قوافل النور
ملحمة شعرية في سيرة النبي (ص) وأهل بيته
(ع)
تأليف: حسين بركة الشامي
الاهداء
اليك
يا رسول الله
تصدير
تشكل سيرة الرسول المصطفى ـ صلى
الله عليه وآله ـ واهل بيته الاطهار ـ عليهم السلام - الصورة الحية للاسلام، فهم
التجسيد العملي للمفهوم الاسلامي، ولمبادىء الرسالة الخالدة، من خلال اقوالهم
ومواقفهم المعصومة، لذلك فان الكتابة عنهم كتابة عن الاسلام الاصيل، واستيحاء
لمفاهيمه، وتعاليمه، ومسيرته، فمن اراد ان يفهم الاسلام لا بد له ان يدرس حياة
الرسول صلى الله عليه وآله واهل بيته عليهم السلام، دراسة واعية مدركة، وهي عملية
شاقة بطبيعة الحال، نتيجة ما طرأ على التراث الاسلامي من تشويه، وتحريف دخل مصادر
التأريخ والسيرة منذ اوائل عصر التدوين.
لقد كُتب عن سيرة الرسول صلى الله عليه وآله واهل بيته عليهم السلام كم
هائل من المؤلفات والبحوث والدراسات، وكان للشعر حضوره الحيّ في هذا المجال، فلقد
نظم الشعراء منذ عهد الرسول صلى الله عليه وآله وطوال الفترات اللاحقة الكثير من
القصائد والملاحم في فضائل الرسول والقادة الافذاذ من اهل بيته عليهم السلام، حتى
شكل ذلك رصيداً ضخماً متميزاً في تراث الشعر العربي، وقد تخصص بعض الشعراء في اهل
البيت عليهم السلام، فوظفوا ملكتهم الادبية في هذا المجال الغني، فكتبوا المديح
والرثاء ونظموا في المناقب والسيرة وابدعوا فيهن جميعاً.
ورغم كثرة ما نظم في هذا المجال الخصب الا ان اضافة المزيد يبقى حاجة
مستمرة، فالموضوع واسع بلا حدود، ومهما كتب فيه يظل نزراً يسيراً، لا سيما بالنسبة
لاجيالنا الواعدة التي تشقّ طريقها وسط التحديات، فهي بأمس الحاجة الى استحضار تلك
السيرة العطرة والتأريخ المشرق لكي تنهل منه الدروس والمفاهيم والعبر.
و(مؤسسة دار الاسلام) اذ تقدم هذه الملحمة الشعرية (قوافل النور) انما
تهدف الى تعميق الصلة والرابطة بين ابناء الامة وبين منابع القوة في عقيدتها
المتمثلة بسيرة الرسول ـ صلى الله عليه
وآله ـ واهل بيته ـ عليهم السلام ـ عبر الزمن.
أرجو الله تعالى ان يحقق الهدف من وراء هذا المشروع الادبي التأريخي، واود
في الختام ان اوجه جزيل شكري لاخي الاستاذ الشاعر المبدع جواد جميل على ما أبداه
من ملاحظات قيمة خلال اعداد هذه الاجزاء من ملحمة قوافل النور سائلاً المولى تبارك
وتعالى ان يحقق امانيه وان يوفقنا وجميع العاملين لخدمة دينه انه ولي التوفيق وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
حسين بركة الشامي
شهر رجب الحرام 1420 هـ
في البدء(1)
أبدأُ باسم الخالق الرحمنِ
ملحمةً سامية المعاني
واحمدُ الله على نعمائه
وما حباني فيه من آلائه
مصلياً على النبيّ الهادي
وآله ائمة.. الرشادِ
والشكرُ للّه على الهدايه
والبعدُ عن مسالك الغوايه
واستعينهُ على مسائلي
فهو الذي يُجيبُ كل سائل
فقد دعوته بكلِّ همه
ان اذكر النبي والائمه
فهم حماةُ الدين والايمانِ
والعلم والسنةِ والقرآنِ
بهم عرفنا الله والآياتِ
نبراسُنا المنيرُ في الحياةِ
ما خاب من والاهمُ واتبعا
فهم تراجم لوحيٍّ شُرعا
كما سألتُ خالقي رب السما
(ألفيةً) اذكر فيها (الُعلما)
اهل الهدى والدين والرشادِ
والفقه والجهاد والسدادِ
ومن بهم قام عمودُ الدين
وشيدَ صرحُ الحقِّ واليقينِ
من لدنِ النبي حتى عصرنا
فمنهم يسطعُ نورُ... فجرنا
بدأتها احدى ليالي الجُمعه
وحيثُ ابوابُ الدعاء مشرعه
__________________________
1 - بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه رب العالمين
والصلاة والسلام على رسوله محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واصحابه المنتجبين،
ومن دعا بدعوته الى يوم الدين وبعد:
فقد عقدت العزم على نظم
ملحمة شعرية في سيرة الرسول (ص) واهل بيته (ع) متوكلاً على الله في ذلك، تتضمن اهم
فصول التأريخ الاسلامي ومحطاته الفاصلة منذ بدء البعثة النبوية الشريفة وحتى غيبة
الامام المهدي عجل الله تعالى فرجه، مروراً بكل المراحل والوقفات التأريخية في
حياة الرسول والائمة عليهم السلام.
وقد استوحيتُ فكرتها من
خلال اسفاري خصوصاً سفرات الحج الى الديار المقدسة، وكان الهدف منها تقريب صورة
التأريخ لاذهان الشباب المسلم من خلال استعراض ملاحم البطولات التأريخية بالاسلوب
الشعري الذي يداعب الاحاسيس، ويستقر في الذاكرة بدون عناء.
فاستعنت الله في ذلك وبدأت
النظم في احدى ليالي الجمعة من عام 1419 هـ كما قد شرحتُ ملحمة قوافل النور بهوامش
موجزة مستقاة من اهم مصادر التأريخ الاسلامي وكتب التراث.
اسأل الله تعالى ان يوفقني
الى اتمام هذه الملحمة ذات الالفي بيت واخريات مثلها في طريق الادب الاسلامي
الملتزم والله من وراء القصد.
العرب قبل الاسلام
بذكر احوال جزيرةِ العرب
ترنو الى نور النبيّ المرتقب(1)
وحيث كان الرومُ في طغيان
والفرسُ في صوامع النيران
والعربُ عكف على الاصنامِ
في حمأة الضلالِ... والحرامِ
عادتهم وأدُ البناتِ جهلا
مستسهلين دفنها والقتلا
الخمرُ فيهم والربا قد شاعا
بجهلهم قد ألفوا الضياعا
__________________________
1 ـ كان العرب في الجاهلية، وهي المرحلة التي
سبقت بعثة الرسول ـ صلى الله عليه
وآله ـ يعيشون حياة قاسية خشنة، فلم تكن
تحكمهم نظم سياسية او مدنية، انما كانت حياتهم العامة تقوم على اساس التمزق
والصراعات والقهر والغلبة.
كان النظام الغالب على
حياتهم، هو التنقل طلباً للمرعى والماء، مما كان يدفعهم الى التقاتل من اجل هذين
المطلبين، لان فيهما حياتهم واستمرار معيشتهم.
وفيما كانت حياتهم تقوم على
هذا النمط الصعب، كانت تحيط بهم دول قوية مستقرة، ابرزها دولة فارس في الشرق،
ودولة الروم في الشمال، وهاتان الدولتان كانتا تتمتعان بقوة ونظام مدنيّ متين.
كان العرب يعبدون الاصنام،
وكان لكل قبيلة وثنها الخاص. وقد سرت هذه العبادة في بني اسماعيل بعدما تكاثروا
وضاقت بهم مكة، فقد تفرقوا في البلاد، وحمل كل واحد منهم حجراً من حجر الحرم،
كانوا يطوفون به حيثما ينزلون، ومع مرور الزمن نسوا دين آباءهم، وعبدوا الاوثان،
وذكر ابن اسحاق في سيرته واليعقوبي في تأريخه:
ان عمر بن لحي وهو شيخ
خزاعة، سافر الى الشام، ورأى هناك ان الناس يعبدون الاصنام، فأخذ منهم (هبل) ونصبه
على الكعبة.
وكان العرب يخضعون لعادات
وتقاليد خاصة بهم، منها وأد البنات، وهي عادة بشعة كانت منتشرة بينهم، حيث يعمد
الاب الى دفن الانثى التي تولد له، لانه يرى فيها عاراً عليه، او انها ستلحق به
العار في المستقبل، فيما لو سقطت بيد اعدائه خلال الحروب المستمرة فيما بين
القبائل، حتى قال شاعرهم
سمّيتها اذا ولدت تموتُ ***
والقبرُ صهر ضامن زميتُ
وكان الخمر شائعاً بين
العرب في الجاهلية، الى جانب دور البغاء. كما كان الربا شائعاً في معاملاتهم
التجارية، وكان من مصادر الثراء عند القلة منهم، لكنه في المقابل كان سبب دمار
وعبودية للكثرة الكاثرة.
المولد المبارك
حيثُ بدا نور النبيِّ (احمدا)
يحملُ للناسِ مشاعل الهدى(1)
فهو بشيرُ الحقِ والنذيرُ
لم ينطفىء سراجهُ المنيرُ
يُعرفُ باسمِ الصادق الامينِ
في كلِّ موطن وكلِّ... حينِ
وهو (لابراهيم) قدماً ينتسب
ثم (لهاشم وعبد المطلب)
اشرق من ضيائه (حراءُ)
ونُورت بهديه الصحراءُ(2)
يدعو الى التوحيد والصلاةِ
فانهار من صداهُ عرشُ (اللاةِ)
وانطفأ اللظى بنار (كسرى)
واضطرب الروم بأرض (بُصرى)
سيقول لا اله الا الله
الهُنا لا تعبدوا سواهُ
مصدقاً بشارة (التوراةِ)
وما حوى (الانجيلُ) من آياتِ(3)
فقد دعا من (آل عبد المطلب)
رجالهم والكلُّ منهم مضطرب
يدعوهم لنصرة العقيده
فهم وجوهُ اسرة حميده(4)
__________________________
1 ـ تتفق الروايات في كتب
التأريخ والسيرة ان الرسول ـ صلى الله
عليه ـ وآله وسلم ولد عام الفيل، اي في
سنة 570 للميلاد، لكن هناك خلافاً في يوم ولادته، والارجح انه ولد في اليوم السابع
عشر من شهر ربيع الاول.
ولم يرَ عبد الله بن عبد
المطلب ابنه، فقد توفي في طريق عودته من الشام، وهكذا شاء الله ان يعيش الرسول
حالة اليتم، فتكفله جده عبد المطلب، ثم عمه ابو طالب ـ رضوان الله عليهما
عاش النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ خمسة اعوام بين قبيلة بني سعد، حيث تعهدت
برضاعته حليمة السعدية، وكانت تلك من عادات العرب لينشأ الاولاد على الفصاحة
والفروسية.
كان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ منذ طفولته يتمتع بسجايا وصفات وخلق رفيع
يختلف عن اخلاق مجتمعه، مما جعله يتميز في محيطه، لذلك كان يُعرف بالصادق الامين.
2 ـ كان النبي قبل بعثته،
يذهب الى غار حراء في جبل النور، وهو جبل خارج مكة، حيث كان يتفرغ للعبادة
والتأمل. فقد كان الله سبحانه يعدّه لتحمل الرسالة الخاتمة، وكانت ملامح النبوة
ظاهرة عليه. وفي غار حراء نزل جبرئيل ـ
عليه السلام ـ على النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وألقى اليه كلمة الوحي والبدء بالنبوة، وكانت
اول كلمات نزلت عليه هي الآيات الخمس الاولى من سورة العلق والتي اولها (اقرأ باسم
ربكَ الذي خلق) ثم توالى بعد ذلك نزول الوحي عليه
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .
3 ـ وردت البشارة بالنبي محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ بالتوراة والانجيل، وكان اليهود والنصارى
يعرفون ان الله سبحانه سيبعث نبياً الى البشرية، يكون دينه خاتم الاديان، وكان
علماؤهم يعرفون اوصافه وعلاماته، وتذكر كتب التأريخ، ان اليهود ارادوا اغتيال
النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل بعثته، وقد نصح احد الرهبان عمه ابا طالب
ان يحرسه من غدر اليهود. لذلك كان عمه شديد الحرص عليه.
4 ـ أمر الله نبيه بتبليغ الرسالة بقوله تعالى:
(يا أيها المُدثرُ* قم فأنذر) فبادر ـ صلى
الله عليه وآله ـ الى نشر رسالته. وكان
اول من آمن به زوجته خديجة بنت خويلد وابن عمه علي بن ابي طالب وخادمه زيد بن
حارثة.
فقد جاء في تاريخ
اليعقوبي ـ ج 2 ص 23 ـ في رواية عمر بن عبسة السلمي قال:
(أتيت رسول الله اول ما
بُعث وبلغني امره، فقلت: صف لي امرك. فوصف لي امره، وما بعثه الله به. فقلت: هل
يتبعك على هذا احد؟. قال: نعم، امرأة وصبي وعبد. يريد خديجة بنت خويلد وعلي بن ابي
طالب وزيد بن حارثة).
بدء الدعوة
لكنهم قد واجهوه بالغضب
وكان في اولهم (ابو لهب)(1)
مستهزأً بجمعه هذا العدد
ملوحاً لهُ بحبل من مسد
لكنما الاطياب منهم آمنوا
والكلُّ منهم للنبي ضامنُ
اولُ من صدقهُ (عليُّ)
الوارثُ الخليفةُ الوصيُّ
وزوجهُ (خديجةُ) الغنيّه
البرّةُ الطاهرةُ الوفيّه
والصفوةُ الابرارُ (آلُ ياسرِ)
وكلُّ حرٍّ ثائر وصابرِ
كالثائرِ البرّ (ابي ذرٍّ) ومن
لم ترتجف خطاه ايام المحن
وآخرون جُلّهم شبابُ
بفضلهم قد نطق الكتابُ
وآمنت به جموع الضُعفا
وبعضهم قد نصروهُ بالخفا(2)
فاشتدَّ من اعدائهِ العنادُ
ونصبت لذلك الاوتادُ
وعُذّبِ الصحبُ على الهجيرِ
بالنار والقيود والصخور
لكنما الدعوةُ ظلت تسري
بكل قوة وكلِّ.. صبرِ(3)
ينزلُ (جبرائيلُ) بالقرآنِ
يفتحُ آفاقاً من المعاني(4)
فحوصرت اذ ذاك (آلُ هاشمِ)
(بالشعبِ) رافضين كلَّ ظالمِ(5)
مرّت ثلاث من سني القهرِ
وذاك للرسول اقسى العُمرِ
موسومة بالحزن والعذاب
اذ فقدوا جمعاً من الاصحابِ
مثل (ابي طالبِ) حامي الدينِ
وناصر الشرعة في يقينِ
وزوجه (خديجة) الكبيره
وهي له الاهلون والعشيره
للّه صبرٌ لا يجاريه احد
تاريخُ (احمد) به قد انفرد
__________________________
1 ـ امر الله نبيه ان يدعو عشيرته، وذلك عندما
نزل عليه قوله تعالى: (وأنذر عشيرتكَ الاقربين) فبدأ بدعوة بني عبد المطلب، كما
روى ذلك اهل الحديث والسير، كالطبري وابن الاثير وابن عساكر وابن كثير وغيرهم. فقد
روي الطبري عن الامام علي بن ابي ـ طالب
عليه السلام ـ قال:
(لما نزلت هذه الآية على
رسول الله عليه وآله: (وأنذر عشيرتكَ الاقربين) ، دعاني رسول الله صلى الله عليه
وآله فقال لي:
يا علي... اصنع لنا طعاماً،
واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عسّاً من لبن ثم اجمع بني عبد المطلب، حتى اكلمهم
وابلغهم ما امرت به. ففعلت ما امرني به... فلما اراد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله ـ ان يكلمهم بدره ابو لهب الى الكلام فقال:
لهّدما سحركم صاحبكم. فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله.
فقال الغد يا علي...
ففعلت... ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال:
يا بني عبد المطلب اني
والله ما اعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به، اني قد جئتكم بخير
الدنيا والآخرة وقد امرني الله ان ادعوكم اليه فأيكم يؤازرني على هذا الامر على ان
يكون اخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟.
قال: فأحجم القوم عنها
جميعا وقلت..: انا يا نبي الله اكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي ثم قال: ان هذا اخي
ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له واطيعوا).
2 ـ بقي النبي
ـ صلى الله عليه وآله ـ يدعو الناس
الى الاسلام، بطريقة سرية لمدة ثلاث سنوات، فكان المؤمنون الاوائل يخفون ايمانهم
خوفاً من بطش قريش. وقد اتخذ المسلمون من دار بن ابي الارقم المخزومي مقراً سرياً
لهم، حيث كانوا يقرأون القرآن الكريم ويتعلمون احكام الاسلام ويتدارسون شؤون
الدعوة.
وعندما بدأ الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ دعوته العلنية، كان يعلن دعوته الى عامة
الناس، ويبلغ رسالته في مواسم الحج، روى ابن اسحاق:
(كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله ـ على ذلك من امره، كلما اجتمع له الناس
بالموسم اتاهم يدعو القبائل الى الله والى الاسلام).
3 ـ واجهت قريش مشكلة
كبيرة، فقد كانت دعوة الرسول ـ صلى الله
عليه وآله ـ تؤثر في محيط مكة، وحاول
زعماء قريش ان يمنعوا الرسول من نشر دعوته، ففاوضوه على ان يترك امر دعوته، مقابل
ان يعطوه ما يريد، لكنه رفض عروضهم. وحاولوا ان يضغطوا على عمه ابي طالب من اجل ان
يمنعه عن دعوته، لكنهم لم يجدوا تجاوباً منه، فقد كان ابو طالب يدافع عن
الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ ويعلن حمايته له، وفي ذلك يقول ابو طالب:
والله لن يصلوا اليك
بجمعهم*** حتى اوسد في التراب دفينا
ولقد علمتُ بأنّ دين
محمد*** من خير اديان البرية دينا
وعندما وجدت قريش انها لا
تستطيع ان تثني الرسول ـ صلى الله عليه
وآله ـ عن مهمته الرسالية، لجأت الى اسلوب
الضعفاء، وذلك بأن اخذت تعذب المسلمين بأقسى انواع العذاب الجسدي، لكن المسلمين
ضربوا المثل الاعلى في الصمود، حتى استشهد منهم ياسر وسمية، والدا الصحابي الجليل
عمار وقد كان يقول لهم كلما مرّ على ساحة تعذيبهم (صبراً آل ياسر ان موعدكم
الجنة).
4 ـ كان القرآن مشكلة قريش
الكبرى، فقد كان لسحر بيانه الاثر الواضح في النفوس، وقد ادرك سراة قريش ان العرب
وهم اهل البيان، سوف يتأثرون بالرسول من خلال القرآن الكريم، لذلك حاولوا ان
يمنعوا الناس من الاستماع الى قراءة القرآن. فكانوا ينهالون بالضرب على كل من يقرأ
القرآن في المسجد الحرام، كما حدث مع الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود.
ومن اجل ان تنجح قريش في
خطتها كانت تمنع الناس القادمين الى مكة من اللقاء بالرسول والاستماع الى حديثه او
قراءته للقرآن.
روى ابن هشام في سيرته، ان
الطفيل بن عمرو الدوسي، قدم الى مكة، وهو رجل شريف شاعر لبيب فجاءه رجال من قريش،
وطلبوا منه ان لا يستمع الى ما يقوله محمد، لان كلامه يفرق بين الرجل وبين ابيه
واخيه وزوجه، على حد زعمهم، فدخل الطفيل المسجد فرأى الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ هناك قائماً يصلي عند الكعبة، فسمع منه بعض
آيات القرآن الكريم، فقال في نفسه: انا رجل لبيب وشاعر، فما يمنعني ان اسمع منه.
فتبع الرسول حتى دخل بيته،
وطلب منه ان يعرض عليه الاسلام، فعرضه عليه، وقرأ عليه القرآن، فوجد فيه كلاماً
ليس من كلام البشر، فأسلم وعاد الى قومه يدعوهم للاسلام.
كانت مثل هذه الحوادث تثير
قلق قريش وخوفها، فلقد كانت تواجه خطر القرآن الذي يأخذ بالعقول الى عالم الحقيقة
المطلق، دون ان تقف امامه سياط قريش وعناد جبابرتها.
5 ـ عندما اخذ عدد المسلمين
يتزايد، وعجزت اساليب قريش عن تحجيم الدعوة الاسلامية قررت ان تقدم على خطوة كبيرة
تمنع فيها التطورات الحاصلة في مكة وغيرها. فاجتمع زعماء قريش في دار الندوة،
ووقعوا ميثاقاً فيما بينهم ينص على مقاطعة النبي
ـ صلى الله عليه وآله ـ وانصاره،
مقاطعة تامة، فلا يزوجوهم ولا يتزوجون منهم، ولا يبيعهم ولا يشترون منهم شيئاً،
وان لا يكلموهم ولا يؤاكلوهم. وعلقوا هذا الميثاق (الصحيفة) في جوف الكعبة.
على اثر هذا الميثاق
الظالم، قرر عمّ الرسول ابو طالب ان يجمع بني هاشم وبني المطلب، في (شعب ابي طالب)
بين جبال مكة، وذلك تحفظاً على الرسول صلى الله عليه وآله، وحذراً من حدوث اي
طاريء قد تقدم عليه قريش.
وقد بالغت قريش في حصارها،
حيث كانت تبث عيونها لرصد الشِعب، فتمنع وصول اي طعام اليه. وكانت تحذر العرب
القادمين الى مكة من بيع الطعام الى بني هاشم، فمن خالفهم انتهبوا ماله.
استمرت المحاصرة ثلاث
سنوات، انتهت عندما اخبر الله نبيه ـ صلى
الله عليه وآله ـ بأن صحيفة المقاطعة قد
اكلتها الارضة، لكن آثار المقاطعة كانت قاسية على النبى وعلى المسلمين، وكان من
ابرز آثارها وفاة عمه وحاميه ابي طالب، ووفاة زوجته وناصرته خديجة ـ رضوان الله عليها ـ .
الهجرة الى الحبشة
حتى اذا ضاقت بلادُ (الحرمِ)
بكلِّ مؤمن وكلِّ مسلمِ(1)
هاجر بعض الصحبِ (للنجاشي)
ميممين وجهة (الاحباشِ)
يقودُهم (جعفر الطيارُ)
البطل المجاهد المغوارُ
اذ لاحقتهم زمرةُ المعاصي
يقدمهم من مكة (ابنُ العاصِ)
يريد ان يخادع النصارى
من اجل ان يرجع بالأُسارى
لكن موقفاً (لجعفرِ) الابيّ
فقد انقذ الثلة من صحب النبيّ
ورابطت بقية مجاهده
ظلّت على كفر قريش شاهده
تحتضن الرسول في اخلاصِ
تطمع بالنجاة والخلاصِ
فحدثت حادثة (الاسراءِ)
اذ عرج الرسولُ للسماءِ(2)
من مكة اسرى لبيت (المقدسِ)
اسرى بغير ناقة او فرسِ
(بُراقهُ) تحمله الى العُلى
معجزة منه ليؤمنَ الملا
فكذبوه حسداً وجهلا
وقد سما قولاً به وفعلا
لكنه ظل يؤدّي دوره
حتى اراد الله منه الهجره
فهاجر النبيُّ نحو (الطائفِ)
يتبعه (زيد) بقلب خائفِ(3)
لكن اهلها ابوا ان يسمعوا
قولاً وان يعترفوا او يخشعوا
وامتدت الدعوةُ نحو (يثربِ)
فصافحت اكفُها كف النبيّ
وبايعته ثلة مقرَّبه
في موسم الحجيج عند (العَقَبه)(4)
فأرسل النبيُّ فيهم (مصعبا)
معلماً وواعظاً.. مؤدبا
وهو فتىً من اسرة منعمه
معروفة في (مكة المكرّمه)
فوطئوا للدعوةِ المجيده
في بقعة صالحة جديده
فأصبحت مهاجر النبيِّ
ومهبطاً للكلمِ العليِّ
من بعد ان ضاق عليه الموطنُ
وحاصرتُهُ (مكة) والمحنُ
__________________________
1 ـ بعد ان رأى الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ ان قريش تزيد اضطهادها للمسلمين، امرهم
بالهجرة الى الحبشة، وذلك في السنة الخامسة من البعثة. وقد كانت هناك هجرتان
الاولى بقيادة عثمان بن مظعون، وضمت عشرة رجال واربع نسوة، ثم كانت بعدها الهجرة
الكبيرة، بقيادة جعفر بن ابي طالب ـ رضوان
الله عليه ـ .
وتذكر كتب التأريخ والسيرة
ان قريش سارعت الى ارسال عمرو بن العاص الى النجاشي ملك الحبشة، في محاولة
لتسليمهم الى قريش ومنع اقامتهم عنده، لكن جعفر بن ابي طالب، عرض مفاهيم الاسلام
وتعاليمه على النجاشي، وعرفه بالاسلام، فقبل النجاشي اقامتهم، ورفض طلب قريش.
وقد روى ابن هشام في سيرته
(ج 1 ص 359) تفصيل المناظرة التي جرت بين النجاشي واساقفته وبين جعفر بن ابي طالب،
وكيف ان جعفر ـ رضوان الله عليه ـ تحدث له بثقة وقوة عن الاسلام، وقرأ عليه من
القرآن ما جعله يبكي هو واساقفته تأثراً وقناعة بما ورد في القرآن الكريم.
ويذكر اليعقوبي في تاريخه
(ج 2 ص 56)، ان جعفر بن ابي طالب عاد من الحبشة الى المدينة في السنة السابعة من
الهجرة في فترة غزوة خيبر حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله قولته المشهورة
(لا ادري بأيهما انا اسرِ بفتح خيبر ام بقدوم جعفر).
2 ـ هناك اختلاف في قصة الاسراء، متى حدثت وهل
كانت في اليقضة ام في المنام، والصحيح ان الله سبحانه اسرى بالرسول بروحه وجسده
الى المسجد الاقصى ومنه عرج به الى السماء العُلى ليرى آيات ربه الكبرى، وقد حدث
ذلك قبل هجرته الى المدينة.
وقد حاول كفار قريش ان
ينالوا من هذه الحادثة ويطعنوا بصدق الرسول
ـ صلى الله عليه وآله ـ فطلبوا منه
ان يأتيهم بالادلة، فاخبرهم ـ صلى الله عليه
وآله ـ بأنه رأى قافلة متجهة الى مكة
يتقدمها جمل اورق وحدد لهم وقت وصولها. فوصلت في الوقت المحدد. ثم طلبوا منه ان
يصف بيت المقدس، ولم يكن قد زاره، فوصفه لهم وصفاً دقيقاً.
3 ـ بعد وفاة ابي طالب، فقد الرسول صلى الله عليه
وآله المحامي الكبير الذي كان يدفع عنه كيد قريش، وقد روى ابن الاثير في: ج 2/ ص
91 من تأريخه، ان الرسول ـ صلى الله عليه
آله ـ قال:
(ما نالت قريش مني شيئاً
اكرهه حتى مات ابو طالب).
نتيجة هذا الواقع الجديد
وجد النبي ان مكة لم تعد مكاناً آمناً لرسالته، فأراد ان يبحث عن بلد جديد، ينشر
فيه الرسالة، فهاجر الى الطائف وعرض الاسلام على قبائلها، لكنهم واجهوه بالرفض،
واساءوا الى شخصه المقدس صلى الله عليه وآله، حيث رموه بالحجارة، واستخفوا بدعوته،
فاضطر الى العودة الى مكة.
4 ـ واصل النبي
ـ صلى الله عليه وآله ـ دعوته
للناس، في موسم الحج، وفي موضع يدعى العقبة، التقى بسبعة رجال من الخزرج قادمين
الى مكة للحج، فعرض عليهم الاسلام. وكان اهل يثرب يسمعون من اليهود بقرب ظهور نبي
من العرب. فآمن هؤلاء بالرسول ـ صلى الله
عليه وآله ـ وعادوا الى يثرب يبلغون رسالة
الاسلام.
وفي العام التالي التقت
جماعة مسلمة من اهل يثرب بالرسول وبايعته في العقبة، وسميت هذه البيعة بيعة
العقبة، فأرسل معهم الرسول ـ صلى الله
عليه وآله ـ الصحابي الجليل مصعب بن عمير،
ليعلمهم القرآن ومبادىء الاسلام. واخذت رسالة الاسلام تنتشر بقوة في يثرب حتى قال
مصعب للرسول صلى الله عليه وآله حينما لقيه ما تركت بيتاً الا وللاسلام فيه اسم.
الهجرة الى يثرب
فأزمع الهجرة والرحيلا
ليثرب يبني هناك جيلا(1)
وبات في فراشه (اخوهُ)
خشية ان يأتوا ويقتلوهُ
وذاك قمة الوفا والتضحيه
ان يغدو الموت الرهيب أُمنيه
غادر في المساء (ثاني اثنين)
من غير ان تراهُ كلُّ عينِ
وبعد لأي وصل المدينه
فاستقبلته الصفوةُ الامينه
يتبعه الامام بالفواطمِ
وهنَّ طاهرات (آلِ هاشمِ)(2)
حيث بنى النبيُّ صرح الحقِّ
بكلِّ ايمان وكلِّ صدقِ
فاتخذ المسجد للقياده
والحكم والتوجيه والعباده(3)
مستعذباً وعورة الطريقِ
وساعياً للهدف الحقيقي
ورُفع الآذان للصلاةِ
اُنشودةً في شفة الدعاةِ
اولُ من صاح به (بلالُ)
ومن به اثرت الاغلالُ
بلُغة جميلة الالحانِ
(فسينهُ) (كالشين) في المعاني(4)
وشرعت هنالك العباده
وفتحت ابوابها الشهاده
فاعلن الاخاء للابرارِ
بين المهاجرين والانصارِ(5)
كي يشحذ الايمان والاُخوه
قلوبهم بالحبّ والفتوّه
فأصبح الغنيُّ والفقيرُ
في الدين والكبير والصغيرُ
جميعُهم في اسرة الايمانِ
في نسب من الاخاء ثانِ
وأذن الله لمن قد ظلموا
ان يرفعوا سيوفهم ويقدموا
__________________________
1 ـ وجدت قريش ان امر
الاسلام اخذ يتعاظم، وان الخطر اصبح يتزايد حول وثنيتها، لا سيما بعد ان وجد
الاسلام، والارض الصالحة والآمنة في يثرب. فاجتمع سراة قريش ورجالها في دار
الندوة، وقرروا قتل الرسول ـ صلى الله
عليه وآله ـ .
كانت خطتهم باقتراح من ابي
جهل تقضي بأن تنتخب كل قبيلة من قبائل قريش، رجلاً منها يشترك في اغتيال
الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ ، حتى
يتوزع دمه بين القبائل فلا يستطيع بنو هاشم المطالبة بدمه.
قرر الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ في ضوء ذلك الهجرة الى يثرب، فلم تعد مكه
مكاناً آمناً لرسالته، فدعا وصيه وابن عمه علي بن ابي طالب ـ عليه السلام
ـ وطلب منه ان ينام في فراشه ليوهم قريشاً بأنه لا يزال في بيته فلا تسارع
في تعقبه، واستجاب الامام علي بسرعة بقوله: (او تسلم انت قال: بلى قال: اذن لا
ابالي اوقعت على الموت او وقع الموت عليَّ) وكان هذا اعظم مظاهر التضحية والايثار
وبات ليلته في فراش الرسول مطمئناً واثقاً، فأنزل الله تعالى في حقه: (ومِنَ
الناسِ من يشرِي نفسهُ ابتغاءَ مرضاتِ الله والله رؤوفُ بالعبادِ) (البقرة 207).
خرج الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ بصحبة ابي بكر، سراً باتجاه يثرب، وعند
الصباح، نهض الامام علي من فراش النبي، وادرك رجال قريش بأنهم غُلبوا، فسارعوا الى
تعقب الرسول، وخصصوا جائزة سخية لمن ينجح في اعادة الرسول وصاحبه الى مكة.
مكث الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ مع ابي بكر في غار جبل ثور على مقربة من مكة،
لمدة ثلاثة ايام وكانت اسماء بنت ابي بكر، تحمل لهما الطعام، وبعد انقضاء الايام
الثلاثة سار الرسول الى يثرب، سالكاً طريقاً غير مألوف على ساحل البحر، وكانت قريش
تبحث عنه في الجبال والشعاب في محاولة للقبض عليه، لكن الله سبحانه شاء ان تخيب
مساعي قريش وان يصل الرسول ـ صلى الله
عليه وآله ـ بعد عناء الهجرة الى يثرب،
حيث كان المسلمون هناك بانتظار قدومه المشرق الذي اشرقت به يثرب، فسميت فيما بعد
بالمدينة المنورة، واستقبلته المدينة بالنشيد الخالد لبني النجار:
طلع البدر علينا*** من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا*** ما دعا للّه داع
أيها المبعوث فينا*** جئت بالامر المطاع
جئت شرفت المدينة *** مرحباً يا خير داع
وهكذا تشكل الهجرة في تارخ
الدعوة نقطة التحول الكبرى في مسيرة الاسلام... حتى اصبح تاريخنا الاسلامي يبدأ
منها.
سيرة ابن هشام: ج 2 ص 126.
تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 39.
2 ـ اوصى الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ الامام علي
ـ عليه السلام ـ ان يوصل الامانات
التي كانت بعهدته الى اهلها، وان يلتحق به في الهجرة الى المدينة، ويجلب معه ابنته
فاطمة الزهراء ـ عليها السلام ـ وفاطمة بنت اسد وفاطمة بنت الزبير.
حاولت قريش منع الامام علي
من الهجرة، وطلبت منه اعادة النسوة الى مكة، لكن الامام رفض ذلك، وحاول احد رجال
قريش منعه بالقوة، فضربه الامام ضربة قوية اهوت به الى الارض. وتحدى قريش ان
تمنعه. فواصل طريقه الى يثرب حتى وصلها بسلام، حيث كان الرسول ينتظره بفارغ الصبر
عند قبا وعندما رآه الرسول ـ صلى الله
عليه وآله ـ بكى على ما اصابه من نصب في
طريق هجرته وهكذا بدأت مرحلة جديدة لبناء المجتمع الاسلامي الفريد.
3 ـ اقدم الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ على بناء المسجد المركزي في المدينة المنورة،
وكانت هذه الخطوة بمثابة الخطوة الاولى لارساء دعائم الدولة الاسلامية، فقد صار
المسجد مقر العبادة والقيادة وادارة الاعمال، الى جانب مهمته التعليمية
والتوجيهية. حيث كان الرسول يعلم المسلمين فيه القرآن الكريم واحكام الاسلام وشؤون
الجهاد والسياسة.
4 ـ كان الصحابي الجليل
بلال الحبشي لا ينطق العربية بشكل صحيح، فكان يلفظ الشين سيناً، حيث يقول: (اسهد)
بدل اشهد، ويروي ان الرسول ـ صلى الله
عليه وآله ـ قال بشأنه: (ان سين بلال شين
عند اللّه).
5 ـ من الخطوات الاجتماعية
الهامة التي اقدم عليها الرسول ـ صلى الله
عليه وآله ـ في بداية عهده بالمدينة،
مؤاخاته بين المهاجرين والانصار، من اجل ان يصنع المجتمع الاسلامي المترابط المتين
في علائقه الاجتماعية. وقد آخى النبي ـ
صلى الله عليه وآله ـ في هذا العمل بينه
وبين الامام علي بن ابي طالب ـ عليه
السلام ـ وقال له في هذه المناسبة كما قال
في مناسبات اخرى: (انت مني بمنزلة هارون من موسى، الا انه لا نبي بعدي، وانت اخي
ووارثي).
ينابيع المودة: ص 56، سيرة
ابن هشام: ج 1 ص 507.
معركة بدر
فكان (بئر بدر) البدايه
منطلقاً للفتح والهدايه(1)
اذ أقبلت (قريش) في طغيانِ
تريد ان تثأرَ للاوثانِ
فكانت المعركةُ العظيمه
والعود بالنصرةِ والغنيمه
(حيدرة) كان فتاها البطلا
كم فارس حول (القليب) جدّلا(2)
تعينه ملائكُ السماءِ
في ساعة العسرة والبلاءِ
فنزلت محكمةُ (الانفال)
ترسم درب النور للاجيالِ
(فبدرُ) كانت منهج المسيرِ
لامة تصبو الى التغييرِ
فمنيت (قريش) بالهزيمه
حاملةً احقادها القديمه
تاركةً وراءها الاشلاءا
تملأُ من دماءها الصحراءا
وخاطب الرسول تلك القتلى
هل كان وعدُ الله فيكم عدلا؟
اني وجدتُ الوعد حقاً حقا
اذ قال لي ربي قولاً صدقا
وقال للاسرى تعالوا علّموا
عشراً من الرجال حتى تسلموا(2)
واندحرت (قريش) وهي باكيه
حيث غدت في كل بيت ناعيه
__________________________
1 ـ حدثت معركة بدر في
السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، قرب بئر بدر، بين مكة والمدينة
حينما نزل قوله تعالى: (أُذن للذينَ يقاتلونَ بأنهم ظُلِموا وانَّ الله على نصرهِم
لقدير...) الحج آية 39. وقد كان للامداد الالهي لجيش المسلمين، اثره الكبير في
النصر على قريش التي فقدت هيبتها وجبروتها، وخسرت بعضاً من رجالها وقادتها
المعاندين وعلى رأسهم شيبة وعتبة والوليد وابو جهل وامية بن خلف وغيرهم.
وقد اطلق القرآن الكريم على
هذا اليوم يوم الفرقان، لانه قد حدث الحسم العسكري الكبير لصالح الرسالة الاسلامية
وقد نزلت سورة الانفال في اثناء المعركة وبعدها.
2 ـ كان للامام علي ـ عليه السلام
ـ الحضور الفاعل والمؤثر في معركة بدر، حيث قتل نصف عدد قتلى قريش، وضرب
المثل الاعلى في الشجاعة والاقدام والتضحية من اجل الرسالة والرسول.
2 ـ كان من مظاهر اهتمام
الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ بالعلم ان اعلن ان كل اسير من اسرى قريش يطلق
من اسره اذا قام بتعليم عشرة من ابناء المسلمين القراءة والكتابة.
معركة احد
ثم تجمّعت بعيدَ عامِ
للثأر من رسالة الاسلامِ
فحشّدت جموعها الغفيره
تحسبُ هذي الجولة الاخيره
فكان ذيّاك اللقا في (أُحدِ)
ما بين جمع جاحد ومهتدِ(1)
اذ أمر الرسولُ بعض الصحبِ
ان لا يغادروا مكان الحربِ
في جبل يكمن حوله العدى
خوفاً على اُمته من الردى
لكنهم قد خالفوا (النبيا)
وآثروا الاموال والحُليّا
من بعد ان لاح بريق النصرِ
واوشكت هزيمة للكفرِ
اذ صال (خالد) على جيش الهدى
وصبَّ من احقاده السودِ الردى
فصيح فيهم قتل الرسولُ
خديعةً صدّقها المخذولُ
لكنه وهو (ابنُ عبد المطلب)
صاح بهم انا النبيُّ لا كذب
حين غدا الاصحاب بانهزامِ
وتُركَ الرسول دون حامِ
سوى عصابة من الابطال
قد ثبتوا في موقف الرجالِ
اولُهم (علي) الشجاعُ
ومن به يحتدم الصراعُ
وثلّة من افضلِ الاخيار
مثلُ (ابي دُجانةِ) الانصاريّ
وجُرح النبيُّ في جبهته
وسالت الدما على لحيته
واستشهد (الحمزةُ) في سبعين
من خيرة الرجال والبنينِ
فاستعبر النبيُّ حزناً وبكى
وهزّ دمعه السخينُ الفلكا
حيث دعا الى البكا عليه
فهو عظيم قدرهُ لديه
وكان ذاك اليوم درساً قاسيا
اذ عرفوا مطيعهم والعاصيا
ورجع الرسول للمدينه
يبني اصول الدولةِ الرصينه
فشرع الحلال والحرامُ
والخمسُ والزكاةُ والصيامُ
__________________________
1 ـ تعد معركة احد، تجربة هامة في مسيرة الرسالة،
فقد تعرض المسلمون لخسارة كبيرة، وخسروا عدداً من الصحابة الاجلاء امثال حمزة عم
الرسول، ومصعب بن عمير، وفرّ جماعة من الصحابة من المعركة، وتركوا الرسول في خطر،
وقد بذل الامام علي ـ عليه السلام ـ جهوده الشجاعة وحال دون وصول المشركين الى
الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ ومعه ثلة قليلة امثال ابي دُجانة وكان سبب
هذا التدهور العسكري عدم التزام جماعة من جيش المسلمين بقرارات الرسول، واستعجلوا
الامور واغرتهم الغنائم، وكان خالد بن الوليد، ينتظر مثل هذه اللحظة، فقام بحركة
التفاف على جيش المسلمين من المؤخرة، وتغيرت كفة الحرب لصالح قريش حتى انه جرح
رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله ـ وشاع في المعركة ان الرسول قد قُتل فنزل قوله
تعالى (وما محمد الا رسول قد خلت من قبلهِ الرسلُ أفأين ماتَ أو قُتلَ انقلبتُم
على أعقابكُم ومن ينقلِب على عقبيهِ فلن يضرَّ الله شيئاً وسيجزِي الله
الشاكرينَ...) (آل عمران آية 144) وكانت معركة احد درساً قاسياً للمسلمين
واختباراً لايمانهم وطاعتهم للرسول والرسالة.
بعد معركة احد توجه
الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ الى بناء الامة وتعليمها الاحكام والقوانين
الاسلامية فشرعت احكام الخمس وغيره من الاحكام الشرعية الفرعية.
معركة الخندق
اذ ذاك جاء الخبر الاكيدُ
تجمّعت قريش واليهودُ
خلفهما الاعراب والاحلافُ
والهمج الرعاع والاجلافُ
يبغون هدم معقلِ الرساله
بقتلهم (محمداً) وآله(1)
فكان حفر خندق الامانِ
بفكرة عصماء من (سلمانِ)
عرّفه نبينا للامه
(سلمان منا اهل بيتِ الرحمه)
فوقعت معركة (الاحزابِ)
مخيفةً لاشجع الاصحابِ
الا علياً ابن (شيب الحمد)
مشى (لعمر بن عبدودِّ)
عاجله الضرب بذي (الفقارِ)
وهو لعمري عيبة الاسرارِ
فضربة عند ابي (الحسين)
قد عدلت عبادة الثقلينِ
فصيح لا سيف سوى السيف الجليّ