قوافل النور
ملحمة شعرية في سيرة النبي (ص) وأهل بيته
(ع)
تأليف: حسين بركة الشامي
الأهداء
الى
علي وفاطمة
تصدير
مثلت حياة أهل البيت الاطهار عليهم السلام الخط اللاحب، الذي سارت عليه
أجيال الأمة في مراحلها التأريخية المتعاقبة. فالإمام علي عليه السلام، الذي جسّد
في حياته ومواقفه مبادىء الرسالة الخاتمة، كان المثل الأعلى والنموذج الفذ في تحمل
أعباء الرسالة السماوية الخالدة. وكانت الزهراء وبنوها عليهم السلام يمثلون العمق
والإمتداد لذلك الخط الرباني المبارك بما جسدوه في سيرتهم العطرة ومواقفهم
الرسالية.
وأجيالنا الاسلامية المؤمنة بالخط الإسلامي الأصيل، وهي تواجه تحديات
الحياة، خصوصاً تلك التي تعيش في الغرب البعيد عن القيم والتقاليد السماوية هي
بأمسّ الحاجة إلى استحضار سيرة أهل البيت العطرة، وأخذ الدروس والعبر من ذلك
التأريخ المشرق، لتتزود منه العزم والإصرار على السير في ذات الخط اللاحب الموصول،
ومواجهة التحديات الصعبة التي تفرضها ظروف الهجرة وإفرازاتها، كما انها بأمسّ
الحاجة الى أن تتسلح من معطيات سيرة رسول الله صلى الله عليه و آله والحياة الثرة
لأهل بيته عليهم السلام بما يمدها بالزاد والقوة في معركتها الحضارية التي تخوضها
في مختلف مواقع الصراع والمواجهة.
و(مؤسسة دار الاسلام) إذ تقدم هذا الجزء من الملحمة الادبية (قوافل النور)
والمخصص لتأريخ وحركة الإمام علي عليه السلام وفاطمة الزهراء عليها السلام انما
تهدف الى ربط الجيل المسلم بعناصر الهوية والأصالة، ممثلة بسيرة النبي صلى الله
عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام، وترجو أن تكون هذه الملحمة الشعرية، بما تنطوي
عليه من روح أدبية، ووقائع تأريخية وأصالة فكرية، ودروس تربوية، زاداً ثقافياً،
ومعنوياً لهذه الإجيال التي تعقد عليها الآمال في الحاضر والمستقبل.
والله من وراء القصد.
دار الاسلام
أهل البيت (ع) في القرآن والسنة
فضلٌ لأهلِ البيتِ ليس يُنكرُ
حدّثَ فيه المصطفى والسُورُ
فهم بنصِّ (الذكرِ) طاهرونا
من كلِّ رجس يُورثُ المجونا
مُبرّؤن من ذنوبِ البشرِ
مطهَّرٌ يولدُ عن مطهَّرِ(1)
قد ذكرتهم آيةُ (المودّه)
فهم لدى الجزاءِ أوفى عُدّه
حبُهمُ أفضلُ ما يُقرّبُ
وودُّهم يطمعُ فيه المذنبُ(2)
الأوليا بآيةِ (الولايه)
والأصفيا في منهج الهدايه(3)
بهم تُشيدُ آيةُ (المباهله)
دون تعسّف ولا مجادله(4)
وسورة (الدهرِ) لهم تُشيرُ
إذ أُكرم اليتيمُ والأَسيرُ
وأَطعموا الطعامَ دون منّه
لكنما حبّاً له والجنّة(5)
بفضلهم غدا الكتاب يُتلى
إذ أصبحوا له بحقٍّ عِدلا
الثقلانِ هم معَ القرآنِ
ليس لهم من العباد ثانِ(6)
وهم سفينةُ النجاةِ الراسيه
رغم البلايا والرياحِ العاتيه
من كان فيها راكباً فقد نجا
من بعدِ عسرهِ ونالَ الفرجا(7)
عدّتُهم قالُ النبيُّ إثنا عشر
أئمةً وقادةً الى البشر
الحقُّ في مدارِهم يَدورُ
والعلمُ في صدورِهم والنُورُ
أوّلهم عليُّ (الوصيُّ)
والآخِرُ المغيّبُ (المهديُّ)(8)
إن علياً معدنُ البطوله
في ساحةِ الوثبة والرجولة
_______________________
1ـ وردت العديد من الآيات الكريمة في فضل أهل
البيت عليهم السلام، كما وردت عن الرسول صلى الله عليه وآله الكثير من الأحاديث
التي تؤكد رفيع منزلتهم وعظم شأنهم وعصمتهم من الذنوب. ومن الآيات الكريمة التي
تبين عصمة أهل البيت عليهم السلام، قوله تعالى:
(إنما يريد الله ليذهب عنكم
الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (الاحزاب: 33).
روى الكثير من أهل التفسير
والسير والحديث، أن هذه الآية نزلت في الرسول صلى الله عليه وآله وعليّ وفاطمة
والحسن والحسين. فقد أدخلهم الرسول تحت كساء خيبري، وقال:
«اللهمّ هؤلاء أهل بيتي
وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا».
وقد كان الرسول صلى الله
عليه وآله يوضح معنى هذه الآية للمسلمين ويقول:
«نزلت هذه الآية في خمسة،
فيّ، وفي عليّ وفاطمة والحسن والحسين».
صحيح مسلم، كتاب الفضائل،
ومستدرك الصحيحين، ج/2ص 150.
وصحيح التزمذي: ج5/31
وغيرها من المصادر.
2ـ آية المودة هي قوله
تعالي:
(قل لا أسالكم عليه أجراً
إلا المودة في القربى) الشورى: 23.
وقد روي أنها لما نزلت قيل
للرسول صلى الله عليه وآله من هم قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم؟.
قال: علي وفاطمة وأبناهما.
محب الدين الطبري، ذخائر
العقبى، ص 25.
وذكر الفخر الرازي في
تفسيره الكبير:
قد ثبت أن عليّاً وفاطمة
والحسن والحسين، هم أقارب النبي صلى الله عليه وآله وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا
مخصوصين بمزيد من التعظيم.
ولا شك أن النبي صلى الله
عليه وآله كان يحب فاطمة عليها السلام قال صلى الله عليه وآله: «فاطمة بضعة مني
يؤذيني ما يؤذيها».
كما ثبت بالنقل المتواتر عن
النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يحب علياً والحسن والحسين، واذا ثبت هذا وجب على
كل الأمة مثله.
حسين الشامي: تهذيب التفسير
الكبير، تفسير الآية 23 من سورة الشورى.
3ـ آية الولاية هي قوله تعالى:
(إنما وليكم الله ورسوله
والذين امنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) المائدة: 55.
وقد ذكر أهل التفسير
والتأريخ أن هذه الآية نزلت في الإمام علي عليه السلام، عندما تصدق بخاتمه لسائل،
وهو راكع في صلاته.
أسباب النزول للواحدي، سورة
المائدة.
4ـ (فمن حاجك فيه من بعد ما
جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم
ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) آل عمران: 61.
وقعت قصة المباهلة كما
رواها المفسرون والمؤرخون مع نصارى نجران، حيث جاءوا الى النبي صلى الله عليه وآله
ليحاوروه، فأمره الله تعالى أن يخرج بالإمام علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم
السلام، الى الوادي، وأن يباهل بهم أهل نجران، فيدعو الله أن ينزل العذاب على
الكاذبين.
وعندما رأى النصارى الرسول
صلى الله عليه وآله وأهل بيته، قال لهم أسقفهم:
يا معشر النصارى إني لأرى
وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا
يبقى على وجه الأرض نصراني الى يوم القيامة. فتراجعوا عن المباهلة، وقد قال الرسول
صلى الله عليه وآله:
«والذي نفسي بيده، أن
الهلاك تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم
الوادي ناراً...».
5ـ روى المفسرون والمؤرخون،
أن الحسن والحسين عليهما السلام، مرضا ذات يوم، فنذر الإمام علي وفاطمة عليهما
السلام، أن يصوما ثلاثة أيام إن شفيا من مرضهما، فمنّ الله عليهما بالشفاء،
فاستقرض الإمام عليّ مالا، ليكون لهم طعاماً في صيامهم.
في اليوم الأول جلسوا على
مائدة الإفطار، فأذا بمسكين يسألهم الطعام، فأعطوه الطعام، ولم يذوقوا إلا الماء،
وأصبحوا في اليوم التالي صياماً، وعندما جلسوا للإفطار، وقف على الباب يتيماً،
ففعلوا مثلما فعلوا في اليوم السابق.
وتكرر الأمر مرة ثالثة مع
أسير، ونتيجة هذا الموقف الرسالي الكبير، وروح الايثار العالية، أنزل الله تعالى
فيهم سورة الدهر وفيها: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنما
نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا).
6ـ ورد عن الرسول صلى الله
عليه وآله قوله: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما أن تمسكتم
بهما لن تضلوا أبداً».
وقد ورد ذكر هذا بألفاظ
مختلفة في نفس المضمون، ومعنى الحديث أن أهل البيت عليهم السلام، هم الأدلاّء على
القرآن والنسة، وهم حفظة الاسلام، وهم الذين يسلكون بالناس الى الطريق المستقيم.
صحيح مسلم، ومسند أحمد6
4/366 وسنن البيهقي: 2/148، وسنن الدارمي: 2/431، والكثير من المصادر الحديثية.
7ـ قال الرسول صلى الله عليه وآله:
«أهل بيتي مثل سفينة نوح من
ركبها نجا ومن تخلف عنها زج في النار». وفي رواية أخرى:
«مثل أهل بيتي فيكم مثل
سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق».
المستدرك على الصحيحين:
2/343، كنز العمال: 6/216، ذخائر العقبى: ص 20، والخطيب البغدادي في تأريخه:
12/19، ويعرف هذا الحديث الشريف بحديث السفينة.
8ـ أكدّ رسول الله صلى الله عليه وآله في
أحاديثه على إمامة الإمام الأول علي بن أبي طالب، كما أكد على المهدي الموعود وأنه
من ولد علي وفاطمة عليهما السلام، وبذلك حدّد صلى الله عليه وآله من هم الأئمة بما
لا يقبل الشك.
وقد وردت عنه أحاديث كثيرة
فى تعيين الإئمة علهيم السلام، وأن عددهم إثنا عشر إماماً أولهم الإمام علي وآخرهم
المهدي المنتظر. ومن هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وآله:
«لا يزال أمرُ الناس ماضياً
ما وليهم اثنا عشر رجلا).
«لا يزال الدين قائماً حتى
تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش).
صحيح مسلم، كتاب الامارة،
وصحيح البخاري: 4/165، وسنن أبي داود: 4/106، وروايا أخرى في هذا المضمون أوردها
أهل الحديث.
المولد الشريف
ميلادهُ في الكعبةِ الشريفه
إذ كُشفت أستارُها المنيفه
عن وجهه المنيرِ بالآياتِ
وأجملِ من الصفاتِ والسماتِ
تحمله (فاطمةٌ بنتُ اسد)
ماضمّت الكعبةُ قبله ولد
فبوركت والدةٌ نقيه
طاهرةٌ عفيفةٌ نقيّه(1)
أكرمها النبيُّ يومَ دفنها
أَلبسها قميصه لأمنها(2)
سمِّت وليدَها العظيمَ (حيدره)
تيمناً بالأكرمين البرره
جاءت به كالقمر المنيرِ
(لشيبةِ الحمدِ وللبشيرِ)(3)
فابتسمَ النبيُّ حين شاهدا
في وجهه وصيَّهُ المجاهدا
وراح يرعاه بكلّ حُبِّ
فيه يرى امالَهُ عن قربِ
يُمضغهُ الطعامَ والحنانا
ويفتحُ القلبَ له أمانا
في حجره يَرفلُ بالكمالِ
يتبعهُ في الحلِّ والترحالِ(4)
***
_______________________
1ـ ولد الإمام علي عليه السلام، في الثالث عشر
من شهر رجب قبل البعثة باثني عشر سنة، وقد ورد في كتب التأريخ، أن ولادته كانت في
جوف الكعبة، حيث جاءت أمه فاطمة بنت أسد الى الكعبة فانشق جدارها ودخلت فولدته في
تلك البقعة المشرفة، وتلك منزلة لم ينلها سواه، وكرامة لم يحرزها غيره.
ابن الصباغ المالكي، الفصول
المهمة، ص 20، وابن المغازلي، مناقب علي بن أبي طالب: ص7، والأربلي، كشف الغمة:
1/60.
2ـ عندما توفيت فاطمة بنت
أسد، حزن عليها الرسول صلى الله عليه وآله حزناً شديداً، ونزل في قبرها وألبسها
قميصه.
3ـ شيبة الحمد لقب لعم
الرسول أبي طالب رضوان الله عليه، وقد قدم أبو طالب للرسول والرسالة خدمات كبيرة،
حيث دفع كيد قريش عن النبي، ووفر له الحماية الكافية، كما مرّ بنا في الجزء الأول
من هذه الملحمة.
4ـ كان الرسول صلى الله
عليه وآله يرعى الإمام علي رعاية خاصة، فقد كان يعده لمستقبل الرسالة من بعده،
يأمر من الله تعالى، وقد وصف الإمام علي هذه الرعاية في خطبته القاصعة بقوله:
«وقد علمتم موضعي من رسول
الله صلى الله عليه وآله، بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا
ولد، يضمني الى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ
الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل».
أول القوم إسلاماً
وحين جاء الوحيُّ بالرساله
والخير والإيمان والعداله
كان (عليٌّ) أولَ الرجالِ
صدّقَ بالدين ولم يُبالِ(1)
ويوم أُنذر الأُلى في (الدارِ)
قام عليٌ مؤمناً بالباري
وقال: صدّقتُك يا محمّدُ
أنتَ النبيُّ المصطفى المسدّدُ
فقال: أنتَ يا عليٌ بعدى
خليفتي ووارثي في عهدي(2)
فسخر القومُ وقالوا في غصب
تباً وكان القولُ من (أبي لهب)
لكنما الفتى عليٌ صمدا
بوجههم مؤازراً محمّدا
وفي الخفاءِ كان من يَدعمُهُ
ذاك (أبو طالب) وهو عمُّهُ
يَفديه بالأموالِ والبنينا
حيث غدا ناصره الأمينا
فانطلقَ الرسولُ بالأَصحابِ
يشقُّ درباً حُفَّ بالصعابِ
حيث عليٌ صنوهُ في السيرِ
ومعه ينشرُ كلَّ خيرِ
محتملا أذى قريش المّرا
مدّرعاً إيمانه والصبرا
فالشِعبُ شاهدٌ على الوفاءِ
وحرقةُ الرمالِ والصحراءِ
***
_______________________
1ـ كان أول من دخل في الإسلام من الرجال
الإمام علي عليه السلام، وقد قال الإمام في حديثه عن الرسول صلى الله عليه وآله في
خطبته القاصعة ما يبين هذه الحقيقة:
«ولقد كان يجاور في كل سنة
بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت
واحد يومئذ في الإسلام، غير رسول الله صلى الله عليه وآله وخديجة وأنا
ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة».
2ـ عيّن النبي صلى الله
عليه وآله خليفته ووصيه من بعده، يوم الدار في مكة، حين دعا عشيرته الى الإسلام،
ولم يبادر في مؤزارة الرسول إلا الإمام على عليه السلام فقال صلى الله عليه وآله:
«إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم
فاسمعوا له واطيعوا».
راجع الجزء الأول من هذه الملحمة.
مبيته في فراش النبي
ويوم هاجر النبي ناما
في بيتهِ يحتضن الحُساما
مضحّياً بالروحِ دون أَحمدا
في موقف تحالفت فيه العدى(1)
حيث تحدّى (حيدرُ) الطغيانا
مهاجراً رغم (أبي سفيانا)
ليثرب حيث غدا فتاها
وقطبها دارت به رَحاها
****
________________________________
1ـ مبيت الإمام علي في فراش
الرسول صلى الله عليه وآله يعدّ موقفاً رسالياً خالداً في تأريخ الإسلام، ولعظمة
هذا الموقف، فقد أنزل الله تعالى فيه قرآناً، وهو قوله تعالى:
(ومن الناس من يشري نفسه
ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد) البقرة: 207.
وكان موقفه في غاية الإيثار
والبطولة. فعندما اكتشف رجال قريش، ان خطتهم باءت بالفشل، وقف أمامهم بصلابة وقوة،
وواجههم بكل شجاعة عندما سألوه عن الرسول، حيث قال لهم:
«أَجعلتموني عليه رقيبا؟).
فضائله ومواقفه
وحينَ آخى بينهُ (المختارُ)
وبينهُ توّجهُ الفخارُ
مدّخراً صمصامه للوثبه
وواهباً للمسلمين قلبه
في يوم (بدر) يحملُ اللواءا
والنصرُ في عيونه ترائ(1)
ويومَ (أُحد) يَدفعُ الجموعا
بسيفهِ ويهتكُ الدروعا
فأحمدُ الداعي له بالنصرِ
بكلّ موطن بوجهِ الكفرِ
في غزوةِ (الأحزابِ) حيث جدَّلا
بسيفهِ (عمرو بنَ ودِّ) البطلا
في (خيبرِ) اليهود لّما غضبا
أودى (بذي الفقار) فيها (مرحبا)
ويوم (فتح مكة) قد عُرفا
محطّماً أَصنامها والخزفا
وفي (حنين) موقفٌ كبيرُ
إذ هُزم الأصحابُ والعشيرُ
سوى عليٍّ ورجال بَرَره
قد بايعت من قبلُ تحتَ الشجَرَه
وفي (تبوك) لم يكن قد حضرا
اذ أنه في يثرب قد أُمّرا
وبعدها مبلّغا (براءه)
وراغماً في ذلكم أَعداءه(2)
_______________________
1ـ فيى معركة بدر تلك الوقعة الحاسمة، كان
الإمام علي عليه السلام، بطل الإسلام الأوحد، فقد كان لبطولته الدور الكبير في نصر
المسلمين، وقد أشرنا الى ذلك في الجزء الأول من هذه الملحمة. كما أشرنا الى دوره
عليه السلام في بقية المعارك الت خاضها المسلمون ضد المشركين واليهود.
2ـ ذكرنا في الجزء الأول من
هذه الملحمة، كيف أن الرسول صلى الله عليه وآله بعث أبا بكر ليبلغ سورة براءة
للمشركين، ثم أبدله بالإمام علي.
لقد فعل الرسول ذلك بناءً
على أمر من الله تعالى، حيث أمره إما أن يبلّغ هو أو رجل من أهل بيته.
إمامته
ويوم (خُمٍّ) أُعطيَ الوساما
حين غدا خليفةً إماما(1)
لكنهم عندَ وفاةِ (المصطفى)
قد أغفلوا بيعته دون وفا
وهو الذي قام به الإسلامُ
مشمّراً وغيرُهُ نيامُ
يا أُمةً قد ضيّعت رائدها
واتخذت مقودَها قائدها
تّباً لتلك الأُمةِ الغبيّه
إذ تركت أنوارها القدسيّه
ألصبرُ كان مسلكَ الوصيِّ
بعد ضياع حقَّه الجليِّ
فسالم القومَ لحفظ الأمه
ممتحناً حتى انكشاف الغُمّه(2)
حتى مضى (الأولُ) ثمّ (الثاني)
وجاءت (الشورى) بما يُعاني
فيالها من لعبة مريبه
وقصّة غريبة عجيبه
حتى مضى (ثالثهم) مقتولا
مخلّفا عبئاً غدا ثقيلا(3)
وعمّت الفتنةُ كلَّ الناسِ
وأستسلمت آمالها للياسِ
حين رأت خلافةَ الإسلامِ
خاويةً بغير ما إمامِ
_______________________
1ـ في حجة الوداع أخذ الرسول صلى الله عليه
وآله من المسلمين البيعة للإمام علي في مكان يسمى بغدير خم، وقد سميت هذه البيعة
بيعة الغدير، كما مرّ بنا في الجزء الأول، لكن الذي حدث يوم وفاة الرسول صلى الله
عليه وآله، أن ترك المسلمون جثمان رسول الله، و راحوا يتنافسون على الامارة،
والإمام علي عليه السلام مشغول بتجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله.
وقد تمت البيعة لأبي بكر
بسرعة وفي ظروف قلقة، حتى وصفها عمر بن الخطاب بأنها كانت فلتة، وعارض جماعة من
كبار الصحابة هذه البيعة، لكن جماعة الخلافة فرضوا عليهم البيعة.
2ـ بقي الأمام علي عليه
السلام، ما يقرب من ستة أشهر لا يبايع، ثم وجد أن الظروف الاسلامية تستدعي منه أن
يبايع أبا بكر حفظاً لوحدة الصف الإسلامي، فبايع على مضض.
3ـ بعد وفاة أبي بكر عهد
بالخلافة إلى عمر بن الخطاب، فصار خليفة بموجب عهد أبي بكر، وهو الذي عارض بشدة أن
يكتب رسول الله صلى الله عليه وآله كتاباً يوكد فيه خلافة الإمام علي، ومنع الرسول
من هذه الخطوة بعد اتهامه بأنه يهجر، في حين أن الرسول لا ينطق عن الهوى بنص
القران الكريم.
وعندما حضرت عمر الوفاة عهد
بالخلافة إلى ستة أشخاص ليختاروا من بينهم الخليفة، وقد كان الإختيار يشير منذ
البداية الى أن الأمر قد زوي عن الإمام علي، كما صرح بذلك لعمه العباس.
لقد تحدث الإمام علي عن تلك
التجربة في خطبته الرائعة الشقشقية حيث قال عليه السلام:
«أما والله لقد تقمّصها
فلان وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحا. ينحدر عني السيل، ولا يرقى اليّ
الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا..
فياعجباً! بينا هو يستقيلها
في حياته إذ عقدها لآخر بعدوفاته، لشدّ ما تشطرا ضرعيها، فصيرها في حوزة خشناء
يغلظ كلمها ويخشن مسها ويكثر العثار فيها، والإعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة،
إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس، وتلون
واعتراض، فصبرت على طول المدة وشدة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم
أني أحدهم فياللّه وللشورى متى اعترض الريب فيَّ مع الاول منهم حتى صرت أقرن الى
هذه النظائر!..).
نهج البلاغة: ص 49.
خلافته
الى عليٍّ مالت الحشودُ
وأقبلت للبيعةِ الوفودُ(1)
حتى غدت مثلَ (ربيضة الغنم)
وهو يقول: لا، وقد قالت: نعم
فمَدَّ كفه لكي تُبايعا
وكان قلبهُ العظيمُ خاشعا
بايعَ من بايع إلا عُدّه
قد رفضوا بيعته بشدّه
فقام بالامر بكلّ عزمِ
وأعلن العدل بكلِّ حزمِ
وأرسل الولاة للأقطارِ
ووجه القضاة للأمصارِ
وذكّرَ الناسَ بسيرة النبيِّ
وعدلهِ وعطفهِ المحبّبِ
_______________________
1ـ كانت بيعة الإمام علي عليه السلام، هي
البيعة الوحيدة في تأريخ الإسلام التي تميزت بالجماهيرية والإقبال الملّح، فلقد
انهال عليه الناس يريدون بيعته وهو يقول لهم: (دعوني والتمسوا غيري). وهم يزدادون
عليه إقبالا، فلقد اثبتت لهم تجارب الايام أنه الشخص الذي يستطيع أن يسير بهم على
خطا رسول الله صلى الله عليه وآله بكل دقة وحزم.
معركة الجمل
فخرج البغاة نحو (البصرة)
وهُرعت (عائشةٌ) للنصره(1)
واجتمعوا لأمرهم في الحرمِ
وسعيُهم كان إراقةُ الدمِ
وقد أجابهم جفاةُ العربِ
مَن جحدوا (خّماً) وخالفوا النبيّ
شعارُهم كان لأخذ الثارِ
بقتل عثمان بيوم (الدارِ)
وهو شعارٌ كاذبٌ خدَّاعُ
وخلفه يحتدمُ الصراعُ
(فطلحةٌ) يطمعُ بالإماره
وهو يخبّي في الحنايا ناره(2)
وخلفهُ (الزبيرُ) يتبعُ ابنه
ويا لها من فتنة ومحنه(3)
فرّقتِ الأُمَة بعدَ جمعِ
وصمّت الآذان بعدَ سمعِ
تقودهم (عائشةٌ) على الجمل
تاركةً بذاك أفضلَ العمل
فيا (لعسكر)(4) وياليومهِ
تمزقت أمتنا من شؤمهِ
سار بها مزمجراً في غضبِ
حتى أتى بها الماء (الحوأَبِ)(5)
فنبحتها عنده الكلابُ
وناح خلف رحلها الغرابُ
تذكرت قول (النبىِّ) فيها
إيّاك (ياحمراءُ) أن تأتيها
فصرخت ردّوا الرحال إني
نادمةٌ فالشرُّ جاء منّي
لكنّهم قد أحضروا الشهودا
واقسموا زوراً لكي تعودا
فواصلوا المسير حتى (البصره)
مختلفين عندها في الإمره
وقتلوا حُرّاس بيت المالِ
فذبحوا صبراً بلا قتالِ(6)
واشتبكَ البغاة (بابنِ جَبله)
وصارت البصرةُ فيءَ القتله
فنهبوا الديار والأموالا
وأرعبوا النساء والأطفالا
وذاك يومُ (الجمل الصغيرِ)
اذ بقي الحقُّ بلا نصيرِ
فأقبل الإمامُ بالحشودِ
خيل وآلاف من الجنودِ
خاطبهم وأكثرُ الخطابا
وعجزوا أن يُفصحوا الجوابا
وعاتب الزبيرَ ثم ذكرّه
بموقف خوّفه وأنذره(7)
فغادر الزبير منه خجلا
مستبعداً عن حربه معتزلا
وقامت الحربُ على أشُدِّها
يطحنُ فيها هزلها بجدِّها
فطاحت الاكفُ والاعناقُ
وبترَ العضدُ بها والساقُ
والجملُ المشؤوم ظلَّ واقفا
وجيشه المهزوم بات خائفا
وصاح حيدرُ: ألا اعقروهُ
وحطّموا الشيطان وانحروهُ(8)
فانهزم الجيش وطاح (الجملُ)
وحوله جمعٌ كثيرٌ قتلوا
وأَنزلوا (الهودج) باحترامِ
واستسلمت (عائشُ) للإمامِ
فأُرجعت لبيتها مكرّمه
نادمةً على انتهاكِ الحُرمه
واتّجه (الأمامُ) نحو القتلى
مخاطباً يُلقي عليهم سؤلا(9)
باللّه هل وجدتمُ ما وُعِدا
حقاً فأني قد وجدتُ الرشدا
ودفنَ القتلى وعاد صابرا
في مسجد البصرةِ صلّى حاسرا
وأمّر ابن عمه العباسِ
حتى يصلي بعده بالناسِ(10)
_______________________
1ـ كانت أم المؤمنين عائشة من خصوم عثمان،
وكانت تعلن عن معارضتها علناً، وأنه خالف القرآن والسنة، وقد اطلقت عليه قولها
المشهور: «اقتلوا نعثلا فقد كفر» تقصد بذلك عثمان. لكنها عندما سمعت بأن الإمام
علي صار هو الخليفة، غيّرت موقفها تماماً، فإذا بها تعلن ظلامة عثمان، وتقف موقف
المعارض من الإمام علي.
وجدت عائشة في طلحة والزبير
ما يحقق أهدافها، فقد حرمهما الإمام علي من الامتيازات الخاصة التي كانا يتمتعان
بها على عهد عثمان، إذ كانت سياسة الإمام المالية تقوم على أساس الموازين الشرعية
بعيداً عن المحاباة والعصبيات،وهذا ما جعل طبقة المنتفعين على عهد عثمان، تعارض
حكم الإمام علي،
وإلى جانب ذلك كان في الشام
معاوية بن أبي سفيان، الذي كان يمتلك طموحات عريضة ويخطط لجعل الخلافة ملكاً
أموياً خاصاً، فقد أخذ معاوية يغذي هذا الإتجاه المعارض ويتأهب لكسب الجولة.
نشط معارضو الإمام علي بشكل
مكثف، وتحركوا باتجاه البصرة، وكانت عائشة على ظهر جمل يدعى (عسكر)، وكان شعارهم
الأخذ بدم عثمان، والغريب أن الذين رفعوا هذا الشعار ضد الخليفة المقتول هم الذين
اشتركوا في قتله، في حين كان الإمام علي يحاول منعهم من قتل الخليفة.
2ـ طلحة بن عبد الله.
3ـ الزبير بن العوام.
4ـ عسكر: اسم الجمل الذي
كانت أم المومنين عائشة تركبهُ أثناء القتال في البصرة.
5ـ ورد ذكر كلاب الحوأب في عدة أحاديث لرسول
الله صلى الله عليه وآله، منها ما رواه ابن عباس حيث قال: قال رسول الله: «ليت
شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، تسير تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يسارها وعن
يمينها خلق كثير».
تأريخ ابن كثير: 6/212.
وعندما سارت عائشة لقتال
الإمام مرت بماء الحوأب، فنبحتها الكلاب فقالت:
«ردوني ردوني هذا الماء
الذي قال لي رسول الله: لا تكوني التي تنبحك كلاب الحوأب، فأتاها القوم بأربعين
رجلا فأقسموا باللّه أنه ليس بماء الحوأب» فاقتنعت عائشة وسارت معهم.
تأريخ اليعقوبي: 2/157.
6ـ قام ناكثو البيعة
والخارجون على الإمام علي، بأعمال النهب والإعتداء في البصرة، وارتكبوا جرائم قتل
بحق أهلها، ومنهم والي الإمام علي في البصرة، وقد سميت تلك الحوادث بالجمل الصغير.
7ـ بذل الإمام علي عليه
السلام كل محاولاته من أجل منع وقوع المعركة، وأراد أن يعيد الخارجين الى جادة
الصواب، لكنهم كانوا مصرّين على العناد. وكان مما قام به أن طلب التحاور مع الزبير
بن العوام، فالتقى به وسط الجيشين، وذكره بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله حيث
أخبر النبي صلى الله عليه وآله الزبير بأنه سيخرج على الإمام علي ذات يوم وهو ظالم
له.
تذكر الزبير تلك الحادثة
وندم على موقفه، فاعتذر من الامام علي عليه السلام، فانسحب من المعركة، وقبل
انسحابه أراد ابنه عبد الله أن يثنيه عن موقفه، ويزج به في المعركة، لكنه قرر
الإنسحاب، وليته فعل ذلك قبل حشد الحشود وجمع الجيوش لقتال علي عليه السلام.
8ـ دارت المعركة ضارية شرسة
بين المعسكرين، وقد تفانى أصحاب الجمل في الدفاع عن جملهم، حتى قتل عدد كبير منهم،
فصاح الإمام علي عليه السلام، يأمر أصحابه بقتل الجمل، لانهاء المزيد من الدماء،
وعندما قتل الجمل انتهت المعركة بانتصار جيش الإمام. وقد أمر عليه السلام بمعاملة
عائشة باحترام رغم كل ما بدر منها في هذه الفتنة المدمرة.
9ـ حدد الإمام علي عليه
السلام الموقف الشرعي في التعامل مع قتال المسلمين حيث أعلن العفو العام بقوله:
«ألا لا يجهز على جريح، ولا
يتبع مول، ولا يطعن في وجه مدبر، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن،
ولا يستحلن فرج ولا مال، وانظروا ما حضر به الحرب من آنية فاقبضوه، وما كان سوى
ذلك فهو لورثته، ولا يطلبن عبد خارج من المعسكر، وما كان من دابة أو سلاح فهو لكم،
وليس لكم أم ولد، والمواريث على فريضة الله، وأي امرأة قتل زوجها فتلعتد أربعة
أشهر وعشراً».
فقال بعض أصحابه: يا أمير
المؤمنين تحل لنا دماؤهم ولا تُحَلّ لنا نساؤهم؟.
فقال عليه السلام: «كذلك
السيرة في أهل القبلة».
تأريخ اليعقوبي: حرب
البصرة.
10ـ عين الإمام علي عليه
السلام عبد الله بن عباس والياً على البصرة بعد انتهاء حرب الجمل.
الكوفة العاصمة الجديدة
وودّع البصرةَ نحو (الكوفه)
بخطبة بليغة معروفه
فأصبحت عاصمةَ الاسلامِ
مزهرةً بطلعةِ الإمامِ(1)
العدلُ في أجواءها يرفُّ
والخيرُ في أعطافها يحفُّ
إمامُها شعارهُ التواضعُ
قد شرفت من خطوه الشوارعُ
يجولُ في أسواقها مذكّرا
يأمرُ بالحق ويُردي المنكرا
يشهدُ محرابٌ له ومنبرُ
بانه هو الإمام الأكبرُ
أمامهُ الغنيُّ والفقيرُ
تساويا والعبدُ والأميرُ
يقضي بما جاء به القرآنُ
وعدلهُ في حكمه ميزانُ
يعطفُ بالحبِّ على اليتامى
فكم وضيع عندهُ تسامى
وكم عزيز ذلَّ للعداله
من بعد أن حكمُ (الإمامِ) طاله
أتباعُهُ المستضعفون طُرّا
عبدُهمُ ساوى لديه الحُرّا
ومعه المهاجرون الأُولُ
لم ينقضوا بيعته أَو يعدلوا
فهو لهم كهفاً غدا وقدوه
ومثلا بعدَ الرسول أُسوه
والشامُ في اللعنةِ أضحت ثاويه
يحكم فيها بطراً (معاويه)
يعبثُ بالأُمةِ كيف شاءا
يُكذِّبُ القرآنَ والسماءا
محرّفاً في سُنةِ النبيِّ
وخارجاً عن طاعةِ (الوصيِّ)(2)
ورافق (قميصَ عثمان) رحى