وقاية الأذهان/7
الجزء الأول تقديم:
بقلم حفيد المصنّف آية اللّه الحاج الشيخ مهدي مجد الإسلام النجفي.
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة على محمد و آله الطاهرين.
أمّا بعد، فإنّ علم أصول الفقه يعدّ من مقدّمات الاستنباط.
و قال المحقق الخراسانيّ في تعريفه: «صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام، أو التي ينتهى إليها في
مقام العمل»«».
الأصول و الأدوار التي مرّ بها هذا العلم عند الشيعة الإمامية تنقسم أدواره إلى خمسة:
1 - العصر التأسيسي:
لقد ألقى الإمامان محمد بن علي الباقر، و ابنه جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام، على تلاميذهما قواعد علم الأصول و طرق
الاستنباط، فهذان الإمامان يعدّان هما المبتكران و المؤسّسان لعلم الأصول، و جاء من بعدهما تلاميذهما و رواة أحاديثهما، فعنهما
أخذوا، و من أنوارهما
وقاية الأذهان/8
اقتبسوا.
و أنت تجد بعض هذه القواعد الأصولية في رواياتهم الكثيرة الوفيرة المبثوثة في مطاوي كتب الأخبار، و مجاميع الأحاديث«»، و هذه
شواهد تاريخيّة على ذلك حيث تكشف عن وجود بذرة التفكير الأصولي عندهم.
و إذا نظرنا نظرة فاحصة نجد أنّ أوّل من صنّف في الأصول هو هشام ابن الحكم، و هو من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، إذ صنّف
كتاب الألفاظ و مباحثها، كما صرّح به ابن النديم في الفهرست«».
و جاء من بعده يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين، صنّف كتاب اختلاف الحديث و مسائله عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما
السلام، و هو مبحث تعارض الحديثين، كما ذكره الشيخ في الفهرست«»، و السيد الصدر في تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام«».
2 - العصر التمهيدي:
و هو - كما قيل - عصر وضع البذور الأساسية لعلم الأصول«»، و استمرّ على نحو قرنين من الزمن، ابتداء من عصر الغيبة سنة 260 ه إلى
زمن الشيخ الطوسي (ت 460 ه).
و من مختصّات هذا الدور التأليف و التصنيف و شرح الأحاديث الواردة عن الأئمّة عليهم السلام في المقام، و الشيخ رحمه اللّه هو الحلقة
الوسطى في هذا الدور و الّذي يليه، و من أعلام هذه الفترة:
الحسن بن موسى النوبختي، ذكره ابن النديم في الفهرست، و قال: متكلم
وقاية الأذهان/9
فيلسوف«».
و قال النجاشي: شيخنا المتكلّم المبرز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة و بعدها، له على الأوائل كتب كثيرة، منها:..... كتاب
الخصوص و العموم..... كتاب في خبر الواحد و العمل به«».
و منهم: محمد بن أحمد بن الجنيد، أبو علي الكاتب الإسكافي (ت 381 ه).
قال النجاشي: وجه في أصحابنا، ثقة، جليل القدر، و له... كتاب كشف التمويه و الإلباس على أغمار الشيعة في أمر القياس«».
و منهم: أبو منصور الصرام النيشابوري المتكلّم المشهور صاحب كتاب بيان الدين في الأصول، و له كتاب في إبطال القياس، ذكره
الشيخ في الفهرست«»، و السيد الصدر في التأسيس«».
و منهم: محمد بن أحمد بن داود بن علي، أبو الحسن (ت 361 ه).
قال النجاشي: شيخ هذه الطائفة و عالمها، و شيخ القميّين في وقته و فقيههم.... صنّف كتبا... كتاب الحديثين المختلفين«»، و هو مبحث
التعارض في الأصول.
و منهم: أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن النعمان، الشيخ المفيد (ت 413 ه).
قال النجاشي: شيخنا و أستاذنا - رضي اللّه عنه - فضله أشهر من أن يوصف في الفقه، و الكلام، و الرواية، و الثقة، و العلم، له كتب:.....
كتاب أصول
وقاية الأذهان/10
الفقه«».
و قال عنه السيد الصدر: تام المباحث مع صغر حجمه، و قد رواه - قراءة - عنه الشيخ أبو الفتح الكراجكي، و أدرجه بتمامه في كتابه كنز
الفوائد«».
و منهم: السيد المرتضى علي بن الحسين الموسوي، علم الهدى (ت 436 ه).
قال النجاشي: حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه... صنّف كتبا منها:... كتاب الخلاف في أصول الفقه.. كتاب الذريعة ]إلى أصول
الشريعة [__.
قال السيد الصدر: كان هذا الكتاب (الذريعة) هو المرجع الوحيد في هذا العلم، و الّذي يقرؤه الناس إلى زمان المحقّق نجم الدين الحلّي،
فلمّا صنّف المعارج و كان كتابه سهل العبارة و المأخذ عكفت الطلبة عليه«».
3 - عصر العلم،
و هو - كما قيل -: العصر الّذي اختمرت فيه تلك البذور، و أثمرت و تحددت معالم الفكر الأصولي، و انعكست على مجالات البحث
الفقهي في نطاق واسع«».
و يعدّ ابتداء هذا العصر من قبل وفاة رائده الشيخ الطوسي في عام 460 ه، و استمرّ إلى زمن أستاذ الكلّ الوحيد البهبهاني (رضي اللّه
عنه)، و من أعلام هذا العصر:
الشيخ الطوسي صاحب عدّة الأصول، و الشيخ سديد الدين محمود الحمصي الرازي، و نجم الدين المحقق الحلّي (ت 676 ه) صاحب معارج
وقاية الأذهان/11
الأصول، و ابن أخته آية اللّه العلاّمة جمال الدين الحلّي (ت 726 ه) صاحب النهاية، و تهذيب الأصول، و المبادئ، و شرح غاية الوصول في
علم الأصول، و غيرها.
و الشهيد الأول الّذي استشهد (عام 786 ه) و الشهيد الثاني الّذي استشهد (عام 966 ه).
و في أواخر هذه الدورة اشتدّ اختلاف الأخباريين مع الأصوليّين، و برزت شخصيّات علميّة أخباريّة كبيرة كان لها دورها حينئذ. و يعدّ
ابتداء هذا العصر من أواسط القرن الخامس إلى أواخر القرن الثاني عشر.
4 - عصر الكمال العلمي،
و ابتداؤه على يد الوحيد البهبهاني رحمه اللّه إلى زمن تلاميذ المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه إذ استمرت - تقريبا - قرنين من الزمان.
و من مختصات هذا العصر غلبة الأصوليّين على الأخباريّين على يد رائد هذه المدرسة و هو الوحيد البهبهاني (ت 1206 ه) صاحب رسالة
الاجتهاد و الأخبار، و من أعلام هذا الدور:
السيد مهدي الطباطبائي بحر العلوم (ت 1212 ه).
و جدّنا من طريق الأم الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت 1228 ه).
و الميرزا أبو القاسم القمي صاحب القوانين (ت 1231 ه).
و جدّنا العلاّمة التقي الشيخ محمد تقي الأصفهانيّ (ت 1248 ه) صاحب الهداية.
و شريف العلماء المازندراني (ت 1245 ه) و عمّنا الأكرم الشيخ محمد حسين الأصفهانيّ (ت 1216 ه) صاحب الفصول، و الشيخ الأعظم
الأنصاري (ت 1281 ه) و المحقق الخراسانيّ (ت 1329 ه) و من بعده تلاميذه المشهورون، منهم:
وقاية الأذهان/12
جدّنا أبو المجد الشيخ محمد رضا النجفي الأصفهانيّ (ت 1362 ه) صاحب الوقاية، و المحقق الأصفهانيّ صاحب نهاية الدراية (ت 1361 ه)
و المحقق العراقي (ت 1361 ه) صاحب مقالات الأصول، و صاحب التقريرات المشهورة المحقق النائيني (ت 1355 ه).
5 - عصر التهذيب و التلخيص و التبويب.
صار اليوم علم الأصول علما واسعا جدّاً بحيث كاد أن يهلك طالبه فيه، و له أبحاث ليس فيها ثمرة عمليّة في علم الفقه ككثير من مقدّماته
و تعريفاته، فعلى الأصولي - اليوم - تهذيب علم الأصول من الزوائد، و على طالب علم الأصول أن ينظر إلى الأصول بعنوان علم آلي لا
غير، شأنه آليته، و هي إيصال الطالب إلى الاستنباط و عونه عليه.
و لعلّ بذور هذه الدورة انتشرت من العلاّمة السيد محمد الفشاركي الأصفهانيّ (1253 - 1316) المدرّس أوّلا بسامرّاء، و ثانيا في النجف
الأشرف، ثم من تلميذيه، و هما جدّنا العلاّمة صاحب الوقاية (1287 - 1362) و العلاّمة المؤسّس الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي
(1276 - 1355) صاحب درر الفوائد، و تبعهم في ذلك بعض أعلام العصر، منهم: فقيد الإسلام الحاج آغا حسين الطباطبائي البروجردي
(قدس سره) في تقريراته - المسماة ب - نهاية الأصول.
و العلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي رحمه اللّه صاحب الميزان في حاشيته على الكفاية.
و العلاّمة الشيخ محمد رضا المظفّر في كتابه أصول الفقه الرائج في الحوزات العلميّة بين الطلبة.
و العلاّمة الشهيد السيد محمد باقر الصدر في المعالم الجديدة و حلقاته الأصولية.
وقاية الأذهان/13
و العلاّمة السيد محمد الطهراني الشهير بالعصار في (بركات الرضوية في تلخيص الأصول عن الزوائد و الفضول).
و الشيخ غلام حسين التبريزي نزيل خراسان في (أصول مهذبة).
و الإمام السيد روح اللّه الموسوي الخميني في تقريراته المسمّاة ب (تهذيب الأصول).
أثمرت تلك البذور من أواسط القرن الرابع عشر، و تدوم إلى الآن، و تؤتي أكلها كلّ حين.
هذه الأدوار الأصولية عند الإمامية على سبيل الاختصار و الإجمال، و التفصيل يطلب من محلّه.
تنبيه:
قال السيوطي في الأوائل: أوّل من صنّف في أصول الفقه الشافعي بالإجماع.
أقول: إن أراد السيوطي أوّل من صنّف في الأصول مطلقا من الخاصّة و العامّة، فهو مردود بقول العلاّمة الصدر في تأسيس الشيعة حيث
يقول:
و حينئذ فقول الجلال السيوطي في كتاب الأوائل: أول من صنّف في أصول الفقه الشافعي بالإجماع، في غير محلّه إن أراد التأسيس و
الابتكار - كما مرّ في عصر التأسيس -.
و إن أراد المعنى المتعارف من التصنيف، فقد تقدّم على الإمام الشافعي في التأليف فيه هشام بن الحكم - المتكلّم المعروف - من
أصحاب أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام«».
وقاية الأذهان/14
و إن أراد أول من صنّف من العامة فقط فهو أيضا محلّ ترديد.
قال الأستاذ الفقيد محمود الشهابي الخراسانيّ في ذيل قول السيوطي:
و لكني لست على يقين من ذلك، بل المحتمل عندي أن يكون أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم - و هو أول من لقّب ب (قاضي القضاة) -
سابقا على الشافعي بتأليف الأصول لأن القاضي توفي سنة (182 ه ق) و الشافعي مات في سنة (204 ه ق) و قد قال ابن خلّكان في
ترجمته: إنّ أبا يوسف أوّل من صنّف في أصول الفقه وفق مذهب أستاذه أبي حنيفة.
و هكذا يحتمل جدّاً أن يكون محمد بن الحسن الشيباني - فقيه العراق الّذي لمّا مات هو و الكسائي في يوم واحد ب (الري) و كانا ملازمين
للرشيد في سفره إلى خراسان، قال الرشيد في حقّه: دفنت الفقه و الأدب ب (رنبويه) - مقدّما على الشافعي في تأليف الأصول، لأنّ
الشيباني توفّي سنة (182 - أو - 189 ه ق) و قد صرّح ابن النديم في الفهرست بأن الشيباني من مؤلّفاته الكثيرة تأليفا يسمّى ب (أصول
الفقه) و تأليفا سمّاه (كتاب الاستحسان) و آخر باسم (كتاب اجتهاد الرّأي).
على أنّ الشافعي - بتصريح من ابن النديم - لازم الشيباني سنة كاملة، و استنسخ في المدّة لنفسه من كتب الشيباني ما استحسن، و قد
أذعن الشافعي نفسه بذلك و أعلن، فقال من غير نكير: كتبت من كتب الشيباني حمل بعير، و كيف كان، فإن لم يحصل اليقين بتقدّم
القاضي و الشيباني على الشافعي في التأليف فلا أقلّ من أن لا يحصل لنا يقين بتقدّمه عليهما، فالحكم الباتّ بكون الشافعي أوّل من صنّف
في أصول الفقه كما ترى«». انتهى.
وقاية الأذهان/15
بين يدي الوقاية
قال العلاّمة الطهراني في تعريف الوقاية: «... وقاية الأذهان و الألباب و لباب أصول السنّة و الكتاب، في أصول الفقه، كبير جدّاً، في غاية
الحسن و بداعة الأسلوب و رشاقة البيان، و الحق أنّه أدخل في تأليف هذا الكتاب على علم الأصول نوعا من التجدّد في التبويب و
التهذيب و النمط»«».
أقول: صنّف العلاّمة الجدّ، الوقاية ما بين عشر الثلاثين إلى عشر الخمسين من القرن الرابع عشر، و طبع في ذاك الزمان أجزاء منها ببلدة
أصبهان.
و للوقاية مختصّات
نشير إلى جملة منها، و الباقي مفوّض إلى القارئ الفطن.
الأوّل:
لمّا كان مصنّفها أديبا كبيرا، صارت مباحث ألفاظها مشحونة بالتحقيقات و التدقيقات التي لم تجدها في كثير من الكتب الأصولية، و
للمصنّف فيها إبداعات و متفرّدات حيث انه جعل رسالة مستقلّة في مقدمات الأصول و هي: سمطا اللئال - أو - جليّة الحال في مسألتي
الوضع و الاستعمال.
و من متفرداته: جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد.
قال مخاطبا لأستاذه صاحب الكفاية: و قد ذكر هذا الأستاذ في بعض كلامه: إنه لا يمكن استعمال اللفظ في معنيين إلاّ إذا كان المستعمل
أحول العينين، و ما هذا إلاّ خطابة حسنة، و لكن أحسن منها أن يقال: إنّه يكفي في ذلك أن لا يكون ذا عين واحدة، فإذا كان ذا عينين
أمكنه استعمال العين في معنيين«».
و لمّا بلغ ذلك المحقق العراقي، قال في مقالاته الأصولية: «ثم إن بعض أعاظم العصر بالغ في جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى
واحد، و استشهد
وقاية الأذهان/16
بأبيات و عبارات من القصص و الحكايات على مدّعاه، و ذلك ليس إلاّ من جهة خلط المبحث...»«».
و أجاب عنه المصنّف العلاّمة في رسالة مفردة سمّاها ب (إماطة الغين عن استعمال العين في معنيين)«».
و أرسل المصنّف نسخة منها إلى المحقق العراقي، و نسخة أخرى إلى بيت صاحبه العلاّمة المؤسّس الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي،
حيث وافاه الأجل قبل تصنيف الرسالة بأربع سنين، و نسختها موجودة عند العلاّمة الفقيد الشيخ مرتضى الحائري حيث رآها العلاّمة
السيد موسى الشبيري الزنجاني - مدّ ظله - كما ذكره لي، و النسخة التي بخط المصنّف موجودة عندنا بتمامها، فرغ منها سابع عشر
شهر شعبان سنة 1359 ه ق، و قد طبعت في ختام رسالة في الوضع و الاستعمال«» للعلاّمة الشيخ محمد حسن القديري من غير تعرض
لاسمها، و نقلها من خط والده العلاّمة الشيخ علي القديري من أعلام تلاميذ المصنّف و يحدّثنا المصنّف عن علّة تأليفها:.... و الّذي دعاني
إلى تجديد القول أنّ عالم العصر و علاّمة الزمان و العلم المشار إليه في العلمين و غيرهما بالبنان، الراقي مدارج العلم أعلى المراقي
صاحبي الشيخ ضياء الدين العراقي دام فضله، شرّفني بنقل مقالتي في كتاب المقالات، و قال ما نصّه: «ثم إنّ بعض أعاظم العصر... و هذا
حكومة بيني و بين المانعين».
و قبل هذا القول - جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد - المؤسّس الحائري حيث قال في درره ما نصّه: «اختلف في جواز .
استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد... على أقوال لا يهمّنا ذكرها بعد ما تطّلع على ما هو الحق