بعدی


سيد شرف الدين حسينى استرآبادى، تأويل الآيات الظاهرة، يك جلد، انتشارات جامعه مدرسين قم، 1409 هجرى قمرى
تأويل الآيات الظاهرة ص : 20
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين إن أحسن ما توج به هام ألفاظ الكلمات و سطرته أقلام الكرام الحفاظ في صحائف أعمال
البريات حمد من استحق الحمد بنشر سحائب جود وجوده على سائر الموجودات و شكر من استوجب الشكر بسوابغ نعم آلائه و آلاء
نعمه السابغات. ثم الصلاة على نبيه أفضل البشر و أشرف الكائنات محمد بن عبد الله الموصوف بسائر الكمالات و الصلاة على
الطيبين من آله و الطيبات صلى الله عليه و عليهم صلاة دائمة ما دامت الأرض و السماوات و ما نجم زهر نبات و أزهر نجم بنات. و
بعد فإني لما رأيت بعض آيات الكتاب العزيز و تأويلها يتضمن مدح أهل البيت ع و مدح أوليائهم و ذم أعدائهم في كثير من كتب
التفاسير و الأحاديث و هي متفرقة فيها صعبة التناول لطالبيها أحببت أن أجمعها بعد تفريقها و أؤلفها بعد تمزيقها في كتاب مفرد
لتكون أسهل للطالب و أقرب للراغب و أحلى في الخاطر و أجلى لناظر الناظر و أبين للتحقيق و أهدى إلى سواء الطريق. و أخذت هذا
التأويل و جلة عن الراسخين في العلم أولي التأويل و مما ورد من
تأويل الآيات الظاهرة ص : 21
طريق العامة و هو من ذلك النزر القليل و ألحقت كل آية منها بسورتها و جلوتها لأهلها في أحسن صورتها و سميته تأويل الآيات
الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة و جعلت ذلك خالصا لوجه ربي الكريم و تقربا إلى النبي و أهل بيته عليهم أفضل الصلاة و قبل
الشروع في التأويل و معناه نذكر مقدمة تليق أن تحل بمغناه. اعلم هداك الله إلى نهج الولاية و جنبك مضلات الفتن و الغواية أنه
إنما ذكرنا مدح الأولياء و ذم الأعداء ليعلم الأولياء ما أعد لهم بموالاتهم و ما أعد لأعدائهم بمعاداتهم فيحصل بذلك التولي
للأولياء و التبري من الأعداء. و اعلم أيدك الله تعالى أنه قد ورد من طريق العامة و الخاصة
الخبر المأثور عن عبد الله بن العباس رضي الله عنه أنه قال قال لي أمير المؤمنين ع نزل القرآن أرباعا ربع فينا و ربع في عدونا و
ربع سنن و أمثال و ربع فرائض و أحكام و لنا كرائم القرآن
و كرائم القرآن محاسنه و أحسنه لقوله تعالى الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ و القول هو القرآن.
و يؤيد هذا ما رواه الشيخ أبو جعفر الطوسي بإسناده إلى الفضل بن شاذان عن داود بن كثير قال قلت لأبي عبد الله ع أنتم الصلاة في
كتاب الله عز و جل و أنتم الزكاة و أنتم الصيام و أنتم الحج فقال يا داود نحن الصلاة في
تأويل الآيات الظاهرة ص : 22
كتاب الله عز و جل و نحن الزكاة و نحن الصيام و نحن الحج و نحن الشهر الحرام و نحن البلد الحرام و نحن كعبة الله و نحن
قبلة الله و نحن وجه الله قال الله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ و نحن الآيات و نحن البينات و عدونا في كتاب الله عز و جل
الفحشاء و المنكر و البغي و الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام و الأصنام و الأوثان و الجبت و الطاغوت و الميتة و الدم و لحم
الخنزير يا داود إن الله خلقنا فأكرم خلقنا و فضلنا و جعلنا أمناءه و حفظته و خزانه على ما في السماوات و ما في الأرض و جعل لنا
أضدادا و أعداء فسمانا في كتابه و كنى عن أسمائنا بأحسن الأسماء و أحبها إليه تكنية عن العدو و سمى أضدادنا و أعداءنا في كتابه و
كنى عن أسمائهم و ضرب لهم الأمثال في كتابه في أبغض الأسماء إليه و إلى عباده المتقين
و يؤيد هذا ما رواه أيضا عن الفضل بن شاذان بإسناده عن أبي عبد الله ع أنه قال نحن أصل كل خير و من فروعنا كل بر و من البر
التوحيد و الصلاة و الصيام و كظم الغيظ و العفو عن المسيء و رحمة الفقير و تعاهد الجار و الإقرار بالفضل لأهله و عدونا أصل كل
شر و من فروعهم كل قبيح و فاحشة فمنهم الكذب و النميمة و البخل و القطيعة و أكل الربا و أكل مال اليتيم بغير حقه و تعدي
الحدود التي أمر الله عز و جل و ركوب الفواحش ما ظهر منها و ما بطن من الزناء و السرقة و كل ما وافق ذلك من القبيح و كذب من
قال إنه معنا و هو متعلق بفرع غيرنا
و من ذلك ما رواه و ذكره الشيخ أبو جعفر محمد بن بابويه رحمه الله في كتاب الإعتقادات و ذكر شيئا من تأويل القرآن فقال قال
الصادق
تأويل الآيات الظاهرة ص : 23
ع و ما من آية في القرآن أولها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلا و علي بن أبي طالب ع أميرها و قائدها و شريفها و أولها و ما من آية تسوق إلى
الجنة إلا و هي في النبي ص و الأئمة ع و أشياعهم و أتباعهم و ما من آية تسوق إلى النار إلا و هي في أعدائهم و المخالفين لهم و إن
كانت الآيات في ذكر الأولين فما كان منها من خير فهو جار في أهل الخير و ما كان منها من شر فهو جار في أهل الشر و ليس في الأخيار
خير من النبي ص و لا في الأوصياء أفضل من أوصيائه و لا في الأمم أفضل من هذه الأمة و هي شيعة أهل البيت ع في الحقيقة دون
غيرهم و لا في الأشرار شر من أعدائهم و المخالفين لهم
و اعلم جعلنا الله و إياك من أهل ولايتهم و من المتبرءين من أهل عداوتهم أنه يأتي التأويل عنهم ص و له باطن و ظاهر فإذا سمعت
منه شيئا باطنا فلا تنكره منهم لأنهم أعلم بالتنزيل و التأويل و ربما يأتي للآية الواحدة تأويلان لعلمهم بما فيه إصلاح للسائل و
السامع
كما روى علي بن محمد عن محمد بن الفضيل عن شريس عن جابر بن يزيد قال سألت أبا جعفر ع عن شيء من تفسير القرآن فأجابني ثم
سألته ثانية فأجابني بجواب آخر فقلت له
تأويل الآيات الظاهرة ص : 24
جعلت فداك كنت أجبتني في هذه المسألة بجواب غير هذا فقال لي يا جابر إن للقرآن بطنا و للبطن بطنا و له ظهرا و للظهر ظهرا و
ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن و إن الآية ينزل أولها في شيء و آخرها في شيء و هو كلام متصل يتصرف عن وجوه
فإذا علمت ذلك فلنشرع في التأويل و الله حسبنا و نعم الوكيل
تأويل الآيات الظاهرة ص : 25
سورة الفاتحة
قال الله السميع العليم بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. فضلها
جاء في تفسير الإمام أبي محمد الحسن العسكري عليه و على آبائه السلام قال ألا فمن قرأها معتقدا لموالاة محمد و آله الطيبين
منقادا لأمرهم مؤمنا بظاهرهم و باطنهم أعطاه الله عز و جل بكل حرف منها حسنة كل حسنة منها أفضل له من الدنيا و ما فيها من
أصناف أموالها و خيراتها و من استمع إلى قول قارئ يقرأها كان له قدر ثلث ما للقارئ فليستكثر أحدكم من هذا الخير المعرض لكم
فإنه غنيمة فلا يذهبن أوانه فتبقى في قلوبكم الحسرة
و أما تأويلها روى أبو جعفر بن بابويه رحمه الله في كتاب التوحيد بإسناده عن الصادق ع أنه سئل عن تفسير بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
فقال الباء بهاء الله و السين سناء الله و الميم ملك الله قال السائل فقلت الله فقال الألف آلاء الله على خلقه و النعم بولايتنا و
اللام إلزام خلقه بولايتنا قال قلت فالهاء قال هوان لمن خالف محمدا و آل محمد ص قال قلت الرحمن قال بجميع العالم قال قلت
الرحيم قال بالمؤمنين و هم شيعة
تأويل الآيات الظاهرة ص : 26
آل محمد ص خاصة
و ذكر في تفسير الإمام الحسن العسكري ع قال و تفسير قوله عز و جل الرَّحْمنِ أن الرحمن مشتق من الرحمة
و قال قال أمير المؤمنين ع سمعت رسول الله ص يقول قال الله تعالى أنا الرحمن و هي من الرحم شققت لها اسما من اسمي من
وصلها وصلته و من قطعها بتته ثم قال أمير المؤمنين ع إن الرحم التي اشتقها الله تعالى من اسمه بقوله أنا الرحمن هي الرحم رحم
محمد ص و إن من إعظام الله إعظام محمد و إن من إعظام محمد إعظام رحم محمد و إن كل مؤمن و مؤمنة من شيعتنا هو من رحم
محمد و إن إعظامهم من إعظام محمد فالويل لمن استخف بشيء من حرمة رحم محمد ص و طوبى لمن عظم حرمته و أكرم رحمه و
وصلها و قال الإمام ع و أما قوله الرَّحِيمِ فإن أمير المؤمنين ع قال رحيم بعباده المؤمنين و من رحمته أنه خلق مائة رحمة و جعل منها
رحمة واحدة في الخلق كلهم فبها يتراحم الناس و ترحم الوالدة ولدها و تحنو الأمهات من الحيوان على أولادها فإذا كان يوم القيامة
أضاف هذه الرحمة الواحدة إلى تسع و تسعين رحمة فيرحم بها أمة محمد ص ثم يشفعهم فيمن يحبون له الشفاعة من أهل الملة حتى
أن الواحد ليجيء إلى مؤمن من الشيعة فيقول له اشفع لي فيقول له و أي حق لك علي فيقول سقيتك يوما ماء فيذكر ذلك فيشفع له
فيشفع فيه و يجيء آخر فيقول إن لي عليك حقا فيقول و ما حقك
تأويل الآيات الظاهرة ص : 27
فيقول استظليت بظل جداري ساعة في يوم حار فيشفع له فيشفع فيه فلا يزال يشفع حتى يشفع في جيرانه و خلطائه و معارفه و أن
المؤمن أكرم على الله مما يظنون
و قال الله تعالى الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
قال الإمام أبو محمد الحسن العسكري ع جاء رجل إلى الرضا ع فقال له يا ابن رسول الله أخبرني عن قوله عز و جل الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ
الْعالَمِينَ ما تفسيره فقال لقد حدثني أبي عن جدي عن الباقر عن زين العابدين ع أن رجلا أتى أمير المؤمنين ع فقال له أخبرني عن قول
الله عز و جل الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ما تفسيره فقال الْحَمْدُ لِلّهِ هو أن الله عرف عباده بعض نعمه عليهم جملا إذ لا يقدرون على معرفة
جميعها بالتفصيل لأنها أكثر من أن تحصى أو تعرف فقال لهم قولوا الْحَمْدُ لِلّهِ على ما أنعم به علينا و ذكرنا به من خير في كتب
الأولين من قبل أن نكون ففي هذا إيجاب على محمد و آل محمد لما فضله و فضلهم به و على شيعتهم أن يشكروه بما فضلهم به على
غيرهم
و قال تعالى الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. تأويله ف الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مر بيانه و مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
قال الإمام ع قال أمير المؤمنين ع يَوْمِ الدِّينِ هو يوم الحساب سمعت
تأويل الآيات الظاهرة ص : 28
رسول الله ص يقول أ لا أخبركم بأكيس الكيسين و أحمق الحمقى قالوا بلى يا رسول الله قال أكيس الكيسين من حاسب نفسه و
عمل لما بعد الموت و إن أحمق الحمقى من اتبع نفسه هواها و تمنى على الله تعالى الأماني فقال الرجل يا أمير المؤمنين و كيف
يحاسب الرجل نفسه فقال إذا أصبح ثم أمسى رجع إلى نفسه فقال يا نفس إن هذا يوم مضى عليك لا يعود إليك أبدا و الله تعالى
يسألك عنه فما الذي أفنيته و ما الذي عملت فيه أ ذكرت الله أ حمدته أ قضيت حق أخ مؤمن أ نفست عنه كربه أ حفظته بظهر الغيب في
أهله و ولده أ حفظته بعد الموت في مخلفيه أ كففت عن غيبة أخ مؤمن بفضل جاهك و أ أعنت مسلما ما الذي صنعت فيه فيذكر ما كان
منه فإن ذكر أنه جرى منه خير حمد الله تعالى و شكره على توفيقه و إن ذكر معصية أو تقصيرا استغفر الله تعالى و عزم على ترك
معاودته و محا ذلك عن نفسه بتجديد الصلاة على محمد و آله الطيبين و عرض بيعة أمير المؤمنين ع على نفسه و قبوله لها و إعادة
لعن أعدائه و شانئيه و دافعيه عن حقوقه فإذا فعل ذلك قال الله عز و جل لست أناقشك في شيء من الذنوب مع موالاتك أوليائي و
معاداتك أعدائي
و قال تعالى إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ
قال الإمام ع إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ قال الله تعالى قولوا يا أيها الخلق المنعم عليهم إِيّاكَ نَعْبُدُ أيها المنعم علينا و نطيعك
مخلصين مع التذلل و الخضوع بلا رياء و لا سمعة و إِيّاكَ نَسْتَعِينُ و منك نسأل المعونة على طاعتك لنؤديها كما أمرت و نتقي من
دنيانا ما عنه نهيت و نعتصم من الشيطان و من سائر مردة الإنس المضلين و الموذين الظالمين بعصمتك
تأويل الآيات الظاهرة ص : 29
و قال الله تعالى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
قال الإمام ع قال جعفر بن محمد الصادق ع فقوله عز و جل اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يقول أرشدنا الصراط المستقيم و أرشدنا
للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك و المبلغ إلى جنتك و المانع لنا من أن نتبع أهواءنا فنعطب أو نأخذ ب آرائنا فنهلك
و قال أمير المؤمنين ع قال رسول الله ص عن جبرئيل عن الله عز و جل أنه قال يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فسلوني الهدى
أهدكم
و منه يا عبادي اعملوا أفضل الطاعات و أعظمها لأسامحكم و إن قصرتم فيما سواها و اتركوا أعظم المعاصي و أقبحها لئلا أناقشكم
في ركوب ما عداها فإن أعظم الطاعات توحيدي و تصديق نبيي و التسليم لمن نصبته بعده و هو علي بن أبي طالب و الأئمة الطاهرون
من نسله و إن أعظم المعاصي عندي الكفر بي و بنبيي و منابذة ولي محمد من بعده علي بن أبي طالب و أوليائه من بعده فإن أردتم أن
تكونوا عندي في المنظر الأعلى و الشرف الأشرف فلا يكونن أحد من عبادي آثر عندكم من محمد و بعده من أخيه علي و بعدهما من
أبنائهما القائمين بأمور عبادي بعدهما فإن من كانت تلك عقيدته جعلته من أشرف ملوك جناتي و اعلموا أن أبغض الخلق إلي من تمثل
بي و ادعى ربوبيتي و أبغضهم إلي
تأويل الآيات الظاهرة ص : 30
بعده من تمثل بمحمد و نازعه نبوته و ادعاها و أبغضهم إلي بعده من تمثل بوصي محمد و نازعه محله و شرفه و ادعاهما و أبغض
الخلق إلي من بعد هؤلاء المدعين لما به لسخطي يتعرضون من كان لهم على ذلك من المعاونين و أبغض الخلق إلي من بعد هؤلاء من
كان بفعلهم من الراضين و إن لم يكن لهم من المعاونين و كذلك أحب الخلق إلي القوامون بحقي و أفضلهم لدي و أكرمهم علي محمد
سيد الورى و أكرمهم و أفضلهم بعده علي أخو المصطفى المرتضى ثم بعدهما القوامون بالقسط أئمة الحق و أفضل الناس بعدهم من
أعانهم على حقهم و أحب الخلق إلي بعدهم من أحبهم و أبغض أعداءهم و إن لم يمكنه معونتهم
و معنى هذا التأويل أن النبي و الأئمة ع هم الصراط المستقيم لما يأتي بيانه من طريق العامة
عن السدي عن أسباط عن مجاهد عن ابن عباس قال قوله تعالى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أي قولوا معاشر الناس اهْدِنَا الصِّراطَ
الْمُسْتَقِيمَ أي إلى ولاية محمد و أهل بيته ع
و ذكر علي بن إبراهيم رحمه الله في تفسيره قال قال أبو عبد الله ع الصراط المستقيم هو أمير المؤمنين ع
و يؤيده ما روي عنهم ص أن الصراط صراطان صراط في الدنيا و صراط في الآخرة فأما الذي في الدنيا فهو أمير المؤمنين ع فمن
اهتدى إلى ولايته في الدنيا جاز على الصراط في الآخرة و من لم يهتد إلى ولايته في الدنيا فلم يجز على الصراط في
تأويل الآيات الظاهرة ص : 31
الآخرة
ثم قال تعالى صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ.... لما ذكر الصراط المستقيم عرفه و عرف أهله فقال صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ و
القول في من هؤلاء المنعم عليهم الذين صراطهم هو الصراط المستقيم ذكر أبو علي الطبرسي رحمه الله في تفسيره أنهم النبي و
الأئمة ع بدليل قوله تعالى فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ الآية. و يؤيد ذلك ما جاء في تفسيره ع
قال الإمام ص صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أي قولوا اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك و طاعتك و هم الذين قال الله
تعالى وَ مَنْ يُطِعِ اللّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ
رَفِيقاً و ليس هؤلاء المنعم عليهم بالمال و الولد و صحة البدن و إن كان كل ذلك نعمة من الله ظاهرة أ لا ترون أن هؤلاء قد يكونون
كفارا أو فساقا فما ندبتم إلى أن تدعوا بأن ترشدوا إلى صراطهم و إنما أمرتم بالدعاء بأن ترشدوا إلى صراط الذين أنعم عليهم
بالإيمان بالله و تصديق رسوله و بالولاية لمحمد و آله الطيبين و أصحابه الخيرين المنتجبين و بالتقية الحسنة التي يسلم بها من
شر عباد الله و من الزيادة في آثام أعداء الله و كفرهم بأن تداريهم و لا
تأويل الآيات الظاهرة ص : 32
تغريهم بأذاك و لا أذى المؤمنين و بالمعرفة بحقوق الإخوان من المؤمنين فإنه ما من عبد و لا أمة والى محمدا و آل محمد ع و
أصحاب محمد و عادى أعداءهم إلا كان قد اتخذ من عذاب حصنا منيعا و جنة حصينة
ثم قال تعالى غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضّالِّينَ
قال الإمام ع قال أمير المؤمنين ع أمر الله عز و جل عباده أن يسألوه طريق المنعم عليهم و هم النبيون و الصديقون و الشهداء و
الصالحون و أن يستعيذوا به من طريق المغضوب عليهم و هم اليهود قال الله تعالى فيهم قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ
اللّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ و أن يستعيذوا به من طريق الضالين و هم الذين قال الله تعالى فيهم قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا
فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْم قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ ضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ و هم النصارى
و ذكر علي بن إبراهيم قال المغضوب عليهم اليهود و النصارى و الضالون الشكاك الذين لا يعرفون الإمام
تأويل الآيات الظاهرة ص : 33
سورة البقرة و ما فيها من الآيات البينات في الأئمة الهداة
منها قوله تعالى بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ
مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. تأويله
قال علي بن إبراهيم رحمه الله عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن جميل بن صالح عن المفضل عن جابر عن أبي جعفر ع أنه قال الم و
كل حرف في القرآن منقطعة من حروف اسم الله الأعظم الذي يؤلفه الرسول و الإمام ع فيدعو به فيجاب قال قلت قوله ذلِكَ
الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ فقال الكتاب أمير المؤمنين ع لا شك فيه أنه إمام هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فالآيتان لشيعتنا هم المتقون و الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
بِالْغَيْبِ و هو البعث و النشور و قيام القائم ع و الرجعة وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ قال مما علمناهم من القرآن يتلون
تأويل الآيات الظاهرة ص : 34
و يؤيده ما رواه أبو جعفر محمد بن بابويه رحمه الله بإسناده عن يحيى بن أبي القاسم قال سألت الصادق ع عن قول الله عز و جل الم
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فقال المتقون هم شيعة
علي ع و الغيب هو الحجة الغائب
و ذكر في تفسير الإمام العسكري ع قال إن الله لما بعث موسى بن عمران و من بعده إلى بني إسرائيل لم يكن فيهم أحد إلا من أخذوا
عليه العهود و المواثيق ليؤمنن بمحمد العربي الأمي المبعوث بمكة التي يهاجر منها إلى المدينة و يأتي بكتاب بالحروف المقطعة
افتتاح بعض سورة تحفظه أمته فيقرءونه قياما و قعودا و مشاة و على كل الأحوال يسهل الله تعالى حفظه عليهم بمحمد و أخيه و
وصيه علي بن أبي طالب ع الأخذ عنه علومه التي علمها و المتقلد عنه أماناته التي قلدها و مذلل كل من عاند محمدا بسيفه الباتر و
مفحم كل من جادله و خاصمه بدليله القاهر يقاتل عباد الله على تنزيل كتاب محمد ص حتى يقودهم إلى قبوله طائعين و كارهين ثم
إذا صار محمد ص إلى رضوان الله تعالى و ارتد كثير ممن كان أعطاه ظاهر الإيمان و حرفوا تأويلاته و غيروا معانيه و وضعوها
تأويل الآيات الظاهرة ص : 35
على خلاف وجوهها قاتلهم على تأويله حتى يكون إبليس الغاوي لهم هو الخاسر الذليل المطرود المغلوب و منه قال الله تعالى لا
رَيْبَ فِيهِ أنه كما قال محمد و وصي محمد عن قول محمد ص عن قول رب العالمين ثم قال هُدىً أي بيان و شفاء لِلْمُتَّقِينَ من شيعة
محمد و علي ع و أنهم اتقوا أنواع الكفر فتركوها و اتقوا الذنوب الموبقات فرفضوها و اتقوا إظهار أسرار الله و أسرار أزكياء عباد
الله الأوصياء بعد محمد ص فكتموها و اتقوا ستر العلوم عن أهلها المستحقين لها و فيهم نشروها
قوله تعالى وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ بِالْ آخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. تأويله
قال الإمام أبو محمد العسكري ع ثم وصف هؤلاء الذين يقيمون الصلاة فقال وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يا محمد وَ ما أُنْزِلَ
مِنْ قَبْلِكَ على الأنبياء الماضين كالتوراة و الإنجيل و الزبور و صحف إبراهيم و سائر كتب الله المنزلة على أنبيائه بأنها حق و صدق
من عند رب العالمين رب عزيز صادق حكيم وَ بِالْ آخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ بالدار الآخرة بعد هذه الدنيا يوقنون و لا يشكون فيها أنها الدار
التي فيها جزاء الأعمال الصالحة بأفضل ما عملوه و عقاب الأعمال السيئة بما كسبوه. قال الإمام قال الحسن بن علي ع من دفع فضل
أمير المؤمنين
تأويل الآيات الظاهرة ص : 36
ع فقد كذب بالتوراة و الإنجيل و الزبور و صحف إبراهيم و سائر كتب الله المنزلة فإنه ما أنزل شيء منها إلا و أهم ما فيه بعد الأمر
بتوحيد الله و الإقرار بالنبوة الاعتراف بولاية علي و الطيبين من آله ع
و قوله عز و جل أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
قال الإمام ع لما أخبر الله سبحانه عن جلالة هؤلاء الموصوفين بهذه الصفات الشريفة فقال أُولئِكَ أهل هذه الصفات عَلى هُدىً و
بيان و صواب مِنْ رَبِّهِمْ و علم بما أمرهم به وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الناجون مما فيه الكافرون
و قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. تأويله
قال الإمام ع لما ذكر هؤلاء المؤمنين و مدحهم ذكر الكافرين المخالفين لهم في كفرهم فقال إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله و بما آمن به
هؤلاء المؤمنون بتوحيد الله تعالى و بنبوة محمد رسول الله و بوصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ولي الله و وصي رسول الله و
بالأئمة الطيبين الطاهرين خيار عباده الميامين القوامين بمصالح خلق الله تعالى سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ أي
خوفتهم أم لم تخوفهم لا يُؤْمِنُونَ أخبر عن علم فيهم بأنهم لا يؤمنون
تأويل الآيات الظاهرة ص : 37
و قوله تعالى وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْ آخِرِ وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ. تأويله
قال الإمام ع قال العالم موسى بن جعفر ع إن رسول الله لما أوقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع في يوم الغدير موقفه
المشهور المعروف ثم قال يا عبيد الله انسبوني فقالوا أنت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ثم قال أيها
الناس أ لست أولى بكم من أنفسكم و أنا مولاكم و أولى بكم منكم بأنفسكم قالوا بلى يا رسول الله فنظر إلى السماء و قال اللهم
اشهد يقول ذلك ثلاثا و يقولون ذلك ثلاثا ثم قال ألا من كنت مولاه و أولى به فهذا علي مولاه و أولى بهم اللهم وال من والاه و عاد من
عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله. ثم قال قم يا أبا بكر فبايع له بإمرة المؤمنين ففعل ثم قال بعد ذلك لتمام التسعة ثم لرؤساء
المهاجرين و الأنصار فبايعوه كلهم فقام من بين جماعتهم عمر بن الخطاب فقال بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي و مولى
كل مؤمن و مؤمنة ثم تفرقوا عن ذلك و قد وكدت عليهم العهود و المواثيق ثم إن قوما من متمرديهم و جبابرتهم تواطئوا بينهم لئن
كانت لمحمد ص كائنة لندفعن هذا الأمر عن علي و لا نتركه له فعرف الله تعالى ذلك من قلوبهم و كانوا يأتون رسول الله ص و
يقولون لقد
تأويل الآيات الظاهرة ص : 38
أقمت علينا أحب الخلق إلى الله و إليك و إلينا فكفيتنا به مئونة الظلمة لنا و الجبارين في سياستنا و علم الله تعالى من قلوبهم
خلاف ذلك من مواطاة بعضهم لبعض أنهم على العداوة مقيمون و لدفع الأمر عن مستحقه مؤثرون فأخبر الله عز و جل محمدا ص عنهم
فقال يا محمد وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ الذي أمرك بنصب علي إماما و سائسا و لأمتك مدبرا وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ بذلك و لكنهم
يتواطئون على هلاكك و هلاكه و يواطنون أنفسهم على التمرد على علي ع إن كانت بك كائنة
و قوله تعالى يُخادِعُونَ اللّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ. تأويله
قال الإمام ع قال موسى بن جعفر ع لما اتصل ذلك من مواطاتهم و قيلهم في علي و سوء تدبيرهم عليه برسول الله ص دعاهم و
عاتبهم فاجتهدوا في الأيمان فقال أولهم يا رسول الله و الله ما اعتددت بشيء كاعتدادي بهذه البيعة و لقد رجوت أن يفسح الله بها
لي في قصور الجنات و يجعلني فيها من أفضل النزال و السكان و قال ثانيهم بأبي أنت و أمي يا رسول الله ما وثقت بدخول الجنة و
النجاة من النار إلا بهذه البيعة و الله ما يسرني إن نقضتها أو نكثت بعد ما أعطيت من نفسي و لو أن لي طلاع ما بين الثرى إلى العرش
لئالي رطبة و جواهر فاخرة و قال ثالثهم و الله يا رسول الله لقد صرت من الفرح بهذه البيعة و السرور و الفسح من الآمال في رضوان
الله تعالى و أيقنت أنه لو
تأويل الآيات الظاهرة ص : 39
كانت ذنوب أهل الأرض كلها علي لمحصت عني بهذه البيعة و حلف على ما قال من ذلك و لعن من بلغ عنه رسول الله ص خلاف ما حلف
عليه ثم تتابع بمثل هذه الاعتذار من بعدهم الرجال المتمردون فقال الله عز و جل لمحمد ص يُخادِعُونَ اللّهَ يعني يخادعون رسول الله
بإبدائهم خلاف ما في جوانحهم وَ الَّذِينَ آمَنُوا يعني سيدهم و فاضلهم علي بن أبي طالب ع ثم قال وَ ما يَخْدَعُونَ إِلّا أَنْفُسَهُمْ و ما
يضرون بتلك الخديعة إلا أنفسهم فإن الله غني عن نصرتهم و لو لا إمهالهم لما قدروا على شيء من فجورهم و طغيانهم وَ ما يَشْعُرُونَ
أن الأمر كذلك و أن الله يطلع نبيه على نفاقهم و كفرهم و كذبهم و يأمره بلعنهم في لعنة الظالمين الناكثين و ذلك اللعن لا يفارقهم
في الدنيا يلعنهم خيار عباد الله و في الآخرة يبتلون بشدائد عذاب الله تعالى
و قوله تعالى فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ. جاء في تأويل هذه الآية منقبة عظيمة و
فضيلة لمولانا أمير المؤمنين ع
في تفسير الإمام العسكري ع قال قال موسى بن جعفر ع أن رسول الله ص لما اعتذر هؤلاء المنافقون إليه بما اعتذروا تكرم عليهم
بأن قبل ظواهرهم و أما بواطنهم إلى ربهم لكن جبرئيل ع أتاه فقال له إن العلي الأعلى يقرأ عليك السلام و يقول أخرج هؤلاء
المردة
تأويل الآيات الظاهرة ص : 40
الذين اتصل بك عنهم في علي و نكثهم لبيعته و توطينهم نفوسهم على مخالفته ما اتصل حتى يظهر من عجائب ما أكرمه الله به من
طاعة الأرض و الجبال و السماء له و سائر ما خلق الله لما أوقفه موقفك و أقامه مقامك ليعلموا أن ولي الله عليا غني عنهم و أنه لا
يكف عنهم انتقامه إلا بأمر الله الذي له فيه و فيهم التدبير الذي هو بالغه و الحكمة التي هو عامل بها و ممحض لما يوجبها فأمر
رسول الله ص الجماعة بالخروج ثم قال لعلي لما استقر عند سفح بعض جبال المدينة يا علي إن الله عز و جل أمر هؤلاء بنصرتك و
مساعدتك و المواظبة على خدمتك و الجد في طاعتك فإن أطاعوك فهو خير لهم يصيرون في جنان الله ملوكا خالدين ناعمين و إن
خالفوك فهو شر لهم يصيرون في جهنم خالدين معذبين ثم قال رسول الله ص لتلك الجماعة اعلموا أنكم إن أطعتم عليا سعدتم و إن
خالفتموه شقيتم و أغناه الله عنكم بمن سيريكموه ثم قال رسول الله ص يا علي سل ربك بجاه محمد و آله الطيبين الذين أنت بعد
محمد سيدهم أن يقلب لك هذه الجبال ما شئت فسأل ربه ذلك فانقلبت له الجبال فضة و نادته الجبال يا علي يا وصي رسول رب
العالمين إن الله قد أعدنا لك إن أردت إنفاقنا في أمرك فمتى دعوتنا أجبناك لتمضي فينا حكمك و تنفذ فينا قضاك ثم انقلبت ذهبا كلها
و قالت مثل مقالة الفضة ثم انقلبت مسكا و عنبرا و عبيرا و جواهر و يواقيت و كل شيء ينقلب منها يناديه يا أبا الحسن يا أخا رسول
الله نحن مسخرات لك ادعنا متى شئت لتنفقنا فيما شئت
تأويل الآيات الظاهرة ص : 41
نجبك و نتحول لك إلى ما شئت ثم قال رسول الله ص يا علي سل الله بمحمد و آله الطيبين الذين أنت سيدهم أن يقلب أشجارها
رجالا شاكين الأسلحة و صخورها أسودا و نمورا و أفاعي فدعا الله علي ع بذلك فامتلأت تلك الجبال و الهضبات و قرار الأرض من
الرجال الشاكين الأسلحة الذين لا يفيء الواحد منهم عشرة آلاف من الناس و من الأسود و النمور و الأفاعي المعهودين و كل ينادي يا
علي يا وصى رسول الله ها نحن قد سخرنا الله لك و أمرنا بإجابتك كلما دعوتنا إلى اصطلام كل من سلطتنا عليه فسمنا ما شئت و
ادعنا نجبك و أمرنا نطعك يا علي يا وصي رسول الله إن لك عند الله من الشأن لو سألت الله أن يصير لك أطراف الأرض و جوانبها
هذه صرة واحدة كصرة كيس لفعل أو يحط لك السماء إلى الأرض لفعل أو يرفع لك الأرض إلى السماء لفعل أو يقلب لك ما في بحارها
أجاجا ماء عذبا أو زيبقا أو ألبانا أو ما شئت من أنواع الأشربة و الأدهان لفعل و لو شئت أن يجمد البحار و يجعل سائر الأرض هي
البحار لفعل فلا يحزنك تمرد هؤلاء المتمردين و خلاف هؤلاء المخالفين فكأنهم بالدنيا و قد انقضت عنهم و كأن لم يكونوا فيها و
كأنهم بالآخرة إذا وردوا عليها كأن لم يزالوا فيها
تأويل الآيات الظاهرة ص : 42
يا علي إن الذي أمهلهم مع كفرهم و فسقهم في تمردهم عن طاعتك هو الذي أمهل فرعون ذا الأوتاد و نمرود بن كنعان و من ادعى
الإلهية من ذوي الطغيان و أطغى الطغاة إبليس و رأس الضلالات و ما خلقت أنت و لا هم لدار الفناء بل خلقتم لدار البقاء و لكنكم
تنقلون من دار إلى دار و لا حاجة لربك إلى من يسوسهم و يرعاهم و لكنه أراد تشريفك عليهم و إبانتك بالفضل فيهم و لو شاء لهداهم
أجمعين قال فمرضت قلوب القوم لما شاهدوا من ذلك مضافا إلى ما كان في قلوبهم من مرض فقال الله عند ذلك فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
فَزادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ
و قوله تعالى وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ. تأويله
قال الإمام ع قال العالم ص وَ إِذا قِيلَ لهؤلاء الناكثين للبيعة في يوم الغدير لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بإظهار نكث البيعة لعباد الله
المستضعفين فتشوشون عليهم دينهم و تحيرونهم في مذاهبهم قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ لأننا لا نعتقد دين محمد و لا نعتقد غير دين
محمد و نحن في الدين متحيرون فنحن نرضى في الظاهر محمدا بإظهار قبول دينه و شريعته و نقضي في الباطن على شهواتنا فنمتع و
نتركه و نعتق أنفسنا من رق محمد و نفكها من طاعة ابن عمه علي كي لا نذل في الدنيا
تأويل الآيات الظاهرة ص : 43
و قوله تعالى وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ.
تأويله
قال الإمام ع قال موسى بن جعفر ع و إذا قيل لهؤلاء الناكثين للبيعة آمِنُوا بهذا النبي ص و سلموا لهذا الإمام في ظاهر الأمر و باطنه
كَما آمَنَ النّاسُ المؤمنون كسلمان و المقداد و أبي ذر و عمار قالُوا في الجواب لأصحابهم الموافقين لهم لا للمؤمنين أَ نُؤْمِنُ كَما
آمَنَ السُّفَهاءُ يعنون سلمان و أصحابه لما أعطوا عليا خالص ودهم و محض طاعتهم و كشفوا رءوسهم بموالاة أوليائه و معاداة أعدائه
فرد الله عليهم فقال أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ الذين لم ينظروا في أمر محمد ص حق النظر فيعرفوا نبوته و صحة ما ناطه بعلي ع من أمر
الدين و الدنيا وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ أن الأمر كذلك و أن الله يطلع نبيه ص فيخساهم و يلعنهم و يسخطهم
تنبيه اعلم أن من قوله تعالى وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا إلى قوله إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ تأويله ذكره في تفسير الإمام
الحسن العسكري ع و قال إنه في القوم المتمردين الناكثين بيعة أمير المؤمنين ع و هو مفصل مطول و هذا معناه مجملا و حال
التأويل ظاهر فلا يحتاج إلى بيان أهل الزيغ و العدوان.
تأويل الآيات الظاهرة ص : 44
و قوله تعالى يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. تأويله
قال الإمام العسكري ع قال علي بن الحسين ع في قوله تعالى يا أَيُّهَا النّاسُ يعني سائر الناس المكلفين من ولد آدم اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
أي أجيبوا ربكم حيث أمركم أن تعتقدوا أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له و لا شبيه و لا مثل عدل لا يجور جواد لا يبخل حليم لا
يعجل حكيم لا يخطل و أن محمدا عبده و رسوله صلى الله عليه و آله الطيبين و أن آل محمد أفضل آل النبيين و أن عليا أفضل آل
محمد و أن أصحاب محمد المؤمنين منهم أفضل أصحاب المرسلين و أن أمة محمد أفضل أمم المرسلين
و قوله تعالى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ
أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. تأويله
قال الإمام ع قال رسول الله ص قوله عز و جل جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً تفترشونها لمنامكم و مقيلكم وَ السَّماءَ بِناءً سقفا محفوظا
ارتفع عن الأرض تجري شمسها و قمرها و كواكبها مسخرة لمنافع عباده و إمائه
تأويل الآيات الظاهرة ص : 45
ثم قال رسول الله ص لأصحابه لا تعجبوا لحفظه السماء أن تقع على الأرض فإن الله عز و جل يحفظ ما هو أعظم من ذلك قالوا و ما
هو قال أعظم من ذلك ثواب طاعات المحبين لمحمد و آله ثم قال وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني المطر ينزل مع كل قطرة ملك يضعها
في موضعها الذي يأمره به ربه عز و جل فعجبوا من ذلك فقال رسول الله ص أ و تستكثرون عدد هؤلاء أن عدد الملائكة المستغفرين
لمحبي علي بن أبي طالب أكثر من عدد هؤلاء و أن عدد الملائكة اللاعنين لمبغضيه أكثر من عدد هؤلاء ثم قال عز و جل فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ
الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ أ لا ترون كثرة هذه الأوراق و الحبوب و الحشائش قالوا بلى يا رسول الله ما أكثر عددها فقال رسول الله ص أكثر
عددا منها ملائكة يبتذلون لآل محمد في خدمتهم أ تدرون فيما يبتذلون لهم يبتذلون في حمل أطباق النور عليها التحف من عند ربهم
و فوقها مناديل النور و يخدمونهم في حمل ما يحمل آل محمد منها إلى شيعتهم و محبيهم و إن طبقا من تلك الأطباق يشتمل من
الخيرات على ما لا يفي بأقل جزء منه جميع أموال الدنيا
و قوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
تأويله
قال الإمام ع قال علي بن الحسين ع قوله
تأويل الآيات الظاهرة ص : 46
عز و جل وَ إِنْ كُنْتُمْ أيها المشركون و اليهود و سائر النواصب من المكذبين لمحمد ص لما قاله في القرآن في تفضيل أخيه المبرز
على الفاضلين الفاضل على المجاهدين الذي لا نظير له في نصرة المؤمنين و قمع الفاسقين و إهلاك الكافرين و تثبيت دين رب
العالمين فِي رَيْب مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا في إبطال عبادة الأوثان من دون الله و في النهي عن موالاة أعداء الله و معاداة أولياء الله و
في الحث على الانقياد لأخي رسول الله و اتخاذه إماما و اعتقاده فاضلا راجحا لا يقبل الله عز و جل إيمانا و لا طاعة إلا بموالاته و
تظنون أن محمدا يقوله من عنده و ينسبه إلى ربه فإن كان كما تظنون فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ أي من مثل محمد أمي لم يختلف قط
إلى أصحاب كتب و علم لا يتلمذ لأحد و لا تعلم منه وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ الذين يشهدون بزعمكم أنكم محقون و أن ما
تجيئون به نظير لما جاء به محمد ص إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قولكم إن محمدا تقوله
ذكره الكليني رحمه الله عن علي بن إبراهيم بإسناده عن جابر عن أبي جعفر ع قال نزل جبرئيل بهذه الآية على محمد ص هكذا وَ إِنْ
كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا أي في علي فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ
ثم قال تعالى فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا أي ما يأمركم به و تقبلوا ما يحدثكم به وَ لَنْ تَفْعَلُوا أي و لا يكون ذلك منكم و لا تقدرون عليه فاعلموا
أنكم مبطلون و أن محمدا الصادق الأمين المخصوص برسالة رب العالمين المؤيد بالروح الأمين و بأخيه أمير المؤمنين و سيد
المتقين فصدقوه فيما يخبركم به عن الله من أوامره و نواهيه و فيما يذكره من فضل علي وصيه و أخيه فَاتَّقُوا بذلك عذاب النّارَ الَّتِي
تأويل الآيات الظاهرة ص : 47
كنتم بها تكذبون وَقُودُهَا و حطبها النّاسُ وَ الْحِجارَةُ حجارة أشد الأشياء حرا أُعِدَّتْ تلك النار لِلْكافِرِينَ بمحمد و الشاكين في نبوته
و الدافعين لحق أخيه علي و الجاحدين لإمامته. ثم قال وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا بالله و صدقوك في نبوتك فاتخذوك نبيا و اتخذوا أخاك
عليا بعدك إماما و لك وصيا مرضيا و انقادوا لما يأمرهم به و صاروا إلى ما اختارهم إليه و رأوا له ما يرون لك إلا النبوة التي أفردت
بها و أن الجنان لا تصير لهم إلا بموالاته و موالاة من نص عليه من ذريته و موالاة أهل ولايته و معاداة أهل مخالفته و عداوته و أن
النيران لا تهدن عنهم و لا يعدل بهم عن عذابها إلا بتنكبهم عن موالاة مخالفيهم و مؤازرة شانئيهم وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ من أداء
الفرائض و اجتناب المحارم و لم يكونوا كهؤلاء الكافرين بك أَنَّ لَهُمْ جَنّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ من تحت شجرها و مساكنها
كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَة رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَ لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من أنواع الأقذار وَ
هُمْ فِيها خالِدُونَ مقيمون في تلك البساتين و الجنات. و قوله تعالى وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ
أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. تأويله
ذكر في تفسير العسكري ع أن الحسين ع قال لأصحابه بالطف أ و لا أحدثكم بأول أمرنا و أمركم معاشر أوليائنا و محبينا و
المبغضين لأعدائنا ليسهل عليكم احتمال ما أنتم له معرضون قالوا بلى يا ابن رسول الله قال إن الله تعالى لما خلق آدم و سواه و
علمه أسماء كل شيء
تأويل الآيات الظاهرة ص : 48
و عرضهم على الملائكة و جعل محمدا و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين أشباحا خمسة في ظهر آدم و كانت أنوارهم تضيء في
الآفاق من السماوات و الحجب و الجنان و الكرسي و العرش أمر الملائكة بالسجود لآدم تعظيما له و أنه قد فضله بأن جعله وعاء
لتلك الأشباح التي قد عم أنوارها الآفاق فسجدوا إلا إبليس أبى أن يتواضع لجلال عظمة الله و أن يتواضع لأنوارنا أهل البيت و قد
تواضعت لها الملائكة كلها فاستكبر و ترفع و كان بإبائه ذلك و تكبره من الكافرين
و قال علي بن الحسين ع حدثني أبي عن أبيه عن رسول الله ص قال يا عباد الله إن آدم لما رأى النور ساطعا في صلبه من ذروة العرش
إلى ظهره و لم يتبين الأشباح قال يا رب ما هذه الأنوار و قال الله عز و جل أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشي إلى ظهرك و
لذلك أمرت الملائكة بالسجود لك إذ كنت وعاء لتلك الأشباح فقال آدم يا رب لو بينتها لي فقال الله عز و جل انظر يا آدم إلى ذروة
العرش فنظر آدم و واقع نور أشباحنا من ظهر آدم إلى ذروة العرش فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا التي في ظهره كما ينطبع وجه
الإنسان في المرآة الصافية فرأى أشباحنا فقال ما هذه الأشباح يا رب قال الله يا آدم هذه الأشباح أفضل خلائقي و برياتي هذا محمد
و أنا الحميد و المحمود في أفعالي شققت له اسما من اسمي و هذا علي و أنا العلي العظيم شققت له اسما من اسمي و هذه فاطمة و أنا
فاطر السماوات و الأرضين أفاطم أعدائي من رحمتي يوم فصل قضائي و أفاطم أوليائي عما يبيرهم و يشينهم فشققت لها اسما من
اسمي و هذا الحسن و هذا الحسين و أنا المحسن المجمل شققت اسمهما من اسمي هؤلاء خيار خلقي و كرام بريتي بهم آخذ و بهم
أعطي و بهم أعاقب و بهم أثيب فتوسل بهم إلي يا آدم و إذا دهتك داهية فاجعلهم إلي
تأويل الآيات الظاهرة ص : 49
شفعاءك فإني آليت على نفسي قسما حقا لا أخيب بهم آملا و لا أرد بهم سائلا فلذلك حين نزلت منه الخطية دعا الله عز و جل بهم
فتاب عليه و غفر له
و قوله تعالى وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ.
تأويله
قال الإمام ع إن الله عز و جل لما لعن إبليس بإبائه و أكرم الملائكة بسجودها لآدم و طاعتهم لله عز و جل أمر ب آدم و حوى إلى
الجنة و قال يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً واسعا حَيْثُ شِئْتُما بلا تعب وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ شجرة العلم علم
محمد و آل محمد الذي آثرهم الله به دون سائر خلقه
فإنها لمحمد و آل محمد خاصة دون غيرهم لا يتناول منها بأمر الله إلا هم و منها كان يتناول النبي ص و علي و فاطمة و الحسن و
الحسين ص بعد إطعامهم المسكين و اليتيم و الأسير حتى لم يحسوا بعد بجوع و لا عطش و لا تعب و هي شجرة تميزت من بين
أشجار الجنة إن سائر أشجار الجنة كان كل نوع منها يحمل أنواعا من الثمار و المأكول و كانت هذه الشجرة وحدها تحمل البر و
العنب و التين و العناب و سائر أنواع الثمار و الفواكه و الأطعمة فلذلك اختلف الحاكون لذكر الشجرة فقال بعضهم
تأويل الآيات الظاهرة ص : 50
هي برة و قال آخرون هي عنبة و قال آخرون هي تينة و قال آخرون هي عنابة قال الله تعالى وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ تلتمسان بذلك
درجة محمد و آل محمد في فضلهم فإن الله خصهم بهذه الدرجة دون غيرهم و هي الشجرة التي من تناول منها بإذن الله ألهم علم
الأولين و الآخرين بغير تعلم و من تناول منها بغير إذن الله خاب من مراده و عصى ربه فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ بمعصيتكما و
التماسكما درجة قد أوثر بها غيركما كما أردتما بغير حكم الله. ثم قال الله تعالى فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ
الآية. و قوله تعالى فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمات فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ. تأويله معنى قوله فَتَلَقّى أي قبل و أخذ و تناول
على سبيل الطاعة من ربه و قوله كَلِمات و هي أسماء أهل البيت ع كما جاء عنهم ص أن آدم ع رأى مكتوبا على العرش أسماء مكرمة
معظمة فسأل عنها فقيل له هذه أسماء أجل الخلق منزلة عند الله تعالى و الأسماء محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين ص
فتوسل آدم إلى ربه بهم في قبول توبته و رفع منزلته فتاب عليه. و يؤيد هذا التأويل
ما ذكره في تفسير الإمام العسكري ع قال قال الله عز و جل فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمات فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ التواب
القابل للتوبات الرحيم بالتائبين فلما زلت من آدم الخطية فاعتذر إلى ربه عز و جل قال يا رب تب علي و اقبل معذرتي و أعدني إلى
تأويل الآيات الظاهرة ص : 51
مرتبتي و ارفع لديك درجتي فلقد تبين نقص الخطية و ذلتها بأعضائي و سائر بدني قال الله عز و جل يا آدم أ ما تذكر أمري إياك أن
تدعوني بمحمد و آله الطيبين عند شدائدك و دواهيك و في النوازل التي تبهظك قال آدم بلى يا رب قال الله عز و جل فهم محمد و
علي و فاطمة و الحسن و الحسين ص خصوصا ادعني أجبك إلى ملتمسك و أزدك فوق مرادك فقال آدم يا رب و إلهي فقد بلغ عندك من
محلهم أنك بالتوسل بهم تقبل توبتي و تغفر خطيئتي و أنا الذي أسجدت له ملائكتك و أبحته جنتك و زوجته أمتك و أخدمته كرام
ملائكتك قال يا آدم إنما أمرت الملائكة بتعظيمك بالسجود إذ كنت وعاء لهذه الأنوار و لو كنت سألتني بهم قبل خطيتك أن أعصمك
منها و أن أفطنك لدواعي عدوك إبليس حتى تحترز منها لكنت قد فعلت ذلك و لكن المعلوم في سابق علمي يجري موافقا لعلمي فالآن
فبهم فادعني لأجيبك فعند ذلك قال آدم اللهم بجاه محمد و آله الطيبين بجاه محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الطيبين
من آلهم لما تفضلت علي بقبول توبتي و غفران زلتي و إعادتي من كراماتك إلى مرتبتي فقال الله عز و جل قد قبلت توبتك و أقبلت
برضواني عليك و صرفت آلائي و نعمائي إليك و أعدتك إلى مرتبتك من كراماتي و وفرت نصيبك من رحماتي فذلك قول الله عز و جل
فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمات فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ
و قال علي بن الحسين ع حدثني أبي عن أبيه عن رسول الله ص أنه قال يا عباد الله إن آدم لما رأى النور ساطعا من صلبه إذ كان الله
قد نقل أشباحنا من ذروة العرش إلى ظهره رأى النور و لم يتبين
تأويل الآيات الظاهرة ص : 52
الأشباح فقال يا رب ما هذه الأنوار فقال الله عز و جل أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشي إلى ظهرك و لذلك أمرت الملائكة
بالسجود لك إذ كنت وعاء لتلك الأشباح فقال آدم يا رب لو بينتها لي فقال الله عز و جل انظر يا آدم إلى ذروة العرش فنظر آدم إلى
ذروة العرش و واقع أنوار أشباحنا من ظهر آدم إلى ذروة العرش فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا التي في ظهره كما ينطبع وجه
الإنسان في المرآة الصافية فرأى أشباحنا فقال ما هذه الأشباح يا رب قال الله عز و جل يا آدم هذه أشباح أفضل خلائقي و برياتي هذا
محمد و أنا الحميد المحمود في أفعالي شققت له اسما من اسمي و هذا علي و أنا العلي العظيم شققت له اسما من اسمي و هذه فاطمة
و أنا فاطر السموات و الأرض أفاطم أعدائي من رحمتي يوم فصل قضائي و أفاطم أوليائي عما يعيرهم و يشينهم و شققت لها اسما من
أسمائي و هذا الحسن و الحسين و أنا المحسن المجمل شققت اسمهما من اسمي هؤلاء خيار خلقي و أكرم بريتي بهم آخذ و بهم
أعطي و بهم أعاقب و بهم أثيب فتوسل بهم إلي يا آدم و إذا دهتك داهية فاجعلهم إلي شفعاءك فإني آليت على نفسي قسما حقا أن لا
أخيب بهم آملا و لا أرد بهم سائلا فلذلك حين زلت منه الخطية دعا الله عز و جل بهم فتاب عليه و غفر له
و يؤيده ما رواه الشيخ الطوسي قدس الله روحه عن رجاله عن ابن عباس قال لما خلق الله تعالى آدم و نفخ فيه من روحه عطس
فألهمه الله أن قال الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فقال الله يرحمك ربك فلما أسجد له الملائكة تداخله العجب فقال يا رب خلقت خلقا هو
أحب إليك مني فلم يجب فقال الثانية
تأويل الآيات الظاهرة ص : 53
فلم يجب فقال الثالثة فلم يجب ثم قال الله سبحانه و تعالى نعم و لولاهم ما خلقتك فقال يا رب فأرنيهم فأوحى الله إلى ملائكة
الحجب ارفعوا الحجب فلما رفعت فإذا بخمسة أشباح قدام العرش فقال يا رب من هؤلاء قال يا آدم هذا محمد نبيي و هذا علي ابن
عمه و وصيه و هذه فاطمة ابنة نبيي و هذان الحسن و الحسين ابناهما و ولدا نبيي ثم قال يا آدم هم ولدك ففرح آدم بذلك فلما
اقترف الخطية قال يا رب أسألك بمحمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين إلا ما غفرت لي فغفر له و هو قوله تعالى فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ
رَبِّهِ كَلِمات فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ
و مما ورد أن آدم و غيره من أولي العزم سألوا الله تعالى بحق محمد و آل محمد ع فاستجاب لهم الدعاء و نجاهم من البلاء و هذا
يدل على أنهم ليسوا في الفضل سواء بل فيه دلالة أن المسئول به أفضل من السائل و هذه الدلالة من أوضح الدلائل و يؤيده
ما رواه الشيخ محمد بن بابويه رحمه الله في أماليه عن رجاله عن معمر بن راشد قال سمعت أبا عبد الله الصادق ع يقول أتى يهودي
إلى النبي ص فقام بين يديه و جعل يحد النظر إليه فقال يا يهودي ما حاجتك قال أنت أفضل أم موسى بن عمران النبي الذي كلمه
الله و أنزل عليه التوراة و العصا و فلق له البحر و ظلله الغمام فقال له النبي ص إنه يكره للعبد أن يزكي نفسه و لكن أقول إن آدم
لما أصاب الخطيئة كانت توبته اللهم إني أسألك بحق محمد و آل محمد لما غفرت لي فغفرها الله له و إن نوحا لما ركب السفينة و
خاف الغرق قال اللهم إني أسألك بحق محمد و آل محمد لما نجيتني من الغرق فنجاه الله منه و إن إبراهيم لما ألقي في النار قال
اللهم إني أسألك بحق محمد و آل محمد لما نجيتني من النار فنجاه الله منها فجعلها الله عليه بردا و سلاما و إن موسى لما ألقى عصاه
و أوجس
تأويل الآيات الظاهرة ص : 54
فيه نفسه خيفة قال اللهم إني أسألك بحق محمد و آل محمد لما آمنتني فقال الله جل جلاله لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى يا يهودي لو
أدركني موسى ثم لم يؤمن بي و بنبوتي ما نفعه إيمانه شيئا و لا نفعته النبوة يا يهودي و من ذريتي المهدي إذا خرج نزل عيسى ابن
مريم لنصرته و قدمه و صلى خلفه
و هذا يدل على أن القائم ع أفضل من عيسى ع.
و قال الإمام ع ثم قال الله عز و جل وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِ آياتِنا الدالات على صدق محمد و ما جاء به من أخبار القرون السالفة
و على ما أداه إلى عباد الله من ذكر تفضيله لعلي و آله الطيبين خير الفاضلين و الفاضلات بعد محمد سيد البريات أُولئِكَ الدافعون
لصدق محمد في إنبائه و المكذبون له في نفسه و تصديقه لأوليائه علي سيد الأوصياء و المنتجبين من ذريته الطيبين الطاهرين
تنبيه اعلم أن في هذه السورة آيات و الخطاب فيها لبني إسرائيل و لكن يتضمن تأويلها ذكر محمد و آله ع فاقتضت الحال أن نأخذ
منه موضع ذكرهم و نترك الباقي مخافة التطويل و إذا كان غير مطول ذكرناه جميعه على حسب ما يقتضيه الحال و إلى الله الم آل.
منها قوله تعالى يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيّايَ فَارْهَبُونِ
قال الإمام ع قال الله عز و جل يا بَنِي إِسْرائِيلَ ولد يعقوب إسرائيل الله اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ لما بعثت محمدا و
أقررته في
تأويل الآيات الظاهرة ص : 55
مدينتكم و لم أجشمكم الحط و الترحال إليه و أوضحت علاماته و دلائل صدقه لئلا يشتبه عليكم حاله وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي الذي أخذته
على أسلافكم و أنبياؤهم أمروهم أن يؤدوه إلى أخلافهم ليؤمنن بمحمد العربي القريشي المبان بالآيات و المؤيد بالمعجزات التي
منها أن كلمه ذراع مسموم و ناطقه ذئب و حن إليه عود المنبر و كثر الله له القليل من الطعام و لان له الصلب من الأحجار و صلبت
لديه المياه السائلة و لم يؤيد نبيا من أنبيائه بدلالة إلا جعل الله له مثلها أو أفضل منها و الذي جعل من أكبر آياته علي بن أبي
طالب شقيقه و رفيقه عقله من عقله و علمه من علمه و حلمه من حلمه مؤيد دينه بسيفه الباتر بعد أن قطع معاذير المعاندين بدليله
القاهر و علمه الفاضل و فضله الكامل أُوفِ بِعَهْدِكُمْ الذي أوجبت به لكم نعيم الأبد في دار الكرامة و مستقر الرحمة وَ إِيّايَ
فَارْهَبُونِ في مخالفة محمد ص فإني القادر على صرف بلاء من يعاديكم على موافقتي و هم لا يقدرون على صرف انتقامي عنكم إذا آثرتم
مخالفتي
قوله تعالى وَ آمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِر بِهِ وَ لا تَشْتَرُوا بِ آياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَ إِيّايَ فَاتَّقُونِ
قال الإمام ع ثم قال الله عز و جل لليهود وَ آمِنُوا يا أيها اليهود بِما أَنْزَلْتُ على محمد من ذكر نبوته و أنباء إمامة أخيه علي بن أبي
طالب و عترته