ـ[1]ــ
بأبحاث حول إعجاز القرآن والدفاع عن صيانته من التحريف ، وحجّية القراءات ، ومناقشة
القرّاء ، وقوانين اُصول التفسير
لمؤلّفه:
آية الله العظمى الشيخ محمّد الفاضل اللنكراني(دام ظلّه)
تحقيق و نشر : مركز فقه الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)
ــ[2]ــ
سفيد
ــ[3]ــ
ــ[4]ــ
ــ[5]ــ
ــ[6]ــ
ــ[7]ــ
كتاب
ــ[8]ــ
تقديم
فضيلة الشيخ حسين أنصاريان
ــ[9]ــ
بسم الله الرحمن الرحيم
نزل القرآن الكريم: على صدر الرسول الأكرم ـ منجّماً ـ طيلة ثلاثة وعشرين عاماً ،
وهو الكتاب الذي خطّط للمجتمع الإنساني طريق الهداية والتكامل ، وتعهّده بالصيانة
والأمانة ، كما شرّع له كلّ ما يتطلّبه من حاجات فردية واجتماعية سواء بسواء.
وقد نزلت آياته وسوره وفق مقتضيات الحياة ، وما تصلحها من دساتير وتوجيهات تقيم
فيها العدل ، وتحقّق لها السعادة ، فإنّ هذه الآيات والمعجزات قد ناشدت خصومها
محاكاة هذا الإعجاز ومعارضتها ، الأمر الذي كشف عن عجزهم واستسلامهم أمام تحدّي
القرآن وقاطعيّته ، وبالتالي جلا عن عجزهم وعصبيّتهم تجاه حكومة القرآن وإعجازه.
والقرآن: هو المعجزة الإلهية الخالدة التي جاء بها أعظم الرُّسل وأكرمهم ولذلك فإنّ
النهوض بحقّه هو من أعظم الحقوق وأخطرها ، كما أنّ إقامة سننه وواجباته هي من أخطر
الفروض والواجبات.
والقرآن: هو الكتاب الذي يصعد بالإنسانية إلى أرفع مدارج الكمال ، ويهديها
ــ[10]ــ
إلى سواء السبيل ، وينشد لها السعادة الأبديّة ، التي تمنحها العزّة والرفعة ،
وتجنّبها الذلّ والشقاء ، وهو الكتاب الذي يغدق على الإنسانية كلّ معاني القدرة
والمنعة في مجالات حياته الماديّة والمعنويّة.
والقرآن: هو الكتاب الذي يهدف ـ في ذاته ـ إلى التصعيد بالقوى العقلية ، والمواهب
الفطرية إلى اُفق الابداع والابتكار ، الأمر الذي يهدم في روع الإنسان رواسب
الخرافات والعادات الاجتماعية السيّئة ، والتقاليد الموروثة البالية ، كما يهدف إلى
دعم الروح الإنسانية في إدراكاتها وتصوّراتها السماوية المجرّدة ، وما يرتبط بها من
أسرار النفس ومزاياها.
والقرآن: هو الكتاب الذي تلوح فيه المبادرات العلمية والحضارية التي تأخذ بالبشرية
إلى المسير الذي يتحوّل فيها جميع إبداعاتها وإدراكاتها ، كما يأخذ بها إلى استجلاء
الأسرار والكوامن التي كان يجهلها ، إلى جانب أسرار التوحيد المتمازجة في هذه
الخليقة ، وهكذا يأخذ بها هذا الكتاب إلى المبدأ والمعاد ، وإلى سائر الآيات
الإلهية في براهينه وقصصه ، وهداياته وأنواره.
يقول الإمام الصادق(عليه السلام):
«القرآن: هدى من الضلالة ، وتبيان من العمى ، واستقالة من العثرة ، ونور من الظلمة
، وضياء من الاحداث ، وعصمة من الهلكة ، ورشد من الغواية ، وبيان من الفتن ، وبلاغ
من الدنيا إلى الآخرة ، وفيه كمال دينكم ، وما عدل أحد عن القرآن إلاّ إلى
النار»(1).
والقرآن: هو الكتاب الذي يخوض حقائق كثيرة مختلفة تمثِّل الجانب الآخر من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي ج1 ص439.
ــ[11]ــ
إعجازه ، إذ يكشف الستار عن أسرار الخليقة ، كما يتمثّل فيه الجانب الآخر من إعجازه
، وهو إعجاز الاسلوب ، والنظم ، والبلاغة ، وهكذا يخوض الإخبار عن الغيب ، ومستقبل
العالم ، وما وراء الطبيعة ، والعالم الاُخرى التي لم تصل المعرفة إليها إلاّ عن
طريقه ، كما يتميّز القرآن بالتخطيط السويّ للحياة البشرية المتأرجحة بما فيه من
معالجة النوازع الوجودية التي تنتابه في عرض هذه الحياة وطولها.
وكتاب: هذا مستواه ، وهذا محتواه ، كيف يوجد فيه أدنى اختلاف وهو وحيٌ من الله
يتحدّى بآياته كلّ بليغ وكلّ مبدع ، بل وكلّ عبقري مفكِّر.
وحسبنا أن يعجز عن معارضته في الاسلوب ـ فضلاً عن الحقائق ـ كلّ الأجيال المختلفة
طيلة أربعة عشر قرناً. وحتّى الإنسان المعاصر ، الذي شهد عصر العلم والإبداع إنّما
يريد أن يستدرّ من القرآن الكريم حضارته وثقافته ، وفتوحاته العلمية والاجتماعية
المختلفة.
والكتاب الذي بين أيدينا يجسِّد لنا كلّ هذه النواحي في إعجاز القرآن بالمعايير
العلمية والواقعية ، ولذلك فإنّي اُناشد الباحثين والمحقِّقين أن يتبيّنوا هذه
الخطوط العلمية ، وهذه الحقائق الناصعة الأصيلة بالنظرة الدقيقة ، والإدراك النافذ.
ومؤلِّف هذا الكتاب هو الاُستاذ المحقّق الحجّة الشيخ محمّد اللنكراني «الفاضل» أحد
الشخصيات العلمية المرموقة في الأوساط والحوزات.
وقد ارتشفت من مناهل علمه طيلة الأيّام الدراسيّة التي قضيتها في قم ، مكبّاً ـ
عنده ـ على دراسة الفقه والاُصول. وإذا أعتزّ أن أكون أصغر تلميذ له فلا أجد في
نفسي من الأهليّة أن أزن هذا الكتاب بميزان معرفتي أو إعجابي ، إلاّ أنّ الباحثين
وروّاد العلم هم الذين سوف يثمِّنون هذا الكتاب ، وهم يتبيّنون فيه المنهج العلمي
ــ[12]ــ
العميق ، والأصالة والإبداع.
وقد مضى على إعداد هذا الكتاب فترة من الزمن دون أن ينتهل من معينه روّاد العلم
والمعرفة ، وطلاّب القرآن. وفي مناسبة كريمة أسعدني الله أن أحظى بلثم أنامله في
مدينة «يزد» وقد جرى ذكر هذا الكتاب القيِّم ، فأولاني بالاطّلاع عليه وأجازني
بطبعه وإذاعته.
وممّا يبعثني على الفخر والاعتزاز أن اُولى بهذه الخصيصة والنعمة العظمى فأسأله
تعالى أن يوفّقنا ـ نحن المسلمين ـ إلى أن نسترشد معارف القرآن ، وأن نقتدي بهداه ،
وأن نتّبع تعاليمه وتوجيهاته.
كما أسأله تعالى أن ينشر علينا لواء الدين ، والجامعة العلمية التي تقود العالم
الإسلامي إلى عظمة القرآن ومنعته ، وإلى أتباع أهل البيت الأطهار ، والتأسِّي بهم ،
والأخذ بسيرتهم.
وانّي إذ أجد لزاماً على أن اُنوّه عن التوجيهات التي أسداها فضيلة الكاتب الإسلامي
الكبير الاُستاذ السيِّد مرتضى الحكمي: أجد لزاماً على أن اُزجي له الشكر على ما
اضطلع به من مراجعة الكتاب وتنسيقه والإشراف على إخراجه.
والله أسأل أن يوفّقنا إلى ما يحبّ ويرضى ، كما أسأله أن يقرن ذلك برضا إمامنا
الغائب ـ عجّل الله تعالى فرجه ـ حامل القرآن وشريكه في الهداية والعدل والإصلاح.
طهران: جمادى الثانية 1369هـ
حسين أنصاريان
ــ[13]ــ
الإهداء
إلى المربِّي الكبير: الوالد المعظّ:
والرجل الفذّ لا أقدر على اداء حقوقه ، ولا أستطيع شكر عناياته ، وقد بالغ في
تربيتي العلميّة والدينيّة ، وأجهد في تهيئة الوسائل اللاّزمة ، وكان جامعاً
للفضائل المعنويّة ، ومربيّاً بالتربيّة القوليّة والعمليّة ، وحائزاً لشرف
المهاجرة ، مصداقاً لقوله تعالى:
}ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على
الله{.
فالمسؤول منه تعالى أن يعطي أجره عليه ، ويحشره في زمرة من يحبّه من أوليائه
الطاهرين ، وأصفيائه المكرمين صلوات الله عليهم أجمعين ، وأن يقدرني على اداء بعض
حقوقه ، آمين.
ولدك
ــ[14]ــ
صفحة بيضاء
ــ[15]ــ
المقدّمة
ــ[16]ــ
صفحة بيضاء
ــ[17]ــ
المقدّمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ، وجعله هدىً للمتّقين ، وذكرى لاُولي الألباب
، وأثبت إعجازه بقوله عزّ من قائل:
}لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان
بعضهم لبعض ظهيراً{.
كما أنّه أثبت بجعله معجزاً خلود الاعجاز ، لاستمرار الشريعة ودوام النبوّة إلى يوم
القيامة ، وابتنائها على المعجزة الخالدة ، وقد صانه من التحريف والتغيير بقوله
تعالى: }انّا نحن نزّلنا الذكر وانّا له الحافظون{.
وأخبر عن عدمه بقوله تعالى:
}لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد{.
وأفضل صلواته وتسليماته على رسوله الذي أرسله }بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين
كلّه ولو كره المشركون{ النبيّ الذي ترك في اُمّته الثقلين ، وحصر النجاة في
التمسّك بالأمرين ، وأخبر بانتفاء أيّ افتراق في البين ، حتّى يردا
ــ[18]ــ
عليه الحوض.
وعلى آله الأخيار ، المصطفين الأبرار ، الّذين هم قرناء الكتاب ، والشارحون لآياته
المفسِّرون لمحكماته ومتشابهاته ، العالمون بتنزيله وتأويله ، ولا يُغني الرجوع
إليه من دون المراجعة إليهم.
واللعنة الدائمة الأبديّة على الذين:
}يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره ولو كره الكافرون* أولئك الذين
اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين* أولئك يلعنهم الله
ويلعنهم اللاعنون{.
وبعد: يقول العبد المفتاق إلى رحمة ربّه الغنيّ ، محمّد الموحّدي اللنكراني الشهير
بـ «الفاضل» ابن العلاّمة الفقيه الفقيد آية الله المرحوم الحاج الشيخ فاضل
اللنكراني(قدس سره) ، وحشر مع من يحبّه من النبيّ والأئمّة الطاهرين صلوات الله
عليهم أجمعين ـ انّ من منن الله تعالى العظيمة ، وتوفيقاته الربّانية أن وفّقني
برهة من الزمن ، وقطعة من الوقت للبحث حول كتابه العزيز من عدّة جهات ترجع إلى أصل
إعجازه ، ووجوه الإعجاز فيه ، وكان ذلك بمحضر جماعة من الأفاضل لا يقلّ عددهم ،
وعدّة من الأعلام يعتنى بشأنهم ، وكنت أكتب خلاصة البحث ، ليكون لي تذكرة ولغيري
بعد مرور الأيّام تبصرة ، وقد بقى المكتوب في السواد سنين متعدّدة إلى أن ساعدني
التوفيق ثانياً لإخراجه إلى البياض.
وأقرّ ـ ولا محيص عن الإقرار ـ بأنّ الإنسان يقصر باعه ـ وإن بلغ ما بلغ ، ويقلّ
اطّلاعه ـ وإن أحاط بجميع الفنون ـ عن البحث التام حول كلام الكامل ، وكيف يصحّ في
العقول أن يحيط الناقص بالكامل ، سواء أراد الوصول إلى معناه ،
ــ[19]ــ
والبلوغ إلى مراده ، أم أراد الوصول إلى مرتبة عظيمة واستكشاف شؤونه من إعجازه
وسائر ما يتعلّق به.
ولكن لا ينبغي ترك كلّ ما لا يدرك كلّه ، ولا يصحّ الإعراض عمّا لا سبيل إلى فهم
حقيقته ، خصوصاً مع ابتناء الدين الخالد على أساسه وإعجازه ، وتوقّف الشريعة
السّامية على نظامه الرفيع ، فإنّه ـ في هذه الحالة ـ لابدّ من الورود في بحر عميق
بمقدار ميسور ، والاستفادة منه على قدر الظرف المقدور.
ومع أنّ الكتاب ـ سيّما في هذه الأعصار التي تسير قافلة البشر إلى أهداف مادّية ،
وتبتني حياتهم التي لا يرون إلاّ إيّاها على أساس اقتصادي ، وأصبحت الشؤون المعنوية
كأنّه لا يحتاج إليه ، والقوانين الإلهيّة غير معمول بها ـ قد صار هدفاً للمعاندين
والمخالفين ، لأنّهم يرون أنّ الاقتفاء بنوره ، والخروج عن جميع الظلمات بسببه يسدّ
باب السيادة المادّية ، ويمنع عن تحقّق السلطة ، ويوجب رقاء الفكر ، وحصول
الاستضاءة ، فلابدّ لهم للوصول إلى أغراضهم الفاسدة من إطفاء نوره ، وإدناء مرتبته
، وتنقيص مقامه الشامخ ، فتارة يشكّون في إعجازه ، ويوردون على الناس شبهات في ذلك
، واُخرى يتمسّكون بتحريفه ويثبتون تنقيصه.
ومن العجب: أنّ بعض من لا يطّلع على حقيقة الأمر ، ويتخيّل أنّ البحث في هذه
المباحث إنّما يجري مجرى المباحث العلميّة ، التي لا يتجاوز عن البحث العلمي قد
وافق معهم في هذه العقيدة الفاسدة ، غفلة عن أنّ الأيادي الخفيّة ناشرة لهذه الفكرة
الخبثية ، وباعثة على رواجها بين العوام والجهلة ، وهدفها سلب الاعتصام بحبل الله
المتين ، وترك الاقتداء بكلام الله المبين ، ونفي وصف الإعجاز والحجّية عن القرآن
العظيم.
ــ[20]ــ
فمثل هذه الجهات أوجب البحث حول الكتاب المجيد بالبحوث التي أشرت إليها. وأظنّ أنّه
لا يبقى موقع للشبهة ـ مع المراجعة إلى هذه الرسالة ـ لمن يريد استكشاف الحقيقة ،
ويترك طريق الغيّ والجهالة ، فقد بالغت على أن أجمع فيها ما يكون دليلاً على
المقصود ، وأجبت عن الشبهات الواردة بما هو مقبول العقول ، ومع ذلك فالنقص والخطأ
فيه لو كان ، فمنشأه قصور الباع ، وعدم سعة الاطّلاع ، وأرجو من القارئ الكريم أن
ينظر إليها بعين الإنصاف ، وأن يذكّرني إذا أشرف على نقص أو اشتباه.
وفي هذا الصدد اُقدِّم جزيل الشكر إلى جميع الأصدقاء الكرام ـ الذين لهم نصيب في
طبع الرسالة ونشرها ، سيّما صديقي الأعز الفاضل الكامل الواعظ الشهير الشيخ حسين
المعروف بـ «أنصاريان» وفّقه الله تعالى لمراضيه وجعل مستقبل أمره خيراً من ماضيه
بحقّ أوليائه الطاهرين.
وأبتهل إليه تعالى أن يمدّني بالتوفيق ، ويلحظ عملي بعين القبول ، فإنّه الوليّ
الحميد المجيد.
قم ـ الحوزة العلمية ـ جمادى الاُولى 1396هـ
محمد الموحدي الفاضل
ــ[21]ــ
بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَل إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ
وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
ــ[22]ــ
صفحة بيضاء
ــ[23]ــ
حقيقة المعجزة
ــ[24]ــ
صفحة بيضاء
ــ[25]ــ
حقيقة المعجزة
المعجزة ـ بحسب الاصطلاح ـ هو ما يأتي به المدّعي لمنصب من المناصب الإلهيّة: من
الاُمور الخارقة للعادة النوعيّة ، والنواميس الطبيعيّة ، والخارجة عن حدود القدرة
البشريّة ، والقواعد والقوانين العلميّة ، وإن كانت دقيقة نظريّة ، والرياضات
العلميّة وإن كانت نتيجة مؤثِّرة ، بشرط أن يكون سالماً عن المعارضة عقيب التحدّي
به ، ففي الحقيقة يعتبر في تحقّق الإعجاز الاصطلاحي الاُمور التالية:
الأوّل: أن يكون الإتيان بذلك الأمر المعجز مقروناً بالدعوى ، بحيث كانت الدعوى
باعثة على الإتيان به ، ليكون دليلاً على صدقها ، وحجّة على ثبوتها.
الثاني: أن تكون الدعوى عبارة عن منصب من المناصب الإلهيّة ، كالنبوّة والسفارة ،
لأنّه حيث لا يمكن تصديقها من طريق السماع عن الإله ، لاستحالة ذلك ، فلابدّ من
المعجزة الدالّة على صدق المدّعي ، وثبوت المنصب الإلهي ـ كما يأتي بيان ذلك في وجه
دلالة المعجزة على صدق الآتي بها ـ وأمّا لو لم تكن الدعوى منصباً إلهيّاً ، بل
كانت أمراً آخر كالتخصّص في علم مخصوص ـ مثلاً ـ فالدليل
ــ[26]ــ
الذي يأتي به مدّعيه لإثبات صدقه لا يسمّى معجزة ، لعدم توقّف إثباته على الإتيان
بأمر خارق للعادة ، بل يمكن التوسّل بدليل آخر كالامتحان ونحوه ، ففي الحقيقة ،
المعجزة: عبارة عن الدليل الخارق للعادة الذي ينحصر طريق إثبات الدعوى به ولا سبيل
لإثباته غيره.
الثالث: أن تكون الدعوى في نفسها ممّا يجري فيه احتمال الصدق والكذب وإلاّ فلا تصل
النوبة إلى المعجزة ، بل لا يتحقّق الإعجاز بوجه ، ضرورة أنّه مع العلم بصدق الدعوى
لا حاجة إلى إثباتها ، ومع العلم بكذبها لا معنى لدلالتها عى صدق مدّعيها وإن كان
البشر عاجزاً عن الإتيان بمثلها ـ فرضاً ـ وهذا لا فرق فيه بين أن يكون الكذب
معلوماً من طريق العقل ، أو من سبيل النقل ، فإذا ادّعى أحد أنّه هو الله الخالق
الواجب الوجود وأتى بما يعجز عنه البشر ـ فرضاً ـ فذلك لا يسمّى معجزة ، لأنّ
الدعوى في نفسها باطلة بحكم العقل ، للبراهين القطعيّة العقليّة الدالّة على
استحالة ذلك ، كما أنّه إذا ادّعى أحد النبوّة بعد خاتم النبيّين(صلى الله عليه
وآله وسلم)وأتى ـ فرضاً ـ بما يخرق نواميس الطبيعة والقوانين الجارية فذلك لا يسمّى
معجزة بالإضافة إلى المسلم الذي لا يرتاب في صحّة اعتقاده ونبوّة نبيّه(صلى الله
عليه وآله وسلم) لأنّه كما ثبتت نبوّته كذلك ثبتت خاتميّته بالأدلّة القاطعة
النقليّة ، فالمعتبر في تحقّق المعجزة ـ اصطلاحاً ـ كون الدعوى محتملة لكلّ من
الصدق والكذب.
ومن ذلك يظهر: انّ المعجزات المتعدّدة لمدّع واحد إنّما يكون اتّصافها بالإعجاز
بلحاظ الأفراد المتعدّدة ، فكلّ معجزة إنّما يكون إعجازها بالإضافة إلى من كانت تلك
المعجزة دليلاً عنده على صدق المدّعي ، وإلاّ فلو كان صدق دعواه ـ عنده ـ ثابتاً
بالمعجزة السابقة بحيث لا يكون هذا الشخص في ريب وشكّ أصلاً ،
ــ[27]ــ
فلا تكون المعجزة اللاّحقة معجزة بالإضافة إليه بوجه ، فاتّصاف اللاّحقة بهذا الوصف
إنّما هو لأجل تأثيرها في هداية غيره ، وخروج ذلك الغير من الشكّ إلى اليقين لأجلها
، وبعبارة اُخرى إنّما يكون اتّصافها بالإعجاز عند الغير لا عند هذا الشخص.
الرابع: كون ذلك الأمر خارقاً للعادة الطبيعيّة ، وخارجاً عن حدود القدرة البشرية ،
وفيه إشارة إلى أنّ المعجزة تستحيل أن تكون خارقة للقواعد العقليّة ، وهو كذلك
ضرورة أنّ القواعد العقلية غير قابلة للإنخرام ، كيف وإلاّ لا يحصل لنا القطع بشيء
من النتائج ، ولا بحقيقة من الحقائق ، فإنّ حصول القطع من القياس المركّب من الصغرى
والكبرى ـ بما هو نتيجته ـ إنّما يتفرّع على ثبوت القاعدة العقلية الراجعة إلى
امتناع اجتماع النقيضين ، ضرورة أنّ حصول العلم بحدوث العالم ـ مثلاً ـ من القياس
المركّب من: «العالم متغيّر وكلّ متغيّر حادث» إنّما يتوقّف على استحالة اتّصاف
العالم بوجود الحدوث وعدمه معاً ، ضرورة أنّه بدونها لا يحصل القطع بالحدوث في
مقابل العدم ، كما هو غير خفيّ.
وكذلك العلم بوجود الباري ـ جلّت عظمته ـ من طريق البراهين الساطعة القاطعة ،
الدالّة على وجوده إنّما يتوقّف على استحالة كون شيء متّصفاً بالوجود والعدم معاً
في آن واحد ، وامتناع عروض كلا الأمرين في زمان فارد ، بداهة أنّه بدونها لا مجال
لحصول القطع بالوجود في مقابل العدم ، كما هو ظاهر.
فالقواعد العقلية خصوصاً قاعدة امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، التي إليها
ترجع سائر القواعد ، وعليها يبتني جميع العلوم والمعارف ، بعيدة عن عالم الانخراق
والانخرام بمراحل لا يمكن طيّها أصلاً.
ــ[28]ــ
ويدلّ على ما ذكرنا من استحالة كون المعجزة خارقة للقواعد العقليّة في خصوص المقام:
أنّ الغرض من الإتيان بالمعجزة إثبات دعوى المدّعي واستكشاف صدقه في ثبوت المنصب
الإلهي ، فإذا فرضنا إمكان تصرّف المعجزة في القواعد العقلية وانخرامها بها ، لا
يحصل الغرض المقصود منها ، فإنّ دلالتها على صدق مدّعي النبوّة ـ مثلاً ـ إنّما
تتمّ على تقدير استحالة اتّصاف شخص واحد في زمان واحد بالنبوّة وجوداً وعدماً ،
وإلاّ فلا مانع من ثبوت هذا الاتّصاف ، وتحقّق كلا الأمرين ، فلا يترتّب عليها
الغاية من الإتيان بها ، والغرض المقصود في البين ، كما لا يخفى.
وعلى ما ذكرنا فالمعجزة ما يكون خارقاً للعادة الطبيعيّة ، التي يكون البشر عاجزاً
عن التخلّف عنها ، إلاّ أن يكون مرتبطاً بمنع القدرة المطلقة المتعلّقة بكلّ شيء ،
ومنه يظهر الفرق بين السحر وبين المعجزة ، وكذا بينها وبين ما يتحقّق من المرتاضين
، الذين حصلت لهم القدرة لأجل الرياضة ـ على اختلاف أنواعها وتشعّب صورها ـ على
الإتيان بما يعجز عنه من لم تحصل له هذه المقدّمات ، فإنّ ابتناء مثل ذلك على قواعد
علميّة ، أو أعمال رياضية توجب خروجه عن دائرة المعجزة ، التي ليس لها ظهير إلاّ
القدرة الكاملة التامّة الإلهيّة ، وهكذا الإبداعات الصناعيّة ، والاختراعات
المتنوّعة; والكشفيّات المتعدّدة من الطبّية وغيرها من الحوادث المختلفة العاجزة
عنها الطبيعة البشرية ، قبل تحصيل القواعد العلميّة التي تترتّب عليها هذه النتائج
، وإن كان الترتّب أمراً خفيّاً يحتاج إلى الدقّة والاستنباط ، فإنّ جميع ذلك ليس
ممّا يعجز عنه البشر ، ولا خارقاً لناموس الطبيعة أصلاً.
ــ[29]ــ
نعم ، يبقى الكلام بعد وضوح الفرق بين المعجزة وغيرها بحسب الواقع ومقام الثبوت ،
فإنّ الاُولى خارجة عن القدرة البشريّة بشؤونها المختلفة ، والثانية تتوقّف على
مبادئ ومقدّمات يقدر على الإتيان بها كلّ من يحصل له العلم بها والاطّلاع عليها ـ
في تشخيص المعجزة عن غيرها ـ بحسب مقام الإثبات ، وفي الحقيقة في طريق تعيين
المعجزة عمّا يشابهها صورة ، وأنّه هل هنا امارة مميّزة وعلامة مشخّصة أم لا؟
والظاهر: أنّ الأمارة التي يمكن أن تكون معيّنة عبارة عن أنّ المعجزة لا تكون
محدودة من جهة الزمان والمكان ، وكذا من سائر الجهات كالآلات ونحوها ، حيث انّ
أصلها القدرة الأزلية العامّة غير المحدودة بشيء ، وهذا بخلاف مثل السّحر والأعمال
التي هي نتائج الرياضات ، فإنّها ـ لا محالة ـ محدودة من جهة من الجهات ولا يمكن
التعدّي عن تلك الجهة ، فالرياضة التي نتيجتها التصرّف في المتحرّك وإمكانه ـ مثلاً
ـ لا يمكن أن تتحقّق من غير طريق تلك الآلة ، وهكذا ، فالمحدوديّة علامة عدم
الإعجاز.
مضافاً إلى أنّ الأغراض الباعثة على الإتيان مختلفة ، بداهة أنّ النبيّ الواقعي لا
يكون له غرض إلاّ ما يتعلّق بالاُمور المعنويّة ، والجهات النفسانيّة ، والسير
بالناس في المسير الكمالي المتكفّل لسعادتهم.
وأمّا النبيّ الكاذب فلا تكون استفادته من المعجزة إلاّ الجهات الراجعة إلى شخصه من
الاُمور المادّية ، كالشهرة والجاه والمال وأشباهها ، فكيفيّة الاستفادة من المعجزة
من علائم كونها معجزة أم لا ، كما هو واضح.
الخامس: أن يكون الإتيان بذلك الأمر مقروناً بالتحدّي الراجع إلى دعوة
ــ[30]ــ
الناس إلى الإتيان بمثله إن استطاعوا ، ليعلم بذلك:
أوّلاً ـ غرض المدّعي الآتي بالمعجزة ، وأنّ الغاية المقصودة من الإتيان بها تعجيز
الناس ، وإثبات عجزهم من طريق لا يمكنهم التخلّص عنه ، ولا الإشكال عليه.
وثانياً ـ أنّ عدم الإتيان بمثله لم يكن لأجل عدم تحدّيهم للإتيان ، وعدم ورودهم في
هذا الوادي ، وإلاّ فكان من الممكن الإتيان بمثله ، ضرورة أنّ التحدّي الراجع إلى
تعجيز الناس الذي يترتّب عليه أحكام وآثار عظيمة من لزوم الإطاعة للمدّعي ، وتصديق
ما يدّعيه ، ويأتي به من القوانين والحدود ، والتسليم في مقابلها يوجب ـ بحسب الطبع
البشري والجبلة الإنسانية ـ تحريكهم إلى الإتيان بمثله ، لئلاّ يسجّل عجزهم ويثبت
تصوّرهم ، وعليه فالعجز عقيب التحدّي لا ينطبق عليه عنوان غير نفس هذا العنوان ،
ولا يقبل مجملاً غير ذلك ولا يمكن أن يلبّس بلباس آخر ولا تعقل موازاته بالأغراض
الفاسدة ، والعناد والتعصّب القبيح.
السادس: أن يكون سالماً عن المعارضة ، ضرورة أنّ مع الابتلاء بالمعارضة بالمثل لا
وجه لدلالته على صدق المدّعى ولزوم التصديق ، لأنّه إن كان المعارض ـ بالكسر ـ قد
حصّل القدرة من طريق السحر والرياضة ـ مثلاً ـ فذلك كاشف عن كون المعارض ـ بالفتح ـ
قد أتى بما هو خارق للعادة والناموس الطبيعي ـ وقد مرّ اعتباره في تحقّق الإعجاز
الاصطلاحي بلا ارتياب ـ وإن كان المعارض قد أقدره الله تبارك وتعالى على ذلك لإبطال
دعوى المدّعي فلا يبقى ـ حينئذ ـ وجه لدلالة معجزه على صدقه أصلاً.
وبالجملة: مع الابتلاء بالمعارضة يعلم كذب المدّعي في دعوى النبوّة ، إمّا
ــ[31]ــ
لأجل عدم كون معجزته خارقة للعادة الطبيعية ، وإمّا لأجل كون الفرض من اقدار
المعارض إبطال دعواه ، إذ لا يتصوّر غير هذين الفرضين فرض ثالث أصلاً ، كما لا
يخفى.
السابع: لزوم التطبيق ، بمعنى أن يكون الأمر الخارق للعادة ، الذي يأتي به المدّعي
للنبوّة والسفارة كان وقوعه بيده بمقتضى إرادته وغرضه ، بمعنى تطابق قوله وعمله ،
فإذا تخالف لا يتحقّق الإعجاز بحسب الاصطلاح ، كما حكي أنّ مسيلمة الكذّاب تفل في
بئر قليلة الماء ليكثر ماؤها فغار جميع ما فيها من الماء ، وانّه أمرَّ يده على
رؤوس صبيان بني حنيفة وحنكهم فأصاب القرع كلّ صبيّ مسح رأسه ، ولثغ كلّ صبيّ مسح
حنكه ، وإن شئت فسمِّ هذه المعجزة الدالّة على الكذب ، لأنّه أجرى الله تعالى هذا
الأمر بيده لإبطال دعواه ، وإثبات كذبه ، وهداية الناس إلى ذلك.
بقي الكلام: في حقيقة المعجزة في أمر ، وهو انّ الإعجاز هل هو تصرّف في قانون
الأسباب والمسبّبات العاديّة ، وراجع إلى تخصيص مثل: «أبى الله أن يجري الاُمور
إلاّ بأسبابها» أو انّه لا يرجع إلى التصرّف في ذلك القانون ، ولا يستلزم التخصيص
في مثل تلك العبارة الآبية بظاهرها عن التخصيص ، بل التصرّف إنّما هو من جهة الزمان
، وإلغاء التدريج والتدرّج بحسبه ، فمرجع الإعجاز في مثل جعل الشجر اليابس خضراً ـ
في الفصل الذي لا يقع فيه هذا التبدّل والتغيّر عادة من الفصول الأربعة السنوية ـ
إلى تحصيل ما يحتاج إليه الشجر في الاخضرار من حرارة الشمس والهواء والماء ، وما
يستفيده من الأرض في آن واحد ، لا إلى استغنائه عن ذلك رأساً؟ الظاهر هو الوجه
الثاني وإن كان لا يترتّب على هذا البحث ثمرة كثيرة مهمّة.
ــ[32]ــ
نعم ، يظهر ممّا استظهرناه الجواب عمّا استند إليه المادّيون في دعواهم إنكار
المعجزة ، من أنّ المعجزة الراجعة إلى الإتيان بما يخرق العادة يوجب انحزام أصل
«العليّة والمعلوليّة» والخدشة في هذه القاعدة المسلّمة في العلوم الطبيعية ، وفي
العلم الأعلى والفلسفة ، فإنّ ابتنائهما على قانون العلّية ممّا لا يكاد يخفى ، ولا
يمكن للعقل أيضاً إنكاره فإنّ افتقار الممكن ـ في مقابل الواجب والممتنع ـ إلى
العلّة بديهي لأنّه حيث لا يكون في ذاته اقتضاء الوجود والعدم ، بل يكون متساوي
النسبة إليهما ، كما هو معنى الإمكان ، فترجيح أحد الأمرين لا يمكن إلاّ بعد وجود
مرجّح في البين ، يكون ذلك المرجّح خارجاً عن ذات الممكن وماهيّته ، وذلك المرجّح
إنّما هي العلّة التي تؤثّر في أحد الطرفين ، وتخرج الممكن عن حدّ التساوي.
وحينئذ يقال في المقام: إنّ المعجزة كما أنّها خارقة للعادة الطبيعية كذلك خارمة
لهذه القاعدة العقلية المشتهرة بقانون العلّية والمعلوليّة ، وموجبة لوقوع التخصيص
فيها ، وحيث انّها غير قابلة للتخصيص فلا محيص عن إنكارها كلاًّ ونفيها رأساً.
والجواب:
أوّلاً: انّ ما تقتضيه القاعدة المسلّمة إنّما هو مجرّد افتقار الممكن إلى العلّة
المرجّحة ، وامّا انّ تلك العلّة لابدّ وأن تكون طبيعيّة مادّية فهو أمر خارج عن
مقتضى تلك القاعدة ، والقائلون بثبوت الإعجاز لا ينكرون القاعدة أصلاً ، بل غرضهم
انّ العلّة المرجّحة أمر خارج عن إدراك البشر وقدرته ، فالمعجزة لا تنافي القاعدة
أصلاً ، وبعبارة اُخرى تكون العلّة أمراً غير طبيعي مرتبطاً بالقدرة الكاملة
ــ[33]ــ
الإلهيّة غير المحدودة.
وثانياً: قد عرفت أنّه لا مانع من الالتزام بثبوت العلّة الطبيعيّة في باب المعجزة
، وخرق العادة إنّما هو بلحاظ إلغاء التدريج والتدرّج ، وفي الحقيقة خروجها عن حدود
القدرة البشريّة إنّما هو بلحاظ هذا الإلغاء بحسب الزمان ، لا بلحاظ قطعها عن
الارتباط بالعلّة الطبيعيّة ـ كما عرفت في مثال جعل الشجر اليابس خضراً ـ فتدبّر
جيّداً.
ثمّ إنّه ربما يستدلّ ببعض الآيات القرآنية على أنّه لا يلزم على النبيّ الإتيان
بالمعجزة وترتيب الأثر على قول من يطلبها ، وهي قوله تعالى في سورة بني إسرائيل:
}وقالوا لن نؤمن لك حتّى تفجّر لنا من الأرض ينبوعاً.. قل سبحان ربّي هل كنت إلاّ
بشراً رسولاً{ فإنّها ظاهرة في أنّه بعد تعليقهم الإيمان على الإتيان بالمعجز لم
يأت النبيّ بما هو مطلوبهم ، بل أظهر العجز بلسان كونه بشراً رسولاً ، فمنها يستفاد
عدم لزوم اقتران دعوى النبوّة بما هو معجزة.
والجواب:
أمّا أوّلاً: فإنّ افتقار النبيّ في دعوى النبوّة وصدقها إلى الإتيان بالمعجز من
المسلّمات العقلية التي لا يشوبها ريب ، ضرورة أنّه مع عدم الافتقار لا يبقى افتراق
بين النبيّ الصادق والنبيّ الكاذب ، ولا يكون للأوّل مزيّة وفضيلة أصلاً ، وحينئذ
فإنّ فرض دلالة الآية على خلافه ، وانّه لا حاجة إلى الإعجاز مع فرض صدق المدّعي ،
فاللاّزم تأويلها كما هو الشأن في غيرها من الآيات الظاهرة في خلاف ما هو المسلّم
عند العقل ، كقوله تعالى في سورة الفجر: }وجاء ربّك{.
ــ[34]ــ
وأمّا ثانياً: فإنّ الإتيان بالمعجز لا معنى لأن يكون تابعاً لطلب الناس وهوى
أنفسهم ، بحيث تكون خصوصيّاته راجعة إلى تعيين الشاكّ واختياره ، ضرورة أنّ المعجزة
أمر إلهي لا يكون للنبيّ فيه إرادة واختيار ، بل كان بإرادة الله تعالى على أنّه لا
معنى لطلب معجزة مخصوصة بعد الإتيان بما هو معجزة حقيقة ، وظاهر الآيات المذكورة
أنّ طلبهم من النبيّ تلك الاُمور المذكورة فيها كان بعد الإتيان بالقرآن الذي هو
أعظم المعجزات. وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ أنّه لا يختصّ وصف الإعجاز بمجموع
القرآن ، بل يكون كلّ سورة من سوره الطويلة والقصيرة واجدة لهذا الوصف ، وحينئذ
فالطلب منهم دليل على عدم كونهم بصدد الاهتداء ، بل على لجاجهم وعنادهم ، وتعصّبهم
القبيح ، فإنّه لا وجه بعد الإتيان بالمعجزة لطلب معجزة اُخرى ، مع فرض كون الشخص
بصدد الاهتداء وتبعيّة النبي الصادق.
وأمّا ثالثاً: فغير خفيّ على الناظر في الآيات انّ ما كانوا يطلبونه لم يكن معجزة
بوجه ، إمّا لكونه من الاُمور الموافقة للعادة الطبيعيّة ، كفجر الينبوع من الأرض ،
وثبوت بيت من الزخرف له ومثلهما ، وإمّا لكونه منافياً لغرض الإعجاز كسقوط السماء
الموجب لهلاك طالب المعجزة ، وإمّا لكونه مستحيلاً عقلاً ، كالإتيان بالله من
السماء بعنوان الشهادة ولأجلها. وقد مرّ أنّ المعجزة لا تبلغ حدّ التصرّف في
المستحيلات العقليّة لعدم قابليّتها للانحزام بوجه.
وامّا رابعاً: فهذا القرآن الكريم يصرّح في غير موضع بثبوت المعجزة للأنبياء
السالفين كموسى وعيسى وغيرهما وانّ تصديقهم كان لأجل الإتيان بها ، وعليه فهل يمكن
أن يقال بدلالته على عدم الافتقار إلى المعجزة أو بدلالته على كذب المعجزات
السالفة. نعوذ بالله من الضلالة والخروج عن دائرة الهداية.
ــ[35]ــ
وجه دلالة الإعجاز على الصدق
الظاهر: أنّ الوجه في دلالة الإعجاز على صدق مدّعي النبوّة ليس إلاّ قبح الإغراء
بالجهل على الحكيم على الإطلاق ، فإنّه حيث لا يمكن التصديق بنبيّ من غير جهة
الإعجاز ، ضرورة انحصار الطريق العقلائي بذلك ، مع أنّ النبوّة والسفارة من المناصب
الإلهيّة التي ليس فوقها منصب ، ومن هذه الجهة يكثر المدّعي لها ، والطالب للوصول
إليها ، فإذا صدر منه أمر خارق للعادة الطبيعيّة ، العاجزة عنه الطبيعة البشريّة ،
فإن كان كاذباً في نفس الأمر ، ومع ذلك لم يبطله الله تعالى ، والمفروض انّه ليس
للناس طريق إلى إبطاله من التمسّك بالمعارضة ، فهو لا ينطبق عليه عنوان من ناحية
الله ، إلاّ عنوان الإغراء بالجهل القبيح في حقّه ، ولكن ذلك إنّما يتوقّف على
القول بالتحسين والتقبيح العقليّين ، كما عليه من عدى الأشاعرة ، وامّا بناء على
مسلكهم الفاسد من إنكار الحسن والقبح رأساً فلا طريق إلى تصديق النبيّ من ناحية
المعجزة أصلاً.
وما يقال: من أنّ فرض المعجزة ملازم لكونها من الله سبحانه ، ولا حاجة فيه إلى
القول بالحسن والقبح العقليّين ، لأنّ المعجزة مفروض انّها خارجة عن حدود القدرة
البشريّة فلا مناص عن كونها من الله سبحانه.
مدفوع: فإنّه ليس البحث في الاتّصاف بالإعجاز ، حتّى يقال إنّ فرضه ملازم
ــ[36]ــ
لكونه من الله سبحانه ، بل البحث ـ بعد الفراغ عن كونه معجزة ـ في دلالة الإعجاز
على صدق مدّعي النبوّة في دعواها ، فمن الممكن انّ الأقدار من الله لم يكن لأجل
كونه نبيّاً ، بل لغرض آخر ، فمجرّد كون المعجزة من الله لا يستلزم الصدق ، إلاّ مع
ضميمة ما ذكرنا من لزوم الإغراء بالجهل القبيح ، ومع إنكار القبح والحسن ـ كما هو
المفروض ـ ينسدّ هذا الباب ، ولا يبقى مجال للتصديق من ناحية الإعجاز.
وما حكي عن بعض الأشاعرة من جريان عادة الله على صدور ما يخرق العادة ، وناموس
الطبيعة بيد النبيّ فقط ، يدفعه أنّ العلم بذلك من غير طريق النبيّ كيف يمكن أن
يحصل ، والمفروض أنّ الشكّ في أصل نبوّته ، مضافاً إلى أنّه لا دليل على لزوم
الالتزام بهذه العادة ، مع إنكار القبح رأساً.
ــ[37]ــ
صفحة سفيد
ــ[38]ــ
إعجاز القرآن
ــ[39]ــ
إعجاز القرآن
القرآن معجزة خالدة. لا يختصّ إعجاز القرآن بوجه خاصّ. التحدّي بمن أنزل عليه
القرآن ، التحدّي بعدم الاختلاف والسلامة والاستقامة. التحدّي بأنّه تبيان كلّ شيء.
التحدّي بالاخبار بالغيب. التحدّي بالبلاغة. القرآن ومعارفه الاعتقادية. القرآن
وقوانينه التشريعية. القرآن وأسرار الخلقة.