المقدمة
حياة الرازي
هو محمد بن عمر بن الحسين بن علي القرشي التيمي البكري الطبرستاني، ابن خطيب الري
المشهور بفخر الدين الرازي(1) .
ولد في شهر رمضان من عام (544 هـ)(2) في مدينة الري واليها نسبته بالرازي.
كان ربع القامة، عبل الجسم، كث اللحية، جهوري الصوت، صاحب وقار وحشمة، له ثروة
ومماليك وبزة حسنة وهيئة جميلة.
كان فريد عصره ومتكلم زمانه جمع كثيراً من العلوم ونبغ فيها، فكان اماماً في
التفسير والكلام والعلوم العقلية وعلوم اللغة، ولقد اكسبه نبوغه العلمي شهرة عظيمة،
فكان العلماء يقصدونه من البلاد ويشدون اليه الرحال من مختلف الاقطار.
اخذ العلم عن والده ضياء الدين وعن الكمال السمعاني والمجد الجيلي وغيرهم من
العلماء الذين عاصرهم ولقيهم، والى جانب شهرته العلمية فقد اشتهر بالوعظ حتى قيل
انه كان يعظ باللسان العربي واللسان العجمي(3).
وكان يلحقه الوجد في حال الوعظ ويكثر البكاء فيبكي سامعوه كثيراً من شدة وقع مواعظه
في قلوبهم وسحرها في افئدتهم.
ورغم ان الحقبة التي ولد فيها الفخر الرازي كانت قلقة سياسياً، الا انها شهدت
نشاطاً علمياً كبيراً. ففي القرن السادس الهجري كانت البلاد الفارسية تعيش حركة
علمية متطورة، حيث تنوعت العلوم وكثرت التصانيف في شتى الفنون. ولعل اهم تراث
اسلامي ظهر وفرة وجودة كان في ذلك العصر. فلقد ازدهرت العلوم الرياضية والطبيعية
والفلسفية والكلامية وغيرها من العلوم التي اتصل بها الرازي وكوّن شخصيته الثقافية
من خلال الاحتكاك بها(4).
ولقد انعكست هذه الحركة العلمية على تفكير الفخر الرازي ومنهجه، وكانت واضحة في
نتاجه العلمي الذي اتسم بالموسوعية والتنوع المعرفي.
ترك الرازي مسقط رأسه، وقام بجولة في بلاد ما وراء النهر. فذهب الى بخارى وسمرقند
وغزنة وبلاد الهند. ويبدو انه لم يستقر في هذه المناطق نتيجة المناظرات التي كان
يعقدها مع علمائها، وما يترتب عليها من آثار تحول دون استقراره على الصعيد
الاجتماعي.
وقد بدأ الرازي بعد رحلته هذه بالاتصال بالسلاطين والحكام، فقد اتصل بالسلطان بهاء
الدّين سام ثم ذهب الى خاله غياث الدّين، وبعد ذلك اتصل بسلطان غزنة، ثمّ بالسلطان
الكبير خوارزم شاه ونال منه اسمى المراتب واقام بهراة وتملك بها ملكاً وأولد
اولاداً(5). وصفه ابن العبري بقوله: كان يركب وحوله السيوف المجذبة وله المماليك
الكثيرة والمرتبة العالية والمنزلة الرفيعة عند السلاطين الخوارزمشاهية. وسارت
مصنفاته في الاقطار
___________________________
1 ـ ابن كثير، البداية والنهاية ج 13، ص 55.
2 ـ السيوطي، طبقات المفسرين ص 39.
3 ـ د. محمد حسن الذهبي، التفسير والمفسرون ج1، ص 290.
4 ـ د. عبد العزيز المجدوب، الامام الحكيم فخر الدّين الرازي ص 29.
5 ـ محسن عبد الحميد، الرازي مفسراً ص 15.
واشتغل بها الفقهاء(1).
خاض الرازي في المرحلة الاخيرة من حياته صراعاً فكرياً محتدماً مع الكرامية، وهم
اتباع محمد بن كرام السجستاني، وهم الذين يبالغون في اثبات الصفات الى حد التشبيه،
وقد عدهم الاشعري وابن حزم من المرجئة لقولهم: الايمان هو الاقرار والتصديق باللسان
دون القلب.
وقد كان الكرامية يتّهمونه باشنع التّهم، مما جعل بعض الباحثين والمؤرخين يشككون في
موته متهمين الكرامية بأنهم دسوا اليه السّم، مستدلين برأيهم هذا على ما اوصى به
الرازي في وصيته باخفاء قبره، لكننا لا نرى لهذه التّهمة دليلاً قاطعاً يُطمأنّ
اليه.
توفيِّ الامام فخر الدين الرازي سنة (606 هـ) في مدينة هراة وترك وصية شهيرة
اوردتها الكثير من المصادر التاريخية، نوردها بنصها لاهميتها:
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول العبد الراجي رحمة ربه، الواثق بكرم مولاه، محمد بن عمر بن الحسين الرازي، وهو
في آخر عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة، وهو الوقت الذي يلين فيه كل قاس، ويتوجه
الى مولاه كل آبق.
إني احمد الله تعالى بالمحامد التي ذكرها اعظم ملائكته في اشرف اوقات معارجهم، ونطق
بها اعظم انبيائه في اكمل اوقات مشاهدهم، بل اقول: كل ذلك من نتائج الحدوث
والامكان.
واحمده بالمحامد التي تستحقها الوهيته، ويستوجبها لكمال الموهبة، عرفتها او لم
اعرفها لانه لا مناسبة للتراب مع جلال رب الارباب.
واصلي على الملائكة المقربين والانبياء المرسلين وجميع عباد الله الصالحين.
ثم اقول بعد ذلك: اعلموا اخواني في الدين، واخواني في طلب اليقين، ان الناس يقولون:
الانسان اذا مات انقطع تعلقه عن الخلق، وهذا العالم مخصوص من وجهين:
الاول: ان بقي منه عمل صالح صار ذلك سبباً للدعاء، والدعاء له اثر عند الله.
والثاني: ما يتعلق بمصالح الاطفال والاولاد والعورات واداء المظالم والجنايات.
اما الاول: فاعلموا اني كنت رجلاً محباً للعلم، فكنت اكتب في كل شيء شيئاً لا اقف
على كميته وكيفيته، سواء كان حقاً او باطلاً، او غثاً او سميناً، الا ان الذي نظرته
في الكتب المعتبرة لي: ان هذا العالم المحسوس تحت تدبير مدبر منزه عن مماثلة
المتحيزات والاعراض، وموصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة.
ولقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة
التي وجدتها في القرآن العظيم، لانه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله
تعالى، ويمنع عن التعمق في ايراد المعارضات والمناقضات، وما ذاك إلا للعلم بأن
العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة، والمناهج الخفية.
فلهذا اقول: كل ما يثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده ووحدته وبراءته عن الشركاء
في القدم والازلية، والتدبير والفعالية، فذاك هو الذي اقول به، وألقى الله تعالى
عليه.
واما ما انتهى الامر فيه الى الدقة والغموض، فكل ما ورد في القرآن والاخبار الصحيحة
المتفق عليها بين الائمة المتبعين للمعنى الواحد فهو كما هو، والذي لم يكن كذلك
اقول: يا إله العالمين اني ارى الخلق مطبقين على انك اكرم الاكرمين وارحم الراحمين.
___________________________
1 ـ ابن البصري، تاريخ مختصر الدول ص 240.
ذلك ما مر به قلمي، او خطر ببالي فاستشهد علمك واقول: ان علمت مني اني ما سعيت إلا
في تقرير ما اعتقدت انه هو الحق وتصورته انه الصدق، فلتكن رحمتك مع قصدي لا مع
حاصلي، فذاك جهد المقل وانت اكرم من ان تضايق الضعيف الواقع في الزلة، فاغثني
وارحمني واستر زلتي وامح حوبتي يا من لا يزيد ملكه عرفان العارفين، ولا ينتقص بخطأ
المجرمين.
واقول: ديني متابعة سنة محمد سيد المرسلين، وكتابي هو القرآن الكريم، وتعويلي في
طلب الدين عليهما، اللهم يا سامع الاصوات ويا مجيب الدعوات، ويا مقيل العثرات ويا
راحم العبرات، ويا قيام المحدثات والممكنات، انا كنت حسن الظن بك، عظيم الرجاء في
رحمتك، وانت قلت: انا عند ظن عبدي وانت قلت: (أمن يجيبُ المضطر اذا دعاه) وانت قلت
: ( واذا سألك عبادي عني فاني قريب) فهب اني ما جئت بشيء فأنت الغني الكريم، وانا
المحتاج اللئيم. واعلم انه ليس لي احد سواك، ولا احد محسناً سواك، وانا معترف
بالزلة والقصور، والعيب والفتور، فلا تخيب رجائي، ولا ترد دعائي، واجعلني آمناً من
عقابك قبل الموت وعند الموت وبعد الموت، وسهّل عليّ سكرات الموت، وخفف عني نزول
الموت، ولا تضيق عليّ بسبب الآلام والاسقام فأنت ارحم الراحمين.
واما الكتب العلمية التي صنفتها او استكثرت من ايراد السؤالات على المتقدمين فيها،
فمن نظر في شيء منها، فان طابت له تلك السؤالات فليذكرني في صالح دعائه على سبيل
التفضل والانعام، والا فليحذف القول السيء فاني ما اردت الا تكثير البحث، وتشحيذ
الخاطر، والاعتماد في الكل على الله تعالى.
واما المهم الثاني وهو اصلاح امر الاطفال والعورات، فالاعتماد فيه على الله تعالى
ثم على نائب الله محمد(1)، اللهم اجعله قرين محمد الاكبر في الدين والعلو. الا ان
السلطان الاعظم لا يمكنه ان يشتغل باصلاح مهمات الاطفال، فرأيت الاولى ان افوض
وصاية اولادي الى فلان وامرته بتقوى الله تعالى (فإن الله مع الذين اتّقوا والذين
هُم مُحسِنون).
واوصيه ثم اوصيه ثم اوصيه بأن يبالغ في تربية ولدي ابي بكر فان آثار الذكاء والفطنة
ظاهرة عليه ولعل الله تعالى يوصله الى خير.
وامرته وامرت كل تلامذتي وكل من لي عليه حق، اني اذا مت، يبالغون في اخفاء موتي ولا
يخبرون احداً به، ويكفنونني ويدفنونني على شرط الشرع، ويحملونني الى الجبل المصاقب
لقرية مزداخان (فرداخان) ويدفنونني هناك، واذا وضعوني في اللحد، قرأوا عليّ ما
قدروا عليه من آيات القرآن، ثم ينثرون التراب عليّ وبعد الاتمام يقولون، يا كريم
جاءك الفقير المحتاج فأحسن اليه، واعطف عليه، فأنت اكرم الاكرمين وانت ارحم
الراحمين وانت الفعال به وبغيره ما تشاء فافعل به ما انت اهله، فأنت اهل التقوى
واهل المغفرة.
وهذا منتهى وصيتي في هذا الباب، والله تعالى الفعال لما يشاء وهو على ما يشاء قدير
وبالاحسان جدير.
وهذه الوصيّة استكتبها الامام الرازي في الحادي والعشرين من شهر المحرم سنة 606
هجرية.
وفاة الرازي
توفي الامام فخر الدين الرازي بهراة في يوم الاثنين اول شوال من سنة ست وستمائة
للهجرة كذا قال السبكي، وقال القفطي: انه توفي في ذي الحجة من هذه السنة وقد قيل
انه مات مسموماً وان الفرق التي كان يناظرها قد دست له من سقاه السم قال القفطي:
«وكان يطعن على الكرامية ويبين خطأهم فقيل: انهم توصلوا الى اطعامه السم فهلك وقد
تقدم ان موته بالسم رأي غير مؤكد لانه لم يثبت بدليل يعوّل عليه».
___________________________
1 ـ يريد به السلطان علاء الدين خوارزم شاه.
تراث الرازي
يُعد الفخر الرازي من علماء الاسلام القلة ذوي الانتاج العلمي الضخم، فلقد ترك
عدداً كبيراً من المؤلفات والرسائل في حقول المعرفة المختلفة، كالفقه والتفسير
والفلسفة والكلام والفلك والطب والكيمياء والتاريخ والبيان واللغة وغيرها من العلوم
والاختصاصات مما يشير الى سعة دائرة معلوماته وموسوعية ثقافته، اضافة الى قدرته
العالية على الكتابة والتأليف، غير ان كتبه لم تصل الينا كلها، فلقد فُقد عدد منها
ضمن ما فقد من كتب التراث الاسلامي بفعل عوامل عديدة; وقد اختلف المهتمون بالتراجم
وجمع التراث الاسلامي وكذلك الذين درسوا حياة الرازي في تعداد كتبه; فقد جعلها
البعض ستة وسبعين كتاباً(1) في حين بلغ بها البعض الى مائتي كتاب(2).