بعدي

 


هذا الكتاب الإلكتروني من منشورات شبكة الكوثر الإسلامية في الإنترنت
www.al-kawthar.com/maktaba
 
بسمه تعالى
 
                                        
/ صفحة 1 /
تفسير جوامع الجامع للمفسر الكبير والمحقق النحرير الشيخ ابي علي الفضل بن الحسن الطبرسي قدس سره من اعلام القرن السادس الهجري الجزء الثاني تحقيق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

/ صفحة 2 /
شابك 5 - 158 - 470 - 964 5 - 158 - 470 - ISBN 964 جوامع الجامع ج 2 تأليف : المفسر الكبير الشيخ الفضل بن الحسن الطبرسي قدس سره تحقيق ونشر : مؤسسة النشر الاسلامي الموضوع : التفسير عدد الاجزاء : 3 أجزاء الطبعة : الاولى المطبوع : 2000 نسخة التاريخ : 1420 ه‍ مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

/ صفحة 3 /
سورة الأنفال مدنية ( 1 ) ، وهي ست وسبعون آية بصري ، خمس كوفي ، * ( ثم يغلبون ) * ( 2 ) و * ( مفعولا ) * ( 3 ) الأول بصري ، * ( بنصره وبالمؤمنين ) * ( 4 ) كوفي . في خبر أبي : " ومن قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له وشاهد له يوم القيامة أنه برئ من النفاق ، وأعطي من الأجر بعدد كل منافق ومنافقة في دار الدنيا عشر حسنات ، ومحي عنه عشر سيئات ، ورفع له عشر درجات ، وكان العرش وحملته يصلون عليه أيام حياته في دار الدنيا " ( 5 ) . قال الصادق ( عليه السلام ) : " من قرأهما في كل شهر لم يدخله نفاق أبدا ، وكان من شيعة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حقا ، ويأكل يوم القيامة من موائد الجنة معهم حتى يفرغ الناس من الحساب " ( 6 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) قال الشيخ في التبيان : ج 5 ص 71 : هذه السورة مدنية في قول قتادة وابن عباس ومجاهد وعثمان وقال : هي أول ما نزل على النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالمدينة ، وحكي عن ابن عباس : أنها مدنية إلا سبع آيات : أولها * ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ) * الى آخر سبع آيات بعدها ، وهي خمس وسبعون آية في الكوفي ، وسبع وسبعون آية في الشامي ، وست وسبعون في المدنيين والبصري . وفي الكشاف : ج 2 ص 193 : انها نزلت بعد البقرة .
( 2 ) الآية : 36 .
( 3 ) الآية : 42 .
( 4 ) الآية : 62 .
( 5 ) رواه الزمخشري في الكشاف : ج 2 ص 240 مرسلا .
( 6 ) ثواب الأعمال : ص 132 الى قوله : " أمير المؤمنين ( عليه السلام ) " ، تفسير العياشي : ج 2 ص 46 ح 1 . ( * )

/ صفحة 4 /
بسم الله الرحمن الرحيم * ( يسلونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ( 1 ) ) * قرأ ابن مسعود وعلي بن الحسين زين العابدين والباقر والصادق ( عليهم السلام ) : " يسئلونك الانفال " ( 1 ) ، وهذه القراءة مؤدية للسبب في القراءة الأخرى التي هي * ( عن الانفال ) * وذلك أنهم إنما سألوه عنها استعلاما لحالها ، هل يسوغ طلبها ؟ وفي القراءة ( 2 ) بالنصب تصريح بطلبها ، وبيان عن الغرض في السؤال عنها . والنفل : الزيادة على الشئ ، قال لبيد : إن تقوى ربنا خير نفل ( 3 ) قال الصادق ( عليه السلام ) : الانفال كل ما أخذ من دار الحرب بغير قتال ، وكل أرض انجلى أهلها عنها بغير قتال أيضا - وسماها الفقهاء فيئا - والارضون الموات والاجام وبطون الأودية وقطائع الملوك وميراث من لا وارث له ، وهي لله والرسول ولمن قام مقامه بعده ( 4 ) * ( فاتقوا الله ) * باتقاء مخالفة مايأمركم هو ورسوله به * ( وأصلحوا ذات بينكم ) * حقيقة أحوال بينكم ، والمعنى : أصلحوا ما بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة واتفاق ومودة ، ونحوه : " ذات الصدور " وهي مضمراتها .
* ( هامش ) *
( 1 ) ذكرها الشيخ الطوسي في التبيان : ج 5 ص 72 ، وابن خالويه في الشواذ : ص 54 .
( 2 ) في نسخة بزيادة : الاخرى .
( 3 ) وعجزه : وبإذن الله ريثي وعجل . والمعنى : ان تقوى الله خير عطية ، وأن بطئي وسرعتي في الامور كلها فبإذن الله . انظر ديوان لبيد : ص 139 .
( 4 ) التبيان : ج 5 ص 72 . ( * )

/ صفحة 5 /
* ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ءايته زادتهم إيمنا وعلى ربهم يتوكلون ( 2 ) الذين يقيمون الصلوة ومما رزقنهم ينفقون ( 3 ) أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجت عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ( 4 ) ) * أي : * ( إنما ) * الكاملون في الايمان * ( الذين ) * من صفتهم أنهم * ( إذا ذكر الله ) * عندهم واقتداره وأليم عقابه على المعاصي * ( وجلت قلوبهم ) * أي : خافت * ( وإذا تليت عليهم ءايته زادتهم إيمنا ) * أي : ازدادوا بها يقينا وطمأنينة نفس وتصديقا إلى تصديقهم بما أنزل قبل ذلك من القرآن * ( وعلى ربهم يتوكلون ) * وإليه يفوضون أمورهم فيما يخافون ويرجون ، وخص الصلاة والزكاة بالذكر لعظم شأنهما وتأكد الامر فيهما . * ( أولئك ) * المستجمعون لهذه الخصال * ( هم ) * الذين استحقوا إطلاق اسم الايمان على الحقيقة ، و * ( حقا ) * صفة لمصدر محذوف ، أي : إيمانا حقا ، أو هو مصدر مؤكد للجملة التي هي * ( أولئك هم المؤمنون ) * كما تقول : هو عبد الله حقا ، أي : حق ذلك حقا * ( درجت ) * شرف وكرامة وعلو رتبة * ( ومغفرة ) * وتجاوز لسيئاتهم * ( ورزق كريم ) * نعيم الجنة ، أي : منافع دائمة ، على سبيل التعظيم ، وهذا معنى الثواب . * ( كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكرهون ( 5 ) يجدلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ( 6 ) وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلمته ويقطع دابر الكفرين ( 7 ) ليحق الحق ويبطل البطل ولو كره المجرمون ( 8 ) ) *
 
/ صفحة 6 /
الكاف في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هذه الحال كحال إخراجك ، والمعنى : أن حالهم في كراهة ماحكم الله في الانفال مثل حالهم في كراهة خروجك من بيتك للحرب . ويجوز أن يكون في محل النصب على أنه صفة لمصدر الفعل المقدر في قولك : " الانفال لله والرسول " ، أي : الانفال استقرت لله والرسول ، وثبتت مع كراهتهم ثباتا مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك مع كراهتهم ، فعلى هذا لا يكون الوقف من قوله : * ( قل الانفال ) * إلى قوله : * ( بالحق ) * ، وعلى الاول جاز الوقف على قوله : * ( والرسول ) * وقوله : * ( مؤمنين ) * ، و * ( من بيتك ) * يريد بيته بالمدينة ، أو المدينة نفسها ، لأنها مهاجره ومسكنه * ( بالحق ) * أي : إخراجا متلبسا بالحكمة والصواب الذي لامحيد عنه ، وهو الجهاد * ( وإن فريقا من المؤمنين لكرهون ) * في موضع الحال ، أي : أخرجك في حال كراهتهم . * ( يجدلونك في الحق ) * فيما دعوتهم إليه ، وهو تلقي النفير ، وهو جيش قريش لإيثارهم عليه تلقي العير * ( بعد ما تبين ) * بعد إعلام رسول الله بأنهم ينصرون ، وجدالهم أنهم قالوا : ما خرجنا إلا للعير ، وذلك : أن عير قريش أقبلت من الشام معها أربعون راكبا منهم أبو سفيان وعمرو بن العاص ، فأخبر جبرئيل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأخبر المسلمين ، فأعجبهم تلقي العير ، فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبر خروجهم ، فنادى أبو جهل فوق الكعبة : يا أهل مكة النجا النجا ( 1 ) على كل صعب وذلول ، عيركم ، أموالكم ، إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبدا ، وخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير ، وفي المثل السائر : " لافي العير ولا في النفير " ( 2 ) ، فقيل له :
* ( هامش ) *
( 1 ) أي : أسرع أسرع ، وأصلها النجائك النجائك ، فيقصران . ( القاموس المحيط : نجا ) .
( 2 ) قال المفضل : أول من قال ذلك أبو سفيان بن حرب بعدما أقبل بعير قريش وعلم بتحين المسلمين انصرافه الى مكة فيقطعوا عليه ، فخاف خوفا شديدا وضرب وجوه عيره فساحل بها وترك بدرا يسارا ، وقد كان بعث إلى قريش يخبرهم بما يخافه ويأمرهم بالرجوع ، = ( * )

/ صفحة 7 /
إن العير أخذت طريق الساحل ونجت ، فارجع بالناس إلى مكة ، فقال : لا والله حتى ننحر الجزر ونشرب الخمر ببدر ، فتتسامع العرب بأن محمدا - ( صلى الله عليه وآله ) - لم يصب العير ، وأنا أغضضناه ، فمضى بهم إلى بدر . وبدر ماء كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوما في السنة ، ونزل جبرئيل فقال : يا محمد - ( صلى الله عليه وآله ) - إن الله وعدكم * ( إحدى الطائفتين ) * : إما العير وإما قريشا ، فاستشار النبي ( صلى الله عليه وآله ) أصحابه وقال : ما تقولون ؟ إن القوم قد خرجوا من مكة فالعير أحب إليكم أم النفير ؟ قالوا : بل العير أحب إلينا من لقاء العدو ، فتغير وجه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقال : إن العير قد مضت على ساحل البحر ، وهذا أبو جهل قد أقبل ، فقالوا : يارسول الله عليك بالعير ودع العدو ، فقام رجال من أصحابه وقالوا ، ثم قام المقداد بن عمرو وقال : والله لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضى ( 1 ) وشوك الهراس ( 2 ) لخضنا ( 3 ) معك ، ولا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى : * ( فاذهب أنت وربك فقتلا إنا ههنا قعدون ) * ( 4 ) ولكنا نقول : امض لما أمرك ربك فإنا معك مقاتلون مادامت منا عين تطرف ، وقام سعد بن معاذ وقال : يارسول الله ( صلى الله عليه وآله ) امض لما أردت ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد ، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله ، ففرح رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بقوله ، وقال : سيروا على بركة الله وأبشروا ، فإن الله وعدني * ( إحدى الطائفتين ) * والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ( 5 ) .
* ( هامش ) * = فأقبلت قريش ، ورجعت بنو زهرة فصادفهم أبو سفيان فقال : يا بني زهرة لا في العير ولا في النفير . راجع مجمع الأمثال للميداني : ج 2 ص 172 .
( 1 ) الغضى : شجر ذو شوك . ( مجمع البحرين : مادة غضا ) .
( 2 ) الهراس : شجر شائك ثمره كالنبق . ( القاموس المحيط : هرس ) .
( 3 ) في بعض النسخ : لخضناه .
( 4 ) المائدة : 24 .
( 5 ) رواه الزمخشري في الكشاف : ج 2 ص 197 - 198 . ( * )

/ صفحة 8 /
وقوله : * ( كأنما يساقون إلى الموت ) * تشبيه حالهم بحال من يعتل إلى القتل وهو ناظر إلى أسباب الموت لا يشك فيه . * ( وإذ ) * منصوب بإضمار " اذكروا " ، * ( أنها لكم ) * بدل من * ( إحدى الطائفتين ) * ، و * ( غير ذات الشوكة ) * : العير ، لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا ، والشوكة : الحدة ، مستعارة من حدة الشوك ، أي : تتمنون أن يكون العير لكم ، ولاتريدون الطائفة الأخرى التي هي ذات الشوكة ( 1 ) والحدة * ( ويريد الله أن يحق الحق ) * أي : يثبته ، بأن يعز الإسلام ويعلي كلمته ويهلك وجوه قريش على أيديكم * ( بكلمته ) * بآياته المنزلة في محاربتهم * ( ويقطع دابر الكفرين ) * باستئصالهم وقتلهم وأسرهم وطرحهم في قليب بدر ، والدابر : الآخر ، من دبر : إذا أدبر ، والمعنى : أنكم تريدون الفائدة العاجلة والله يريد ما يرجع إلى علو أمور الدين ونصرة الحق ، ولذلك اختارلكم الطائفة الأخرى ذات الشوكة ، وغلب كثرتهم بقلتكم ، وأذلهم وأعزكم ، وقوله : * ( ليحق الحق ) * تعلق بمحذوف ، تقديره : ليحق الحق ويبطل الباطل فعل ذلك . * ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملئكة مردفين ( 9 ) وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم ( 10 ) إذيغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطن وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام ( 11 ) إذ يوحى ربك إلى الملئكة أني معكم فثبتوا الذين ءامنوا سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان ( 12 ) ذلك بأنهم شاقوا الله
* ( هامش ) *
( 1 ) في نسخة : الشدة . ( * )

/ صفحة 9 /
ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ( 13 ) ذا لكم فذوقوه وأن للكفرين عذاب النار ( 14 ) ) * * ( إذ تستغيثون ربكم ) * بدل من * ( إذ يعدكم الله ) * ، وقيل : إنه يتعلق بقوله : * ( ليحق الحق ويبطل ا لبطل ) * ( 1 ) ، واستغاثتهم : أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لما نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف ، استقبل القبلة ومد يديه يدعو : اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة ( 2 ) لاتعبد في الأرض ، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه من منكبه ( 3 ) ( 4 ) ، * ( فاستجاب لكم ) * فأغاثكم وأجاب دعوتكم * ( أني ممدكم ) * أصله : بأني ممدكم ، فحذف الجار ، وقرئ : * ( مردفين ) * بكسر الدال وفتحها ( 5 ) ، من قولك : ردفه : إذا تبعه ، وأردفته إياه : إذا أتبعته ، ويقال : أردفته وأتبعته : إذا جئت بعده ، فعلى الأول يكون معنى * ( مردفين ) * بكسر الدال : متبعين بعضهم بعضا ، أو متبعين أنفسهم المؤمنين ، وعلى الثاني يكون معناه : متبعين بعضهم لبعض ، أو متبعين للمؤمنين يحفظونهم ، ومن قرأ بفتح الدال فمعناه : متبعين أو متبعين . * ( وما جعله الله ) * أي : وما جعل الله إمدادكم بالملائكة * ( إلا بشرى ) * أي : بشارة لكم بالنصر كالسكينة لبني إسرائيل ، والمعنى : أنكم استغثتم ربكم وتضرعتم ، فكان الإمداد بالملائكة بشارة لكم بالنصر ، وتسكينا منكم ، وربطا على قلوبكم * ( وما النصر إلا من عند الله ) * أي : وما النصر بالملائكة وغيرهم من
* ( هامش ) *
( 1 ) قاله الطبري في تفسيره : ج 6 ص 188 .
( 2 ) العصابة : الجماعة من الناس والخيل والطير . ( الصحاح : مادة عصب ) .
( 3 ) المنكب : مجمع عظم العضد والكتف . ( الصحاح : مادة نكب ) .
( 4 ) رواه مسلم في صحيحه : ج 3 ب 18 ص 1384 ح 58 ، وأحمد في مسنده : ج 1 ص 30 و 32 . ( 5 ) وبالفتح هي قراءة نافع ويعقوب . راجع التبيان : ج 5 ص 82 . ( * )

/ صفحة 10 /
الأسباب إلا من عند الله ، ينصر من يشاء ، قل العدد أم كثر . * ( إذ يغشيكم النعاس ) * بدل ثان من * ( إذ يعدكم الله ) * ، أو ( 1 ) منصوب ب‍ * ( - النصر ) * أو ب‍ * ( - ما جعله الله ) * ، وقرئ : * ( يغشيكم ) * بالتخفيف ( 2 ) والتشديد ونصب * ( النعاس ) * ، والضمير لله عزوجل ، و * ( أمنة ) * مفعول له ، و * ( منه ) * صفة ل‍ * ( أمنة ) * ، أي : أمنة حاصلة لكم من الله ، والمعنى : إذ تنعسون لامنكم الحاصل من الله بإزالة الرعب من قلوبكم * ( وينزل عليكم ) * قرئ بالتشديد والتخفيف ( 3 ) * ( من السماء ماء ) * أي : مطرا ، و * ( رجز الشيطن ) * : وسوسته إليهم ، وذلك أن المشركين قد سبقوهم إلى الماء ، ونزل المسلمون في كثيب أعفر ( 4 ) تسوخ فيه الأقدام ، وناموا ، فاحتلم أكثرهم ، فتمثل لهم إبليس وقال : يا أصحاب محمد أنتم تزعمون أنكم على الحق وأنتم تصلون على الجنابة وقد عطشتم ، ولو كنتم على حق ماغلبكم هؤلاء على الماء ، وهاهم الآن يمشون إليكم ويقتلونكم ويسوقون بقيتكم إلى مكة ، فحزنوا لذلك ، فأنزل الله المطر فمطروا ليلا حتى جرى الوادي ، واغتسلوا وتوضأوا ، واتخذوا الحياض على عدوة ( 5 ) الوادي ، وتلبد ( 6 ) الرمل الذي كان بينهم وبين العدو حتى ثبت الأقدام عليه ، وزالت وسوسة الشيطان ، والضمير في * ( به ) * للماء أو للربط ، لأن الجرأة تثبت القدم في مواطن الحرب .
* ( هامش ) *
( 1 ) في نسخة : إما .
( 2 ) وهي قراءة نافع . راجع الكشف عن وجوه القراءات السبع للقيسي : ج 1 ص 489 ، وفي التبيان : ج 5 ص 85 : هي قراءة أهل المدينة .
( 3 ) وقراءة التخفيف هي قراءة ابن كثير وسهل ويعقوب وأبي عمرو . راجع تفسير الآلوسي : ج 9 ص 176 .
( 4 ) الأعفر : الأبيض ( الصحاح : مادة عفر ) .
( 5 ) العدوة والعدوة : جانب الوادي وحافته . ( الصحاح : مادة عدا ) .
( 6 ) تلبد : تداخل ولزق بعضه ببعض . ( القاموس المحيط : مادة لبد ) . ( * )

/ صفحة 11 /
* ( إذ يوحى ) * يجوز أن يكون بدلا ثالثا من * ( إذ يعدكم ) * ، وأن ينتصب ب‍ * ( يثبت ) * ، * ( أني معكم ) * أعينكم على التثبيت فثبتوهم . وقوله : * ( سألقى ) * إلى قوله : * ( فاضربوا ) * يجوز أن يكون تفسيرا لقوله : * ( أني معكم فثبتوا ) * ، ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفار ، ولاتثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم ، ويجوز أن يكون غير تفسير ، وأن يراد بالتثبيت أن يظهروا ما تيقن به المؤمنون أنهم أمدوا بهم * ( فاضربوا فوق الاعناق ) * التي هي المذابح ، وقيل : أراد الرؤوس ( 1 ) ، وال‍ * ( بنان ) * : الأصابع ، يريد به الأطراف ، والمعنى : * ( فاضربوا ) * المقاتل والأطراف من اليدين والرجلين ، ويجوز أن يكون من قوله : * ( سألقى ) * إلى قوله : * ( كل بنان ) * عقيب قوله : * ( فثبتوا الذين ءامنوا ) * تلقينا للملائكة مايثبتونهم به ، أي : قولوا لهم قولي : * ( سألقى ) * . * ( ذلك ) * إشارة إلى ما وقع بهم من القتل والعقاب العاجل ، أي : ذلك العقاب وقع بهم بسبب مشاقتهم ، والمشاقة مشتقة من الشق لأن كلا من المتعاديين في شق خلاف شق صاحبه ، والكاف في * ( ذلك ) * لخطاب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أو لخطاب كل أحد . وفي * ( ذا لكم ) * للكفرة على طريقة الالتفات ، و * ( ذلك ) * مبتدأ و * ( بأنهم ) * خبره ، و * ( ذا لكم ) * في محل الرفع أيضا ، أي : ذلكم العقاب أو العقاب ذلكم * ( فذوقوه ) * ، ويجوز أن يكون في محل النصب على تقدير : عليكم ذلكم * ( فذوقوه ) * ، كقولك : زيدا فاضربه * ( وأن للكفرين ) * عطف على * ( ذا لكم ) * في الوجهين أو نصب على أن الواو بمعنى " مع " ، أي : ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة ، فوضع الظاهر موضع الضمير .
* ( هامش ) *
( 1 ) قاله عكرمة . راجع تفسير البغوي : ج 2 ص 230 . ( * )

/ صفحة 12 /
* ( يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار ( 15 ) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله ومأوبه جهنم وبئس المصير ( 16 ) فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم ( 17 ) ) * الزحف : الجيش الذي يرى لكثرته ، كأنه يزحف أي : يدب دبيبا ، من زحف الصبي : إذا دب على استه ، سمي بالمصدر ، والجمع زحوف ، والمعنى : إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم قليل فلاتفروا ، فضلا عن أن تساووهم في العدد أو تدانوهم ، فيكون * ( زحفا ) * حالا من * ( الذين كفروا ) * ، ويجوز أن يكون حالا من الفريقين ، أي : إذا لقيتموهم متزاحفين أنتم وهم ، أو حالا من " المؤمنين " ، كأنهم أخبروا بما سيكون منهم يوم حنين ( 1 ) حين ولوا مدبرين وهم زحف : اثنا عشر ألفا ، وفي قوله : * ( ومن يولهم يومئذ دبره ) * أمارة عليه * ( إلا متحرفا لقتال ) * هو الكر بعد الفر ، يخيل عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه ، وهو نوع من مكائد الحرب * ( أو متحيزا ) * أي : أو منحازا * ( إلى فئة ) * إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها ، وانتصابهما على الحال و * ( إلا ) * لغو ، أو على الاستثناء من " المولين " ، أي : ومن يولهم إلا رجلا منهم متحرفا أو متحيزا ، ووزن متحيز متفيعل لامتفعل ، لأنه من حاز يحوز ، فبناء متفعل منه متحوز . * ( فلم تقتلوهم ) * الفاء جواب شرط محذوف ، تقديره : إن افتخرتم بقتلهم فأنتم
* ( هامش ) *
( 1 ) حنين : موضع بين الطائف ومكة ، حارب فيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والمسلمون هوازن وثقيف فهزمهم وغنم ما كانوا ساقوه معهم من النساء والصبيان والماشية . انظر تفصيل يوم حنين في تاريخ الطبري : ج 2 ص 344 - 362 . ( * )

/ صفحة 13 /
لم تقتلوهم * ( ولكن الله قتلهم ) * بأن أنزل الملائكة ، وألقى الرعب في قلوبهم ، وقوى قلوبكم * ( وما رميت ) * أنت يا محمد ( صلى الله عليه وآله ) * ( إذ رميت ) * ( 1 ) ، وذلك أن قريشا لما جاءت بخيلائها ( 2 ) أتاه جبرئيل فقال : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فقال لعلي ( عليه السلام ) : أعطني قبضة من حصباء الوادي ، فأعطاه ، فرمى بها في وجوههم ، وقال : شاهت الوجوه ، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه ، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم * ( ولكن الله رمى ) * حيث أثرت الرمية ذلك الأثر العظيم ، أثبت الرمي لرسول الله لأنه وجد منه صورة ، ونفاه عنه معنى لأن أثره الذي لايدخل في قدرة البشر فعل الله عز وعلا ، فكأنه فاعل الرمية على الحقيقة ، وكأنها لم توجد من الرسول أصلا . وقرئ : " ولكن الله قتلهم . . . ولكن الله رمى " ( 3 ) ، * ( وليبلى المؤمنين ) * وليعطيهم * ( بلاء ) * عطاء * ( حسنا ) * جميلا ، قال زهير : وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو ( 4 ) والمعنى : وللإحسان إلى المؤمنين والإنعام عليهم فعل ما فعل ، ولم يفعله إلا لذلك * ( إن الله سميع ) * لاقوالهم * ( عليم ) * بأحوالهم . * ( ذا لكم وأن الله موهن كيد الكفرين ( 18 ) إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغنى عنكم فئتكم شيا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين ( 19 ) يأيها الذين ءامنوا أطيعوا
* ( هامش ) *
( 1 ) قال الزجاج : ليس هذا نفي رمي النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولكن العرب خوطبت بما تعقل . انظر معاني القرآن : ج 2 ص 406 .
( 2 ) الخال والخيلاء والخيلاء : الكبر . ( الصحاح : مادة خيل ) .
( 3 ) قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف . راجع التبيان : ج 5 ص 93 .
( 4 ) وصدره : جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم . وهو من قصيدة يمدح بها سنان بن أبي حارثة المري شيخ بني مرة من غطفان ، ومعناه واضح . انظر ديوان زهير : ص 61 . ( * )

/ صفحة 14 /
الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ( 20 ) ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ( 21 ) ) * * ( ذا لكم ) * إشارة إلى البلاء الحسن ، ومحله الرفع ، أي : الغرض ذلكم * ( وأن الله موهن ) * عطف على * ( ذا لكم ) * يعني : أن الغرض إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين ، وقرئ : " موهن " بالتشديد ( 1 ) ، وقرئ على الإضافة ( 2 ) ، وعلى الأصل الذي هو التنوين والإعمال ( 3 ) . * ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) * خطاب لأهل مكة على طريق التهكم ، وذلك أنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا : اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين ، وروي : أن أبا جهل قال يوم بدر : اللهم أينا كان أهجر وأقطع للرحم فأحنه ( 4 ) اليوم ( 5 ) ، أي : فأهلكه ، وقيل : * ( إن تستفتحوا ) * خطاب للمؤمنين و * ( إن تنتهوا ) * للكافرين ( 6 ) ، أي : وإن تنتهوا عن عداوة رسول الله * ( فهو خير لكم وإن تعودوا ) * لمحاربته * ( نعد ) * لنصرته عليكم . وقرئ : * ( وأن الله ) * بالفتح على : ولان الله مع المؤمنين كان ذلك ، وبالكسر ( 7 )
* ( هامش ) *
( 1 ) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو . راجع التبيان : ج 5 ص 94 ، وفي تفسير البغوي ج 2 ص 238 : انها قراءة أهل البصرة .
( 2 ) وهي قراءة حفص عن عاصم . راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 433 ، وفي إعراب القرآن للنحاس : ج 2 ص 182 ، هي قراءة أهل الكوفة .
( 3 ) قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم والحسن وأبو رجاء والأعمش وابن محيصن . راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد : ص 305 ، والبحر المحيط لأبي حيان : ج 4 ص 478 .
( 4 ) في بعض النسخ : فأهنه .
( 5 ) رواه ابن كثير في تفسيره : ج 2 ص 284 عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة .
( 6 ) قاله أبو علي الجبائي كما في التبيان : ج 5 ص 96 .
( 7 ) قرأه ابن كثير وعاصم برواية أبي بكر وأبو عمرو وحمزة والكسائي . راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد : ص 305 . ( * )

/ صفحة 15 / وهو الأوجه ، ويقويه قراءة عبد الله : " والله مع المؤمنين " ( 1 ) . وقرئ : * ( ولا تولوا ) * بحذف التاء وإدغامها في الثاني ( 2 ) ، والضمير في * ( عنه ) * لرسول الله ، لأن المعنى : أطيعوا رسول الله ، كقوله : * ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) * ( 3 ) ، ولأن طاعة الله وطاعة الرسول شئ واحد ورجوع الضمير إلى أحدهما رجوع إليهما ، كما تقول : الإحسان والإجمال لا ينفع في فلان * ( وأنتم تسمعون ) * دعاءه لكم . * ( ولا تكونوا كالذين ) * ادعوا السماع * ( وهم لا يسمعون ) * لأنهم ليسوا بمصدقين فكأنهم غير سامعين . * ( إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ( 22 ) ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ( 23 ) يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون ( 24 ) واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ( 25 ) ) * * ( إن شر ) * من يدب على وجه الأرض ، أو : إن شر البهائم ، جعلهم من جنس البهائم ثم جعلهم شرها * ( الصم البكم ) * أي : الذين هم صم عن الحق لايسمعونه ، بكم لا يقرون به . * ( ولو علم الله ) * في هؤلاء الصم البكم * ( خيرا ) * أي : انتفاعا باللطف * ( لاسمعهم ) * للطف بهم حتى يسمعوا سماع المصدقين * ( ولو أسمعهم لتولوا ) * أعرضوا ، وفي هذا دلالة على أنه سبحانه لايمنع أحدا اللطف ، وإنما لا يلطف لمن يعلم أنه لا ينتفع به .
* ( هامش ) *
( 1 ) حكاه عنه الشيخ الطوسي في التبيان : ج 5 ص 95 .
( 2 ) في الكشاف : " قرئ بطرح إحدى التائين وادغامها " وهو الأوجه ، إذ لم نعثر على قراءة باثبات التاء من غير ادغام أصلا في المصادر المعتمدة لكي يقال : " وقرئ بحذف التاء وادعامها " .
( 3 ) التوبة : 62 . ( * )

/ صفحة 16 / وقال الباقر ( عليه السلام ) : " هم بنو عبد الدار لم يسلم منهم غير مصعب بن عمير وسويد بن حرملة ، كانوا يقولون : نحن صم بكم عما جاء به محمد ، وقد قتلوا جميعا بأحد ، كانوا أصحاب اللواء " ( 1 ) . * ( إذا دعاكم ) * وحد الضمير ، لأن استجابة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) استجابة الله ، والمراد بالاستجابة : الطاعة والامتثال * ( لما يحييكم ) * من علوم الدين والشرائع ، لأن العلم حياة والجهل موت ، وقيل : لمجاهدة الكفار وللشهادة ( 2 ) لقوله : * ( بل أحياء عند ربهم ) * ( 3 ) . * ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) * أي : يملك على المرء قلبه فيغير نياته ويفسخ عزائمه ، ويبدله بالذكر نسيانا وبالنسيان ذكرا وبالخوف أمنا وبالأمن خوفا ، وقيل : معناه : أن المرء لايستطيع أن يكتم الله بقلبه شيئا وهو يطلع على ضمائره وخواطره ، فكأنه حال بينه وبين قلبه ( 4 ) ، وقيل : معناه : أنه يميت المرء فتفوته الفرصة التي هو واجدها ، وهي التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه ورده سليما كما يريده الله ( 5 ) ، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم ، واعلموا أنكم * ( إليه تحشرون ) * فيثيبكم على حسب سلامة القلوب وإخلاص الطاعة . وعن الصادق ( عليه السلام ) : " يحول بين المرء وبين أن يعلم أن الباطل حق " ( 6 ) . * ( واتقوا فتنة ) * أي : بلية ( 7 ) ، وقيل : ذنبا ( 8 ) ، وقيل : عذابا ( 9 ) ، وقيل : هو إقرار
* ( هامش ) *
( 1 ) رواه الشيخ الطوسي في التبيان : ج 5 ص 99 .
( 2 ) وهو قول الفراء وابن إسحاق والجبائي والقتيبي . راجع التبيان : ج 5 ص 101 .
( 3 ) آل عمران : 169 .
( 4 ) قاله قتادة كما حكاه عنه الماوردي في تفسيره : ج 2 ص 308 .
( 5 ) وهو قول علي بن عيسى الرماني على ما حكاه عنه الماوردي في تفسيره : ج 2 ص 308 .
( 6 ) رواه الشيخ الطوسي في التبيان : ج 5 ص 101 .
( 7 ) وهو قول الحسن . راجع تفسيره : ج 1 ص 401 .
( 8 ) وهو قول الزمخشري في الكشاف : ج 2 ص 211 .
( 9 ) قاله ابن عباس والجبائي راجع التبيان : ج 5 ص 103 ، وأحكام القرآن لابن العربي : ج 2 = ( * )

/ صفحة 17 /
المنكر بين أظهرهم ( 1 ) . وقوله : * ( لا تصيبن ) * لا يخلو أن يكون جوابا للأمر ، أو نهيا بعد أمر معطوفا عليه بحذف الواو ، أو صفة ل‍ * ( فتنة ) * ، فإذا كان جوابا فالمعنى : إن أصابتكم لا تصيب الظالمين * ( منكم خاصة ) * ولكنها تعمكم ، وإنما جاز دخول النون في جواب الأمر لأن فيه معنى النهي ، كما تقول : انزل عن الدابة لاتطرحك ، ويجوز : لاتطرحنك ، وإذا كانت نهيا بعد أمر فكأنه قيل : واحذروا بلية أو ذنبا أو عقابا ، ثم قيل : لا تتعرضوا للظلم فتصيب البلية أو العقاب أو أثر الذنب ووباله من ظلم منكم خاصة ، وكذلك إذا جعلته صفة على إرادة القول كأنه قيل : * ( واتقوا فتنة ) * مقولا فيها : * ( لا تصيبن ) * ، ونظيره قول الشاعر : حتى إذا جن الظلام واختلط * جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط ( 2 ) أي : بمذق يقال فيه هذا القول ، لأن فيه لون الورقة التي هي لون الذئب ، ويعضده قراءة ابن مسعود : " لتصيبن " ( 3 ) على جواب القسم المحذوف ، ويكون " من " للتبيين على هذا ، لأن المعنى : لاتصيبنكم أو لتصيبنكم خاصة على ظلمكم ، لأن الظلم أقبح منكم من سائر الناس . وعن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ونبوة الأنبياء قبلي " ، أورده الحاكم
* ( هامش ) * = ج 2 ص 390 .
( 1 ) قاله ابن عباس كما في التبيان : ج 5 ص 103 .
( 2 ) البيت للعجاج ، يصف فيه قوما بالشح وعدم إكرامهم للضيف ، وبالغ في أنهم لم يكرموه ولم يأتوا بما أتوا به إليه إلا بعد سعي ومضي جانب من الليل ، ثم لم يأتوه إلا بلبن ممزوج بالماء وهو يشبه لون الذئب لأن فيه غبرة وكدورة . انظر خزانة الأدب : ج 2 ص 109 و 112 .
( 3 ) حكاها عنه الزمخشري في كشافه : ج 2 ص 212 . ( * )

/ صفحة 18 /
أبو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل ( 1 ) مرفوعا . وعن ابن عباس أيضا : أنه سئل عن هذه الفتنة ، فقال : أبهموا ما أبهم الله ، وعن السدي : نزلت في أهل بدر فاقتتلوا يوم الجمل ( 2 ) . * ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فاوبكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبت لعلكم تشكرون ( 26 ) يأيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمنتكم وأنتم تعلمون ( 27 ) واعلموا أنما أموا لكم وأولدكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم ( 28 ) ) * * ( واذكروا ) * معاشر المهاجرين * ( إذ أنتم قليل ) * أي : وقت كونكم أقلة أذلة ، ف‍ * ( إذ ) * هنا مذكور مفعول به وليس بظرف * ( مستضعفون ) * يستضعفكم قريش * ( في الارض ) * يعني : أرض مكة قبل الهجرة * ( تخافون أن يتخطفكم الناس ) * أي : يستلبكم المشركون من العرب إن خرجتم منها * ( فاوبكم ) * إلى المدينة * ( وأيدكم بنصره ) * أي : قواكم بمظاهر النصر بإمداد الملائكة يوم بدر * ( ورزقكم من الطيبت ) * يعني : الغنائم * ( لعلكم تشكرون ) * إرادة أن تشكروا هذه النعم . وعن قتادة : كانت العرب أذل الناس وأشقاهم عيشا ، وأعراهم جلدا ، يؤكلون ولا يأكلون ، فمكن الله لهم في البلاد ، ووسع عليهم في الرزق والغنائم ، وجعلهم ملوكا ( 3 ) . ومعنى الخون : النقص ، كما أن معنى الوفاء : التمام ، ومنه تخونه أي : تنقصه ،
* ( هامش ) *
( 1 ) شواهد التنزيل : ج 1 ص 206 - 207 .
( 2 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف : ج 2 ص 212 .
( 3 ) حكاه عنه الطبري في تفسيره : ج 6 ص 219 . ( * )
 
/ صفحة 19 /
ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء ( 1 ) ، لأنك إذا خنت الرجل في شئ فقد أدخلت عليه النقصان فيه ، والمعنى : لا تخونوا الله بترك أوامره ، والرسول بترك سنته وشرائعه ، و * ( أمنتكم ) * فيما بينكم بأن لاتحفظوها * ( وأنتم تعلمون ) * وبال ذلك وعقابه ، وقيل : * ( وأنتم تعلمون ) * أنكم تخونون ( 2 ) ، يعني : أن الخيانة توجد منكم عن عمد ، ويحتمل أن يكون * ( وتخونوا ) * جزما داخلا في حكم النهي ، وأن يكون نصبا بإضمار " أن " ، نحو : لا تأكل السمك وتشرب اللبن . * ( واعلموا أنما أموا لكم وأولدكم فتنة ) * جعلهم فتنة ، لأنهم سبب الوقوع في الفتنة وهي الإثم أو العذاب ، أو يريد : محنة من الله ليبلوكم كيف تحافظون فيهم على حدوده * ( وأن الله عنده أجر عظيم ) * فعليكم أن تزهدوا في الدنيا ، ولا تحرصوا على جمع المال وحب الولد ، ولا تؤثروهما على نعيم الأبد . * ( يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيأتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم ( 29 ) وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير المكرين ( 30 ) ) * * ( فرقانا ) * أي : فتحا ونصرا ، كقوله : * ( يوم الفرقان ) * ( 3 ) لانه يفرق بين الحق بإعزاز أهله والباطل بإذلال أهله ، أو هداية ونورا وتوفيقا وشرحا للصدور ، أو بيانا وظهورا يشهر أمركم في أقطار الأرض .
* ( هامش ) *
( 1 ) قال الراغب : الخيانة والنفاق واحد ، إلا أن الخيانة تقال اعتبارا بالعهد والأمانة ، والنفاق يقال اعتبارا بالدين ، ثم يتداخلان فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر ، ونقيض الخيانة : الأمانة ، يقال : خنت فلانا وخنت أمانة فلان . راجع المفردات : مادة ( خون ) .
( 2 ) حكاه الماوردي في تفسيره : ج 2 ص 311 .
( 3 ) الأنفال : 41 . ( * )
 
/ صفحة 20 /
* ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ) * لما فتح الله عليه ، ذكره مكر قريش به حين كان بمكة ليشكر النعمة الجليلة في إنجائه منهم واستيلائه عليهم ، أي : واذكر إذ يمكرون بك حين اجتمعوا في دار الندوة وتآمروا في أمرك ، فقال بعضهم : نحبسه في بيت ونلقي إليه الطعام والشراب ، وقال بعضهم : نحمله على جمل ونخرجه من بين أظهرنا ، وقال أبو جهل : نأخذ من كل بطن غلاما ونعطيه سيفا صارما فيضربونه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم ، فإذا طلبوا العقل عقلناه ، فقال إبليس وكان قد دخل عليهم في صورة شيخ من أهل نجد : هذا الفتى أجودكم رأيا ، فتفرقوا على رأيه مجمعين على قتله . وعن ابن عباس : * ( ليثبتوك ) * : ليقيدوك ويوثقوك ( 1 ) ، وقيل : ليثخنوك ( 2 ) بالضرب والجرح ( 3 ) من قولهم : ضربوه حتى أثبتوه لاحراك به ، وفلان مثبت وجعا * ( ويمكرون ) * ويخفون المكائد * ( ويمكر الله ) * ويخفي الله ما أعد لهم حتى يأتيهم بغتة * ( والله خير المكرين ) * ( 4 ) أي : مكره أنفذ من مكر غيره ، أو لأنه لا ينزل إلا ما هو حق وعدل . * ( وإذا تتلى عليهم ءايتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن
* ( هامش ) *
( 1 ) حكاه عنه الطبري في تفسيره : ج 6 ص 225 .
( 2 ) أثخن في العدو : بالغ في الجراحة فيهم . ( القاموس المحيط : مادة ثخن ) .
( 3 ) وهو قول عطاء والسدي كما حكاه عنهما أبو حيان في البحر المحيط : ج 4 ص 487 ، وفي تفسير القرطبي ج 7 ص 397 : قاله أبان بن تغلب وأبو حاتم ، وفي التبيان : ج 5 ص 109 عن الجبائي .
( 4 ) قال الراغب : المكر : صرف الغير عما يقصده بحيلة ، وذلك ضربان : مكر محمود وذلك أن يتحرى بذلك فعل جميل ، وعلى ذلك قال : * ( والله خير المكرين ) * ، ومذموم وهو أن يتحرى به فعل قبيح . راجع المفردات : مادة ( مكر ) . ( * )

/ صفحة 21 /
هذا إلا أسطير الاولين ( 31 ) وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أوائتنا بعذاب أليم ( 32 ) وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ( 33 ) ومالهم ألايعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون ( 34 ) ) * * ( لو نشاء لقلنا مثل هذا ) * قائله : النضر بن الحارث بن كلدة ، وأسر يوم بدر فقتله النبي ( صلى الله عليه وآله ) صبرا بيد علي ( عليه السلام ) ، وإنما قاله صلفا ( 1 ) ونفاجة ( 2 ) ، فإنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو استطاعوا ذلك ، وإلا فما منعهم أن يشاءوا غلبة من تحداهم وقرعهم بالمعجز حتى يغلبوه مع فرط حرصهم على قهره وغلبته ؟ ! * ( إن هذا إلا أسطير الاولين ) * قاله النضر أيضا ، وذلك أنه جاء بحديث رستم وإسفنديار من بلاد فارس ، وزعم أن هذا مثل ذلك ، وهو القائل : اللهم إن كان هذا هو الحق - أي : إن كان القرآن هو الحق - فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل ، أو بعذاب آخر ، ومراده أن ينفي كونه حقا ، وإذا انتفي كونه حقا لم يستوجب منكره عذابا ، فكان تعليق العذاب بكونه حقا مع اعتقاد أنه ليس بحق كتعليقه بالمحال . * ( ليعذبهم ) * اللام لتأكيد النفي ، والدلالة على أن تعذيبهم وهو بين أظهرهم غير مستقيم في الحكمة ، ومن قضية حكمة الله أن لا يعذب قوما عذاب استئصال ونبيهم بين أظهرهم ، وفيه إشعار بأنهم مرصدون بالعذاب إذا هاجر عنهم بدلالة
* ( هامش ) *
( 1 ) الصلف - بالتحريك - : هو التكلم بما يكرهه صاحبك ، والتمدح بما ليس عندك ، أو مجاوزة قدر الظرف والادعاء فوق ذلك تكبرا . ( القاموس المحيط : مادة صلف ) .
( 2 ) رجل نفاج : إذا كان صاحب فخر وكبر . ( الصحاح : مادة نفج ) . ( * )

/ صفحة 22 /
قوله : * ( ومالهم ألايعذبهم الله ) * ، فكأنه قال : ما يعذبهم وأنت فيهم وهو معذبهم إذا فارقتهم * ( ومالهم ألايعذبهم ) * ، وقوله : * ( وهم يستغفرون ) * في موضع الحال ، أي : * ( وما كان الله معذبهم ) * وفيهم من يستغفر وهم المسلمون بين أظهرهم من المستضعفين الذين تخلفوا بعد خروج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهم على عزم الهجرة ، وقيل : معناه نفي الاستغفار عنهم ، أي : ولو كانوا ممن يؤمن بالله ويستغفر لما عذبهم ، ولكنهم لا يؤمنون ولايستغفرون ( 1 ) . * ( ومالهم ألايعذبهم الله ) * وأي شئ لهم في انتفاء العذاب عنهم ، يعني : لاحظ لهم في ذلك * ( وهم ) * معذبون لا محالة ، وكيف لايعذبون وحالهم أنهم * ( يصدون عن المسجد الحرام ) * أولياءه * ( وما كانوا أولياءه ) * أي : وما استحقوا مع شركهم بالله وعداوتهم لرسوله أن يكونوا ولاة أمره * ( إن أولياؤه إلا المتقون ) * إنما يستحق ولايته من كان تقيا من المسلمين * ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) * كأنه استثنى من يعلم ويعاند ، أو أراد بالأكثر الجميع كما يراد بالقلة العدم . * ( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ( 35 ) إن الذين كفروا ينفقون أموا لهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ( 36 ) ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخسرون ( 37 ) ) * المكاء : الصفير ، والتصدية : التصفيق ، وهو ضرب اليد على اليد ، وهو تفعلة من الصدى ، والمعنى : أنهم وضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة ، كما أن الشاعر في قوله :
* ( هامش ) *
( 1 ) قاله مجاهد وقتادة والسدي وابن عباس وابن زيد . راجع التبيان : ج 5 ص 113 . (

/ صفحة 23 /
وما كنت أخشى أن يكون عطاؤه * أداهم سودا أو محدرجة سمرا ( 1 ) وضع القيود والسياط موضع العطاء ، وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون ، وكانوا يفعلون نحو ذلك إذا قرأ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في صلاته يخلطون عليه * ( فذوقوا ) * عذاب القتل والأسر يوم بدر بسبب كفركم . * ( ينفقون أموا لهم ) * نزلت في المطعمين يوم بدر ، كان كل يوم يطعم واحد منهم عشر جزر ، وقيل : إنهم قالوا لكل من كانت له تجارة في العير : أعينوا بهذا المال على حرب محمد - ( صلى الله عليه وآله ) - لعلنا ندرك منه ثأرنا بما أصيب منا ببدر ( 2 ) * ( ليصدوا عن سبيل الله ) * أي : كان غرضهم في الإنفاق الصد عن اتباع محمد ( صلى الله عليه وآله ) وهو سبيل الله * ( ثم تكون عليهم حسرة ) * ثم تكون عاقبة إنفاقها حسرة * ( ثم يغلبون ) * آخر الأمر يغلبهم المؤمنون ، والكافرون * ( إلى جهنم يحشرون ) * . * ( ليميز الله ) * الفريق الخبيث من الفريق الطيب * ( ويجعل الخبيث بعضه ) * فوق * ( بعض ) * في جهنم يضيقها عليهم * ( فيركمه ) * عبارة عن الجمع والضم حتى يتراكموا ، كقوله : * ( كادوا يكونون عليه لبدا ) * ( 3 ) ، وقيل : نفقة الكافر من نفقة المؤمن ، ويجعل نفقة الكافر بعضها * ( على بعض ) * فوق بعض * ( فيركمه ) * ويجمعه
* ( هامش ) *
( 1 ) البيت للفرزدق ، وروي : فلما خشيت أن يكون عطاؤه . . . ، واخرى : أخاف زيادا أن يكون عطاؤه . . . ، وهي من قصيدة يذم بها زيادا بعدما فر منه ، إذ أراد زياد أن يختدعه ليقع في يديه فأشاع أنه لو أتاه لحباه وأكرمه ، فبلغ ذلك الفرزدق فانطلق ينشأ هذه القصيدة ، يقول : ما كنت أظن أن يكون عطاء زياد قيودا سودا تلسع كما تلسع الحية السوداء أو سياطا مفتولة سمراء يجلدني بها . انظر ديوان الفرزدق : ج 1 ص 320 .
( 2 ) قاله محمد بن مسلم ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن . راجع تفسير الطبري : ج 6 ص 242 - 243 .
( 3 ) الجن : 19 . ( * )

/ صفحة 24 /
* ( جميعا فيجعله في جهنم ) * يعاقبهم به ( 1 ) ، كما قال : * ( يوم يحمى عليها في نار جهنم ) * الآية ( 2 ) ، وقرئ : * ( ليميز ) * على التخفيف ( 3 ) . * ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الاولين ( 38 ) وقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير ( 39 ) وإن تولوا فاعلموا أن الله موليكم نعم المولى ونعم النصير ( 40 ) ) * * ( قل للذين كفروا ) * أي : قل لاجلهم هذا القول وهو * ( إن ينتهوا ) * ، ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل : إن تنتهوا - بالتاء - يغفر لكم ، أي : إن ينتهوا عما هم عليه بالدخول في الإسلام * ( يغفر لهم ما قد سلف ) * من الشرك وعداوة الرسول * ( وإن يعودوا ) * لعداوته وقتاله * ( فقد مضت سنت الاولين ) * الذين تحزبوا على أنبياء الله في تدميرهم ، فليتوقعوا مثل ذلك إن لم ينتهوا . * ( وقتلوهم حتى لا تكون فتنة ) * أي : إلى أن لا يوجد فيهم شرك * ( ويكون الدين كله لله ) * ويضمحل كل دين باطل ويبقى دين الإسلام وحده . قال الصادق ( 4 ) ( عليه السلام ) : " لم يجئ تأويل هذه الآية ، ولو قد قام قائمنا بعد سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية ، وليبلغن دين محمد ( صلى الله عليه وآله ) ما بلغ الليل حتى لا يكون شرك ( 5 ) على ظهر الأرض " ( 6 ) . * ( فإن انتهوا ) * عن الكفر وأسلموا * ( فإن الله بما يعملون بصير ) * يثيبهم على
* ( هامش ) *
( 1 ) قاله مقاتل على ما حكاه عنه السمرقندي في تفسيره : ج 2 ص 17 . ( 2 ) التوبة : 35 . ( 3 ) الظاهر أن القراءة المعتمدة عند المصنف هي قراءة وتشديد . ( 4 ) في بعض النسخ : بعض الأئمة . ( 5 ) في المجمع : مشرك . ( 6 ) تفسير العياشي : ج 2 ص 56 ح 48 . ( * )

/ صفحة 25 /
توبتهم وإسلامهم ، وقرئ : " تعملون " بالتاء ( 1 ) ، فيكون المعنى : فإن الله بما تعملون من الجهاد في سبيله * ( بصير ) * يجازيكم عليه أحسن الجزاء . * ( وإن تولوا ) * ولم ينتهوا فثقوا بولاية الله ونصرته . * ( واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتمى والمسكين وابن السبيل إن كنتم ءامنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير ( 41 ) إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعد ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة وإن الله لسميع عليم ( 42 ) ) * " ما " موصولة ، و * ( من شئ ) * بيانه * ( فأن لله ) * مبتدأ ، وخبره محذوف تقديره : فواجب ، أو فحق أن * ( لله خمسه ) * . قال أصحابنا رضوان الله عليهم أجمعين : إن الخمس يقسم على ستة أسهم كما في الآية : سهم لله ، وسهم للرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وسهم لذوي القربى ، فهذه الأسهم الثلاثة اليوم للإمام القائم مقام الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وسهم ليتامى آل محمد ، وسهم لمساكينهم ، وسهم لأبناء سبيلهم لا يشركهم في ذلك غيرهم ، لأن الله سبحانه حرم عليهم الصدقة لكونها أوساخ الناس وعوضهم من ذلك الخمس ( 2 ) . روى ذلك الطبري ( 3 ) عن علي بن الحسين زين العابدين ومحمد بن علي الباقر صلوات الله عليهما .
* ( هامش ) *
( 1 ) وهي قراءة الحسن ويعقوب ورويس وسلام بن سليمان . راجع البحر المحيط لأبي حيان : ج 4 ص 495 . ( 2 ) انظر شرائع الإسلام : ج 1 ص 181 - 182 ، واللمعة الدمشقية : ج 2 ص 78 - 79 . ( 3 ) تفسير الطبري : ج 6 ص 252 ح 16127 وص 254 ح 16142 . ( * )

/ صفحة 26 /
ورووا عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه قيل له : إن الله تعالى قال : * ( واليتمى والمسكين ) * فقال : " أيتامنا ومساكيننا " ( 1 ) . وقوله : * ( إن كنتم ءامنتم بالله ) * تعلق بمحذوف يدل عليه * ( واعلموا ) * ، والمعنى : إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به فاقطعوا عنه أطماعكم واقتنعوا بالأخماس الأربعة * ( وما أنزلنا ) * معطوف على * ( بالله ) * أي : إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل * ( على عبدنا يوم الفرقان ) * يعني : يوم بدر ( 2 ) ، و * ( الجمعان ) * : الفريقان من المسلمين والكافرين ، والمراد : ما أنزل من الآيات والملائكة والفتح يومئذ . * ( إذ ) * بدل من * ( يوم الفرقان ) * ، و " العدوة " : شط الوادي ، بالكسر والضم ، و * ( الدنيا ) * و * ( القصوى ) * تأنيث الأدنى والأقصى ، والقياس أن تقلب الواو ياء كالعليا إلا أن القصوى جاءت على الأصل شاذا كالقود ، والعدوة الدنيا مما يلي المدينة ، والعدوة القصوى مما يلي مكة * ( والركب أسفل منكم ) * يعني أبا سفيان والعير * ( أسفل ) * نصب على الظرف ، معناه : مكانا أسفل من مكانكم يقودون العير بالساحل ، ومحله رفع لأنه خبر المبتدأ . والفائدة في ذكر هذه المراكز الإخبار عن الحال الدالة على قوة المشركين وضعف المسلمين ، وأن غلبتهم على مثل هذه الحال أمر إلهي لم يتيسر إلا بحوله وقوته ، وذلك أن العدوة القصوى كان فيها الماء ، ولاماء بالعدوة الدنيا وهي خبار ( 3 ) تسوخ فيها الأرجل ، وكانت العير وراء ظهورهم مع كثرة عددهم ، وكانت
* ( هامش ) *
( 1 ) عوالي اللآلئ لابن جمهور : ج 2 ص 75 - 76 ح 201 .
( 2 ) في نسخة زيادة : في يوم الجمعة السابع عشر أو التاسع عشر من شهر رمضان سنة الثاني من الهجرة ، مروي عن الصادق ( عليه السلام ) .
( 3 ) الخبار : الأرض الرخوة . ( الصحاح : مادة خبر ) . ( * )

/ صفحة 27 /
الحماية دونها تضاعف حميتهم وتحملهم على أن يبرحوا مواطنهم ويبذلوا نهاية نجدتهم ، وفيه تصوير مادبره عز اسمه من أمر وقعة بدر * ( ليقضى الله أمرا كان مفعولا ) * من إعزاز دينه وإعلاء كلمته * ( ولو تواعدتم ) * أنتم وأهل مكة وتواضعتم بينكم على موعد تلتقون فيه للقتال لخالف بعضكم بعضا ، فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد ، وثبطهم ما في قلوبهم من الرعب ، فلم يتفق لكم من اللقاء ما وفقه الله * ( ليقضى ) * متعلق بمحذوف ، أي : ليقضي أمرا كان واجبا أن يفعل دبر ذلك ، وقوله : * ( ليهلك ) * بدل منه ، واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام ، أي : ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة وقيام حجة عليه ، ويصدر إسلام من أسلم عن يقين وعلم بأنه الدين الحق الذي يجب التمسك به * ( لسميع عليم ) * يعلم كيف يدبر أموركم . * ( إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أربكهم كثيرا لفشلتم ولتنزعتم في الامر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور ( 43 ) وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضى الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الامور ( 44 ) ) * * ( إذ ) * نصب بإضمار " اذكر " ، أو هو بدل ثان من * ( يوم الفرقان ) * ، أو متعلق بقوله : * ( لسميع عليم ) * أي : يعلم المصالح إذ يقللهم في عينك * ( في منامك ) * أي : في رؤياك ، وذلك أن الله سبحانه أراهم إياه في رؤياه قليلا ، فأخبر بذلك أصحابه فكان ( 1 ) تشجيعا لهم عليهم ، وعن الحسن : * ( في منامك ) * في عينك لأنها مكان النوم ( 2 ) ، والفشل : الجبن ، أي : لجبنتم وهبتم الاقدام ، ولتنازعتم في الرأي وتفرقت كلمتكم فيما تصنعون * ( ولكن الله سلم ) * أي : أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع
* ( هامش ) * ( 1 ) في نسخة زيادة : تثبيتا لهم و . ( 2 ) تفسير الحسن البصري : ج 1 ص 403 . ( * )

/ صفحة 28 /
* ( إنه عليم بذات الصدور ) * يعلم ماسيكون فيها من الجرأة والجبن . * ( وإذ يريكموهم ) * أي : يبصركم إياهم ، و * ( قليلا ) * نصب على الحال ، وإنما قللهم في أعينهم تصديقا لرؤيا رسول الله . وعن ابن مسعود : لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي : أتراهم سبعين ؟ قال : أراهم مائة ، فأسرنا رجلا منهم فقلنا : كم كنتم ؟ قال : ألفا ( 1 ) . * ( ويقللكم في أعينهم ) * حتى قال قائل منهم : إنما هم أكلة جزور ، وإنما قللهم في أعينهم ليجترئوا عليهم قبل اللقاء ، ثم كثرهم فيها بعد اللقاء لتفجأهم الكثرة فيهابوا وتفل شوكتهم حين يرون ما لم يكن في حسابهم ، وذلك قوله : * (مثليهم رأى العين ) * ( 2 ) ، ويمكن أن يكونوا قد أبصروا الكثير قليلا بأن ستر الله عنهم بعض أولئك بساتر . * ( يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ( 45 ) وأطيعوا الله ورسوله ولا تنزعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصبرين ( 46 ) ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديرهم بطرا ورئآء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط ( 47 ) ) * أي : إذا حاربتم جماعة كافرة ، وإنما لم يصفهم لأن المؤمنين لايحاربون إلا الكفار ، واللقاء اسم للقتال غالب * ( فاثبتوا ) * لقتالهم ولاتفروا * ( واذكروا الله كثيرا ) * في مواطن القتال ، مستعينين به مستظهرين بذكره * ( لعلكم تفلحون ) * أي : تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة . * ( ولا تنزعوا ) * أي : لا تتنازعوا فيما بينكم فتضعفوا عن قتال عدوكم ، و * ( تفشلوا ) * منصوب بإضمار " أن " ، والريح : الدولة ،
* ( هامش ) * ( 1 ) حكاه عنه الطبري في تفسيره : ج 6 ص 259 ح 16171 . ( 2 ) آل عمران : 13 . ( * )

/ صفحة 29 /
شبهت في نفوذ أمرها بالريح وهبوبها ، قالوا : هبت رياح فلان : إذا دالت له الدولة ونفذ أمره ، وقيل : لم يكن قط نصر إلا بريح يبعثها الله ( 1 ) . وفي الحديث : " نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور " ( 2 ) . * ( كالذين خرجوا من ديرهم ) * هم أهل مكة خرجوا ليحموا ( 3 ) عيرهم ، فأتاهم رسول أبي سفيان وهم بالجحفة ( 4 ) : أن ارجعوا فقد سلمت عيركم ، فأبى أبو جهل وقال : حتى نقدم بدرا نشرب بها الخمور وتعزف علينا القيان ، فذلك بطرهم ورئاؤهم الناس : إطعامهم ، فوافوها فسقوا كأس الحمام ( 5 ) مكان الخمر ، وناحت عليهم النوائح مكان القيان . * ( وإذ زين لهم الشيطن أعملهم وقال لاغالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إنى برئ منكم إنى أرى مالا ترون إنى أخاف الله والله شديد العقاب ( 48 ) ) * قيل : إن قريشا لما اجتمعت للمسير ذكرت ما بينها وبين كنانة من الحرب فكاد ذلك يثنيهم ، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني ( 6 ) وكان من أشرافهم ، ف‍ * ( قال لاغالب لكم اليوم . . . وإنى ) * مجيركم من بني كنانة * ( فلما ) * رأى الملائكة تنزل * ( نكص ) * ولما نكص قال له
* ( هامش ) * ( 1 ) قاله قتادة وابن زيد . راجع تفسير الطبري : ج 6 ص 261 . ( 2 ) صحيح البخاري : ج 2 ص 41 ، مسند أحمد : ج 1 ص 228 و 324 . ( 3 ) في نسخة : ليجمعوا . ( 4 ) الجحفة : موضع بين مكة والمدينة . ( 5 ) في نسخة : المنايا ، والحمام - بالكسر - : قدر الموت . ( الصحاح : مادة حمم ) . ( 6 ) ويكنى أبا سفيان ، كان في الجاهلية قائفا ، وقد روى البخاري قصته في إدراكه النبي ( صلى الله عليه وآله ) لما هاجر الى المدينة واقتفاءه أثره ، ثم دعا النبي ( صلى الله عليه وآله ) عليه حتى ساخت رجلا فرسه ، ثم طلبه من النبي ( صلى الله عليه وآله ) الخلاص وأن لا يدل عليه ، ففعل ( صلى الله عليه وآله ) ، وأسلم يوم الفتح ، مات سنة 24 ه‍ في أول خلافة عثمان . انظر الإصابة في تمييز الصحابة : ج 2 ص 19 . ( * )

/ صفحة 30 /
الحارث ( 1 ) وكانت يده في يده : إلى أين ؟ أتخذلنا في هذه الحال ؟ ف‍ * ( قال . . . إنى أرى مالا ترون ) * ودفع في صدره وانطلق ، وانهزموا ، فلما بلغوا مكة قالوا : هزم الناس سراقة ، فبلغ ذلك سراقة ، فقال : والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم ( 2 ) . * ( إذ يقول المنفقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ( 49 ) ولو ترى إذ يتوفي الذين كفروا الملئكة يضربون وجوههم وأدبرهم وذوقوا عذاب الحريق ( 50 ) ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلم للعبيد ( 51 ) ) * * ( إذ يقول المنفقون ) * بالمدينة * ( والذين في قلوبهم مرض ) * والشاكون في الإسلام * ( غر هؤلاء دينهم ) * يعنون المسلمين ، أي : اغتروا بدينهم وأنهم ينصرون من أجله ، فخرجوا مع قلتهم إلى قتال المشركين مع كثرتهم * ( ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز ) * غالب ينصر الضعيف على القوي ، والقليل على الكثير . * ( ولو ترى ) * أي : ولو عاينت وشاهدت ، لأن " لو " يرد المضارع إلى معنى الماضي ، كما أن " إن " ترد الماضي إلى معنى الاستقبال ، و * ( إذ ) * نصب على الظرف ، وقرئ : * ( يتوفي ) * بالياء والتاء ( 3 ) ، و * ( يضربون ) * حال ، وعن مجاهد : * ( أدبرهم ) * : أستاههم ولكن الله كريم يكني ( 4 ) ، وقيل : يضربون ما أقبل منه ( 5 ) وما أدبر ،
* ( هامش ) * ( 1 ) في نسخة زيادة : بن هشام . ( 2 ) قاله ابن عباس كما في تفسير ابن كثير : ج 2 ص 303 . ( 3 ) بالتاء قرأه ابن عامر والأعرج . راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 435 ، وإعراب القرآن للنحاس : ج 2 ص 190 .
( 4 ) حكاه عنه الشيخ الطوسي في التبيان : ج 5 ص 137 . ( 5 ) لعل الصحيح المناسب لسياق الكلام : منهم . ( * )

/ صفحة 31 /
والمراد به قتلى بدر ( 1 ) * ( وذوقوا ) * معطوف على * ( يضربون ) * على إرادة القول ، أي : * ( و ) * يقولون : * ( ذوقوا عذاب الحريق ) * بعد هذا في الآخرة ، وقيل : كانت مع الملائكة مقامع من حديد كلما ضربوا بها التهبت النار في جراحاتهم ( 2 ) . * ( ذلك بما قدمت أيديكم ) * يحتمل أن يكون من كلام الله ، ومن كلام الملائكة ، و * ( ذلك ) * مبتدأ ، و * ( بما قدمت ) * خبره * ( وأن الله ) * عطف عليه ، أي : ذلك العذاب بسببين : بسبب كفركم ومعاصيكم وبأن الله يعذب الكفار بالعدل ، لأنه لا يظلم عباده في عقوبتهم ، وقد بالغ في نفي الظلم عن نفسه بقوله : * ( ليس بظلم للعبيد ) * . * ( كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم كفروا بايت الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوى شديد العقاب ( 52 ) ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم ( 53 ) كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم كذبوا بايت ربهم فأهلكنهم بذنوبهم وأغرقنا ءال فرعون وكل كانوا ظلمين ( 54 ) ) * الكاف في محل الرفع ، أي : دأب هؤلاء مثل دأب * ( ءال فرعون ) * ، ودأبهم : عادتهم وعملهم الذي دأبوا فيه ، أي : داوموا عليه ، و * ( كفروا ) * تفسير لدأب آل فرعون . و * ( ذلك ) * إشارة إلى ماحل بهم ، أي : * ( ذلك ) * العذاب * ( ب‍ ) * سبب * ( أن الله ) * لا يصح في حكمته أن يغير نعمته عند * ( قوم حتى يغيروا ما ) * بهم من الحال ، وعن السدي ( 3 ) : النعمة محمد ( صلى الله عليه وآله ) أنعم الله به على قريش فكفروا به
* ( هامش ) * ( 1 ) وهو قول ابن عباس وابن جريج كما في تفسير البغوي : ج 2 ص 256 . ( 2 ) قاله ابن عباس على ما حكاه عنه الرازي في تفسيره : ج 15 ص 178 . ( 3 ) أبو محمد اسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي الكبير ، من أهل الكوفة ، يروي = ( * )
 
/ صفحة 32 /
وكذبوه فنقله إلى الأنصار ( 1 ) * ( وأن الله سميع ) * لما يقول مكذبو الرسل * ( عليم ) * بما يفعلون . * ( كدأب ءال فرعون ) * تكرير للتأكيد ، وفي قوله : * ( بايت ربهم ) * زيادة دلالة على كفران النعم ، وفي ذكر الإغراق بيان للاخذ بالذنوب * ( وكل كانوا ظلمين ) * أي : وكل من غرقى آل فرعون وقتلى قريش كانوا ظالمين أنفسهم بكفرهم ومعاصيهم . * ( إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون ( 55 ) الذين عهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون ( 56 ) فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون ( 57 ) وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سوآء إن الله لا يحب الخائنين ( 58 ) ) * * ( الذين كفروا فهم لا يؤمنون ) * أي : أصروا على الكفر فلا يتوقع منهم إيمان ، وهم بنو قريظة عاهدهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على أن لا يمالئوا ( 2 ) عليه عدوا ، فنكثوا بأن أعانوا مشركي مكة بالسلاح وقالوا : نسينا و ( 3 ) أخطأنا ، ثم عاهدهم فنكثوا ومالأوا عليه الأحزاب يوم الخندق . * ( الذين عهدت منهم ) * بدل من * ( الذين كفروا ) * أي : الذين عاهدتهم من الذين كفروا ، جعلهم شر الدواب لأن شر الناس الكفار ، وشر الكفار المصرون منهم ، وشر المصرين الذين ينقضون العهد
* ( هامش ) * = عن أنس وعبد خير وأبي صالح ، ورأى ابن عمر وابن عباس وغيرهما ، وكان ثقة مأمونا ، وذكره الشيخ في رجاله من أصحاب علي بن الحسين ( عليه السلام ) ومن أصحاب الباقر ( عليه السلام ) ومن اصحاب الصادق ( عليه السلام ) توفي عام ( 127 ه‍ ) . انظر اللباب لابن الأثير : ج 2 ص 110 ، ومعجم رجال الحديث للخوئي : ج 3 ص 148 . ( 1 ) حكاه عنه الطبري في تفسيره : ج 6 ص 269 ح 16224 . ( 2 ) مالاته على الأمر ممالاة : ساعدته عليه وشايعته . ( لسان العرب : مادة ملأ ) . ( 3 ) في نسخة : أو . ( * )

/ صفحة 33 /
* ( وهم لا يتقون ) * أي : لا يخافون عاقبة الغدر ، ولا يبالون ما فيه من العار والنار . * ( فإما تثقفنهم ) * أي : تصادفنهم في الحرب ، والمعنى : إن ظفرت بهم وأدركتهم * ( فشرد بهم من خلفهم ) * أي : ففرق عن محاربتك ومناصبتك من وراءهم من الكفرة بقتلهم شر قتلة ، حتى لا يجسر عليك بعدهم أحد ، اعتبارا بهم واتعاظا بحالهم . * ( وإما تخافن من قوم ) * معاهدين * ( خيانة ) * ونكثا للعهد * ( فانبذ إليهم ) * أي : فاطرح إليهم العهد * ( على سوآء ) * على طريق مقتصد ( 1 ) مستو ، وذلك بأن تخبرهم بنبذ العهد إخبارا ظاهرا مكشوفا ، وتبين لهم أنك قطعت ما بينك وبينهم ، ولاتبدأهم بالقتال وهم على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة * ( إن الله لا يحب الخائنين ) * فلاتخنهم بأن تناجزهم القتال من غير إعلامهم بالنبذ ، وقيل : معناه على استواء في العلم بنقض العهد ( 2 ) ، والجار والمجرور في موضع الحال ، كأنه قيل : فانبذ إليهم ثابتا على طريق قصد سوي ، أو حاصلين على استواء في العلم على أنها حال من النابذ والمنبوذ إليهم معا . * ( ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون ( 59 ) وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ( 60 ) وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم ( 61 ) ) * * ( سبقوا ) * أي : فاتوا من أن يظفر بهم * ( إنهم لا يعجزون ) * أي : لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم ، وقرئ : " أنهم " بالفتح ( 3 ) بمعنى " لانهم " ،
* ( هامش ) * ( 1 ) في نسخة : مستقيم . ( 2 ) قاله الأزهري على ما حكاه عنه القرطبي في تفسيره : ج 8 ص 32 . ( 3 ) قرأه ابن عامر . راجع التبيان : ج 5 ص 146 . ( * )

/ صفحة 34 /
وكل واحدة من المكسورة والمفتوحة تعليل ، إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف والمفتوحة تعليل صريح ، والمعنى : لا تحسبن ( 1 ) يا محمد - ( صلى الله عليه وآله ) - الكافرين قد فاتوك فإن الله يظفرك بهم ويظهرك عليهم ، وفي الشواذ قراءة ابن محيصن ( 2 ) : " لا يعجزون " بكسر النون ( 3 ) ، وقرئ : * ( ولا يحسبن ) * بالياء على أن الفعل ل‍ * ( الذين كفروا ) * كأنه قيل : لا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا ، فحذفت " أن " ، كقوله : * ( ومن ءايته يريكم البرق ) * ( 4 ) أو على أن المعنى : ولا يحسبنهم الذين كفروا سبقوا . والقوة : كل ما يتقوى به في الحرب من العدد ، والرباط : اسم للخيل التي تربط في سبيل الله ، ويجوز أن يسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة ، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصال جمع فصيل * ( ترهبون ) * قرئ بالتخفيف والتشديد ( 5 ) ، يقال : أرهبته ورهبته ، أي : تخيفون بما تعدونه * ( عدو الله وعدوكم ) * يعني أهل مكة * ( وءاخرين ) * أي : وترهبون كفارا آخرين * ( من ) * دون هؤلاء * ( لا تعلمونهم ) * لأنهم يصلون ويصومون ويقولون : لا إله إلا الله ، محمد - ( صلى الله عليه وآله ) - رسول الله * ( الله يعلمهم ) * لأنه المطلع على الأسرار * ( وما تنفقوا من شئ ) * في الجهاد يوفر عليكم ثوابه * ( وأنتم لا تظلمون ) * لا تنقصون شيئا منه . * ( وإن جنحوا ) * جنح له وإليه : مال ، و " السلم " بفتح السين وكسرها : الصلح ،
* ( هامش ) * ( 1 ) حيث إن القراءة المعتمدة لدى المصنف بالتاء كما هو ظاهر . ( 2 ) هو محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي المكي المقرئ ، روى عنه عدة منهم مسلم ، وقراءاته من شواذ القراءات ، توفي سنة 123 ه‍ بمكة . راجع طبقات القراء للجزري : ج 2 ص 167 رقم 3118 . ( 3 ) شواذ القرآن لابن خالويه : ص 55 . ( 4 ) الروم : 24 . ( 5 ) بالتشديد قرأه الحسن وورش . راجع إعراب القرآن للنحاس : ج 2 ص 194 . والتذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 435 . ( * )

/ صفحة 35 /
يؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب ، قال الشاعر : السلم تأخذ منها ما رضيت به * والحرب يكفيك من أنفاسها جرع ( 1 ) * ( وتوكل على الله ) * ولا تخف من خديعتهم ومكرهم فإن الله عاصمك وكافيك من مكرهم . * ( وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ( 62 ) وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الارض جميعا مآألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ( 63 ) يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ( 64 ) يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صبرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ( 65 ) الن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصبرين ( 66 ) ) * * ( وإن يريدوا أن يخدعوك ) * في الصلح بأن يقصدوا به دفع أصحابك عن القتال حتى يقوى أمرهم فيبدؤوكم بالقتال من غير استعداد منكم * ( فإن حسبك الله ) * أي محسبك الله * ( هو الذي أيدك ) * أي : قواك * ( بنصره وبالمؤمنين ) * الذين ينصرونك على أعدائك ، يريد الأنصار وهم : الأوس والخزرج . * ( وألف بين قلوبهم ) * حتى صاروا متحابين متوادين بعد ماكان بينهم من التضاغن والتحارب
* ( هامش ) * ( 1 ) والبيت لعباس بن مرداس السلمي ، أنشده مخاطبا ابن عمه والمنافس له لزعامة بني سليم الخفاف بن ندبة ، يقول : إن السلم وإن طالت لم تر فيها إلا ما تحب ولا تنال إلا ما تريد ، ولا يضرك طولها ، فإذا جاءت الحرب قطعتك عن لذاتك وشغلتك بنفسك ، وهذا تحريض على الصلح وتثبيط عن الحرب . انظر ديوان العباس بن مرداس : ص 103 . ( * )

/ صفحة 36 /
ولم يكن لبغضائهم أمد ، فأنساهم الله ذلك كله حتى تصافوا وعادوا إخوانا
* ( لو أنفقت ما في الارض جميعا ) * لما أمكنك التأليف * ( بين قلوبهم ) * وإزالة ضغائن الجاهلية عنهم * ( ولكن الله ألف بينهم ) * بالاسلام . * ( ومن اتبعك ) * الواو بمعنى " مع " وما بعده منصوب ، لأن عطف الظاهر المجرور على المكني قبيح ، والمعنى : كفاك وكفي متبعيك * ( من المؤمنين ) * الله ناصرا ، أو يكون في محل الرفع أي : كفاك الله وكفاك المؤمنون ، وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال ( 1 ) . والتحريض : المبالغة في الحث على الأمر ، من الحرض وهو أن ينهكه المرض حتى يشفي ( 2 ) على الموت ، وهذه عدة من الله بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بتأييد الله * ( بأنهم قوم لا يفقهون ) * أي : بسبب أن الكفار جهلة يقاتلون على غير احتساب ثواب كالبهائم . وعن ابن جريج ( 3 ) : كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد للعشرة ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعث حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين راكبا ، فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب ، فثقل عليهم ذلك وضجوا منه بعد مدة ، فنسخ وخفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين ( 4 ) ، وقرئ : * ( ضعفا ) * بفتح الضاد وضمها ( 5 ) ،
* ( هامش ) * ( 1 ) انظر الكشاف : ج 2 ص 234 . ( 2 ) أشفي على الشئ : إذا أشرف عليه . ( الصحاح : مادة شفي ) . ( 3 ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي المكي ، أصله رومي ، مولى بني امية ، روى عن عطاء والزهري وعكرمة وطاووس وغيرهم ، كان من فقهاء أهل الحجاز وقرائهم ، قال أبو غسان : سمعت جريرا يقول : كان ابن جريج يرى المتعة . توفي سنة 150 ه‍ وهو ابن سبعين سنة . انظر وفيات الاعيان : ج 2 ص 338 . ( 4 ) حكاه عنه أبو حيان في البحر المحيط : ج 4 ص 517 . ( 5 ) وبالضم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي . راجع كتاب السبعة في = ( * )

/ صفحة 37 /
و " ضعفاء " ( 1 ) جمع ضعيف ، وقرئ : * ( يكن ) * في الموضعين بالياء والتاء ( 2 ) ، والمراد بالضعف : الضعف في البدن ، وقيل : في البصيرة والاستقامة في الدين وكانوا متفاوتين في ذلك ( 3 ) . * ( ماكان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الاخرة والله عزيز حكيم ( 67 ) لولا كتب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ( 68 ) فكلوا مما غنمتم حللا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ( 69 ) ) * الإثخان : كثرة القتل والمبالغة فيه ، من قولهم : أثخنته الجراحات حتى أثبتته ، وأصله من الثخانة التي هي الغلظ ( 4 ) والكثافة ، والمعنى : * ( ما ) * استقام * ( لنبى ) * وما صح له * ( أن يكون له أسرى حتى ) * يذل الكفر ويضعفه بإشاعة القتل في أهله ، ويعز الإسلام ويقويه بالاستيلاء والقهر ، وكان هذا يوم بدر ، فلما كثر المسلمون نزل : * ( فإما منا بعد وإما فداء ) * ( 5 ) ( 6 ) . وروي : أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أتي بسبعين أسيرا فيهم العباس عمه وعقيل بن
* ( هامش ) * = القراءات لابن مجاهد : ص 308 . ( 1 ) وهي قراءة ابن القعقاع . راجع الفريد في إعراب القرآن للهمداني : ج 2 ص 437 . ( 2 ) وبالتاء وهي قراءة الحرميان وابن عامر . راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 436 وقال : وقرأ البصريان ( أبو عمرو ويعقوب ) الأول بالياء والثاني بالتاء من أجل * ( صابرة ) * . ( 3 ) قال الثعالبي : قال كثير من اللغويين : ضم الضاد في البدن ، وفتحها في العقل ، وهذه الآية انما يراد بها حال الجسم ، والضعف الأول هو كون الانسان من ماء مهين ، والقوة بعد ذلك الشبيبة وشدة الأسر ، والضعف الثاني هو الهرم والشيخوخة . هذا قول قتادة وغيره . راجع تفسير الثعالبي : ج 2 ص 549 . ( 4 ) في نسخة : الغلظة . ( 5 ) سورة محمد ( صلى الله عليه وآله ) : 4 . ( 6 ) وهو قول ابن عباس وقتادة . راجع التبيان : ج 5 ص 156 . ( * )
 
/ صفحة 38 /
أبي طالب ولم يؤسر أحد من أصحاب رسول الله ( 1 ) . * ( عرض الدنيا ) * حطامها ، سمي بذلك لأنه حدث قليل اللبث ، يريد الفداء ، والخطاب للمؤمنين الذين رغبوا في أخذ الفداء من الأسرى * ( والله يريد الاخرة ) * أي : تريدون عاجل الحظ من عرض الدنيا ، والله يريد لكم ثواب الآخرة * ( والله عزيز ) * يغلب أولياءه على أعدائه ، ويتمكنون منهم قتلا وأسرا ويطلق لهم الفداء ، ولكنه * ( حكيم ) * يؤخر ذلك وهم يعجلون . * ( لولا كتب من الله ) * أي : حكم منه * ( سبق ) * إثباته في اللوح بإباحة الغنائم لكم * ( لمسكم فيما ) * استحللتم قبل الإباحة * ( عذاب عظيم ) * ، وقيل : لولا كتاب من الله في القرآن : أنه لا يعذبكم والنبي بين أظهركم ( 2 ) . * ( فكلوا مما غنمتم ) * هذا إباحة للفداء لانه من جملة الغنائم ، وقيل : إنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها ، فنزلت الآية ( 3 ) ، ومعنى الفاء التسبيب ، أي : قد أبحت لكم الغنائم * ( فكلوا مما غنمتم ) * ، و * ( حللا ) * نصب على الحال من المغنوم ، أو صفة للمصدر ، أي : أكلا حلالا . * ( يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم ( 70 ) وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم ( 71 ) ) * وقرئ : * ( من الاسرى ) * وهو أقيس من " الأسارى " ( 4 ) ، لأن الأسير فعيل
* ( هامش ) * ( 1 ) رواها الزمخشري في كشافه : ج 2 ص 236 ، والبغوي في تفسيره : ج 2 ص 263 . ( 2 ) قاله الجبائي كما في التبيان : ج 5 ص 157 . ( 3 ) حكاه البغوي في تفسيره : ج 2 ص 262 . ( 4 ) وقراءة " الاسارى " هي قراءة أبي عمرو وأبي جعفر . راجع التبيان : ج 5 ص 159 ، = ( * )

/ صفحة 39 /
بمعنى مفعول ، وذلك يجمع على فعلى نحو جرحى وقتلى ، وقالوا : أسارى ، تشبيها بكسالى ، كما شبهوا كسلى بأسرى * ( قل لمن في أيديكم ) * أي : لمن في ملكتكم ، فكأن أيديكم قابضة عليهم * ( إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ) * خلوص عقيدة وصحة نية في الإيمان * ( يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ) * من الفداء : إما أن يخلفكم أضعافه في الدنيا أو يثيبكم في الآخرة . وروي : أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال للعباس : افد ابني أخويك : عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث ، فقال : أتتركني أتكفف قريشا ما بقيت ؟ قال : فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل ، وقلت : إن حدث بي حدث فهو لك وللفضل و عبد الله وقثم ؟ فقال العباس : وما يدريك ؟ قال : أخبرني به ربي ، قال : أشهد أنك صادق ، وأن لاإله إلا الله ، وأنك عبده ورسوله ، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله ، ولقد دفعت إليها في سواد الليل ، ولقد كنت مرتابا في أمرك ، فأما إذا أخبرتني بذلك فلا ريب ، قال العباس : فأبدلني الله خيرا من ذلك : لي الآن عشرون عبدا إن أدناهم ليضرب في عشرين ألفا ، وأعطاني زمزم ، وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة ، وأنا أنتظر المغفرة من ربي ( 1 ) . * ( وإن يريدوا خيانتك ) * نكث ما بايعوك عليه ، ومنع ما ضمنوا من الفداء * ( فقد خانوا الله من قبل ) * بأن خرجوا إلى بدر وقاتلوا مع المشركين * ( فأمكن ) * الله * ( منهم ) * وسيمكن منهم إن أعادوا الخيانة . * ( إن الذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا بأموا لهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين ءامنوا
* ( هامش ) * = وكتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد : ص 309 . ( 1 ) رواه ابن كثير في تفسيره : ج 2 ص 313 وعزاه إلى البخاري في صحيحه وابن إسحاق في مغازيه ، والبغوي في تفسيره أيضا : ج 2 ص 263 ، والزمخشري في كشافه : ج 2 ص 238 . ( * )

/ صفحة 40 /
ولم يهاجروا مالكم من وليتهم من شئ حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثق والله بما تعملون بصير ( 72 ) والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير ( 73 ) والذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم ( 74 ) والذين ءامنوا من بعد وهاجروا وجهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتب الله إن الله بكل شئ عليم ( 75 ) ) * * ( هاجروا ) * أي : فارقوا أوطانهم وقومهم حبا لله ولرسوله ، وهم المهاجرون من مكة إلى المدينة * ( والذين ءاووا ) * هم إلى ديارهم * ( ونصروا ) * هم على أعدائهم ، هم الأنصار * ( بعضهم أولياء بعض ) * أي : يتولى بعضهم بعضا في الميراث ، وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالمؤاخاة الأولى حتى نسخ ذلك بقوله : * ( وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض ) * ( 1 ) ، وقرئ : * ( من وليتهم ) * بالفتح والكسر ( 2 ) ، قال الزجاج : هي بفتح الواو من النصرة والنسب ، وبالكسر هي بمنزلة الإمارة ( 3 ) ، والوجه في الآية أنه شبه تولي بعضهم بعضا بالصناعة والعمل ، لأن كل ماكان من هذا الجنس فمكسور كالصياغة والكتابة ، وكأن الرجل بتوليه صاحبه يباشر أمرا ويزاول عملا * ( وإن استنصروكم ) * أي : وإن طلب المؤمنون الذين لم يهاجروا منكم النصرة لهم على الكفار * ( فعليكم النصر ) * لهم * ( إلا على
* ( هامش ) * ( 1 ) انظر كتاب الناسخ والمنسوخ لقتادة السدوسي : ص 46 . ( 2 ) وبالكسر هي قراءة حمزة والأعمش ويحيى بن وثاب . راجع التبيان : ج 5 ص 161 ، وتفسير القرطبي : ج 8 ص 56 . ( 3 ) حكاه عنه الرازي في تفسيره : ج 1 ص 210 . ( * )

/ صفحة 41 /
قوم بينكم وبينهم ميثق ) * وعهد ، فلا يجوز لكم نصركم عليهم . * ( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ) * معناه نهي المسلمين عن موالاة الكفار ومعاونتهم وإن كانوا أقارب ، وأن يتركوا يتولى بعضهم بعضا * ( إلا تفعلوه ) * أي : إن لا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل المسلمين وتولي بعضهم بعضا حتى في التوارث ، تفضيلا لنسبة الإسلام على نسبة القرابة ، ولم تقطعوا العلائق بينكم وبين الكفار تحصل * ( فتنة في الارض ) * ومفسدة كبيرة ، لأن المسلمين ما لم يكونوا يدا واحدة على أهل الشرك كان الشرك ظاهرا ، وتجرأ أهله على أهل الإسلام ودعوهم إلى الكفر . ثم عاد سبحانه إلى ذكر المهاجرين والأنصار وأثنى عليهم بقوله : * ( أولئك هم المؤمنون حقا ) * لأنهم حققوا إيمانهم بالهجرة والنصرة والانسلاخ من الأهل والمال لأجل الدين . * ( والذين ءامنوا من بعد ) * يريد : اللاحقين بعد السابقين إلى الهجرة ، كقوله : * ( والذين جاءوا من بعدهم ) * الآية ( 1 ) * ( فأولئك منكم ) * من جملتكم ، وحكمهم حكمكم في وجوب موالاتهم ونصرتهم وإن تأخر إيمانهم وهجرتهم * ( وأولوا الارحام ) * وأولو القرابات أولى بالتوارث ، بعضهم أحق بميراث بعض من غيرهم ، وهو نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة ( 2 ) * ( في كتب الله ) * أي : في حكمه ، وقيل : في اللوح المحفوظ ( 3 ) ، وقيل : في القرآن ( 4 ) ، وفيه دلالة على أن من كان أقرب إلى الميت في النسب كان أولى بالميراث .
* ( هامش ) * ( 1 ) الحشر : 10 . ( 2 ) انظر كتاب الناسخ والمنسوخ لابن حزم : ص 39 . ( 3 ) قاله ابن عباس . راجع تفسيره : ص 153 . ( 4 ) حكاه السمرقندي في تفسيره : ج 2 ص 29 . ( * )

/ صفحة 43 /
سورة التوبة مدنية ( 1 ) ، وهي مائة وتسع وعشرون آية كوفي ، ثلاثون بصري ، عد البصري * ( برئ من المشركين ) * . وعن الصادق ( عليه السلام ) قال : " الانفال وبراءة واحدة " ( 2 ) . وعن علي ( عليه السلام ) : " لم ينزل " بسم الله الرحمن الرحيم " على رأس سورة براءة ، لأن " بسم الله " للأمان والرحمة ، ونزلت براءة لرفع الامان وللسيف " ( 3 ) . وقيل : إن السورتين كانتا تدعيان القرينتين ، وتعدان السابعة من السبع الطوال ( 4 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) في التبيان للشيخ الطوسي : ج 5 ص 167 : قال مجاهد وقتادة وعثمان : هي آخر ما نزلت على النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالمدينة . قال الزمخشري : لها عدة أسماء : براءة ، التوبة ، المقشقشة ، المبعثرة ، المشردة ، المخزية ، الفاضحة ، المثيرة ، الحافرة ، المنكلة ، المدمدمة ، سورة العذاب ، لأن فيها التوبة على المؤمنين ، وهي تقشقش من النفاق أي تبرئ منه ، وتبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها وتثيرها وتحفر عنها وتفضحهم وتنكلهم وتشرد بهم وتخزيهم وتدمدم عليهم . وعن حذيفة ( رضي الله عنه ) : إنكم تسمونها سورة التوبة ، وإنما هي سورة العذاب ، والله ما تركت أحدا إلا نالت منه . راجع الكشاف : ج 2 ص 241 . ( 2 ) تفسير العياشي : ج 2 ص 73 ح 3 وفيه : عن أحدهما ( عليهما السلام ) . ( 3 ) تفسير السمرقندي : ج 2 ص 32 . ( 4 ) قاله ابن عباس وحكاه عن عثمان بن عفان . انظر تفسير الماوردي : ج 2 ص 336 . ( * )

/ صفحة 44 /
* * * * ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عهدتم من المشركين ( 1 ) فسيحوا في الارض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزى الله وأن الله مخزي الكفرين ( 2 ) وأذا ن من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزى الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ( 3 ) إلا الذين عهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيا ولم يظهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ( 4 ) ) * * ( براءة ) * خبر مبتدأ محذوف ، و * ( من ) * لابتداء الغاية ، والمعنى : هذه براءة واصلة * ( من الله ورسوله إلى الذين عهدتم ) * ، ويجوز أن تكون * ( براءة ) * مبتدأ وإن كانت نكرة لتخصصها بصفتها ، والخبر * ( إلى الذين عهدتم ) * كما تقول : رجل من قريش في الدار ، والمراد : أن الله ورسوله قد برئا * ( من ) * العهد الذي عاهدتم به * ( المشركين ) * وأن عهدهم منبوذ إليهم . * ( فسيحوا في الارض أربعة أشهر ) * هذا خطاب للمشركين ، أمروا أن يسيحوا في الارض أربعة أشهر - وهي الأشهر الحرم - آمنين أين شاءوا لا يتعرض لهم ، وذلك لصيانة الاشهر الحرم من القتل والقتال فيها ، وقيل : إن " براءة " نزلت في شوال سنة تسع من الهجرة والأشهر الأربعة : شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ( 1 ) ، وقيل : هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر
* ( هامش ) * ( 1 ) قاله ابن عباس والزهري كما حكاه الشيخ الطوسي في التبيان : ج 5 ص 169 . ( * )

/ صفحة 45 /
وشهر ربيع الأول ، وعشر من شهر ربيع الآخر ( 1 ) ، وكانت حرما لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم ، وهو الأصح . وأجمع المفسرون على أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حين نزلت " براءة " دفعها إلى أبي بكر ثم أخذها منه ودفعها إلى علي ( عليه السلام ) ( 2 ) وإن اختلفوا في تفصيله ، وقد شرحناه في الكتاب الكبير ( 3 ) .
وعن الباقر ( عليه السلام ) قال : " خطب علي ( عليه السلام ) الناس يوم النحر واخترط سيفه فقال : لا يطوفن بالبيت عريان ، ولا يحجن البيت مشرك ، ومن كانت له مدة فهو إلى مدته ، ومن لم يكن له مدة فمدته أربعة أشهر ، وقرأ عليهم سورة براءة " ( 4 ) ، وقيل : إنه قرأ ثلاث عشرة آية من أول براءة ( 5 ) ، وقيل : ثلاثين أو أربعين آية ( 6 ) . * ( فاعلموا أنكم غير معجزى الله ) * أي : لاتفوتونه وإن أمهلكم * ( وأن الله مخزي الكفرين ) * أي : مذلهم في الدنيا بالقتل ، وفي الآخرة بالعذاب . * ( وأذا ن من الله ) * الوجه في رفعه ما ذكرناه في * ( براءة ) * بعينه ، ثم الجملة معطوفة على مثلها ، وهو بمعنى الإيذان كما أن الأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء ، والجملة الأولى إخبار بثبوت البراءة ، والجملة الثانية إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت من البراءة الواصلة من الله ورسوله إلى المعاهدين والناكثين لجميع الناس ، من عاهد منهم ومن لم يعاهد * ( يوم الحج الاكبر ) * يوم عرفة ، وقيل :
* ( هامش ) * ( 1 ) قاله محمد بن كعب القرظي ومجاهد والسدي والحسن وهو قول الصادق ( عليه السلام ) . راجع التبيان : ج 5 ص 169 ، وتفسير الماوردي : ج 2 ص 338 . ( 2 ) رواه ابن كثير من طرق عديدة في تفسيره : ج 2 ص 318 - 319 . ( 3 ) يريد به مجمع البيان : ج 5 - 6 ص 3 . ( 4 ) تفسير العياشي : ج 2 ص 74 ح 7 . ( 5 ) قاله مجاهد على ما حكاه عنه الزمخشري في الكشاف : ج 2 ص 243 . ( 6 ) وهو قول محمد بن كلب القرظي وغيره كما في تاريخ الطبري : ج 2 ص 383 . ( * )

/ صفحة 46 /
يوم النحر ( 1 ) ، لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله ( 2 ) . وروي أن عليا ( عليه السلام ) أخذ رجل بلجام دابته فقال : ما الحج الأكبر ؟ فقال : " يومك هذا ، خل عن دابتي " ( 3 ) . * ( أن الله برئ ) * حذفت الباء تخفيفا ، وقرئ في الشواذ : " إن الله " بالكسر ( 4 ) ، لأن الأذان في معنى القول * ( ورسوله ) * عطف على الضمير في * ( برئ ) * أو على محل " إن " المكسورة واسمها ، وقرئ بالنصب ( 5 ) عطفا على اسم " إن " ، أو لأن الواو بمعنى " مع " ، * ( فإن تبتم ) * من الكفر والغدر * ( فهو خير لكم ) * من الإقامة عليهما * ( وإن توليتم ) * عن الإيمان * ( فاعلموا أنكم غير معجزى الله ) * غير سابقين الله ، ولا فائتين بأسه وعذابه . * ( إلا الذين عهدتم من المشركين ) * استثناء من * ( فسيحوا في الارض ) * لأن الاستثناء بمعنى الاستدراك ، والمعنى : ولكن الذين لم ينكثوا ولم ينقصوا من شرط العهد * ( شيا ولم يظهروا عليكم أحدا ) * من أعدائكم * ( فأتموا إليهم عهدهم إلى ) * انقضاء * ( مدتهم ) * التي وقع العهد إليها ، ولا تجعلوا الوفي كالغادر . * ( فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
* ( هامش ) * ( 1 ) في رواية عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعلي ( عليه السلام ) والصادق ( عليه السلام ) وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير و عبد الله بن أبي أوفي وإبراهيم ومجاهد وابن مسعود والمغيرة بن شعبة وأبي هريرة والشعبي والنخعي والزهري وعطاء وابن زيد والسدي واختاره الطبري . راجع تفسير الماوردي : ج 2 ص 339 ، وتفسير الطبري : ج 6 ص 311 - 316 . ( 2 ) في بعض النسخ : أحواله . ( 3 ) أخرجه الطبري في تفسيره : ج 6 ص 312 ح 16422 . ( 4 ) قرأه الحسن والأعرج . راجع البحر المحيط لأبي حيان : ج 5 ص 6 . ( 5 ) وهي قراءة الحسن وزيد بن علي وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق . راجع تفسير القرطبي : ج 8 ص 70 ، والبحر المحيط لأبي حيان : ج 5 ص 6 . ( * )

/ صفحة 47 /
وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوا ة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ( 5 ) وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلم الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ( 6 ) ) * أي : * ( إذا انسلخ الاشهر ) * التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا في الأرض * ( فاقتلوا المشركين ) * فضعوا السيف فيهم حيث كانوا وأين وجدوا ، في حل أو حرم * ( وخذوهم ) * أي : أيسروهم ، والأخيذ : الأسير * ( واحصروهم ) * أي : قيدوهم وامنعوهم من التصرف في البلاد ، وقيل : حولوا بينهم وبين المسجد الحرام ( 1 ) * ( واقعدوا لهم كل مرصد ) * أي : كل ممر وطريق ترصدونهم به ، وانتصب ( 2 ) على الظرف كقوله : * ( لاقعدن لهم صرا طك المستقيم ) * ( 3 ) ، * ( فخلوا سبيلهم ) * أي : دعوهم يتصرفون في البلاد ، أو : فكوا ( 4 ) عنهم ولا تتعرضوا لهم ، أو : دعوهم يحجوا ويدخلوا المسجد الحرام * ( إن الله غفور رحيم ) * يغفر لهم ما قد سلف من كفرهم وغدرهم . * ( أحد ) * مرفوع بفعل الشرط وهو مضمر يفسره الظاهر ، تقديره : وإن استجارك أحد استجارك ، والمعنى : وإن جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر لاعهد
بينك وبينه فاستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من القرآن والدين فأمنه * ( حتى يسمع كلم الله ) * ويتدبره ، فإن معظم الأدلة فيه * ( ثم أبلغه مأمنه ) * بعد ذلك ، يعني داره التي يأمن فيها إن لم يسلم ، ثم قاتله إن شئت من غير غدر ولا خيانة ، وهذا الحكم
* ( هامش ) * ( 1 ) قاله ابن عباس على ما حكاه عنه الزمخشري في الكشاف : ج 2 ص 247 . ( 2 ) في بعض النسخ : والنصب . ( 3 ) الأعراف : 16 . ( 4 ) في نسخة : فكفوا . ( * )

/ صفحة 48 /
ثابت في كل وقت * ( ذلك ) * أي : ذلك الأمر بالإجارة * ( ب‍ ) * سبب * ( أنهم قوم ) * جهلة * ( لا يعلمون ) * الإيمان فأمنهم حتى يسمعوا ويعلموا . * ( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عهدتم عند المسجد الحرام فما استقموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين ( 7 ) كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفوا ههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فسقون ( 8 ) ) * * ( كيف يكون للمشركين عهد ) * صحيح ومحال أن يثبت لهم عهد مع إضمارهم الغدر والنكث ، فلاتطمعوا في ذلك ، ولكن * ( الذين عهدتم ) * منهم * ( عند المسجد الحرام ) * ولم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة ، فتربصوا أمرهم ولا تقاتلوهم * ( فما استقموا لكم ) * على العهد * ( فاستقيموا لهم ) * على مثله . * ( كيف ) * تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد ، وحذف الفعل لكونه معلوما ، أي : * ( كيف ) * يكون لهم عهد * ( و ) * حالهم أنهم * ( إن يظهروا عليكم ) * ويظفروا بكم بعد ما سبق لهم من الأيمان والمواثيق * ( لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ) * أي : لا يحفظوا فيكم قرابة ولاعهدا ، قال حسان ( 1 ) : لعمرك إن إلك من قريش * كإل السقب من رأل النعام ( 2 )
* ( هامش ) * ( 1 ) حسان بن ثابت ، ويكنى أبا الوليد ، أصله من الخزرج ، ولد بالمدينة عام 563 م ، كان أشعر أهل المدينة في زمانه وأهم شعراء الدعوة الإسلامية ، فقد مدح الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، ونظم المراثي في شهداء المسلمين ، ونظم أيضا في هجاء الخصوم والمنافقين ، وكانت أشعاره في هجاء قريش وحدها كثيرة جمعها المدائني في كتاب أسماه : " هجاء حسان لقريش " يقال : توفي وله من العمر مائة وعشرين عاما ، وعدوه من المعمرين . انظر الشعر والشعراء لابن قتيبة : ص 170 وما بعده . ( 2 ) انظر ديوان حسان بن ثابت : ج 1 ص 394 . ( * )

/ صفحة 49 / وقيل : إلا : حلفا ( 1 ) ، وقيل : إلا : إلها ( 2 ) * ( يرضونكم ) * كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الباطن الظاهر ، وإباء القلوب : مخالفة ما فيها من الأضغان لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل * ( وأكثرهم فسقون ) * متمردون في الكفر والشرك ، لامروءة تردعهم كما توجد في بعض الكفار من التعفف عما يثلم العرض والتفادي عن النكث . * ( اشتروا بايت الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون ( 9 ) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون ( 10 ) فإن تابوا وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة فإخوا نكم في الدين ونفصل الايت لقوم يعلمون ( 11 ) وإن نكثوا أيمنهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمن لهم لعلهم ينتهون ( 12 ) ألاتقتلون قوما نكثوا أيمنهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ( 13 ) ) * استبدلوا * ( بايت الله ) * أي : بالقرآن والإسلام * ( ثمنا قليلا ) * وهو اتباع الأهواء والشهوات * ( فصدوا عن سبيله ) * فعدلوا عنه وصرفوا غيرهم . و * ( المعتدون ) * المجاوزون الغاية في الظلم والكفر . * ( فإن تابوا ) * عن الكفر ونقض العهد * ( ف‍ ) * هم * ( إخوا نكم ) * حذف المبتدأ * ( ونفصل الايت ) * ونبينها ، وهذا اعتراض ، فكأنه قيل : ومن تأمل تفصيلها فهو العالم . * ( وإن نكثوا ) * أي : نقضوا عهودهم * ( بعد ) * أن عقدوها * ( وطعنوا في
* ( هامش ) * ( 1 ) قاله قتادة . راجع تفسير الطبري : ج 6 ص 326 ح 16522 . ( 2 ) قاله سعيد بن جبير ومجاهد وأبو مجلز . راجع تفسير الطبري : ج 6 ص 325 ، وتفسير السمرقندي : ج 2 ص 35 . ( * )

/ صفحة 50 /
دينكم ) * وعابوه * ( فقتلوا أئمة الكفر ) * أي : فقاتلوهم ، وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بأنهم إذا نكثوا في حال الشرك تمردا وطرحا لعادات الكرام الأوفياء من العرب ثم آمنوا * ( وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة ) * وصاروا إخوانا للمسلمين * ( في الدين ) * ثم رجعوا فارتدوا عن الإسلام ونكثوا مابايعوا عليه من الايمان وطعنوا في دين الله فهم رؤساء الكفر والضلالة والمتقدمون فيه . وعن حذيفة : لم يأت أهل هذه الآية بعد ( 1 ) . وقرأ علي ( عليه السلام ) هذه الآية يوم الجمل ، ثم قال : " أما والله لقد عهد إلي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقال لي : يا علي لتقاتلن الفئة الناكثة والفئة الباغية والفئة المارقة " ( 2 ) .
* ( إنهم لا أيمن لهم ) * أي : لا عهود لهم يعني : لا يحفظونها ، وقرئ بكسر الهمزة ( 3 ) ، أي : فلا يعطون الأمان بعد النكث والردة ، أو لا إسلام لهم ولا إيمان على الحقيقة ، ولا اعتبار بما أظهروه من الإيمان * ( لعلهم ينتهون ) * يتعلق ب‍ " قتلوا " أي : ليكن غرضكم في مقاتلتهم أن ينتهوا عما هم عليه ، وهذا من غاية كرمه سبحانه وفضله . * ( ألاتقتلون ) * دخلت الهمزة للتقرير ، ومعناه : الحض على المقاتلة * ( نكثوا أيمنهم ) * التي عقدوها * ( وهموا بإخراج الرسول ) * من مكة حين تشاوروا في أمره حتى أذن الله له في الهجرة فخرج بنفسه * ( وهم بدءوكم ) * بالمقاتلة والبادئ أظلم ، فما يمنعكم أن تقاتلوهم بمثله ؟ ! * ( أتخشونهم ) * تقريع بالخشية منهم وتوبيخ عليها * ( فالله أحق أن تخشوه ) * فقاتلوا أعداءه * ( إن كنتم مؤمنين ) * فإن المؤمن لا يخشى إلا الله .
* ( هامش ) * ( 1 ) حكاه عنه الطبري في تفسيره : ج 6 ص 330 . ( 2 ) تفسير العياشي : ج 2 ص 78 ح 25 . ( 3 ) وهي قراءة الحسن وابن عامر . راجع التبيان : ج 5 ص 181 . ( * )

/ صفحة 51 /
*( قتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ( 14 ) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشآء والله عليم حكيم ( 15 ) أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولارسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون ( 16 ) ) * وبخهم بترك القتال ، ثم أكد ذلك بالأمر بالقتال فقال : * ( قتلوهم ) * ، ثم وعدهم أنه * ( يعذبهم ) * بأيديهم قتلا ، ويخزيهم أسرا ، وينصرهم * ( عليهم ) * ويشفي * ( صدور ) * طائفة من المؤمنين وهم خزاعة ( 1 ) ، وعن ابن عباس : هم بطون من اليمن قدموا مكة وأسلموا فلقوا منهم أذي ، فقال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " أبشروا فإن الفرج قريب " ( 2 ) . * ( ويذهب غيظ قلوبهم ) * لما لقوا منهم من المكروه ، وقد أنجز الله هذه المواعيد كلها لهم ، فكان ذلك دليلا على صحة نبوة نبيه ( عليه السلام ) * ( ويتوب الله على من يشآء ) * استئناف كلام ، وفيه إخبار بأن بعض أهل مكة سيتوب عن كفره ، وقد كان ذلك - أيضا - فقد أسلم كثير منهم * ( والله عليم ) * يعلم ماسيكون كما يعلم ما قد كان * ( حكيم ) * لا يفعل إلا ما فيه الحكمة . * ( أم ) * منقطعة وفي الهمزة معنى التوبيخ ، يعني : أنكم لاتتركون على ما أنتم عليه حتى يميز المخلصون منكم وهم ( 3 ) المجاهدون في سبيل الله لوجه الله * ( ولم يتخذوا . . . وليجة ) * أي : بطانة وأولياء يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم ، و * ( لما ) * معناها التوقع ، ودلت على أن تميز ذلك وإيضاحه متوقع ، وقوله :
* ( هامش ) * ( 1 ) وخزاعة : حي من الأزد ، سموا ذلك لأن الأزد لما خرجت من مكة لتتفرق في البلاد تخلفت عنهم خزاعة وأقامت بها ، وخزع فلان عن أصحابه : أي تخلف . انظر الصحاح : مادة خزع . ( 2 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف : ج 2 ص 252 . ( 3 ) في نسخة زيادة : المهاجرون . ( * )

/ صفحة 52 /
* ( ولم يتخذوا ) * عطف على * ( جهدوا ) * فهو داخل - أيضا - في الصلة ، فكأنه قيل : ولما يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتخذين وليجة من دون الله ، والوليجة : فعيلة من ولج ، كالدخيلة من دخل ، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كما يقال : ما علم الله ما قيل في فلان أي : ما وجد ذلك منه . * ( ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله شهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعملهم وفي النار هم خلدون ( 17 ) إنما يعمر مسجد الله من ءامن بالله واليوم الاخر وأقام الصلوة وءاتى الزكوة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ( 18 ) ) * * ( ما ) * صح * ( للمشركين ) * وما استقام لهم * ( أن يعمروا مسجد الله ) * يعني : عمارة المسجد الحرام ، وإنما جمع لأن كل موضع منه مسجد ، أو لأنه قبلة المساجد كلها فعامره كعامر جميع المساجد ، أو أريد جنس المساجد فيدخل فيه ما هو صدرها ومقدمها ، وقرئ : " مسجد الله " ( 1 ) ، * ( شهدين ) * حال من الواو في * ( يعمروا ) * ، ومعنى شهادتهم * ( على أنفسهم بالكفر ) * : ظهور كفرهم ، وأنهم نصبوا أصنامهم حول البيت وطافوا حول البيت عراة ، وكلما طافوا شوطا سجدوا لها ، وقيل : هو قولهم : لبيك لا شريك لك ، إلا شريك هولك ، تملكه وما ملك ( 2 ) . وروي : أن المهاجرين والأنصار عيروا أسارى بدر ، ووبخ علي العباس بقتال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقطيعة الرحم ، فقال العباس : تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا ؟ فقالوا : أولكم محاسن ؟ قالوا : نعم ، إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب
* ( هامش ) * ( 1 ) قرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب . راجع التبيان : ج 5 ص 188 ، وفي تفسير القرطبي : ج 8 ص 89 : هي قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن محيصن .
( 2 ) حكاه الزمخشري في الكشاف : ج 2 ص 253 . ( * )

/ صفحة 53 /
الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني ( 1 ) ، فنزلت ( 2 ) . * ( أولئك حبطت أعملهم ) * التي هي العمارة والسقاية والحجابة وفك العناة . * ( إنما يعمر ) * أي : إنما يستقيم عمارة هؤلاء ، والعمارة تتناول : بناها ورم مااسترم منها ، وكنسها وتنظيفها ، وتنويرها بالمصابيح ، وزيارتها للعبادة والذكر - ومن الذكر درس العلم بل هو أفضله وأجله - وصيانتها من فضول الكلام . وفي الحديث : " يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد يقعدون فيها حلقا ، ذكرهم الدنيا وحب الدنيا ، لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة " ( 3 ) . * ( ولم يخش إلا الله ) * يعني : الخشية والتقوى في أبواب الدين ، وأن لا يختار على رضاء الله رضاء غيره . * ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن بالله واليوم الاخر وجهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظلمين ( 19 ) الذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل الله بأموا لهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون ( 20 ) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوا ن وجنت لهم فيها نعيم مقيم ( 21 ) خلدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم ( 22 ) ) * التقدير : * ( أجعلتم ) * أهل * ( سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن بالله ) * ويعضده قراءة من قرأ : " سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام " ( 4 ) ، وهو إنكار
* ( هامش ) * ( 1 ) العاني : الأسير . ( القاموس المحيط : مادة عنا ) . ( 2 ) رواها الطبري في تفسيره : ج 6 ص 336 ح 16572 . ( 3 ) الكشاف : ج 2 ص 254 ، ونحوه في مستدرك الحاكم : ج 4 ص 323 . ( 4 ) وهي قراءة ابي بن كعب وابن الزبير وأبي وجزة السعدي ويزيد بن القعقاع . راجع تفسير البغوي : ج 2 ص 276 ، وتفسير القرطبي : ج 8 ص 91 . ( * )
 
/ صفحة 54 /
تشبيه المشركين بالمسلمين ، وتشبيه أعمالهم المحبطة بأعمالهم المثبتة وأن يسوى بينهم ، وجعلت تسويتهم ظلما بعد ظلمهم بالكفر ، أي : هم * ( أعظم درجة عند الله ) * من غيرهم من المؤمنين الذين لم يفعلوا هذه الأشياء * ( وأولئك هم الفائزون ) * المختصون بالفوز ، ونكر المبشر به من الرحمة والرضوان والنعيم المقيم ، لوقوع ذلك وراء صفة الواصف وتعريف المعرف . * ( يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ءابآءكم وإخوا نكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمن ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظلمون ( 23 ) قل إن كان أآباؤكم وأبناؤكم وإخوا نكم وأزوا جكم وعشيرتكم وأموا ل اقترفتموها وتجرة تخشون كسادها ومسكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفسقين ( 24 ) ) * لما أمر المؤمنون بالهجرة وأرادوا أن يهاجروا ، فمنهم من تعلقت به زوجته ، ومنهم من تعلق به أبواه وأولاده ، فكانوا يمنعونهم من الهجرة فيتركونها لأجلهم ، فبين سبحانه أن أمر الدين مقدم على النسب ، وإذا وجب قطع قرابة الوالدين والولد فالأجنبي أولى * ( إن استحبوا الكفر ) * أي : اختاروه * ( على الإيمن ) * . وفي الحديث : " لا يجد أحدكم طعم الايمان حتى يحب في الله ويبغض في الله " ( 1 ) . وقرئ : * ( عشيرتكم ) * على الواحد ( 2 ) ، * ( فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ) * وعيد ، عن الحسن : بعقوبة عاجلة أو آجلة ( 3 ) ، وهذه آية شديدة كلف المؤمن
* ( هامش ) * ( 1 ) رواه الزمخشري في الكشاف : ج 2 ص 257 مرسلا ، ونحوه البيهقي في السنن : ج 10 ص 232 . ( 2 ) الظاهر أن المصنف قد اعتمد قراءة الجمع ، أي بالف بعد الراء هنا . ( 3 ) تفسير الحسن البصري : ج 1 ص 411 . ( * )
 
/ صفحة 55 /
فيها أن يتجرد من الآباء والأبناء والعشائر وجميع حظوظ الدنيا لأجل الدين . اللهم وفقنا لما يوافق رضاك حتى نحب فيك الأبعدين ونبغض فيك الاقربين . * ( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ( 25 ) ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكفرين ( 26 ) ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء والله غفور رحيم ( 27 ) ) * * ( مواطن ) * الحرب : مقاماتها ومواقفها ، و * ( حنين ) * : واد بين مكة والطائف ، كانت فيه الوقعة بين المسلمين وهم اثنا عشر ألفا منهم عشرة آلاف حضروا فتح مكة وقد انضم إليها من الطلقاء ألفان ، وبين هوازن وثقيف وهم أربعة آلاف في من انضوى إليهم من أمداد ( 1 ) العرب ، فلما التقوا قال رجل من المسلمين : لن نغلب اليوم من قلة ، فساءت مقالته رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وقيل : إن قائلها أبو بكر ( 2 ) وذلك قوله : * ( أعجبتكم كثرتكم ) * فاقتتلوا قتالا شديدا ، وأدركت المسلمين كلمة
الإعجاب بالكثرة فانهزموا حتى بلغ فلهم ( 3 ) مكة ، وبقي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في مركزه لا يتحلحل ( 4 ) ، وبقي علي ( عليه السلام ) ومعه الراية يقاتلهم والعباس بن عبد المطلب آخذ بلجام بغلة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن يمينه وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ( 5 )
* ( هامش ) * ( 1 ) بفتح الهمزة بمعنى الجيش والقوت ، وبكسرها بمعنى الإعانة . ( المصباح المنير : مادة مدد ) . ( 2 ) ذكره الزمخشري في الكشاف : ج 2 ص 259 . ( 3 ) فلهم : انهزامهم . ( القاموس المحيط : مادة فل ) . ( 4 ) تحلحل عن مكانه : زال . ( القاموس المحيط : مادة حلحل ) . ( 5 ) هو المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب ، ابن عم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأخاه من الرضاعة ، أرضعته حليمة السعدية ، فلما بعث النبي ( صلى الله عليه وآله ) عاداه وهجاه ، وكان شاعرا ، وأسلم عام الفتح هو = ( * )

/ صفحة 56 /
عن يساره في تسعة من بني هاشم وعاشرهم أيمن بن أم أيمن ( 1 ) ، وقتل يومئذ ، وقال ( عليه السلام ) للعباس - وكان صيتا - : صح بالناس ، فنادى : يا معشر المهاجرين والأنصار ، يا أهل بيعة الشجرة ، يا أصحاب سورة البقرة ، إلى أين تفرون ؟ هذا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فكروا وهم يقولون : لبيك لبيك ، ونزلت الملائكة عليهم البياض على خيول بلق ، فنظر رسول الله إلى قتال المسلمين فقال : الآن حمي الوطيس ، أنا النبي لاكذب ، أنا ابن عبد المطلب ، ونزل النصر من عند الله وانهزمت هوازن ( 2 ) . قوله : * ( بما رحبت ) * : * ( ما ) * مصدرية ، والباء بمعنى " مع " ، أي : مع رحبها ، والجار والمجرور في موضع الحال ، والمعنى : لا تجدون موضعا تستصلحونه لهربكم إليه لفرط رعبكم ، فكأنها ضاقت عليكم * ( ثم وليتم مدبرين ) * ثم انهزمتم . * ( ثم أنزل الله سكينته ) * رحمته التي سكنوا بها * ( على رسوله وعلى المؤمنين ) * الذين ثبتوا معه * ( وعذب الذين كفروا ) * بالقتل والأسر وسبي النساء والذراري وسلب الأموال . * ( ثم يتوب الله ) * أي : يسلم من بعد ذلك ناس منهم ، وقيل : إنه سبي يومئذ ستة آلاف نفس ، وأخذ من الإبل والبقر مالايحصى ( 3 ) . * ( يأيها الذين ءامنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شآء إن الله عليم حكيم ( 28 ) ) *
* ( هامش ) * = وولده جعفر ، مات في خلافة عمر سنة عشرين وصلى عليه عمر ودفن بالبقيع . انظر الكنى والألقاب للقمي : ج 1 ص 86 . ( 1 ) هو أيمن بن عبيد بن عمرو بن الخزرج ، وامه ام أيمن بركة مولاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وكان من المهاجرين الأولين ، هاجر هو وامه ام أيمن مع علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) لما هاجر بالفواطم بأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وكان أحد العشرة الذين ثبتوا يوم حنين وفيها قتل . انظر أعيان الشيعة : ج 3 ص 522 . ( 2 ) انظر تفسير القمي : ج 1 ص 285 - 288 . ( 3 ) قاله سعيد بن المسيب على ما حكاه القرطبي في تفسيره : ج 8 ص 102 . ( * )
 
/ صفحة 57 /
" النجس " مصدر ، ومعناه : ذونجس ، لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس ، أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها مبالغة في وصفهم بها ، وعن ابن عباس : أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير ( 1 ) ، وعن الحسن : من صافح مشركا توضأ ( 2 ) . وعن الصادقين ( عليهما السلام ) : " من صافح الكافر ويده رطبة غسل يده ، وإلا مسحها بالحائط " ( 3 ) . * ( فلا يقربوا المسجد الحرام ) * فلا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلون في الجاهلية * ( بعد ) * حج * ( عامهم هذا ) * وهو عام تسع من الهجرة * ( وإن خفتم عيلة ) * أي : فقرا بسبب منع المشركين من الحج وما كان لكم في قدومهم عليكم من الأرفاق والمكاسب * ( فسوف يغنيكم الله من فضله ) * من عطائه وتفضله على وجه آخر ، فأسلم أهل جدة وصنعاء وجرش ( 4 ) وتبالة ( 5 ) فحملوا الطعام إلى مكة فكان ذلك أعود عليهم ، وأرسل السماء عليهم مدرارا أكثر بها خيرهم . * ( قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم
* ( هامش ) * ( 1 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف : ج 2 ص 261 . ( 2 ) تفسير الحسن البصري : ج 1 ص 412 . ( 3 ) كذا في النسخ ، والظاهر هو سهو ، إذ لم نعثر عليه بهذه الألفاظ ولا قريب منها عنهما ( عليهما السلام ) ، ولكن وجدناه قولا منسوبا الى أصحابنا - كما في مجمع البيان نسبه الى أصحابنا - وليس حديثا مرويا . انظر تهذيب الأحكام : ج 1 ص 262 ، ومجمع البيان : ج 5 - 6 ص 20 . ( 4 ) جرش : من مخاليف اليمن من جهة مكة ، وقيل : هي مدينة عظيمة باليمن وولاية واسعة ، وذكر بعض أهل السير أن تبعا خرج من اليمن غازيا حتى إذا كان بجرش وهي إذ ذاك خربة فخلف بها جمعا ممن كان صحبه ورأى فيهم ضعفا وقال : اجرشوا هاهنا ، أي : اثيروا فسميت جرش بذلك . انظر معجم البلدان للحموي : ج 2 ص 59 - 61 . ( 5 ) تبالة : موضع باليمن أيضا ، قال ياقوت : وأسلم أهل تبالة وجرش عن غير حرب ، فأقرها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في أيدي أهلهما على ما أسلموا عليه وجعل على كل حالم ممن بهما من أهل الكتاب دينارا واشترط عليهم ضيافة المسلمين . انظر المعم : ج 1 ص 816 . ( * )

/ صفحة 58 /
الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صغرون ( 29 ) ) * عن ابن عباس : ألقى الشيطان في قلوبهم الخوف وقال : من أين تأكلون ؟ فأمرهم الله تعالى بقتال أهل الكتاب ، وأغناهم بالجزية وبفتح البلاد والغنائم ( 1 ) * ( من الذين أوتوا الكتب ) * بيان ل‍ * ( الذين ) * مع ما في حيزه ، نفي عن اليهود والنصارى الإيمان بالله ، لأنهم أضافوا إليه مالا يليق به ، ونفي عنهم الإيمان * ( باليوم الاخر ) * لأنهم في ذلك على خلاف ما ينبغي ، ونفي عنهم تحريم * ( ما حرم الله ورسوله ) * لأنهم لا يحرمون ما حرم في الكتاب والسنة . وسميت الجزية جزية لأنها قطعة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه * ( عن يد ) * : إما أن يراد يد المعطي ، أو يد الاخذ ، فمعناه على الأول : * ( حتى يعطو ) * ها عن يد مؤاتية غير ممتنعة ، كما يقال : أعطى بيده : إذا أصحب وانقاد ، أو حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدا غير نسيئة ولامبعوثا على يد أحد . ومعناه على إرادة يد الآخذ : حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية أو عن إنعام عليهم * ( وهم صغرون ) * أي : تؤخذ منهم الجزية على الصغار والذل ، وهو أن يأتي بها بنفسه ماشيا غير راكب ، ويسلمها وهو قائم والآخذ جالس ، وأن يؤخذ بتلبيبه ( 2 ) ويقال له : أدها . * ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصرى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفوا ههم يضهون قول الذين كفروا من قبل قتلهم الله أنى
* ( هامش ) * ( 1 ) حكاه عنه الطبري في تفسيره : ج 6 ص 346 ح 16612 . ( 2 ) لببت الرجل تلبيبا : إذا جمعت ثيابه عند صدره ونحوه في الخصومة ثم جررته . ( الصحاح : مادة لبب ) . ( * )
 
/ صفحة 59 /
يؤفكون ( 30 ) اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها وا حدا لا إله إلا هو سبحنه عما يشركون ( 31 ) يريدون أن يطفوا نور الله بأفوا ههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكفرون ( 32 ) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ( 33 ) ) * * ( عزير ابن الله ) * مبتدأ وخبر ، وهو اسم أعجمي ، ولعجمته وتعريفه امتنع من الصرف ، ومن نونه جعله عربيا ، وإنما قال ذلك جماعة من اليهود ولم يقله كلهم * ( ذلك قولهم بأفوا ههم ) * معناه : أنهم اخترعوه بأفواههم ولم يأتهم به كتاب ، ومالهم به حجة * ( يضهون قول الذين كفروا ) * أي : يضاهي قولهم قولهم ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، والمعنى : أن الذين كانوا في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم ، يريد أنه كفر قديم فيهم ، أو : يضاهي قولهم قول المشركين : " إن الملائكة بنات الله " ، وقرئ : * ( يضهون ) * بالهمزة من قولهم : امرأة ضهيأ على فعيل ، وهي التي ضاهأت الرجال في أنها لا تحيض * ( قتلهم الله ) * أي : لعنهم * ( أنى يؤفكون ) * كيف يصرفون عن الحق . * ( اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابا ) * بأن أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ماحلله ، كما يطاع الأرباب في أوامرهم * ( والمسيح ابن مريم ) * أهلوه للعبادة حين جعلوه ابنا لله * ( وما أمروا إلا ليعبدوا إلها وا حدا ) * أمرتهم بذلك أدلة العقل والنصوص في التوراة والإنجيل * ( سبحنه ) * تنزيه له عن الاشراك واستبعاد له . * ( يريدون أن يطفوا نور الله بأفوا ههم ) * مثل سبحانه حالهم في طلبهم إبطال
/ صفحة 60 / نبوة محمد ( صلى الله عليه وآله ) بتكذيبه بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم ، يريد الله أن يبلغه الغاية القصوى من الإضاءة والإنارة ليطفئه بنفخه * ( ليظهره ) * أي : ليظهر الرسول على أهل الأديان كلهم ، أو ليظهر دين الحق على كل دين ، وقد أجرى " أبى " مجرى لم يرد ، ولذلك قابل * ( يريدون أن يطفوا ) * بقوله : * ( ويأبى الله ) * فكأنه قال : ولا يريد الله إلا أن يتم نوره . * ( يأيها الذين ءامنوا إن كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون أموا ل الناس بالبطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ( 34 ) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ( 35 ) ) * أكل المال * ( بالباطل ) * : عبارة عن أخذه وتناوله من الجهة التي يحرم منها أخذه ، والمعنى : أنهم كانوا يأخذون الرشا في الاحكام وفي تخفيف الشرائع عن عوامهم * ( والذين يكنزون ) * يحتمل أن يكون إشارة إلى الكثير من الاحبار والرهبان ، ويحتمل أن يكون المراد به المسلمين الكانزين غير المنفقين ، قرن بينهم وبين المرتشين من اليهود والنصارى ، وعنى بترك الإنفاق في سبيل الله : منع الزكاة . وفي الحديث : " ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان باطنا ، وما بلغ أن يزكى فلم يزك فهو كنز وإن كان ظاهرا " ( 1 ) . * ( ولا ينفقونها ) * الضمير يرجع إلى المعنى ، لأن كل واحد من الذهب والفضة
* ( هامش ) * ( 1 ) رواه الشيخ الطوسي في أماليه : ج 2 ص 133 باسناده عن الرضا عن آبائه ( عليهم السلام ) عنه ( صلى الله عليه وآله ) . ( * )

/ صفحة 61 /
جملة وافية : دنانير ودراهم ، فهو كقوله : * ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) * ( 1 ) وقيل : معناه : ولا ينفقونها والذهب ( 2 ) ، كما أن معنى قوله : فإني وقيار بها لغريب ( 3 ) وقيار كذلك ، وإنما خص الذهب والفضة من بين الأموال بالذكر لأنهما قانون التمول وأثمان الأشياء ، ولا يكنزهما إلا من فضلا عن حاجته . * ( يوم يحمى عليها في نار جهنم ) * أي : يوقد على الكنوز أو على الذهب والفضة حتى تصير نارا * ( فتكوى بها ) * أي : بتلك الكنوز المحماة * ( جباههم وجنوبهم وظهورهم ) * خصت هذه الأعضاء لأنهم لم يطلبوا بترك الإنفاق إلا الأغراض الدنيوية : من وجاهة عند الناس وأن يكون ماء وجوههم مصونا ، ومن أكل الطيبات يتضلعون منها فينفخون جنوبهم ، ومن لبس ثياب ناعمة يطرحونها على ظهورهم ، وقيل : لأنهم كانوا يعبسون وجوههم للفقير ويولونه جنوبهم في المجالس وظهورهم ( 4 ) * ( هذا ما كنزتم ) * على إرادة القول * ( لانفسكم ) * لانتفاع أنفسكم * ( فذوقوا ) * وبال الذي * ( كنتم تكنزون‍ ) * - ه ، أو وبال كونكم كانزين . * ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتب الله يوم خلق السموات والارض منهآ أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقتلوا المشركين كآفة كما يقتلونكم كآفة واعلموا
* ( هامش ) * ( 1 ) الحجرات : 9 . ( 2 ) قاله الزجاج في معاني القرآن : ج 2 ص 445 . ( 3 ) وصدره : ومن يك أمسى بالمدينة رحله . وقائله ضابئ بن الحارث البرجمي ، أنشده في حبس عثمان بن عفان ، وكان يريد أن يفتك بعثمان فحبسه ولم يزل فيه الى أن مات . راجع الكامل للمبرد : ج 1 ص 320 . ( 4 ) قاله أبو بكر الوراق كما حكاه عنه البغوي في تفسيره : ج 2 ص 289 . ( * )

/ صفحة 62 /
أن الله مع المتقين ( 36 ) ) * * ( في كتب الله ) * أي : في اللوح المحفوظ ، أو في القرآن ، أو فيما أثبته من حكمه ورآه حكمة وصوابا * ( منهآ أربعة حرم ) * ثلاثة سرد : ذوالقعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، وواحد فرد وهو رجب ، ومنه قوله صلوات الله عليه في خطبته في حجة الوداع : " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، السنة : اثنا عشر شهرا ، منها أربعة حرم " ( 1 ) . والمعنى : رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه ، وعاد الحج في ذي الحجة ، وبطل النسئ الذي كان في الجاهلية * ( ذلك الدين القيم ) * يعني : أن تحريم الأشهر الأربعة هو الدين المستقيم : دين إبراهيم وإسماعيل ، وكانت العرب قد تمسكت به وراثة منهما ، وكانوا يعظمون الأشهر الحرم ، ويحرمون القتال فيها ، حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه ( 2 ) لم يهجه ، وسموا رجبا : الأصم ( 3 ) ومنصل الأسنة ( 4 ) حتى أحدثوا النسئ فغيروا ، وقيل : ذلك الحساب القيم لا ما أحدثوه من النسئ ( 5 ) * ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) * بأن تجعلوا حرامها حلالا * ( كآفة ) * حال من الفاعل أو المفعول * ( مع المتقين ) * أي : ناصرهم ، حثهم على التقوى بضمان النصرة لأهلها . * ( إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما
* ( هامش ) * ( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام : ج 4 ص 251 ، السيرة الحلبية للحلبي الشافعي : ج 3 ص 256 ، الكشاف : ج 2 ص 269 ، تفسير البغوي : ج 2 ص 290 ، تفسير القرطبي : ج 8 ص 133 . ( 2 ) في نسخة زيادة : وأخيه . ( 3 ) قال الفيومي : إنما سمي شهر رجب بالأصم لأنه كان لا يسمع فيه حركة قتال ولانداء مستغيث . المصباح المنير : مادة " صمت " . ( 4 ) وقال : المنصل من أنصله ، أي نزع نصله ، والمراد : أن شهر رجب حيث إنهم لا يقاتلون فيه فكأنه هو الذي نزع نصل الأسنة . انظر المصدر نفسه : مادة نصل . ( 5 ) قاله ابن قتيبة . راجع تفسير الماوردي : ج 2 ص 360 . ( * )

/ صفحة 63 /
ويحرمونه عاما ليواطوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعملهم والله لا يهدي القوم الكفرين ( 37 ) ) * * ( النسئ ) * تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر ، وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب ، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة ، فكانوا يحلونه ويحرمون مكانه شهرا آخر ، وذلك قوله : * ( ليواطوا عدة ما حرم الله ) * أي : ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوها ، وقد خالفوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم ، وربما زادوا في عدة الشهور فيجعلونها ثلاثة عشر شهرا ليتسع لهم الوقت ، ولذلك قال : * ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ) * يعني : من غير زيادة زادوها ، والضمير في * ( يحلونه ) * و * ( يحرمونه ) * ل‍ * ( النسئ ) * أي : إذا أحلوا شهرا من الاشهر الحرم * ( عاما ) * رجعوا فحرموه في العام القابل ، وقرئ : * ( يضل ) * على البناء للمفعول ، وقرئ : " يضل " ( 1 ) على أن الفعل لله تعالى ، " ويضل " قراءة الأكثرين ( 2 ) ، وقرئ : " النسي " بالتشديد ( 3 ) ، وهو تخفيف الهمزة في " النسئ " ، وعن الصادق ( عليه السلام ) : " النسي " ( 4 ) على وزن الهدي ، وهو على إبدال الياء من الهمزة ، وهو مصدر نسأه : إذا أخره ، يقال : نسأه نسئا ونسيئا نحو مسه مسا ومسيسا * ( فيحلوا ما حرم الله ) * معناه : فيحلوا بمواطأة العدة وحدها * ( ما حرم الله ) *
* ( هامش ) * ( 1 ) قرأه ابن مسعود في رواية والحسن والأعمش وأبو عمرو ومجاهد وقتادة وعمرو بن ميمون وأبو رجاء ويعقوب . راجع تفسير القرطبي : ج 8 ص 139 ، والبحر المحيط لأبي حيان : ج 5 ص 40 . ( 2 ) وهي قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو وعاصم برواية أبي بكر . انظر تفسير القرطبي : ج 8 ص 139 . ( 3 ) قرأه أبو جعفر وابن فرج عن البزي والزهري وحميد وورش عن نافع والحلواني . راجع تفسير القرطبي : ج 8 ص 136 ، والبحر المحيط لأبي حيان : ج 5 ص 39 . ( 4 ) ذكرها أبو حيان في البحر المحيط : ج 5 ص 39 . ( * )

/ صفحة 64 /
من القتال * ( زين لهم سوء أعملهم ) * خذلهم الله فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة * ( والله لا يهدي ) * أي : لا يلطف بهم بل يخذلهم . * ( يأيها الذين ءامنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحيوة الدنيا من الاخرة فما متع الحيوة الدنيا في الاخرة إلا قليل ( 38 ) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيا والله على كل شئ قدير ( 39 ) ) * أصله : تثاقلتم ، فأدغمت التاء في الثاء ثم أدخلت همزة الوصل ، أي : تباطأتم ، وضمن معنى الميل فعدي ب‍ " إلى " ، والمعنى : ملتم إلى الدنيا ولذاتها ، وكرهتم مشاق السفر ، ونحوه : * ( أخلد إلى الارض واتبع هوبه ) * ( 1 ) ، وقيل : ملتم إلى الاقامة بأرضكم ودياركم ( 2 ) ، وكان ذلك في غزوة تبوك في سنة عشر بعد رجوعهم من الطائف ، استنفروا في وقت قحط وقيظ مع بعد الشقة وكثرة العدو فشق ذلك عليهم ، وقيل : إنه صلوات الله عليه ما خرج في غزوة إلا ورى عنها بغيرها إلا في غزوة تبوك ، ليستعد الناس تمام العدة ( 3 ) . * ( من الاخرة ) * بدل الآخرة ، ونحوه : * ( لجعلنا منكم ملئكة ) * ( 4 ) ، * ( فما متع الحيوة الدنيا في ) * جنب * ( الاخرة إلا قليل ) * . * ( إلا تنفروا ) * سخط عظيم على المتثاقلين ، حيث هددهم بعذاب عظيم مطلق يتناول عذاب الدارين ، وأنه يهلكهم * ( ويستبدل ) * بهم * ( قوما ) * آخرين خيرا
* ( هامش ) * ( 1 ) الأعراف : 176 . ( 2 ) قاله الزجاج في معاني القرآن : ج 2 ص 447 . ( 3 ) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية : ج 4 ص 159 عن الزهري ويزيد بن رومان و عبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم . ( 4 ) الزخرف : 60 . ( * )