بعدی


متشابه القرآن ج : 1 ص : 1
الجزء الأول من متشابه القرآن و مختلفه
تأليف الشيخ الجليل محمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني و كان فراغه من تأليفه سنة سبعين و خمسمائة هجرية
متشابه القرآن ج : 1 ص : 2
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و الصلاة على محمد و آله الطاهرين قال محمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني
رضي الله عنه سألتم وفقكم الله للخيرات إملاء كتاب في بيان المشكلات من الآيات المتشابهات و ما اختلف العلماء فيه من حكم
الآيات و لعمري إن لهذا التحقيق بحرا عميقا و لا يكاد يوجد منه إلا ألفاظ في كتب كبار المتكلمين أو نكت في بعض تفاسير المحققين
العدليين و قلما يحضر ذلك للطالبين فأجبتكم إلى ذلك مع تقسم الفكر و ضيق الصدر و شغل القلب و وعثاء السفر و فقدان الكتب
فمنها ما ابتدأناه و منها ما سبقنا إليه فحررناه و منها ما وجدناه مختلا فحققناه و المتشابه ما لا يعلم المراد بظاهره حتى يقترن به ما
يدل على المراد منه لالتباسه و قال ابن عباس المحكم الناسخ و المتشابه المنسوخ و قال مجاهد المحكم ما لم يشتبه معناه و
المتشابه ما اشتبهت معانيه و قال الجبائي المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا و المتشابه ما يحتمل وجهين فصاعدا و قال جابر
المحكم ما يعلم تعيين تأويله و المتشابه ما لا يعلم تعيين تأويله و قيل ما لا ينتظم لفظه مع معناه إلا بزيادة أو حذف أو نقل و سمي
متشابها لأنه يشبه المحكم و قيل لاشتباه المراد منه بما ليس بمراد و المتشابه في القرآن إنما يقع فيما اختلف الناس فيه من أمور
الدين نحو قوله وَ أَضَلَّهُ اللّهُ عَلى عِلْم وَ أَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ و منها أن يحتمل معنيين أو ثلاثا أو أكثر فيحمل على الأصوب مثل يَدُ اللّهِ
مَغْلُولَةٌ و تَجْرِي بِأَعْيُنِنا و منها ما يزعم فيه من مناقضة نحو فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماوات فِي يَوْمَيْنِ و قوله فِي أَرْبَعَةِ أَيّام و قوله فِي
سِتَّةِ أَيّام و منها ما هو محكم فيه غرضه مثل قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و ما يتبع ذلك من الغوامض التي يحتاج إلى بيانها و يستخلص
منها إما بموضوع اللغة أو بمقتضى العقل أو بموجب الشرع و الحكمة في إنزال المتشابه الحث على النظر الذي يوجب العلم دون
الاتكال على الخبر من غير نظر و ذلك أنه لو لم يعلم بالنظر أن جميع ما يأتي به الرسول ص حق لجوز أن يكون الخبر كذبا
متشابه القرآن ج : 1 ص : 3
و بطلت دلالة السمع و فائدته ثم إن به يتميز العالم من الجاهل كما قال وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ثم إنه
منزل على لغة العرب و من عادتهم الاستعارة و المجاز و التعريض و اللحن و قد يكون محكما من وجه و متشابها من وجه كالمعلوم و
المجهول فتصح الحجة من وجه المعلوم دون المجهول و الشبهة ما تتصور بصورة الدلالة و أسبابها كثيرة منها اتباع هوى من سبق
إليه و الثاني أن يدخل عليه شبهة فيتخيله بصورة الصحيح و الثالث التقليد و الرابع ترك النظر و الخامس نشء على شيء صار إلفه
فيصعب عليه مفارقته و غير ذلك و أسأل الله المعونة على إتمامه و أن يوفقني لإتمام ما شرعت فيه من كتاب أسباب نزول القرآن فإن
بانضمامهما يحصل جل علوم التفاسير إنه ولي ذلك و المنعم بطوله
باب ما يتعلق بأبواب التوحيد
قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماوات الظاهر يقتضي أنه خلق الأرض
قبل السماء لأن ثم للتعقيب و التراخي و قال في موضع أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ليس بينهما
تناقض لأنه تعالى خلق الأرض قبل السماء غير مدحوة فلما خلق السماء دحاها بعد ذلك و دحوها بسطها و منه أدحية النعام لأنها
تبسطها لتبيض فيها و يجوز أن لا يكون معنى ثم و بعد في هذه الآيات للترتيب في الأوقات و التقديم و التأخير فيها إنما هو على جهة
تعداد النعم و الأذكار بها كما يقول القائل لصاحبه أ ليس قد أعطيتك ثم حملتك ثم رفعت منزلتك ثم بعد هذا كله أخلصتك لنفسي و
يقال بعد بمعنى مع نحو قوله عُتُلّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيم و يقال بمعنى قبل نحو قوله وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ. قوله
سبحانه وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ بِأَمْرِهِ بلا دعامة تدعمها و لا علاقة علق بها بل إن الله تعالى يمسكها حالا بعد حال
لأعظم دلالة على أنه لا يقدر عليه سواه و لو اجتمعت الجن و الإنس على إمساك تبنة في الهواء أو إثبات تربة على الماء لعجزوا
بنى السماء فسواها بلا عمد و لم تمد بأطناب و لا عمد
متشابه القرآن ج : 1 ص : 4
خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَها أي ليس لها عمد يسندها لأنه لو كان لها عمد لرأيتموها فلما لم تر دل على أنه ليس لها عمد و لو
كان لها عمد لكانت أجساما عظيمة حتى يصح منها إقلال السماوات و لو كانت كذلك لاحتاجت إلى عمد آخر فكان يتسلسل فإذا لا
عمد لها بل الله يمسكها حالا بعد حال بقدرته التي لا توازيها قدرة قادر و قال مجاهد لها عمد لا ترونها
و سأل الحسين بن خالد الرضا ع عن قوله وَ السَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ فقال ع محبوكة إلى الأرض و شبك بين أصابعه
لعله ع أراد بذلك قوله وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ لأنه لو كان لها عمد لكانت أجساما عظيمة كثيفة لأنه لا يقل مثل
السماوات و الأرض إلا ما فيه الاعتمادات العظيمة و لو كانت كذلك لرأيناها و لأدى إلى التسلسل. قوله سبحانه وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ
السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّام وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ظاهر الآية يقتضي أن العرش الذي تعبد الله الملائكة بحمله كان مخلوقا
قبل السماوات و الأرض و قد اختاره المرتضى و قال الجبائي في الآية دلالة على أنه كان قبل السماوات و الأرض الملائكة لأن خلق
العرش على الماء لا وجه لحسنه إلا أن يكون فيه لطف لمكلف أو يمكنه الاستدلال به فلا بد إذا من حي مكلف و قال الرماني لا يمتنع
أن يتقدم خلق الله لذلك إذا كان في الإخبار بتقدمه مصلحة للمكلفين و هو اختيار الطوسي. قوله سبحانه إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ
الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَ آيات لِأُولِي الْأَلْبابِ وجه الاحتجاج بخلق السماوات على الله تعالى و لم يثبت بعد أنها مخلوقة أن
تعاقب الضياء و الظلام يدل على حدوث الأجسام ثم إنها على تقدير كونها مخلوقة قيل الاستدلال به لأن الحجة به قامت عليه من
حيث إنها لم تنفك من المعاني المحدثة. قوله سبحانه إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا استدل الرماني بهذه الآية
متشابه القرآن ج : 1 ص : 5
على أن السماوات غير الأفلاك لأن الأفلاك تتحرك و تدور و السماوات لا تتحرك و لا تدور و هذا غير مرضي لأنه لا يمتنع أن يكون
السماوات هي الأفلاك و إن كانت متحركة لأن قوله يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا معناه لا تزول عن مركزها الذي تدور عليه و
لو لا إمساكه لهوت لما فيها من الاعتمادات سفلا
فصل
قوله تعالى رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ و في موضع رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ و في موضع فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ أراد
بالأول موضع الشروق و الغروب لأن المفعل من يفعل و يفعل اسم الموضع منهما كالمذهب و المدخل أما المشرق و المغرب فيجوز
فيهما كسر العين و فتحها و أما الثاني عنى به مشرق الشتاء و مشرق الصيف و كذلك المغرب و ذلك أن مشرق الشتاء قريب فالليل
أطول من النهار و كذلك المغرب و أما الثالث عنى به منازل الشمس في الشروق و الغروب لأن للشمس ثلاث مائة و ستين منزلا تطلع
كل يوم من منزل و تغرب في منزل و كذلك القمر لأن القمر يجاوز المنازل في شهر و الشمس تجاوزها في سنة. قوله سبحانه قُلْ أَ
إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ و قال فِي أَرْبَعَةِ أَيّام سَواءً لِلسّائِلِينَ و قال خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّام أما
قوله فِي أَرْبَعَةِ أَيّام يريد مع اليومين الأولين لأن خلق الرواسي و غير ذلك من تمام خلق الأرض و ذلك كما تقول خرجت من بغداد إلى
الكوفة في خمسة أيام و إلى مكة في ثلاثين يوما فيكون المبتدأ في جملة الثلاثين و إنما خلقهما في هذا المقدار مع قدرته أن
يخلقهما في أقل من لمح البصر لأن الأمور جارية في التدبير على منهاج و لما علم في ذلك من مصالح الخلق في الترتيب ليدل على
صانع حكيم و في إظهارهما كذلك مصلحة للملائكة و غيرهم. قوله سبحانه وَ اللّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً و قوله الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ
الْأَرْضَ فِراشاً استدل أبو علي على بطلان ما يقوله المنجمون من أن الأرض كروية الشكل و هذا إنما
متشابه القرآن ج : 1 ص : 6
يدل على أن بعضها مسطوح لا جميعها و المنجمون معترفون بأن بعضها مسطوح. قوله سبحانه أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
الآية لما كانت العرب منفردين عن الناس و السماء لهم سقفا و الأرض لهم وطأ و الجبال أمامهم و هي كهف لهم و حصن و الإبل
ملجأهم في الحل و الترحال أكلا و شربا و ركوبا و حملا نزلت الآية و ليست الفيلة بأدل على الله تعالى من البقة و لا الطاوس من
القردة فلذلك قرن الإبل بالسماء و الأرض بالجبال. قوله سبحانه هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُراب قال الجبائي
معناه خلقكم من آدم و آدم من تراب و قال الطوسي معناه خلق أباكم الذي هو آدم و أنتم من ذريته و هو بمنزلة الأصل لنا من طين فلما
كان أصله من الطين جاز أن يقول خلقكم من طين و قال غيره أي خلقكم من الأرض و الأول أقوى قال الحسن لم يخلق الله آدم إلا
للأرض أن عصى و إن لم يعص و لو لم يعص لخرج على غير تلك الحال و قال غيره يجوز أن يكون خلقه للأرض و لغيرها و إن لم يعص
و هو الأقوى لأن ما قاله الحسن لا دليل عليه
فصل
قوله تعالى في خلق آدم خَلَقَهُ مِنْ تُراب و في موضع مِنْ طِين لازِب و في موضع مِنْ حَمَإ مَسْنُون و في موضع مِنْ صَلْصال كَالْفَخّارِ لا
تناقض فيها لأنها ترجع إلى أصل واحد و هو التراب فجعله طينا ثم صار كالحما المسنون ثم يبس فصار صلصالا كالفخار قوله
سبحانه خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس واحِدَة ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها و ثم يقتضي المهلة و التراخي و ذلك يقتضي أن الله تعالى خلق الخلق من آدم
ثم بعد ذلك خلق حواء الجواب أن ذلك و إن كان مؤخرا في اللفظ هو مقدم في المعنى كقول القائل قد رأيت ما كان منك اليوم ثم ما
كان منك أمس أو أنه معطوف على معنى واحد كأنه قال من نفس واحدة بمعنى
متشابه القرآن ج : 1 ص : 7
وحدها ثم جعل منها زوجها ففي واحدة معنى خلقها وحدها و لا يمتنع أن يكون المراد بقوله زوجها غير حواء بل يريد المزوج من
نسل آدم من الذكور و الإناث فكأنه تعالى قال هو الذي خلقكم من نفس واحدة و هي آدم ثم جعل المزوج من نسل تلك النفس و هذا
متأخر عن خلق النفس الواحدة التي هي آدم و إن سبب دخول ثم للاعتداد بهذه النعمة و الذكر لها على سبيل الامتنان إنما كان بعد ذكر
خلقها من نفس واحدة فكأنه قال هو الذي ذكر لكم و اعتد عليكم بأنه خلقكم من نفس واحدة ثم عطف على هذا الاعتداد و الامتنان ذكر
نعمة أخرى و هي أن زوج هذه النفس المخلوقة مخلوقة منها فزمان الخلق للزوج و إن كان متقدما فزمان ذكره و الاعتداد به غير زمان
وجوده فلا يمتنع أن يكون الترتيب في زمان الذكر و الاعتداد غير الترتيب في زمان الإيجاد و التكوين كقولنا لي عليك من النعمة كذا
اليوم ثم كذا أمس المراد بثم الواو و قد يستعمل الواو بمعنى ثم فثم بمعنى الواو و هو الجمع و الانضمام نحو قوله فَإِلَيْنا
مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ معناه و الله شهيد و قوله وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواج. قوله سبحانه وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ
سُلالَة مِنْ طِين الآية فيها دلالة على أن الإنسان هو هذا الجسم المشاهد لأنه المخلوق من نطفة و المستخرج من سلالة دون ما
يذهب إليه معمر و غيره من أنه الجوهر البسيط أو شيء لا يصح عليه التركيب و الانقسام. قوله سبحانه خَلَقَكَ مِنْ تُراب أي أصلك
من تراب إذ خلق أباه من تراب و يصير إلى التراب و قيل لما كانت النطفة يخلقها الله بمجرى العادة من الغذاء و الغذاء نبت من تراب
جاز أن يقال خلقك من تراب لأن أصله من تراب كما قال من نطفة و هو في هذه الحال خلق سوي حي لكن لما كان أصله كذلك جاز أن
يقال ذلك و الوجه في خلق البشر و غيره من الحيوان و نقله من تراب إلى نطفة ثم إلى علقة ثم إلى صورة ثم إلى طفولية ثم إلى حال
الرجولية ما في ذلك من الاعتبار الذي هو أدل تحد على تدبير مدبر مختار يصرف الأشياء من حال إلى حال لأن ما يكون بالطبع يكون
دفعة واحدة كالكتابة التي يوجدها بالطبائع من لا يحسن
متشابه القرآن ج : 1 ص : 8
الكتابة فأما إنشاء الخلق حالا بعد حال دل على أنه عالم مختار. قوله سبحانه وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ الآية تعلقت
الحشوية بذلك و ألحقوا به
الخبر الأرواح جنود مجندة فقولهم باطل لأنه قال مِنْ بَنِي آدَمَ و لم يقل من آدم و قال مِنْ ظُهُورِهِمْ و لم يقل من ظهره و قال
ذُرِّيَّتَهُمْ و لم يقل ذريته و أي ظهر يحتمل هذه الذرية و أي فضاء يتسع و لفظ الذرية إنما يقع على المولود و لا يكون في الصلب
ذرية و يوجب أن يكون المأخوذ منهم ذرية آدم لصلبه و لا يدخل أبناء الأبناء و من بعدهم لأن الذرية إنما تطلق على ولد الصلب و ما
عداه مجاز يعرف ذلك بدليل آخر دون ظاهر اللفظ و معلوم أن الولد يخلق من المني و إنما يحدث من الإنسان حالا بعد حال و
يستحيل من الأطعمة و كيف يجتمع في صلب واحد جميع ما يكون من عقبه إلى يوم القيامة من المني و الإشهاد إنما يصح ممن يعقل
و يكون الجواز عنه مستحيلا و الله تعالى رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ و لم يلزمه معرفته و الذرية المستخرجة من ظهر آدم إذا
خوطبت و قررت لا بد أن يكون كاملة العقول مستوفية التكليف لأن ما لم يكن كذلك يقبح خطابهم و تقريرهم و إشهادهم و إن كانوا
بصفة كمال العقل وجب أن يذكرها و لا يعد إنشاءهم أو كمال عقولهم تلك الحال فإن الله تعالى أخبرنا بأنه إنما أقررهم و أشهدهم
لئلا يدعوا يوم القيامة الغفلة عن ذلك أو يعتذروا بشرك آبائهم و إنهم نشئوا بين أيديهم و هذا يدل على اختصاص ببعض ذرية ولد
آدم و هو الصحيح فإنه خلقهم و بلغهم على لسان رسله معرفته و ما يجب من طاعته فأقروا بذلك لئلا يقولوا إنا كنا عن هذا غافلين و
إن الله تعالى لما خلقهم و ركبهم تركيبا يدل على معرفته و يشهد بقدرته و وجوب عبادته و أراهم العبر و الآيات و الدلائل في غيرهم
و في أنفسهم كان بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم و إن لم يكن هناك إشهاد و لا اعتراف على الحقيقة و يجري ذلك مجرى قوله ثُمَّ
اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً. قوله سبحانه وَ إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ
مِنْ كِتاب وَ حِكْمَة قوله وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ليس يوجب اللفظ أن يكون أخذ الميثاق عليهم في وقت واحد و مكان
متشابه القرآن ج : 1 ص : 9
واحد بل يكون معناه أخذ ميثاق أمم النبيين بتصديق نبيها و العمل بما جاءهم به و يقال أخذ العهد بما نصب لهم من الحجج
الواضحة و البراهين الساطعة الدالة على توحيده و عدله و صدق أنبيائه و رسله و يمكن أن يكون ذلك ما روي في تقرير الأنبياء ع
على ولاية علي ع على ما بيناه في كتبنا. قوله سبحانه وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ هذا الميثاق هو المعنى في قوله
وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللّهَ الآيات. قوله سبحانه فِطْرَتَ اللّهِ و قوله مِنَ النُّذُرِ الْأُولى و قوله وَ ما وَجَدْنا
لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْد و قوله لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ فليس فيها شيء من دعواهم أنه مسح ظهر آدم و استخرج منه الذرية و أشهدها على
نفوسها و أخذ إقرارها بمعرفته و قد بينا فساده في الآية الأولى
فصل
قوله تعالى وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ روي أن الله ألقى على آدم النوم و أخذ منه ضلعا فخلق منه حواء و روي أنه
خلقها من فضل طينته قال الرماني و جماعة من المفسرين ليس يمتنع أن يخلق الله حواء من جملة جسد آدم بعد أن لا يكون جزءا مما
لا يتم كون الحي حيا إلا معه لأن ما هذه صفته لا يجوز أن ينقل إلى غيره أو يخلق منه حيا آخر حيث يؤدي إلى أن لا يصل الثواب إلى
مستحقه لأن المستحق لذلك الجملة بأجمعها. قوله سبحانه ما جَعَلَ اللّهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ لا يجوز أن يكون لإنسان واحد
قلبان لا يؤدي إلى أن لا ينفصل إنسان من إنسانين كأنه ربما يريد بأحد قلبيه ما يكرهه بالقلب الآخر أو يشتهي ما لا يشتهي الآخر أو
يعلم ما لا يعلم الآخر فيصير كشخصين و قال بعضهم يجوز أن يكون للإنسان قلب كثير الأجزاء و يمتنع أن يريد ببعض الأجزاء ما
يكرهه بالبعض
متشابه القرآن ج : 1 ص : 10
لأن الإرادة و الكراهة إن وجدتا في جزء من القلب فالحالتان الصادرتان عنها يرجعان إلى الجملة و هي جملة واحدة فاستحال وجود
معنيين ضدين في حي واحد و يجوز أن يكون معنيان مختلفان أو مثلان في جزءين من القلب و يوجبان الصفتين للحي الواحد و كذلك
المعنيان في قلبين إذا كان مما يوجد منهما يرجع إلى حي واحد إلا أن السمع ورد بالمنع من ذلك. قوله سبحانه وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
لما كان الجمع على تشاكل و جمعت قلوبهم على تشاكل فيما تحبه و تنازع إليه كان قد ألفت و منه قيل هذه الكلمة تأتلف مع هذه و
لا تأتلف. قوله سبحانه إِلّا مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْب سَلِيم أي سليم من الفساد و المعاصي و إنما خص القلب بالسلامة لأنه إذا سلم القلب
سلم سائر الجوارح من الفساد من حيث إن الفساد بالجارحة لا يكون إلا عن قصد بالقلب الفاسد فإذا اجتمع مع ذلك جهل فقد عدم
السلامة من وجهين و قيل سلامة القلب سلامة الجوارح لأنه يكون خاليا من الإصرار على الذنب. قوله سبحانه وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَ لا
يَنْطَلِقُ لِسانِي ضيق الصدر يمنع من سلوك المعاني في النفس لأنه يمنع منه كما يمنع ضيق الطريق من السلوك فيه و لا ينطلق
لساني أي لا ينبعث بالكلام و قد يتعذر ذلك لضيق الصدور و غروب المعاني التي تطلب للكلام و قيل في قوله وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ
أَنْفُسُهُمْ بمعنى ضيق صدورهم بالهم الذي حصل فيها. قوله سبحانه ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
ظاهره يفيد الشك الذي لا يجوز على الله تعالى الجواب إن أو هاهنا للإباحة يقال جالس الحسن أو ابن سيرين و الق الفقهاء أو
المحدثين أو دخلت للتفصيل و يكون معناها إن قلوبهم قست فمنها ما هو كالحجارة في القسوة و منها ما هو أشد قسوة منها نحو قوله
وَ قالُوا
متشابه القرآن ج : 1 ص : 11
كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى و في معناه قال بعضهم كونوا هودا و هم اليهود و قال بعضهم أو نصارى و هم النصارى و مثله وَ كَمْ مِنْ قَرْيَة
أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ أو دخلت على سبيل الإبهام فيما يرجع إلى المخاطب و إن كان الله تعالى عالما بذلك
غير شاك فيه و المعنى أنهما كأحد هذين لا يخرجان عنهما كقولهم ما أطعمك إلا حلوا أو حامضا فيبهمون على المخاطب بما يعلمون
أنه لا فائدة في تفصيله أو بمعنى بل نحو قوله وَ أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْف أَوْ يَزِيدُونَ قالوا كانوا مائة ألف و بضعا و أربعين ألفا و قوله
فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى شعر
فو الله لا أدري أ سلمى تغولت أم البدر أم كل إلى حبيب
أو بمعنى الواو نحو قوله أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ معناه و بيوت آبائكم و قوله وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّا لِبُعُولَتِهِنَّ
أَوْ آبائِهِنَّ الآية جرير
نال الخلافة أو كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدر
قوله سبحانه كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ إنها كناية عن القرآن و معناه أقررناه في قلوبهم بإخطاره ببالهم ليقوم الحجة
عليهم و لله لطف يوصل به المعنى و الدليل إلى القلب فمن ذكره أدرك الحق به و من أعرض عنه كان كمن عرف الحق و ترك العمل به
في لزوم الحجة و الفرق بين إدراك الحق بسلوكه في القلب و بين إدراكه بالاضطرار إليه في القلب أن الاضطرار إليه يوجب الثقة به
فيكون صاحبه عالما به و أما سلوكه فيكون مع الشك فيه قوله سبحانه لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها إلى قوله فِي الصُّدُورِ فيها دلالة
على أن العقل هو العلم لأن معنى يعقلون بها يعلمون بها مدلول ما يرون من العبرة و فيها دلالة على أن القلب محل العقل و العلوم
لأنه تعالى وصفها بأنها هي التي تعمى و أنها التي تذهب عن إقرار الحق فلو لا أن التبيين يصح فيها لما وصفها بأنها تعمى كما لا يصح
أن يصف اليد و الرجل بذلك.
متشابه القرآن ج : 1 ص : 12
قوله سبحانه فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ رد على من قال إن العقل في الدماغ و الصحيح أن
محل العلم و العقل القلب لأن الشاك في الشيء يجد التغيير من جهة القلب كما أن المريد يجد التغيير من جهته. قوله سبحانه إِذْ
يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَ يُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ أي يتخيلونهم بأعينهم قليلا من غير رؤية على الصحة لجميعهم
و ذلك بلطف من ألطافه تعالى مما يصد به عن الرؤية من قتام يستر بعضهم و لا يستر بعضا آخر قال ابن مسعود رأيناهم قليلا حتى
قلت لمن كان إلى جانبي أ تراهم سبعين رجلا فقال هم نحو المائة و كانوا ألفا. قوله سبحانه وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً السبات من
صفات النوم إذا وقع على بعض الوجوه و هو النوم الطويل يقال لمن وصف بكثرة النوم إنه مسبوت و به سبات و لا يقال ذلك في
كل نائم و السبات الراحة و الدعة و منه السبت للفراغ من الخلق قالت اليهود ابتداء الخلق يوم الأحد و الفراغ في يوم السبت و
قال النصارى بل كان يوم الاثنين إلى السبت و الفراغ يوم الأحد و قال المسلمون بل كان في يوم السبت و الفراغ في يوم
الخميس و جعلت الجمعة عيدا و قيل السبت القطع و الخلق فمعنى قوله وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً أي ليس بموت لأن النائم قد يعتقد
من علومه و قصوده و أحواله أشياء كثيرة و الله تعالى امتن علينا بالنوم المضاهي للموت و ليس بمخرج عن الحياة و الإدراك فجعل
التأكيد بذكر المصدر قائما مقام نفي الموت و وجه آخر أنه جعل نومنا ممتدا لما في ذلك من المنفعة و الراحة و النوم اليسير لا
يكسب شيئا من الراحة بل يصحبه في الأكثر القلق و الانزعاج و الهموم. قوله سبحانه وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ و
القلب إذا زال عن موضعه مات صاحبه المراد إنهم جبنوا و من شأن الجبان عند الهول أن ينتفخ منخره و الرية إذا
متشابه القرآن ج : 1 ص : 13
انتفخت رفعت القلب و نهضت به إلى نحو الحنجرة ذكره الفراء و الكلبي و أبو صالح عن ابن عباس و القلوب توصف بالوجيب في
أحوال الجزع شاعر
كأن قلوب أدلائها معلقة بقرون الظباء
و يكون المعنى كادت القلوب من شدة الرعب تبلغ الحناجر فألغى ذكر كادت لوضوح الأمر فيها و لفظة كادت للمقاربة. قوله سبحانه
وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلّا دُعاءً وَ نِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ المعنى مثل واعظ الذين كفروا
و الداعي لهم إلى الإيمان و الطاعة كمثل الراعي الذي ينعق بالغنم و هي لا تعقل معنى دعائه إنما تسمع صوته و لا تفهم غرضه و
يجوز أن يقوم قوله مقام الداعي لهم كما تقول العرب فلان يخافك خوف الأسد و هذا المعنى مضاف إلى الأسد شعر
فلست مسلما ما دمت حيا على زيد بتسليم الأمير
مثل الذين كفروا كمثل الغنم التي لا تفهم ما أراد الناعق أضاف المثل الثاني إلى الناعق و هو في المعنى مضاف إلى المنعوق به تقول
العرب طلعت الشعرى أي نجمها و انتصب العود على الحرباء المعنى انتصب الحرباء على العود قال كأن لون أرضه سماؤه أراد كأن
لون سمائه أرضه قال أبو النجم قبل دنو النجم من جوزائه و مثل الذين كفروا و مثلنا أو و مثلهم و مثلك يا محمد كمثل الذي ينعق
أي مثلهم في الدعاء و التنبيه و الإرشاد كمثل الناعق و الغنم فحذف المثل الثاني اكتفاء بالأول مثل قوله وَ جَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ
تَقِيكُمُ الْحَرَّ و أراد الحر و البرد أبو ذؤيب
عصيت إليها القلب إني لأمرها مطيع فما أدري أ رشد طلابها
أراد أ رشد أم غي و مثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام و عبادتهم لها كمثل الراعي الذي ينعق بغنمه و يناديها نداءه و دعاءه و لا
تفهم معنى كلامه فشبه من يدعوه الكفار من المعبودات بالغنم من حيث لا تعقل الخطاب و لا تفهمه و لا نفع عندها فيه و لا مضرة
متشابه القرآن ج : 1 ص : 14
فصل
قوله تعالى وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ لو أنزلنا ملكا في صورته لقامت الساعة و وجب استيصالهم ثم قال وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً
لَجَعَلْناهُ رَجُلًا أي في صورة رجل لأن أبصار البشر لا تقدر على النظر إلى صورة ملك على هيئته للطف الملك و قلة شعاع أبصارنا و لذلك
كان جبريل يأتي النبي ع في صورة دحية الكلبي و كذلك الملائكة الذين دخلوا على إبراهيم في صورة الأضياف حتى قدم إليهم عجلا
سمينا لأنه لم يعلم أنهم ملائكة و كذلك لما تسور المحراب على داود الملكان كانا على صورة رجلين يختصمان إليه. قوله سبحانه
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ... يا مَرْيَمُ اقْنُتِي الآية قال الجبائي ظهور الملائكة لمريم أنما كان معجزة لزكريا ع لأن مريم لم تكن نبية لقوله
وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ و قال ابن الإخشيد كان ذلك إظهارا لنبوة عيسى ع كما كان ظهور الشهب و الغمامة و
غيرهما معجزة للنبي ع و يجوز عندنا أن يكون معجزة لها و كرامة و إن لم تكن نبية لأن إظهار المعجزات عندنا أنما تدل على صدق
من ظهرت على يده سواء كان نبيا أو إماما أو صالحا على أنه يحتمل أن يكون الله قال ذلك لمريم و قد يقال قال الله لها و إن كان
بواسطة كما تقول قال الله كذا و كذا و إن كان على لسان النبي ع. قوله سبحانه ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى إنما جاز أن تتصور
الملائكة في صورة البشر مع ما فيه من الإيهام لأنه قد اقترن به دلالة و كان فيه مصلحة فجرى مجرى السراب الذي يتخيل أنه ماء
من غير علم بأنه ماء. قوله سبحانه عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ معناه غلاظ في الأخلاق شداد في القوى و إن كانوا رقاق الأجسام لأن
الظاهر من حال الملك أنه روحاني فخروجه عن الروحانية كخروجه
متشابه القرآن ج : 1 ص : 15
عن صورة الملائكة. قوله سبحانه لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ و قوله سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ
هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ قال جماعة إن الملائكة كلهم رسل الله و قال الرماني في قوله جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا ظاهر الآية يقتضي العموم و
عمومه يقتضي أنهم لا يعصونه في صغيرة و لا كبيرة. قوله سبحانه اللّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَ مِنَ النّاسِ أدخل من للتبعيض
فدل على أن جميعهم لم يكونوا أنبياء كما أنه لما قال وَ مِنَ النّاسِ دل على أن جميع الناس لم يكونوا أنبياء و ذهب أصحابنا إلى أن
فيهم رسلا و فيهم من ليس برسول فلو كانوا جميعا رسلا لكانوا جميعا مصطفين لأن الرسول لا يكون إلا مختارا مصطفى كما قال وَ
لَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْم عَلَى الْعالَمِينَ فالرسل منهم لا يجوز عليهم فعل القبيح و لا دليل على أن جميعهم بهذه الصفة. قوله
سبحانه قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها يدل على زيادة التثبيت في نفوسهم أنه يعلم الغيب و إنما قالوا ذلك لما رأوه من الجان
أو قالوا استعظاما لفعلهم أو إن الله كان قد أخبرهم أو قالوا على وجه الإيجاب و إن خرج مخرج الاستفهام أو على وجه التوجع و
التألم و قيل إنما سألوا على وجه التعريف و الاستفادة و إنما أرادوا بذلك غير الأنبياء و المعصومين و كأنه تعالى قال إِنِّي جاعِلٌ
فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً يكون له ولد و نسل يفعلون كيت و كيت فقالوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها يريدون الولد و يحتمل أن يكون
قوله مَنْ يُفْسِدُ فِيها يريدون البعض لا الكل كما يقال بنو شيبان يقطعون الطريق أي بعضهم. قوله سبحانه سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا
يحتمل وجهين قال ابن عباس تنزيها لله أن يكون أحد يعلم الغيب و الثاني أنهم أرادوا أن يخرجوا الجواب مخرج التعظيم لله
فكأنهم قالوا
متشابه القرآن ج : 1 ص : 16
تنزيها لك عن القبائح. قوله سبحانه كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ أي ملائكة لا يخفى عليهم شيء من الذي تفعلونه فيثبتون
ذلك كله و علمهم بذلك إما باضطرار كما تعلم أنه يقصد إلى خطابنا و أمرنا و نهينا و إما باستدلال إذا رأوه و قد ظهر منه الأمور التي لا
تكون إلا عن علم و قصد نحو رد الوديعة و قضاء الدين و الكيل و الوزن مما يتعهد فيه أهل الحقوق قال الحسن يعلمون ما تفعلون
من الظاهر دون الباطن و قيل هو على ظاهر العموم لأن الله يعلمهم إياه. قوله سبحانه عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ كلام مجمل لا يعرف تسعة
عشر آحاد أم عشرات أم مئون أم ألوف و كذلك قوله وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذ ثَمانِيَةٌ قال ابن عباس و قتادة و الضحاك
عدة الملائكة الموكلين بالنار في التوراة و الإنجيل تسعة عشر فكان ذكر هذا العدد تصديقا للنبي ع. قوله سبحانه وَ ما جَعَلْنا
أَصْحابَ النّارِ إِلّا مَلائِكَةً أي خزنة. قوله سبحانه فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْل حَنِيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه إنما عرف انتفاء الشهوات
عنهم و إنهم لا يأكلون و لا يشربون و لا يتناكحون و لا يتوالدون و ليس لهم ذرية بالإجماع و بهذه الآية. قوله سبحانه وَ مَنْ يَقُلْ
مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ بين أنهم ليسوا بمجبولين على أعمالهم. قوله سبحانه مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ
رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ إنما أخر ذكر جبريل
متشابه القرآن ج : 1 ص : 17
و ميكال من الملائكة ذكرا لفضلهما و منزلتهما كما قال فِيهِما فاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمّانٌ و كقوله وَ يُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ
وَ الْإِنْجِيلَ أو لما تقدم من قصتهما قبلها و هذه الآية نزلت فيهما و فيما جرى من ذكرهما ثم إن اليهود لما قال إن جبريل عدونا و ميكال
ولينا خصا بالذكر لئلا تزعم اليهود أن جبريل و ميكال مخصوصان من جملة الملائكة و غير داخلين في جملتهم فنص الله عليهما
لإبطال ما يتأولونه من التخصيص. قوله سبحانه حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا قال الحسن هو ملك الموت و أعوانه و
إنهم لا يعلمون آجال العباد حتى تأتيهم ذلك من قبل الله بقبض أرواح العباد. قوله سبحانه قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ قال
المحققون إن ملك الموت لا ينبغي أن يكون واحدا لأنه جسم و الجسم لا يصح أن يكون في الأماكن الكثيرة في حالة واحدة و
تأولوا هذه الآية أنه أراد بملك الموت الجنس دون الشخص الواحد كما قال وَ الْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها أراد جنس الملائكة. قوله
سبحانه وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ المعلقان كيف يعلمان السحر و كيف لا يراهما إلا السحرة و يحمل ما على
الجحد و النفي فكأنه تعالى قال وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ و لا أنزل الله السحر على
الملكين وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ و يكون قوله بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ يعني رجلين من جملة الناس هذان
أسماؤهما و إنما ذكرا بعد ذكر الناس تمييزا و تبيينا و يكون الملكان المذكوران اللذان نفي عنهما السحر جبريل و ميكائيل لأن
سحرة اليهود ادعت أن الله أنزل السحر على لسان جبريل و ميكائيل إلى سليمان ع فأكذبهم الله بذلك و يجوز أن يكون هاروت و
ماروت كفرا و كان ابن عباس يقرأ وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بكسر اللام و يقول متى كان العلجان ملكين إنما كان ملكين و فيه جواب
سيجيء إن شاء الله تعالى
متشابه القرآن ج : 1 ص : 18
فصل
قوله تعالى فَسَجَدُوا إِلّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ يدل على أنه لم يكن من الملائكة لأن الجن جنس غير الملائكة كما أن
الإنس غير جنس الجن و قوله إِلّا إِبْلِيسَ استثناء من غير جنسه نحو قوله فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلّا رَبَّ الْعالَمِينَ و قوله ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم
إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ و يكون إلا بمعنى لكن و تقديره لكن إبليس أبى و استكبر و كان من الكافرين. قوله سبحانه أَ هؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا
يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ قال جماعة إن الملائكة من الجن فلو كانت كذلك لم يكن لقولهم بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ
الْجِنَّ و نفي عبادتهم إياه معنى و قال ابن عباس كان إبليس من الملائكة و قال الطوسي إن أخبارنا تدل على أن إبليس كان من جملة
الملائكة و إنما كفر بامتناعه من السجود و قال ابن جريح و قتادة في قوله وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ إلى
قوله وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ عنى بالإله إبليس لأنه الذي ادعى الإلهية من الملائكة دون غيره و ذلك يدل على أنه كان من
الملائكة و قيل إنه من طائفة من الملائكة يسمون جنا من حيث كانوا خزنة الجنة و قيل سموا بذلك لاجتنانهم عن العيون قوله وَ
جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً و من راعى هذه الطريقة قال من قال إن إبليس له ذرية و هم يتوالدون و يأكلون و يشربون عول على
خبر غير معلوم و هذا فاسد لأن الله تعالى أثبت له الذرية في قوله أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي. قوله سبحانه أَبى وَ
اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ يدل على بطلان قول من قال إنه كان يعبد الله و إنما جاز أن يأمره بالسجود له و إن لم يأمره بالعبادة
له لأن السجود مرتب في التعظيم بحسب ما يراد به.
متشابه القرآن ج : 1 ص : 19
أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً و قوله خَلَقْتَنِي مِنْ نار وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِين وجه الشبهة الداخلة على إبليس أن الفروع ترجع إلى الأصول
فتكون على قدرها في التكبير و التصغير فلما اعتقد أن النار أكرم أصلا من الطين جاء منه أنه أكرم ممن يخلق من طين و ذهب عليه
بجهله أن الجواهر كلها متماثلة و أن الله يصرفها بالأعراض كيف شاء مع كرم جوهر الطين و كثرة ما فيه من المنافع التي تقارب منافع
النار أو توفي عليها قال الجبائي الطين خير من النار لأنه أكثر منافع للخلق من حيث إن الأرض مستقر الخلق و فيها معايشهم و منها
يخرج أنواع أرزاقهم لأن الخيرية في الأرض أو في النار أنما يراد بها كثرة المنافع دون كثرة الثواب. قوله سبحانه لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ
إِلّا قَلِيلًا أي لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحنكها إذا شد فيها حبل تجر به إلا قليلا الذين لا يتبعونه و إنما ظن إبليس هذا
الظن بأنه يغوي أكثر الخلق لأن الله كان قد أخبر الملائكة أنه سيجعل فيها من يفسد فيها فكان قد علم بذلك و قال الحسن لأنه
وسوس إلى آدم فلم يجد له عزما فقال بنوا هذا مثله في ضعف العزيمة و هذا معترض لأن آدم لم يفعل قبيحا و لم يترك واجبا. قوله
سبحانه لَ آتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ لم يقل على وجه المداخلة و قال ابن عباس و لم يقل
من فوقهم لأن رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم و لم يقل من تحت أرجلهم لأن الإتيان منه يوحش و قال ابن عباس و قتادة و إبراهيم و
الحكم و السدي و ابن جريح أي من قبل دنياهم و آخرتهم و من جهة حسناتهم و سيئاتهم و قال مجاهد من حيث يبصرون و قال
البلخي و أبو علي من كل جهة يمكن الاحتيال بها. قوله سبحانه لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ أي لأخيبنهم من تناول الثواب قال الشاعر
و من يغو لا يعدم على الغي لائما
ثم استثنى و قال إِلّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ مع حرصه على
متشابه القرآن ج : 1 ص : 20
إغواء الجميع من حيث إنه ليس منهم و علم أنهم لا يقبلون منه و أنه ليس له عليهم سلطان إلا بالإغواء فإذا علم أن منهم من لا يقبل
منه صرفه عن ذلك إياسه منه. قوله سبحانه وَ ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطان و قوله وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطان إِلّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ
فَاسْتَجَبْتُمْ لِي قال الجبائي ليس له عليهم قدرة على ضر و نفع أكثر من الوسوسة و الدعاء إلى الفساد فأما على ضر فلا لأنه خلق
ضعيف متخلخل لا يقدر على الإضرار بغيره. قوله سبحانه وَ أَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجال مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً و ذلك
أنهم كانوا في الجاهلية إذا سافروا في واد نادوا للجن نعوذ برب هذا الوادي ثم قالوا احبس عنا سفهاءكم فتقول الجن نحن لا نملك
لكم ضرا و لا نفعا و هم يفزعون منا فكانوا يجترون على الإنس و يرهقونهم و يخوفونهم و كيف يتسلط من لا يقدر على نفع و لا ضر
أو كيف يسلط الله على عبيده ليضلهم عن الحق ثم يكلفهم و لا يجيء منه فعل في غير محل القدرة و إنه جسم شفاف و ليس منه سوى
إرادة المعاصي و تزيين الشهوات و الدعاء إلى المنكرات. قوله سبحانه فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ و قوله مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ وسواس الشيطان دعاؤه إلى معصية الله بقول خفي و يقارن دعاؤه أنه يريد بذلك نفعه و يجوز أن
يصل وسواسه إلى قلب العبد ب آلة لطيفة و يجوز أن يكون إذا تكلم بذلك في نفسه أعلمناه الله كما لو تحدث إنسان في نفسه جاز
أن يعلمه الله قال رؤبة وسوس يدعو مخلصا رب الفلق و الوسوسة تكون من الجن و الإنس و الشيطان اسم لكل بعيد من الخير قوله
شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ
و رأى النبي ع رجلا يتبع حماما في طيرانه فقال شيطان يتبع شيطانا
متشابه القرآن ج : 1 ص : 21
قوله سبحانه وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَ قالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ المعنى أن إبليس حسن للمشركين أعمالهم و
حرضهم على قتال محمد ص و خروجهم من مكة و قوى نفوسهم و قال لا غالب لكم اليوم من الناس و إني جار لكم لأنهم خافوا بني
كنانة مما كان بينهم فأراد إبليس أن يسكن خوفهم فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ إبليس عَلى عَقِبَيْهِ قال ابن عباس و قتادة و السدي و
ابن إسحاق ظهر لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني في جماعة من جنده و قال لهم هذه كنانة قد أتتكم بجند لها فلما رأى
الملائكة نكص على عقبيه فقال الحارث بن هشام إلى أين يا سراق فقال إني أرى ما لا ترون و هو قول أبي جعفر و أبي عبد الله ع و
قيل إنه رأى جبرئيل بين يدي النبي ع و قال أبو علي الجبائي حوله الله على صورة إنسان علما للنبي ع فيما يخبر به و قال الحسن
و البلخي إنما هو يوسوس من غير أن يحول في صورة إنسان. قوله سبحانه وَ قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ و ما جاء في
الحديث مرفوعا أعوذ بالله من همزه و نفثه فالهمزات دفعهم بالإغواء إلى المعاصي و الهمز شدة الدفع و منه سميت الهمزة للألف
لأنه يخرج من أقصى الحلق باعتماد شديد. قوله سبحانه مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي و قوله وَ إِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ
الشَّيْطانِ نَزْغٌ نزغ الشيطان وسوسته و دعاؤه إلى معصية الله و إيقاع العداوة بين الناس. قوله سبحانه يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ
الشَّيْطانُ افتنان الشيطان يكون بالدعاء إلى المعاصي من الجهة التي تميل إليها النفوس و تشتهيها و إنما جاز أن ينهى الإنسان
بصيغة النهي للشيطان لأنه أبلغ في التحذير من حيث يقضي أنه يطلبنا بالمكروه و يقصدنا بالعداوة فالنهي له يدخل فيه النهي لنا
عن ترك التحذير منه.
متشابه القرآن ج : 1 ص : 22
قوله سبحانه إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشاءِ الأمر من الشيطان هو دعاؤه إلى الفعل. قوله سبحانه وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ
إخبار من إبليس أن الله تعالى لا يجد أكثر خلقه شاكرين قال أبو علي يمكن أنه علمه من جهة الملائكة بإخبار الله إياهم و قال
الحسن إنه أخبر عن ظنه ذلك كما قال وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ لأنه لما غوى آدم قال ذريته هذا أضعف و ظن أنهم يسبحونه
و يتابعونه قوله سبحانه قالَ فَاهْبِطْ مِنْها قال أبو علي إنما علم إبليس أن الله تعالى قال له هذا القول على لسان بعض الملائكة و
قال ابن رقبة إنه رأى معجزة تدل على ذلك. قوله سبحانه إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً قال الجبائي وصف كيده بالضعف لضعف
قوته لأوليائه بالإضافة إلى نصرة المؤمنين و قال الحسن أخبرهم أنهم سيظهرون عليهم فلذلك كان ضعيفا و يقال لضعف دواعي
أوليائه إلى القتال بأنها من جهة الباطل إذ لا نصير لهم و إنما يقاتلون بما تدعو إليه الشبهة و المؤمنون يقاتلون بما تدعو إليه
الحجة. قوله سبحانه إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا قال الجبائي في الآية دلالة على أن الصرع ليس من قبل الشيطان لأنه
لو أمكنه أن يصرعه لكان له عليهم سلطان و أجاز أبو الهذيل و ابن الإخشيد ذلك و قال إنه يجري مجرى قوله الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ
الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ لأن الله تعالى قال إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ و إنما أراد به سلطان الإغواء و الإضلال عن الحق. قوله
سبحانه يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ مثل عند الجبائي لا حقيقة له على وجه التشبيه بحال من تغلب عليه المرة السوداء فتضعف
نفسه و يلج الشيطان بإغوائه عليه
متشابه القرآن ج : 1 ص : 23
فيقع عند تلك الحال و يحصل به الصرع من فعل الله و نسب إلى الشيطان مجازا لما كان عند وسوسته و كان أبو الهذيل و ابن
الإخشيد يجيزان كون الصرع من فعل الشيطان في بعض الناس دون بعض لأن الظاهر من القرآن يشهد به و ليس في العقل ما يمنع
منه و قال الجبائي لا يجوز ذلك لأن الشيطان خلق ضعيف لم يقدره الله على كيد البشر بالقتل و التخبيط و لو قوي على ذلك لقتل
المؤمنين الصالحين و الداعين إلى الخير لأنهم أعداؤه. قوله سبحانه وَ إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ معناه
الاستعاذة من طعن الشيطان للطفل الذي يستهل صارخا فوقاها الله عز و جل و ولدها عيسى منه بحجاب كما روى أبو هريرة عن النبي
ع و قال الحسن إنما استعاذت من إغواء الشيطان. قوله سبحانه إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إنما كانوا يروننا و لا
نراهم لأن أبصارهم أحد من أبصارنا و أكثر ضوءا من أبصارنا و أبصارنا قليلة الشعاع و مع ذلك أجسامهم شفافة و أجسامنا كثيفة
فصح أن يرونا و لا يصح منا أن نراهم و لو تكثفوا لصح منا أيضا أن نراهم و قال أبو علي في الآية دلالة على بطلان قول من يقول إنه
يرى الجن من حيث إن الله عم أن لا نراهم قال و إنما يجوز أن يروا في زمن الأنبياء بأن يكثف الله أجسامهم و قال أبو الهذيل و
ابن الإخشيد يجوز أن يمكنهم أن يتكثفوا فيراهم حينئذ من يختص بخدمتهم و هذا أقوى. قوله سبحانه وَ مِنَ الشَّياطِينِ مَنْ
يَغُوصُونَ لَهُ وَ يَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ و قوله وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ قال الجبائي كثف الله أجسامهم حتى تهيأ لهم تلك
الأعمال معجزا لسليمان قال لأنهم كانوا يبنون له البنيان و يغوصون في البحار و يخرجون ما فيها من اللؤلؤ و ذلك لا يتأتى مع دقة
أجسامهم. قوله سبحانه لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِب دُحُوراً و قوله
متشابه القرآن ج : 1 ص : 24
مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ و قوله مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ إنما جاز أن يقصدوا الاستراق السمع مع علمهم بأنهم لا يصلون و أنهم يحرقون بالشهب
لأنهم تارة يسلمون إذا لم يكن هناك من الملائكة شيء و تارة يهلكون كراكب البحر. قوله سبحانه وَ قالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا
اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْض قال الزجاج و الرماني وجه استمتاع الجن بالإنس أنهم إذا اعتقدوا أن الإنس يتعوذون بهم و يعتقدون أنهم
ينفعونهم و يضرونهم أو أنهم يقبلون منهم إذا دعوهم كان في ذلك تعظيم لهم و سرور و نفع ذكر ذلك و قال البلخي و يحتمل أن
يكون قوله اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْض مقصورا على الإنس. قوله سبحانه قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً
عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَ آمَنّا بِهِ يدل على أن فيهم مؤمنين. قوله سبحانه لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جَانٌّ في الآية دلالة على أن
للمؤمنين من الجن أزواجا من الحور
فصل
قوله تعالى وَ إِنْ مِنْ شَيْء إِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و قوله أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لا يخلو ذلك من التسبيح
المسموع أو تسبيح مجهول أو من جهة الدلالة و لا يجوز الأول لأنه جماد و الفرق بين الجماد و الحيوان بالنطق و لو أراد ذلك لقال
و لكن لا تسمعون تسبيحهم و لم يقل و لا تفقهون و لا يجوز الثاني لأنه تثبيت فساد ما لا يعقل و سوء إثبات ما لا يعقل و نفيه
لأنهما في الدلالة و الجواز سواء في جميع الأبواب فلم يبق إلا من جهة الدلالة و لا خلاف في أن جميع المخلوقات تسبح الله
بالدلالة على أن لها صانعا و من عادة العرب أن تجعل الدلالة قولا و نطقا و كلاما و إشارة و التسبيح هو
متشابه القرآن ج : 1 ص : 25
التقديس عما لا يجوز عليه في صفاته و لم يزل الله مقدسا منزها قبل خلقه فمن كان من العقلاء عارفا به فتسبيحه لفظا و معنى و ما
ليس بعاقل من الحيوان و الجماد فتسبيحه ما فيه من الأدلة الدالة على وحدانيته و تنزيهه عما لا يليق به و رجوع التقديس إلى ما لا
يعقل ككفر الكافر يعود نقصه إليه من غير أن يضر الله منه شيء و كذلك قوله سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ يا
جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ فيكون معناه أي يسبح أهلها كقوله وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ. قوله سبحانه فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيد فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ
تُحِطْ بِهِ الآية و قوله فَبَعَثَ اللّهُ غُراباً و قوله وَ الطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ و قوله قالَتْ نَمْلَةٌ قال أبو علي لا يمتنع أن يكون الله
خلق في هذه الحيوانات من المعارف ما تفهم به الأمر و النهي و الطاعة فيما يراد منها و الوعيد على ما خالفت و إن لم تكن كاملة
العقل مكلفة و إنها تخبر بذلك كما يخبر مراهقو صبياننا لأنه لا تكليف إلا على الملائكة و الإنس و الجن و قال الطوسي هذا خلاف
الظاهر لأن الاحتجاج الذي حكاه عن الهدهد احتجاج عارف بالله و بما يجوز عليه ما لا يجوز قوله وَجَدْتُها وَ قَوْمَها يَسْجُدُونَ
لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللّهِ ثم قال وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ثم قال فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ثم قال فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ثم قال أَلّا يَسْجُدُوا
لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَ ما تُعْلِنُونَ اللّهُ لا إِلهَ إِلّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ و المراد بقوله
قالَتْ نَمْلَةٌ أي إنه ظهر منها دلالة القول لباقي النمل على التخويف من الضرر بالمقام و إن النجاة في الهرب إلى مساكنها و يكون
إضافة القول إليها مجازا و استعارة كقول الشاعر في الفرس
و شكا إلي بعبرة و تحمحم
أو إنه وقع من النملة كلام ذو حروف منظومة يتضمن للمعاني المذكورة مثل ما يقع من المجنون و الصبي مع زوال التكليف و الكمال
عنهم و ذلك يكون معجزا لسليمان ع و قالوا هو مثل ضربه الله على لسان النملة لأمر اراده لأنه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة
فما فوقها لأنه لما كان عاقبة النمل أن سليمان إن مر عليه حطمه و قيل النمل اسم رجل في ذلك الزمان كما نسمي بضب و كلب و
المراد بقوله فَبَعَثَ اللّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ ألهمه كما قال وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ. قوله سبحانه وَ الطَّيْرُ صَافّات كُلٌّ قَدْ عَلِمَ
صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ قال مجاهد الصلاة
متشابه القرآن ج : 1 ص : 26
للإنسان و التسبيح لكل شيء و الصلاة الدعاء و الدعاء أنما يكون لطلب ما يحتاج إليه و التسبيح هو التبعيد مما لا يستحقه فأراد
أن كلا من الطير قد علم ما يحتاج إليه و يطلبه و يدعوه و ما يجب عليه الاجتناب من مضاره و لا بد أن يكون لها إشارات و أسباب و
تفهم بفهم بعضها عن بعض و ذلك منطقهم. قوله سبحانه أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ و قوله وَ النَّجْمُ وَ
الشَّجَرُ يَسْجُدانِ معنى السجود الذل و التواضع تسخيرا للخالق قال سويد بن أبي كاهل ساجد المنجز لا يرفعه خاشع الطرف أصم
المستمع و قال أمية هو الذي سخر الأرواح ينشرها و يسجد النجم للرحمن و الشجر و قال الطوسي سجودهما ما فيهما من الآية
الدالة على حدوثها و على وجوب الخضوع لله و التذلل له لما خلق فيهما من الأقوات المختلفة و في النبات و الثمار فلا شيء أدعى
إلى الخضوع و العبادة لمن أنعم بهذه النعمة الجليلة مما فيه و قال مجاهد و ابن جبير سجودهما ظلالهما الذي يلقيانها بكرة و عشيا
فكل جسم له ظل فهو يقتضي الخضوع بما فيه من دليل الحدوث و قال الحسن و قتادة و ابن زيد إن المؤمن يسجد لله طوعا و
الكافر كرها يعني بالسيف و قال أبو علي سجود الكره بالتذليل و التصريف من عافية إلى مرض و من غنى إلى فقر و من حياة إلى موت
و قال الزجاج المعنى أن فيمن يسجد لله من يسهل ذلك عليه و فيهم من يشق عليه فيكرهه كقوله حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً
و قيل إن المؤمن يسجد لله طوعا و الكافر في حكم الساجد كرها بما فيه من الحاجة إليه و الذلة التي تدعو إلى الخضوع لله تعالى.
قوله سبحانه وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً... فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً الآية تدل على بطلان قول الطبائعية أن الماء الواحد و التربة
يخرج الله منها ثمارا مختلفة و أشجارا متباينة و اختلافها يدل على بطلان قولهم. قوله سبحانه أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ
بِنِعْمَتِ اللّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ وجه الدلالة من ذلك أن المجري لها بالرياح هو القادر الذي لا يعجز أن يرسلها في الوجوه التي
يريدون المسير فيها و لو اجتمع جميع الخلق أن يجروا الفلك في بعض الجهات مخالفا لجهة الرياح لما قدروا عليه و دخل ابن ميثم
على الحسن بن سهل و إلى جنبه
متشابه القرآن ج : 1 ص : 27
ملحد قد عظمه الناس فقال له قد رأيت ببابك عجبا قال و ما هو قال رأيت سفينة تعبر الناس من جانب إلى جانب بلا ملاح و لا ناصر
فقال الملحد إن هذا أصلحك الله لمجنون قال و كيف ذاك قال خشب جماد لا حياة له و لا قوى و لا عقل كيف يعبر بالناس فقال ابن
ميثم فأيما أعجب هذا و هذا الماء الجاري يجري على وجه الأرض يمنة و يسرة بلا روح و لا حياة و لا قوى و هذا النبات الذي يخرج
من الأرض و هذا المطر الذي ينزل من السماء تزعم أن لا مدبر لها كلها و تنكر أن تكون سفينة تتحرك بلا مدبر و تعبر الناس. قوله
سبحانه هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ نسبه إلى نفسه أما في البحر فلأنه بالريح و الله المحرك لها دون غيره و أما في البر
فلأنه كان باقتداره و تمكينه و تسبيبه و
قال رجل للصادق ع ما الدليل على الله و لا تذكر لي العالم و الجوهر و العرض فقال ع هل ركبت في البحر قال نعم قال فهل عصفت
بكم الريح حتى خفتم الغرق قال نعم قال فهل انقطع رجاؤك من المركب و الملاحين قال نعم قال فهل تتبعك نفسك أن ثم من
ينجيك قال نعم قال فإن ذلك هو الله تعالى قال تعالى ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ
قوله سبحانه إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها و لم يقل كل ما عليها فدخل فيها الحيات و العقارب و نحوها و قال ابن عباس و أبي
زهرة لها كأنه يشير إلى النبات خاصة و يقال من النبات و الدواب لأنه تدل على الوحدانية أ لا ترى أنه أقسم بالتين و الزيتون و
الشمس و القمر و الطور و الذاريات
فصل
قوله تعالى الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أي من قدر على أن يجعل في الشجر الأخضر الذي هو غاية
الرطوبة نارا حامية مع تضاد النار للرطوبة لا يقدر على الإعادة ثم قال أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِر عَلى أَنْ يَخْلُقَ
مِثْلَهُمْ لأن من شأن القادر على الشيء أن يكون قادرا على جنس مثله
متشابه القرآن ج : 1 ص : 28
و جنس ضده. قوله سبحانه أَ فَرَأَيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ لا يدل على أنه نار الشجر إلا من
قادر عليه لأن الطبع غير معقول فلا يجوز أن يستند إليه الأفعال و لو جاز ذلك لجاز في جميع أفعال الله و لو كان الطبع معقولا لكان
ذلك الطبع لا بد أن يكون في الشجر و الله الذي أنشأ الشجر و ما فيها فقد رجع إلى قادر عليه و إن كان بواسطة و لو جاز أن تكون
النار من غير قادر عليها لجاز أن يكون من عاجز و لو جاز ذلك لجاز وقوع الفعل ممن ليس بقادر عليه منا. قوله سبحانه هُوَ الَّذِي
يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً قال الحسن خوفا من الصواعق التي تكون مع البرق و طمعا في الغيث الذي يزيل الجدب و القحط و
قال قتادة خوفا للمسافر من أذاه و طمعا للمقيم في الرزق به و قال مجاهد وَ يُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ المعنى أن السحاب ثقال بالماء و
قيل خوفا و طمعا ليخافوا من عذابه بالنار و يطمعون في أن يتعقب ذلك مطر ينتفعون به. قوله سبحانه وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ
الْمِيزانَ و قوله وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ إنما جمع بينها لما فيها من التسوية فالكتاب يتضمن علم السنن المسوي بين
الشريف و المشروف و الميزان يخرج تلك السنن إلى العمل و أما السماء فلما فيها من الكواكب السيارة و غيرها مسببا لإصلاح
العالم و أما. قوله سبحانه وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْء مَوْزُون خص الموزون دون المكيل بالذكر لأن غاية المكيل تنتهي إلى الوزن
فكان الوزن أعم من الكيل ثم إنه تعالى أراد بالموضوع المقدار الواقع بحسب الحاجة فلا يكون ناقصا عنها و لا زائدا عليها يقال
كلام فلان موزون و أفعاله مقدرة موزونة و على هذا تأول المسلمون ذكر الموازين.
متشابه القرآن ج : 1 ص : 29
قوله سبحانه فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ المستقر الموضع الذي يقر فيه الشيء و هو قراره و مكانه الذي يأوي إليه و المستودع المعنى
المجعول في القرار كالولد في البطن و النطفة في الظهر. قوله سبحانه وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً اللباس ساتر مماس لما ستره و الليل
ساتر الأشخاص بظلمته مماس لها بجسمه الذي فيه الظلمة
فصل
قوله تعالى وَ اللّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّة مِنْ ماء فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ كالسمك و الحيات وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ مثل ابن
آدم و الطير وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَع كالبهائم و السباع و لم يذكر المشي على أكثر من أربع لأنه كالذي يمشي على أربع في
مرأى العين فترك ذكره لأن العبرة تكفي بذكر الأربع و قال البلخي لأن عند الفلاسفة أن ما زاد على الأربع لا يعتمد عليه و اعتماده على
أربع فقط. قوله سبحانه وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْء حَيّ و قوله وَ اللّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّة مِنْ ماء لأن أصل الخلق من ماء ثم قلب إلى النار
فخلق الجن منها و إلى الريح فخلق الملائكة منها ثم إلى الطين فخلق آدم منه و إنما قال منهم تغليبا لما يعقل على ما لا يعقل إذا
اختلط في خلق كل دابة و قال الحسن من ماء أي من نطفة و جعل قوله كُلَّ دَابَّة خاصا فيمن يخلق من نطفة و قوله وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ
كُلَّ شَيْء حَيّ و قد رأى أشياء موات منه هذا كما يقول جعلت من هذا الطين صورة كل شيء فعلى هذا يجوز أن يكون جعلت صورة كل
طير و كل سبع و لو قلت لم أجعل من هذا الطين إلا صورة كل طير لم يجز أن يكون هاهنا مجعول غير صورة الطير. قوله سبحانه وَ
مِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّرات أي بالمطر و إرسال الرياح تحريكها و إجراؤها في الجهات المختلفة بحسب ما يعلم فيه من
المصلحة شمالا و جنوبا و صبا و دبورا لما قدروا عليه فمن قدر على ذلك يعلم أنه قادر لنفسه لا يعجزه شيء للعبادة خالصة.