيه عن عيسى بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال كنا عند رسول الله ص فجاء الحسين يحبو حتى صعد

على صدره فبال فابتدرنا لنأخذه فقال ص ابني ابني ثم دعا بماء فصبه عليه

قال أصحاب الحديث فلما أتت على الحسين سنة كاملة هبط على النبي ص اثنا عشر ملكا على صور مختلفة أحدهم على صورة بني آدم

يعزونه و يقولون إنه سينزل بولدك الحسين بن فاطمة ما نزل بهابيل من قابيل و سيعطي مثل أجر هابيل و يحمل على قاتله مثل

وزر قابيل و لم يبق ملك إلا نزل إلى النبي ص يعزونه و النبي ص يقول اللهم اخذل خاذليه و اقتل قاتله و لا تمتعه بما طلبه

و عن أشعث بن عثمان عن أبيه عن أنس بن أبي سحيم قال سمعت رسول الله ص يقول إن ابني هذا يقتل بأرض العراق فمن أدركه منكم

فلينصره فحضر أنس مع الحسين كربلاء و قتل معه

و رويت عن عبد الصمد بن أحمد بن أبي الجيش عن شيخه أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي عن رجاله عن عائشة قالت دخل

الحسين على النبي

مثيرالأحزان ص : 18

ص و هو غلام يدرج فقال أي عائشة أ لا أعجبك لقد دخل علي آنفا ملك ما دخل علي قط فقال إن ابنك هذا مقتول و إن شئت أريتك من

تربته التي يقتل بها فتناول ترابا أحمر فأخذته أم سلمة فخزنته في قارورة فأخرجته يوم قتل و هو دم و روي مثل هذا عن زينب بنت

جحش

و عن عبد الله بن يحيى قال دخلنا مع علي ع إلى صفين فلما حاذى نينوى نادى صبرا أبا عبد الله فقال دخلت على رسول الله ص و

عيناه تفيضان فقلت بأبي أنت و أمي يا رسول الله ما لعينيك تفيضان أغضبك أحد قال لا بل كان عندي جبرئيل فأخبرني أن الحسين

يقتل بشاطئ الفرات فقال هل لك أن أشمك من تربته قلت نعم فمد يده فأخذ قبضة من تراب و أعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا و

اسم الأرض كربلاء فلما أتت عليه سنتان خرج النبي ص  ]مع سفر  [إلى سفر فوقف في بعض الطريق استرجع و دمعت عيناه فسأل عن

ذلك فقال هذا جبرئيل يخبرني عن أرض بشط الفرات يقال لها كربلاء يقتل فيها ولدي الحسين فقيل و من يقتله قال رجل يقال له

يزيد كأني أنظر إليه و إلى مصرعه و مدفنه بها و كأني أنظر على أقتاب المطايا و قد أهدي رأس ولدي الحسين إلى يزيد لعنه الله فو

الله ما ينظر أحد إلى رأس الحسين و يفرح إلا خالف الله بين قلبه و لسانه و عذبه الله عذابا أليما فرجع عن سفره مغموما مهموما

كئيبا حزينا و صعد و خطب و وعظ و الحسن و الحسين بين يديه

مثيرالأحزان ص : 19

فلما فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسن و يده اليسرى على رأس الحسين و رفع رأسه إلى السماء و قال اللهم إن

محمدا عبدك و رسولك و نبيك و هذان أطائب عترتي و خيار ذريتي و أرومتي و من أخلفهما في أمتي و قد أخبرني جبرئيل أن ولدي هذا

مقتول مخذول اللهم فبارك له في قتله و اجعله من سادات الشهداء اللهم و لا تبارك في قاتله و خاذله و أصله حر نارك و احشره في

أسفل درك الجحيم قال فضج الناس بالبكاء في المسجد فقال النبي ص أ تبكون و لا تنصرونه ثم رجع و هو متغير اللون محمر الوجه

فخطب خطبة ثانية موجزة و عيناه تهملان دموعا اللهم فكن أنت له وليا و ناصرا ثم قال أيها الناس إني خلفت فيكم الثقلين كتاب الله

و عترتي و أرومتي و مزاج مائي و ثمرة فؤادي و مهجتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض و إني أنتظرهما و لا أسألكم في ذلك إلا ما

أمرني ربي أن أسألكم عنه أسألكم عن المودة في القربى فانظروا ألا تلقوني غدا على الحوض و قد أبغضتم عترتي و قتلتم أهل بيتي و

ظلمتموهم و الله سترد على

مثيرالأحزان ص : 20

يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الأمة راية سوداء مظلمة قد فزعت منها الملائكة فتقف على فأقول من أنتم فينسون ذكري و يقولون

نحن أهل التوحيد من العرب فأقول لهم أنا أحمد نبي العرب و العجم فيقولون نحن من أمتك يا أحمد فأقول لهم كيف خلفتموني من

بعدي في أهلي و عترتي و كتاب ربي فيقولون أما الكتاب فضيعناه و أما عترتك فحرصنا أن نبيدهم عن جديد الأرض فأولى عنهم

فيصدرون ظماء عطاشا مسودة وجوههم ثم ترد على راية أخرى أشد سوادا من الأولى فأقول لهم كيف خلفتموني من بعدي في الثقلين

الأكبر و الأصغر كتاب ربي و عترتي فيقولون أما الأكبر فخالفناه و أما الأصغر فخذلنا و مزقناهم كل ممزق فأقول إليكم عني فيصدرون

ظماء عطاشا مسودة وجوههم ثم ترد على راية أخرى تلمع وجوههم نورا فأقول لهم من أنتم فيقولون نحن أهل كلمة التوحيد و

التقوى من أمة محمد المصطفى و نحن بقية أهل الحق حملنا كتاب الله فأحللنا حلاله و حرمنا حرامه و أحيينا ذرية محمد ص

فنصرناهم من كل ما نصرنا منه أنفسنا و قاتلنا معهم من ناواهم فأقول لهم أبشروا أنا نبيكم محمد فلقد كنتم في دار الدنيا كما

وصفتم ثم أسقيهم من حوضي فيصدرون مرويين مستبشرين ثم يدخلون الجنة خالدين فيها أبد الآبدين

مثيرالأحزان ص : 21

و روي عن سفيان الثوري عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال كنت عند النبي ص و على فخذه الأيمن الحسين و على

فخذه الأيسر ولده إبراهيم بن مارية بنت شمعون القبطية تارة يقبل هذا و تارة يقبل هذا إذ هبط إليه جبرئيل بوحي من رب العالمين

فلما أسري عنه روعة الوحي قال أتاني جبرئيل ع من ربي فقال يا محمد إن الله يقرأ عليك السلام و يقول لست أجمعهما لك قال فأفد

أحدهما بصاحبه فنظر النبي إلى إبراهيم فبكى و نظر إلى الحسين فبكى ثم قال إن إبراهيم أمه أمة و متى مات لم يحزن عليه غيري و

أم الحسين فاطمة و أبوه علي ابن عمي و لحمي و دمي و متى مات حزنت عليه ابنتي و حزن ابن عمي و حزنت أنا عليه و أنا أؤثر حزني

على حزنهما فقلت يا جبرئيل يقبض إبراهيم فقد فديته للحسين فقبض بعد ثلاث فكان النبي ص إذا رأى الحسين مقبلا قبله و ضمه

إلى صدره و رشف ثناياه و قال فديت من فديته بابني إبراهيم

و نقلت من أخبار تاريخ البلاذري حدث محمد بن يزيد المبرد النحوي في إسناد ذكره قال انصرف النبي ص إلى منزل فاطمة فرآها

قائمة خلف بابها فقال ما بال حبيبتي هاهنا فقالت ابناك خرجا غدوة و قد غبي على خبرهما فمضى رسول الله ص يقفو آثارهما حتى صار

إلى كهف جبل فوجدهما نائمين و حية مطوقة عند رأسهما فأخذ حجرا و أهوى إليها فقالت السلام عليك يا رسول الله و الله ما نمت

عند رأسهما إلا حراسة لهما فدعا لهما بخير ثم حمل الحسن على كتفه اليمنى و الحسين على كتفه اليسرى فنزل جبرئيل فأخذ

الحسين و حمله فكانا بعد ذلك يفتخران فيقول الحسن حملني خير أهل الأرض و يقول الحسين حملني خير أهل السماء

مثيرالأحزان ص : 22

و في ذلك قال حسان بن ثابت

فجاء و قد ركبا عاتقيه فنعم المطية و الراكبان

و روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أنه قال لما اشتد برسول الله ص مرضه الذي مات فيه و قد ضم الحسين ع إلى صدره

يسيل من عرقه عليه و هو يجود بنفسه و يقول ما لي و ليزيد لا بارك الله فيه اللهم العن يزيد ثم غشي عليه طويلا و أفاق و جعل

يقبل الحسين و عيناه تذرفان و يقول أما إن لي و لقاتلك مقاما بين يدي الله عز و جل

و رويت إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كنت عند رسول الله ص جالسا إذ أقبل الحسن فلما رآه بكى و قال إلي إلي فأجلسه على

فخذه اليمنى ثم أقبل الحسين فلما رآه بكى و قال مثل ذلك فأجلسه على فخذه اليسرى ثم أقبل فاطمة فرآها فبكى و قال مثل ذلك

فأجلسها بين يديه ثم أقبل علي فرآه فبكى و قال مثل ذلك و أجلسه إلى جانبه الأيمن فقال له أصحابه يا رسول الله ما ترى واحدا من

هؤلاء إلا بكيت أ و ما فيهم من تسر برؤيته فقال و الذي بعثني بالنبوة و اصطفاني على جميع البرية ما على وجه الأرض نسمة أحب

إلى منهم و إنما بكيت لما يحل بهم من بعدي و ذكرت ما يصنع بهذا ولدي الحسين كأني به و قد استجار بحرمي و قبري فلا يجار و

يرتحل إلى أرض مقتله و مصرعه أرض كرب و بلاء تنصره عصابة من المسلمين أولئك سادة شهداء أمتي يوم القيامة فكأني أنظر إليه و

قد رمي بسهم فخر عن فرسه صريعا ثم يذبح كما يذبح الكبش مظلوما ثم انتحب و بكى و أبكى من حوله و ارتفعت أصواتهم بالضجيج

ثم قام و هو يقول اللهم إني أشكو إليك ما يلقى أهل بيتي بعدي

مثيرالأحزان ص : 23

و رويت أن الحسين دخل على أخيه الحسن س فلما نظر إليه بكى فقال ما يبكيك يا أبا عبد الله فقال أبكي لما يصنع بك فقال له

الحسن إن الذي يؤتى إلي سم فأقتل به و لكن لا يوم كيومك يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل يدعون أنهم من أمة جدنا فيجتمعون

على قتلك و سفك دمك و انتهاك حرمك و سبي ذراريك و نسائك و انتهاك ثقلك فعندها تحل ببني أمية اللعنة و تمطر السماء دما و

يبكي عليك كل شيء حتى الوحوش في الفلوات و الحيتان في البحار و كان الناس يتذاكرون مقتل الحسين ع و يعظمونه و يرتقبونه

موت معاوية و البيعة ليزيد

فلما مات معاوية بن أبي سفيان في النصف من رجب سنة ستين من الهجرة و استخلف ولده يزيد لعنه الله فبايع الناس على بيعة عامله

بالمدينة و هو الوليد بن عتبة بن أبي سفيان و أتاه بموته مولى معاوية يقال له ابن أبي زريق. و كتب يزيد في أول شعبان إلى الوليد

يأمره بأخذ البيعة على أهلها و خاصة على الحسين و يقول إن امتنع عليك فاضرب عنقه و ابعث برأسه إلي فأحضره لمروان بن الحكم

و أخذ رأيه فأشار بإحضار الحسين و عبد الله بن الزبير و عبد الله بن مطيع و عبد الله بن عمر و عبد الرحمن بن أبي بكر و أخذ بيعتهم

فإن أجابوا و إلا فاضرب أعناقهم فقال الوليد ليتني لم أك شيئا مذكورا لقد أمرتني بأمر عظيم و ما كنت لأفعل.

أخبار الحسين ع بموت معاوية و منامه

ثم بعث الوليد إليهم فلما حضر رسوله قال الحسين للجماعة أظن أن طاغيتهم