التالي

السابق


ع الحمد لله الذي أخرجه منها ملوما  ]مليما  [بباطل جمعها، و
من حق منعها، جمعها فأوعاها، و شدها فأوكاها، قطع فيها المفاوز القفار، و لجج البحار أيها الواقف لا تخدع كما خدع صويحبك
بالأمس، إن  ]من  [أشد الناس حسرة يوم القيامة من رأى ماله في ميزان غيره، أدخل الله عز و جل هذا به الجنة و أدخل هذا به النار.
17- قال الصادق ع و أعظم من هذا حسرة رجل جمع مالا عظيما بكد
تفسيرالإمام العسكري ص : 41
شديد، و مباشرة الأهوال، و تعرض الأخطار، ثم أفنى ماله في صدقات و مبرات، و أفنى شبابه و قوته في عبادات و صلوات، و هو مع
ذلك لا يرى لعلي بن أبي طالب ع حقه، و لا يعرف له من الإسلام محله، و يرى أن من لا بعشره و لا بعشر عشير معشاره أفضل منه ع
يوقف على الحجج فلا يتأملها، و يحتج عليه بالآيات و الأخبار فيأبى إلا تماديا في غيه، فذاك أعظم من كل حسرة يأتي يوم القيامة،
و صدقاته ممثلة له في مثال الأفاعي تنهشه، و صلواته و عباداته ممثلة له في مثال الزبانية تدفعه حتى تدعه إلى جهنم دعا يقول يا
ويلي أ لم أك من المصلين أ لم أك من المزكين أ لم أك عن أموال الناس و نسائهم من المتعففين، فلما ذا دهيت بما دهيت فيقال له يا
شقي ما نفعك ما عملت، و قد ضيعت أعظم الفروض بعد توحيد الله تعالى و الإيمان بنبوة محمد  ]رسول الله  [ص ضيعت ما لزمك من
معرفة حق علي بن أبي طالب ولي الله، و التزمت ما حرم الله عليك من الائتمام بعدو الله. فلو كان لك بدل أعمالك هذه عبادة الدهر من
أوله إلى آخره، و بدل صدقاتك الصدقة بكل أموال الدنيا بل بملء الأرض ذهبا، لما زادك ذلك من رحمة الله تعالى إلا بعدا، و من
سخط الله عز و جل إلا قربا
18- قال الإمام الحسن بن علي ع قال أمير المؤمنين ع قال رسول الله ص قال الله عز و جل قولوا «إياك نستعين» على طاعتك و
عبادتك، و على دفع شرور أعدائك، و رد مكايدهم، و المقام على ما أمرت به
تفسيرالإمام العسكري ص : 42
 ]أعظم الطاعات  [
19- و قال ص عن جبرئيل ع عن الله تعالى  ]قال قال الله عز و جل  [يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاسألوني الهدى أهدكم. و
كلكم فقير إلا من أغنيته، فاسألوني الغنى أرزقكم. و كلكم مذنب إلا من غفرت فاسألوني المغفرة أغفر لكم. و من علم أني ذو قدرة على
المغفرة فاستغفرني بقدرتي، غفرت له، و لا أبالي. و لو أن أولكم و آخركم، و حيكم و ميتكم، و رطبكم و يابسكم اجتمعوا على إنقاء
قلب عبد من عبادي، لم يزيدوا في ملكي جناح بعوضة. و لو أن أولكم و آخركم، و حيكم و ميتكم، و رطبكم و يابسكم اجتمعوا على
إشقاء قلب عبد من عبادي لم ينقصوا من ملكي جناح بعوضة. و لو أن أولكم و آخركم، و حيكم و ميتكم، و رطبكم و يابسكم،
اجتمعوا فتمنى كل واحد منهم، ما بلغت من أمنيته. فأعطيته لم يتبين ذلك في ملكي، كما لو أن أحدكم مر على شفير البحر، فغمس فيه
إبرة ثم انتزعها، و ذلك بأني جواد ماجد، واجد، عطائي كلام، و عذابي كلام، فإذا أردت شيئا فإنما أقول له كن فيكون. يا عبادي
اعملوا أفضل الطاعات و أعظمها لأسامحكم و إن قصرتم فيما سواها و اتركوا أعظم المعاصي و أقبحها لئلا أناقشكم في ركوب ما
عداها. إن أعظم الطاعات توحيدي، و تصديق نبيي، و التسليم لمن نصبه بعده و هو علي بن أبي طالب ع و الأئمة الطاهرين من نسله
ص.
تفسيرالإمام العسكري ص : 43
و إن أعظم المعاصي  ]و أقبحها  [عندي الكفر بي و بنبيي، و منابذة ولي محمد بعده علي بن أبي طالب، و أوليائه بعده. فإن أردتم أن
تكونوا عندي في المنظر الأعلى، و الشرف الأشرف، فلا يكونن أحد من عبادي آثر عندكم من محمد ص، و بعده من أخيه علي ع، و
بعدهما من أبنائهما القائمين بأمور عبادي بعدهما فإن من كانت تلك عقيدته جعلته من أشراف ملوك جناني. و اعلموا أن أبغض الخلق
إلي من تمثل بي و ادعى ربوبيتي، و أبغضهم إلي بعده من تمثل بمحمد، و نازعه نبوته و ادعاها، و أبغضهم إلي بعده من تمثل بوصي
محمد، و نازعه محله و شرفه، و ادعاهما، و أبغضهم إلي بعد هؤلاء المدعين لما هم به لسخطي متعرضون من كان لهم على ذلك من
المعاونين، و أبغض الخلق إلي بعد هؤلاء من كان بفعلهم من الراضين، و إن لم يكن لهم من المعاونين. و كذلك أحب الخلق إلي
القوامون بحقي، و أفضلهم لدي، و أكرمهم علي محمد سيد الورى، و أكرمهم و أفضلهم بعده أخو المصطفى علي المرتضى، ثم من
بعده من القوامين بالقسط من أئمة الحق، و أفضل الناس بعدهم من أعانهم على حقهم، و أحب الخلق إلي بعدهم من أحبهم، و أبغض
أعداءهم، و إن لم يمكنه معونتهم.
قوله عز و جل اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
تفسيرالإمام العسكري ص : 44
20- قال الإمام ع  ]قال الله عز و جل  [(اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) أي أدم لنا توفيقك الذي به أطعناك في ماضي أيامنا حتى نطيعك
كذلك في مستقبل أعمارنا و (الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) هو صراطان صراط في الدنيا، و صراط في الآخرة. فأما الطريق المستقيم في الدنيا
فهو ما قصر عن العلو، و ارتفع عن التقصير و استقام فلم يعدل إلى شيء من الباطل. و الطريق الآخر طريق المؤمنين إلى الجنة الذي
هو مستقيم، لا يعدلون عن الجنة إلى النار، و لا إلى غير النار سوى الجنة.  ]قال و  [قال جعفر بن محمد الصادق ع قوله عز و جل
(اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) يقول أرشدنا للصراط المستقيم، أرشدنا للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك، و المبلغ إلى جنتك و
المانع من أن نتبع أهواءنا فنعطب، أو أن نأخذ ب آرائنا فنهلك. ثم قال ع فإن من اتبع هواه، و أعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء
العامة تعظمه و تصفه، فأحببت لقاءه من حيث لا يعرفني لأنظر مقداره و محله فرأيته في موضع قد أحدق به خلق من غثاء العامة،
فوقفت منتبذا عنهم، متغشيا بلثام أنظر إليه و إليهم، فما زال يراوغهم حتى خالف طريقهم ففارقهم، و لم يعد
تفسيرالإمام العسكري ص : 45
فتفرقت العامة عنه لحوائجهم. و تبعته أقتفي أثره، فلم يلبث أن مر بخباز فتغفله، فأخذ من دكانه رغيفين مسارقة، فتعجبت منه، ثم
قلت في نفسي لعله معاملة. ثم مر بعده بصاحب رمان، فما زال به حتى تغفله فأخذ من عنده رمانتين مسارقة فتعجبت منه، ثم قلت  ]في
نفسي  [لعله معاملة، ثم أقول و ما حاجته  ]إذا  [إلى المسارقة ثم لم أزل أتبعه حتى مر بمريض، فوضع الرغيفين و الرمانتين بين يديه
و مضى، و تبعته حتى استقر في بقعة من صحراء فقلت له يا عبد الله لقد سمعت بك  ]خيرا  [و أحببت لقاءك، فلقيتك، لكني رأيت منك
ما شغل قلبي، و إني سائلك عنه، ليزول به شغل قلبي. قال ما هو قلت رأيتك مررت بخباز فسرقت منه رغيفين، ثم مررت بصاحب
الرمان فسرقت منه رمانتين قال فقال لي قبل كل شيء حدثني من أنت قلت له رجل من ولد آدم من أمة محمد ص. قال حدثني ممن أنت
قلت رجل من أهل بيت رسول الله ص. قال أين بلدك قلت المدينة. قال لعلك جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب
قلت بلى. قال لي فما ينفعك شرف  ]أهلك و  [أصلك مع جهلك بما شرفت به، و تركك علم جدك و أبيك لئلا تنكر ما يجب أن تحمد و
تمدح فاعله قلت و ما هو قال القرآن كتاب الله. قلت و ما الذي جهلت منه قال قول الله عز و جل « مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلّا مِثْلَها» و إني لما سرقت الرغيفين كانت سيئتين، و لما سرقت الرمانتين كانت سيئتين
تفسيرالإمام العسكري ص : 46
فهذه أربع سيئات، فلما تصدقت بكل واحدة منها كانت أربعين حسنة، فانتقص من أربعين حسنة أربع (حسنات بأربع سيئات) بقي لي
ست و ثلاثون حسنة. قلت ثكلتك أمك أنت الجاهل بكتاب الله تعالى، أ ما سمعت قول الله تعالى «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ»
إنك لما سرقت الرغيفين كانت سيئتين و لما سرقت الرمانتين كانت سيئتين، و لما دفعتهما إلى غير صاحبهما، بغير أمر صاحبهما، كنت
إنما أضفت أربع سيئات إلى أربع سيئات، و لم تضف أربعين حسنة إلى أربع سيئات. فجعل يلاحظني، فتركته و انصرفت. قال الصادق
ع بمثل هذا التأويل القبيح المستنكر يضلون و يضلون. و هذا  ]نحو  [تأويل معاوية عليه ما يستحق لما قتل عمار بن ياسر (ره)
فارتعدت فرائص خلق كثير، و قالوا قال رسول الله ص عمار تقتله الفئة الباغية. فدخل عمرو بن العاص على معاوية، و قال يا أمير
المؤمنين قد هاج الناس و اضطربوا. قال لما ذا قال لقتل عمار بن ياسر، حيث قال رسول الله ص عمار تقتله الفئة الباغية. فقال له
معاوية دحضت في قولك، أ نحن قتلناه إنما قتله علي بن أبي طالب لما ألقاه بين رماحنا. فاتصل ذلك بعلي ع، فقال ع إذا رسول الله ص
هو الذي قتل حمزة (ره) لما ألقاه بين رماح المشركين.
تفسيرالإمام العسكري ص : 47
 ] -21 ثم  [قال الصادق ع طوبى للذين هم كما قال رسول الله ص يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، و
انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين. فقال له رجل يا ابن رسول الله إني عاجز ببدني عن نصرتكم، و لست أملك إلا البراءة من
أعدائكم، و اللعن عليهم، فكيف حالي فقال له الصادق ع حدثني أبي، عن أبيه، عن جده ع، عن رسول الله ص  ]أنه  [قال من ضعف عن
نصرتنا أهل البيت، فلعن في خلواته أعداءنا، بلغ الله صوته جميع الأملاك من الثرى إلى العرش، فكلما لعن هذا الرجل أعداءنا لعنا
ساعدوه فلعنوا من يلعنه، ثم ثنوا فقالوا اللهم صل على عبدك هذا، الذي قد بذل ما في وسعه، و لو قدر على أكثر منه لفعل. فإذا النداء
من قبل الله تعالى قد أجبت دعاءكم، و سمعت نداءكم، و صليت على روحه في الأرواح، و جعلته عندي من المصطفين الأخيار.
قوله عز و جل صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
22- قال الإمام ع صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أي قولوا اهدنا صراط
تفسيرالإمام العسكري ص : 48
الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك و طاعتك. و هم الذين قال الله تعالى «وَ مَنْ يُطِعِ اللّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ
عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً» و حكي هذا بعينه عن أمير المؤمنين ع قال ثم قال ليس
هؤلاء المنعم عليهم بالمال و صحة البدن، و إن كان كل هذا نعمة من الله ظاهرة أ لا ترون أن هؤلاء قد يكونون كفارا، أو فساقا فما
ندبتم  ]إلى  [أن تدعوا بأن ترشدوا إلى صراطهم، و إنما أمرتم بالدعاء لأن ترشدوا إلى صراط الذين أنعم  ]الله  [عليهم بالإيمان
بالله، و التصديق برسوله و بالولاية لمحمد و آله الطيبين و أصحابه الخيرين المنتجبين و بالتقية الحسنة التي يسلم بها من شر
عباد الله، (و من الزيادة في أيام أعداء الله و كفرهم) بأن تداريهم فلا تغريهم بأذاك و أذى المؤمنين و بالمعرفة بحقوق الإخوان من
المؤمنين فإنه ما من عبد و لا أمة والى محمدا و آل محمد و عادى من عاداهم إلا كان قد اتخذ من عذاب الله حصنا منيعا، و جنة
حصينة. و ما من عبد و لا أمة دارى عباد الله بأحسن المداراة، و لم يدخل بها في باطل، و لم يخرج بها من حق إلا جعل الله تعالى
نفسه تسبيحا، و زكى عمله، و أعطاه بصيرة على كتمان سرنا، و احتمال الغيظ لما يسمعه من أعدائنا  ]و  [ثواب المتشحط بدمه في
سبيل الله. و ما من عبد أخذ نفسه بحقوق إخوانه فوفاهم حقوقهم جهده، و أعطاهم ممكنه
تفسيرالإمام العسكري ص : 49
و رضي منهم بعفوهم، و ترك الاستقصاء عليهم، فيما يكون من زللهم، و غفرها لهم إلا قال الله عز و جل له يوم القيامة يا عبدي
قضيت حقوق إخوانك، و لم تستقص عليهم فيما لك عليهم، فأنا أجود و أكرم و أولى بمثل ما فعلته من المسامحة و التكرم، فأنا
أقضيك اليوم على حق  ]ما  [وعدتك به، و أزيدك من فضلي الواسع، و لا أستقصي عليك في تقصيرك في بعض حقوقي. قال فيلحقه
بمحمد و آله و أصحابه، و يجعله من خيار شيعتهم. ثم قال قال رسول الله ص لبعض أصحابه ذات يوم يا عبد الله أحب في الله و
أبغض في الله، و وال في الله، و عاد في الله، فإنه لا تنال ولاية الله تعالى إلا بذلك و لا يجد الرجل طعم الإيمان و  ]إن  [كثرت صلاته
و صيامه حتى يكون كذلك، و قد صارت مواخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتوادون، و عليها يتباغضون، و ذلك لا يغني
عنهم من الله شيئا. فقال الرجل يا رسول الله و كيف لي أن أعلم أني قد واليت و عاديت في الله و من ولي الله حتى أواليه و من عدو
الله حتى أعاديه فأشار له رسول الله ص إلى علي بن أبي طالب ع، فقال أ ترى هذا قال بلى. قال  ]فإن  [ولي هذا ولي الله فواله، و عدو
هذا عدو الله فعاده، و وال ولي هذا، و لو أنه قاتل أبيك و ولدك، و عاد عدو هذا و لو أنه أبوك و ولدك.
تفسيرالإمام العسكري ص : 50
قوله عز و جل غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضّالِّينَ
23- قال الإمام ع قال أمير المؤمنين ع أمر الله عز و جل عباده أن يسألوه طريق المنعم عليهم، و هم النبيون و الصديقون و
الشهداء و الصالحون و أن يستعيذوا  ]به  [من طريق المغضوب عليهم و هم اليهود الذين قال الله تعالى فيهم «قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرّ
مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ» و أن يستعيذوا به من طريق الضالين، و هم الذين قال الله تعالى فيهم «قُلْ يا
أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْم قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ ضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ» و
هم النصارى. ثم قال أمير المؤمنين ع كل من كفر بالله فهو مغضوب عليه، و ضال عن سبيل الله عز و جل. و قال الرضا ع كذلك، و زاد
فيه، فقال و من تجاوز بأمير المؤمنين ع العبودية فهو من المغضوب عليهم و من الضالين.
24- و قال أمير المؤمنين ع «لا تتجاوزوا بنا العبودية، ثم قولوا ما شئتم و لن تبلغوا و إياكم و الغلو كغلو النصارى، فإني بريء من
الغالين». قال فقام إليه رجل فقال له يا ابن رسول الله صف لنا ربك، فإن من قبلنا قد اختلفوا علينا
تفسيرالإمام العسكري ص : 51
فقال الرضا ع إنه من يصف ربه بالقياس، لا يزال في الدهر في الالتباس مائلا عن المنهاج، طاغيا في الاعوجاج، ضالا عن السبيل،
قائلا غير الجميل. ثم قال ع أعرفه بما عرف به نفسه، أعرفه من غير رؤية، و أصفه بما وصف به  ]نفسه  [من غير صورة «لا يدرك
بالحواس، و لا يقاس بالناس، معروف بالآيات بعيد بغير تشبيه، و متدان في بعده بلا نظير، لا يتوهم ديموميته، و لا يمثل بخليقته، و
لا يجور في قضيته الخلق إلى ما علم منهم منقادون، و على ما سطره في المكنون من كتابه ماضون لا يعملون بخلاف ما علم منهم، و لا
غيره يريدون فهو قريب غير ملتزق، و بعيد غير متقص، يحقق و لا يمثل،  ]و  [يوحد و لا يبعض، يعرف بالآيات، و يثبت بالعلامات، فلا
إله غيره الكبير المتعال فقال الرجل بأبي أنت و أمي يا ابن رسول الله، فإن معي من ينتحل موالاتكم  ]و  [يزعم أن هذه كلها صفات
علي ع، و أنه هو الله رب العالمين. قال فلما سمعها الرضا ع ارتعدت فرائصه و تصبب عرقا، و قال سبحان الله  ]سبحان الله  [عما
يقول الظالمون، و الكافرون. أ و ليس علي ع كان آكلا في الآكلين،  ]و  [شاربا في الشاربين، و ناكحا في الناكحين، و محدثا في
المحدثين و كان مع ذلك مصليا خاشعا  ]خاضعا  [بين يدي
تفسيرالإمام العسكري ص : 52
الله عز و جل ذليلا و إليه أواها منيبا، أ فمن  ]كان  [هذه صفته يكون إلها  ]فإن كان هذا إلها  [فليس منكم أحد إلا و هو إله لمشاركته له
في هذه الصفات الدالات على حدوث كل موصوف بها. ثم قال ع حدثني أبي، عن جدي، عن رسول الله ع أنه قال ما عرف الله تعالى من
شبهه بخلقه، و لا عدله من نسب إليه ذنوب عباده. فقال الرجل يا ابن رسول الله إنهم يزعمون أن عليا ع لما أظهر من نفسه
المعجزات التي لا يقدر عليها غير الله تعالى دل ذلك على أنه إله، و لما ظهر لهم بصفات المحدثين العاجزين لبس بذلك عليهم، و
امتحنهم ليعرفوه، و ليكون إيمانهم به اختيارا من أنفسهم. فقال الرضا ع أول ما هاهنا أنهم لا ينفصلون ممن قلب هذا عليهم. فقال
لما ظهر منه الفقر و الفاقة دل على أن من هذه صفاته و شاركه فيها الضعفاء المحتاجون لا تكون المعجزات فعله، فعلم بهذا أن الذي
ظهر منه  ]من  [المعجزات إنما كانت فعل القادر الذي لا يشبه المخلوقين، لا فعل المحدث المحتاج المشارك للضعفاء في صفات
الضعف.
25- ثم قال الرضا ع لقد ذكرتني بما حكيته  ]عن  [قول رسول الله ص و قول أمير المؤمنين ع و قول زين العابدين ع أما قول رسول
الله ص فما حدثنيه أبي، عن جدي، عن أبيه،  ]عن جده  [، عن رسول الله ص أن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، و لكن
 ]يقبضه  [بقبض العلماء.
تفسيرالإمام العسكري ص : 53
فإذا لم ينزل عالم إلى عالم يصرف عنه طلاب حطام الدنيا و حرامها، و يمنعون الحق أهله، و يجعلونه لغير أهله، اتخذ الناس رؤساء
جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا و أضلوا.
26- و أما قول أمير المؤمنين ع فهو قوله يا معشر شيعتنا و المنتحلين  ]مودتنا  [إياكم و أصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، تفلتت
منهم الأحاديث أن يحفظوها و أعيتهم السنة أن يعوها، فاتخذوا عباد الله خولا، و ماله دولا، فذلت لهم الرقاب و أطاعهم الخلق
أشباه الكلاب، و نازعوا الحق أهله، و تمثلوا بالأئمة الصادقين و هم من الجهال و الكفار و الملاعين، فسئلوا عما لا يعلمون، فأنفوا
أن يعترفوا بأنهم لا يعلمون، فعارضوا الدين  ]ب آرائهم فضلوا و أضلوا. أما لو كان الدين  [بالقياس لكان باطن الرجلين أولى بالمسح
من ظاهرهما.
27- و أما قول علي بن الحسين ع فإنه قال إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته و هديه، و تماوت في منطقه، و تخاضع في حركاته،
فرويدا لا يغرنكم، فما أكثر
تفسيرالإمام العسكري ص : 54
من يعجزه تناول الدنيا، و ركوب المحارم منها، لضعف بنيته و مهانته و جبن قلبه فنصب الدين فخا لها، فهو لا يزال يختل الناس
بظاهره، فإن تمكن من حرام اقتحمه. فإذا وجدتموه يعف من المال الحرام (فرويدا لا يغرنكم، فإن شهوات الخلق مختلفة، فما أكثر
من ينبو عن المال الحرام) و إن كثر، و يحمل نفسه على شوهاء قبيحة، فيأتي منها محرما. فإذا وجدتموه يعف عن ذلك، فرويدا لا
يغرنكم حتى تنظروا ما عقدة عقله فما أكثر من يترك ذلك أجمع، ثم لا يرجع إلى عقل متين، فيكون ما يفسده بجهله أكثر مما يصلحه
بعقله. فإذا وجدتم عقله متينا فرويدا لا يغرنكم حتى تنظروا مع هواه يكون على عقله أو يكون مع عقله على هواه و كيف محبته
للرئاسات الباطلة و زهده فيها فإن في الناس من خسر الدنيا و الآخرة بترك الدنيا للدنيا، و يرى أن لذة الرئاسة الباطلة أفضل من لذة
الأموال و النعم المباحة المحللة، فيترك ذلك أجمع طلبا للرئاسة، حتى إذا قيل له « اتَّقِ اللّهَ، أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ
لَبِئْسَ الْمِهادُ».
تفسيرالإمام العسكري ص : 55
فهو يخبط  ]خبط  [عشواء، يقوده أول باطل إلى أبعد غايات الخسارة، و يمد يده بعد طلبه لما لا يقدر  ]عليه  [في طغيانه، فهو يحل ما
حرم الله، و يحرم ما أحل الله لا يبالي ما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي قد شقا من أجلها. فأولئك  ]مع  [الذين غضب الله
عليهم و لعنهم و أعد لهم عذابا مهينا. و لكن الرجل كل الرجل، نعم الرجل هو الذي جعل هواه تبعا لأمر الله، و قواه مبذولة في
رضاء الله تعالى، يرى الذل مع الحق أقرب إلى عز الأبد من العز في الباطل، و يعلم أن قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام
النعم في دار لا تبيد و لا تنفد، و إن كثير ما يلحقه من سرائها إن اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له و لا زوال. فذلكم الرجل
نعم الرجل، فبه فتمسكوا، و بسنته فاقتدوا، و إلى ربكم فبه فتوسلوا، فإنه لا ترد له دعوة، و لا تخيب له طلبة.
28- ثم قال الرضا ع إن هؤلاء الضلال الكفرة ما أتوا إلا من جهلهم بمقادير أنفسهم، حتى اشتد إعجابهم بها، و كثر تعظيمهم لما
يكون منها، فاستبدوا ب آرائهم الفاسدة، و اقتصروا على عقولهم المسلوك بها غير السبيل الواجب، حتى استصغروا
تفسيرالإمام العسكري ص : 56
قدر الله، و احتقروا أمره، و تهاونوا بعظيم شأنه. إذ لم يعلموا أنه القادر بنفسه، الغني بذاته الذي ليست قدرته مستعارة، و لا غناه
مستفادا، و الذي من شاء أفقره، و من شاء أغناه، و من شاء أعجزه بعد القدرة و أفقره بعد الغنى. فنظروا إلى عبد قد اختصه  ]الله  [
بقدرته ليبين بها فضله عنده، و آثره بكرامته ليوجب بها حجته على خلقه، و ليجعل ما آتاه من ذلك ثوابا على طاعته، و باعثا على اتباع
أمره، و مؤمنا عباده المكلفين من غلط من نصبه عليهم حجة، و لهم قدوة فكانوا كطلاب ملك من ملوك الدنيا، ينتجعون فضله، و
يؤملون نائله، و يرجون التفيؤ بظله، و الانتعاش بمعروفه، و الانقلاب إلى أهليهم بجزيل عطائه الذي يغنيهم عن كلب الدنيا، و
ينقذهم من التعرض لدني المكاسب، و خسيس المطالب فبينا هم يسألون عن طريق الملك ليترصدوه، و قد وجهوا الرغبة نحوه، و
تعلقت قلوبهم برؤيته إذ قيل إنه سيطلع عليكم في جيوشه و مواكبه و خيله و رجله. فإذا رأيتموه فأعطوه من التعظيم حقه، و من
الإقرار بالمملكة واجبه، و إياكم أن تسموا باسمه غيره، أو تعظموا سواه كتعظيمه، فتكونوا قد بخستم الملك حقه و أزريتم قالوا
نحن كذلك فاعلون جهدنا و طاقتنا. فما لبثوا أن طلع عليهم بعض عبيد الملك في خيل قد ضمها إليه سيده، و رجل قد جعلهم في
جملته، و أموال قد حباه بها، فنظر هؤلاء و هم للملك طالبون، فاستكثروا ما رأوا بهذا العبد من نعم
تفسيرالإمام العسكري ص : 57
سيده، و رفعوه عن أن يكون هو المنعم عليه بما وجدوا معه، فأقبلوا إليه يحيونه تحية الملك، و يسمونه باسمه، و يجحدون أن
يكون فوقه ملك أو له مالك. فأقبل عليهم العبد المنعم عليه، و سائر جنوده، بالزجر و النهي عن ذلك، و البراءة مما يسمونه به، و
يخبرونهم بأن الملك هو الذي أنعم بهذا عليه، و اختصه به، و إن قولكم  ]ب  [ما تقولون يوجب عليكم سخط الملك و عذابه، و
يفيتكم كلما أملتموه من جهته، و أقبل هؤلاء القوم يكذبونهم و يردون عليهم قولهم. فما زال كذلك حتى غضب  ]عليهم  [الملك لما
وجد هؤلاء قد سموا به عبده و أزروا عليه في مملكته، و بخسوه حق تعظيمه، فحشرهم أجمعين إلى حبسه، و وكل بهم من يسومهم
سوء العذاب. فكذلك هؤلاء وجدوا أمير المؤمنين ع عبدا أكرمه الله ليبين فضله، و يقيم حجته فصغر عندهم خالقهم أن يكون جعل
عليا  ]له  [عبدا، و أكبروا عليا أن يكون الله عز و جل له ربا، فسموه بغير اسمه، فنهاهم هو و أتباعه من أهل ملته و شيعته و قالوا لهم
يا هؤلاء إن عليا و ولده عباد مكرمون، مخلوقون مدبرون لا يقدرون إلا على ما أقدرهم الله عليه رب العالمين، و لا يملكون إلا ما
ملكهم  ]الله  [لا يملكون موتا و لا حياة و لا نشورا، و لا قبضا و لا بسطا و لا حركة و لا سكونا إلا ما أقدرهم الله عليه و طوقهم، و إن
ربهم و خالقهم يجل عن صفات المحدثين، و يتعالى عن نعوت المحدودين. و إن من اتخذهم أو واحدا منهم أربابا من دون الله فهو
من الكافرين، و قد ضل سواء السبيل.
تفسيرالإمام العسكري ص : 58
فأبى القوم إلا جماحا و امتدوا في طغيانهم يعمهون، فبطلت أمانيهم، و خابت مطالبهم و بقوا في العذاب الأليم
30- قال الإمام أبو محمد الحسن ع قال أمير المؤمنين ع فاتحة الكتاب هذه أعطاها الله محمدا ص و أمته، بدأ فيها بالحمد لله و
الثناء عليه، ثم ثنى بالدعاء لله عز و جل و لقد سمعت رسول الله ص يقول قال الله عز و جل قسمت الحمد بيني و بين عبدي نصفين،
فنصفها لي، و نصفها لعبدي، و لعبدي ما سأل إذا قال العبد بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال الله عز و جل بدأ عبدي باسمي حق علي أن
أتمم له أموره، و أبارك له في أحواله. فإذا قال الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال الله عز و جل حمدني عبدي، و علم أن النعم التي له من
عندي، و أن البلايا التي اندفعت عنه فبتطولي أشهدكم يا ملائكتي أني أضيف له نعيم الدنيا إلى نعيم الآخرة، و أدفع عنه بلايا
الآخرة كما دفعت عنه بلايا الدنيا. فإذا قال الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال الله عز و جل شهد لي عبدي بأني الرحمن الرحيم، أشهدكم لأوفرن من
رحمتي حظه، و لأجزلن من عطائي نصيبه. فإذا قال مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال الله تعالى أشهدكم كما اعترف بأني أنا المالك  ]ل  [يوم
الدين، لأسهلن يوم الحساب عليه حسابه، و لأتقبلن حسناته و لأتجاوزن عن سيئاته.
تفسيرالإمام العسكري ص : 59
فإذا قال العبد «إِيّاكَ نَعْبُدُ» قال الله تعالى صدق عبدي إياي يعبد أشهدكم لأثيبنه على عبادته ثوابا يغبطه كل من خالفه في عبادته
لي. فإذا قال «وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ» قال الله عز و جل بي استعان عبدي، و إلي التجأ أشهدكم لأعيننه  ]على أمره و لأغيثنه  [في شدائده، و
لآخذن بيده يوم نوائبه. فإذا قال «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» إلى آخرها قال الله عز و جل هذا لعبدي و لعبدي ما سأل  ]و  [قد
استجبت لعبدي، و أعطيته ما أمل، و آمنته مما منه وجل. قيل يا أمير المؤمنين أخبرنا عن بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أ هي من فاتحة
الكتاب فقال نعم، كان رسول الله ص يقرؤها و يعدها آية منها، و يقول فاتحة الكتاب هي السبع المثاني، فضلت ب بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ
الرَّحِيمِ و هي الآية السابعة منها
تفسيرالإمام العسكري ص : 60
السورة التي يذكر فيها البقرة
31- قال الإمام ع قال رسول الله ص إن هذا القرآن مأدبة الله تعالى فتعلموا من مأدبة الله عز و جل ما استطعتم، فإنه النور المبين،
و الشفاء النافع  ]ف  [تعلموه، فإن الله تعالى يشرفكم بتعلمه.
 ]فضل سورة البقرة
 [تعلموا سورة البقرة، و آل عمران، فإن أخذهما بركة، و تركهما حسرة، و لا يستطيعهما البطلة يعني السحرة و إنهما ليجيئان يوم
القيامة كأنهما غمامتان أو عقابتان أو فرقان من طير صواف، يحاجان عن صاحبهما، و يحاجهما رب العالمين رب العزة يقولان يا رب
الأرباب إن عبدك هذا قرأنا، و أظمأنا نهاره، و أسهرنا ليله، و أنصبنا بدنه. يقول الله تعالى يا أيها القرآن فكيف كان تسليمه لما
أنزلته فيك من تفضيل علي بن أبي طالب أخي محمد رسول الله يقولان يا رب الأرباب و إله الآلهة، والاه، و والى أولياءه، و عادى
أعداءه، إذا قدر جهر، و إذا عجز اتقى و أسر.
تفسيرالإمام العسكري ص : 61
يقول الله عز و جل فقد عمل إذا بكما كما أمرته، و عظم من حقكما ما عظمته. يا علي أ ما تسمع شهادة القرآن لوليك هذا  ]ف  [يقول علي
بلى يا رب. فيقول الله عز و جل فاقترح له ما تريد. فيقترح له ما يزيد على أماني هذا القارئ من الأضعاف المضاعفات بما لا يعلمه إلا
الله عز و جل. فيقول الله عز و جل «قد أعطيته ما اقترحت يا علي». قال رسول الله ص و إن والدي القارئ ليتوجان بتاج الكرامة،
يضيء نوره من مسيرة عشرة آلاف سنة، و يكسيان حلة لا يقوم لأقل سلك منها مائة ألف ضعف ما في الدنيا، بما يشتمل عليه من
خيراتها. ثم يعطى هذا القارئ الملك بيمينه في كتاب، و الخلد بشماله في كتاب، يقرأ من كتابه بيمينه قد جعلت من أفاضل ملوك
الجنان، و من رفقاء  ]محمد  [سيد الأنبياء و  ]علي  [خير الأوصياء، و الأئمة من بعدهما سادة الأتقياء. و يقرأ من كتابه بشماله قد أمنت
الزوال و الانتقال عن هذا الملك، و أعذت من الموت و الأسقام و كفيت الأمراض و الأعلال، و جنبت حسد الحاسدين، و كيد
الكائدين. ثم يقال له اقرأ  ]و  [أرق، و منزلك عند آخر آية تقرؤها. فإذا نظر والداه إلى حليتيهما و تاجيهما قالا ربنا أنى لنا هذا الشرف
و لم تبلغه أعمالنا (فقال لهما كرام ملائكة الله  ]عن الله  [عز و جل هذا لكما لتعليمكما) ولدكما القرآن
تفسيرالإمام العسكري ص : 62
قوله عز و جل الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
32- قال الإمام ع كذبت قريش و اليهود بالقرآن و قالوا سحر مبين تقوله. فقال الله عز و جل «الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً
لِلْمُتَّقِينَ» أي يا محمد هذا الكتاب الذي أنزلته عليك هو  ]ب  [الحروف المقطعة التي منها ألف، لام، ميم و هو بلغتكم و حروف
هجائكم، «فأتوا بمثله إن كنتم صادقين» و استعينوا على ذلك بسائر شهدائكم. ثم بين أنهم لا يقدرون عليه بقوله «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ
الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيراً» ثم قال الله عز و جل «الم» هو
القرآن الذي افتتح بالم، هو «ذلِكَ الْكِتابُ» الذي أخبرت به موسى، و  ]من  [بعده من الأنبياء، فأخبروا بني إسرائيل أني سأنزله
عليك يا محمد، كتابا  ]عربيا  [عزيزا، لا يأتيه الباطل من بين يديه، و لا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. «لا رَيْبَ فِيهِ» لا شك فيه
لظهوره عندهم، كما أخبرهم أنبياؤهم أن محمدا ينزل عليه كتاب لا يمحوه الباطل يقرؤه هو و أمته على سائر أحوالهم. «هُدىً» بيان
من الضلالة «لِلْمُتَّقِينَ» الذين يتقون الموبقات، و يتقون تسليط السفه
تفسيرالإمام العسكري ص : 63
على أنفسهم حتى إذا علموا ما يجب عليهم عمله عملوا بما يوجب لهم رضاء ربهم
 ] 33 ثم  [قال و قال الصادق ع ثم الألف حرف من حروف قولك «الله» دل بالألف على قولك الله. و دل باللام على قولك الملك
العظيم، القاهر للخلق أجمعين و دل بالميم على أنه المجيد  ]الكريم  [المحمود في كل أفعاله. و جعل هذا القول حجة على اليهود. و
ذلك أن الله تعالى لما بعث موسى بن عمران ع. ثم من بعده من الأنبياء إلى بني إسرائيل، لم يكن فيهم  ]أحد  [إلا أخذوا عليهم
العهود، و المواثيق ليؤمنن بمحمد العربي الأمي المبعوث بمكة، الذي يهاجر  ]منها  [إلى المدينة، يأتي بكتاب بالحروف المقطعة
افتتاح بعض سورة، يحفظه  ]بعض  [أمته، فيقرءونه قياما و قعودا و مشاة و على كل حال، يسهل الله عز و جل حفظه عليهم. و يقرنون
بمحمد أخاه و وصيه علي بن أبي طالب ع الآخذ عنه علومه التي
تفسيرالإمام العسكري ص : 64
علمها، و المتقلد عنه الأمانة التي قلدها، و مذلل كل من عاند محمدا بسيفه الباتر و مفحم كل من جادله و خاصمه بدليله القاهر،
يقاتل عباد الله على تنزيل كتاب الله حتى يقودهم إلى قبوله طائعين و كارهين. ثم إذا صار محمد إلى رضوان الله تعالى، و ارتد كثير
ممن كان أعطاه ظاهر الإيمان، و حرفوا تأويلاته، و غيروا معانيه، و وضعوها على خلاف وجوهها، قاتلهم بعد  ]ذلك  [على تأويله حتى
يكون إبليس الغاوي لهم هو الخاسئ الذليل المطرود  ]الملعون  [المغلوب. قال فلما بعث الله محمدا ص و أظهره بمكة، و سيره منها
إلى المدينة و أظهره بها أنزل عليه الكتاب، و جعل افتتاح سورته الكبرى «بالم» يعني « الم ذلِكَ الْكِتابُ» و هو ذلك الكتاب الذي
أخبرت  ]به  [أنبيائي السالفين أني سأنزله عليك يا محمد « لا رَيْبَ فِيهِ». فقد ظهر ما أخبرهم به أنبياؤهم أن محمدا ينزل عليه كتاب
مبارك لا يمحوه الباطل يقرؤه هو و أمته على سائر أحوالهم. ثم اليهود يحرفونه عن جهته، و يتأولونه على غير وجهه، و يتعاطون
التوصل إلى علم  ]ما  [قد طواه الله عنهم من  ]حال  [أجل هذه الأمة، و كم مدة ملكهم.
تفسيرالإمام العسكري ص : 65
فجاء إلى رسول الله ص منهم جماعة، فولى رسول الله ص عليا ع مخاطبتهم فقال قائلهم إن كان ما يقول محمد حقا، فقد علمنا كم
قدر ملك أمته، هو إحدى و سبعون سنة الألف واحد، و اللام ثلاثون، و الميم أربعون. فقال علي ص فما تصنعون ب « المص» و قد
أنزلت عليه قالوا هذه إحدى و ستون و مائة سنة. فقال  ]علي ع  [فما تصنعون ب « الر» و قد أنزلت عليه.  ]ف  [قالوا هذه أكثر، هذه مائتان
و إحدى و ثلاثون سنة.  ]ف  [قال علي ع فما ذا تصنعون ب « المر» و قد أنزلت عليه قالوا هذه أكثر، هذه مائتان و إحدى و سبعون سنة.
فقال علي ع فواحدة من هذه له، أو جميعها له فاختلط كلامهم، فبعضهم قال له واحدة منها. و قال بعضهم بل يجمع له كلها و ذلك
سبعمائة و أربع و ثلاثون سنة، ثم يرجع الملك إلينا. يعني إلى اليهود. فقال علي ع أ كتاب من كتب الله عز و جل نطق بهذا، أم
آراؤكم دلت عليه فقال بعضهم كتاب الله نطق به. و قال آخرون بل آراؤنا دلت عليه. فقال علي ع فأتوا بكتاب  ]منزل  [من عند الله
ينطق بما تقولون. فعجزوا عن إيراد ذلك، و قال للآخرين فدلونا على صواب هذا الرأي فقالوا صواب رأينا دليله  ]على  [أن هذا حساب
الجمل. فقال علي ع و كيف دل على ما تقولون، و ليس في هذه الحروف إلا ما اقترحتم بلا بيان أ رأيتم إن قيل لكم إن هذه الحروف
ليست دالة على هذه المدة لملك أمة محمد ص، و لكنها دالة على أن عند كل واحد منكم دينا بعدد هذا الحساب دراهم أو دنانير، أو
 ]على  [أن لعلي على كل واحد منكم دينا عدد ماله مثل عدد
تفسيرالإمام العسكري ص : 66
هذا الحساب، أو على أن كل واحد منكم قد لعن بعدد هذا الحساب. قالوا يا أبا الحسن ليس شيء مما ذكرته منصوصا عليه في « الم»
و « المص» و « الر» و « المر». فقال علي ع و لا شيء مما ذكرتموه منصوصا عليه في « الم» و « المص» و « الر» و « المر» فإن بطل
قولنا (بما قلتم، بطل قولكم بما قلنا). فقال خطيبهم و منطيقهم لا تفرح يا علي بأن عجزنا عن إقامة حجة على دعوانا، فأي حجة لك
في دعواك إلا أن تجعل عجزنا حجتك، فإذا ما لنا حجة فيما نقول و لا لكم حجة فيما تقولون. قال علي ع لا سواء إن لنا حجة هي
المعجزة الباهرة. ثم نادى جمال اليهود يا أيتها الجمال اشهدي لمحمد و لوصيه. فنادت الجمال صدقت صدقت  ]يا علي  [يا وصي
محمد، و كذب هؤلاء  ]اليهود  [. فقال علي ع هؤلاء خير من اليهود، يا ثياب اليهود التي عليهم اشهدي لمحمد ص و لوصيه. فنطقت
ثيابهم كلها صدقت صدقت يا علي، نشهد أن محمدا رسول الله حقا و أنك يا علي وصيه حقا، لم يثبت محمد قدما في مكرمة إلا وطئت
على موضع قدمه بمثل مكرمته، فأنتما شقيقان من أشرف أنوار الله تعالى،  ]فميزتما اثنين  [و أنتما في الفضائل شريكان، إلا أنه لا
نبي بعد محمد ص.
تفسيرالإمام العسكري ص : 67
فعند ذلك خزيت اليهود، و آمن بعض النظارة منهم برسول الله ص، و غلب الشقاء على اليهود، و بعض النظارة الآخرين، فذلك ما قال
الله تعالى « لا رَيْبَ فِيهِ» إنه كما قال محمد ص و وصي محمد عن قول  ]محمد ص، عن قول  [رب العالمين. ثم قال « هُدىً» بيان و
شفاء « لِلْمُتَّقِينَ» من شيعة محمد و علي ع.  ]إنهم  [اتقوا أنواع الكفر فتركوها، و اتقوا  ]أنواع  [الذنوب الموبقات فرفضوها و اتقوا
إظهار أسرار الله تعالى، و أسرار أزكياء عباده الأوصياء بعد محمد ص، فكتموها. و اتقوا ستر العلوم عن أهلها المستحقين لها، و فيهم
نشروها
قوله عز و جل الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
34- قال الإمام ع ثم وصف هؤلاء المتقين الذين هذا الكتاب هدى لهم فقال ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) يعني بما غاب عن حواسهم
من الأمور التي يلزمهم الإيمان بها، كالبعث  ]و النشور  [و الحساب و الجنة و النار، و توحيد الله تعالى و سائر ما لا يعرف بالمشاهدة.
و إنما يعرف بدلائل قد نصبها الله عز و جل  ]عليها  [ك آدم، و حواء، و إدريس، و نوح، و إبراهيم، و الأنبياء الذين يلزمهم الإيمان
 ]بهم، و  [بحجج الله تعالى و إن لم
تفسيرالإمام العسكري ص : 68
يشاهدوهم و يؤمنون بالغيب، و هم من الساعة مشفقون
التوسل إلى الله بمحمد و آله
35- و ذلك أن سلمان الفارسي (رضي الله عنه) مر بقوم من اليهود، فسألوه أن يجلس إليهم، و يحدثهم بما سمع من محمد ص في
يومه هذا، فجلس إليهم لحرصه على إسلامهم، فقال سمعت محمدا ص يقول إن الله عز و جل يقول يا عبادي أ و ليس من له إليكم
حوائج كبار لا تجودون بها إلا أن يتحمل عليكم بأحب الخلق إليكم تقضونها كرامة لشفيعهم ألا فاعلموا أن أكرم الخلق علي، و
أفضلهم لدي محمد، و أخوه علي، و من بعده من الأئمة الذين هم الوسائل إلي. ألا فليدعني من هم بحاجة يريد نفعها، أو دهته داهية
يريد كف ضررها، بمحمد و آله الأفضلين الطيبين الطاهرين، أقضها له أحسن مما يقضيها من تستشفعون إليه بأعز الخلق عليه. قالوا
لسلمان و هم  ]يسخرون و  [يستهزءون  ]به  [يا أبا عبد الله فما بالك لا تقترح على الله، و تتوسل بهم أن يجعلك أغني أهل المدينة
فقال سلمان قد دعوت الله عز و جل بهم، و سألته ما هو أجل و أفضل و أنفع من ملك الدنيا بأسرها سألته بهم ص أن يهب لي لسانا
لتحميده و ثنائه ذاكرا، و قلبا لآلائه شاكرا، و على الدواهي الداهية لي صابرا، و هو عز و جل قد أجابني إلى ملتمسي من ذلك، و هو
أفضل من ملك الدنيا بحذافيرها، و ما تشتمل عليه من
تفسيرالإمام العسكري ص : 69
خيراتها مائة ألف ألف مرة. قال ع فجعلوا يهزءون به و يقولون يا سلمان لقد ادعيت مرتبة عظيمة شريفة نحتاج أن نمتحن صدقك من
كذبك فيها، و ها نحن أولا قائمون إليك بسياط فضاربوك بها، فسل ربك أن يكف أيدينا عنك. فجعل سلمان يقول اللهم اجعلني على
البلاء صابرا. و جعلوا يضربونه بسياطهم حتى أعيوا و ملوا، و جعل سلمان لا يزيد على قوله اللهم اجعلني على البلاء صابرا. فلما
ملوا و أعيوا، قالوا له يا سلمان ما ظننا أن روحا تثبت في مقرها مع مثل هذا العذاب الوارد عليك، فما بالك لا تسأل ربك أن يكفنا
عنك  ]ف  [قال لأن سؤالي ذلك ربي خلاف الصبر، بل سلمت لإمهال الله تعالى لكم، و سألته الصبر. فلما استراحوا قاموا إليه بعد
بسياطهم، فقالوا لا نزال نضربك بسياطنا حتى تزهق روحك أو تكفر بمحمد. فقال ما كنت لأفعل ذلك، فإن الله قد أنزل على محمد (
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) و إن احتمالي لمكارهكم لأدخل في جملة من مدحه الله بذلك سهل علي يسير. فجعلوا يضربونه بسياطهم
حتى ملوا، ثم قعدوا، و قالوا يا سلمان لو كان لك عند ربك قدر لإيمانك بمحمد لاستجاب  ]الله  [دعاءك و كفنا عنك. فقال سلمان ما
أجهلكم كيف يكون مستجيبا دعائي إذا فعل بي خلاف ما أريد منه، أنا أردت منه الصبر فقد استجاب لي و صبرني، و لم أسأله كفكم
عني فيمنعني حتى يكون ضد دعائي كما تظنون. فقاموا إليه ثالثة بسياطهم، فجعلوا يضربونه و سلمان لا يزيد على  ]قوله  [اللهم
صبرني على البلاء في حب صفيك و خليلك محمد.
تفسيرالإمام العسكري ص : 70
فقالوا له يا سلمان ويحك أ و ليس محمد قد رخص لك أن تقول كلمة الكفر  ]به  [بما تعتقد ضده للتقية من أعدائك فما بالك لا تقول
(ما يفرج عنك) للتقية فقال سلمان إن الله تعالى قد رخص لي في ذلك و لم يفرضه علي، بل أجاز لي أن لا أعطيكم ما تريدون، و
أحتمل مكارهكم و أجعله أفضل المنزلتين، و أنا لا أختار غيره. ثم قاموا إليه بسياطهم، و ضربوه ضربا كثيرا، و سيلوا دماءه، و قالوا
له و هم ساخرون لا تسأل الله كفنا عنك، و لا تظهر لنا ما نريد منك لنكف به عنك، فادع علينا بالهلاك إن كنت من الصادقين في دعواك
إن الله لا يرد دعاءك بمحمد و آله الطيبين  ]الطاهرين  [. فقال سلمان إني لأكره أن أدعو الله بهلاككم مخافة أن يكون فيكم من قد
علم الله أنه سيؤمن بعد، فأكون قد سألت الله تعالى اقتطاعه عن الإيمان. فقالوا قل اللهم أهلك من كان في معلومك أنه يبقى إلى
الموت على تمرده، فإنك لا تصادف بهذا الدعاء ما خفته. قال فانفرج له حائط البيت الذي هو فيه مع القوم، و شاهد رسول الله ص و
هو يقول يا سلمان ادع عليهم بالهلاك، فليس فيهم أحد يرشد، كما دعا نوح ع على قومه لما عرف أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد
آمن. فقال سلمان كيف تريدون أن أدعو عليكم بالهلاك فقالوا تدعو الله بأن يقلب سوط كل واحد منا أفعى تعطف رأسها، ثم تمشش
عظام سائر بدنه.
تفسيرالإمام العسكري ص : 71
فدعا الله بذلك، فما من سياطهم سوط إلا قلبه الله تعالى عليهم أفعى لها رأسان تتناول برأس  ]منها  [رأسه، و برأس آخر يمينه التي
كان فيها سوطه، ثم رضضتهم و مششتهم و بلعتهم و التقمتهم. فقال رسول الله ص و هو في مجلسه معاشر المؤمنين إن الله تعالى قد
نصر أخاكم سلمان ساعتكم هذه على عشرين من مردة اليهود و المنافقين، قلبت سياطهم أفاعي رضضتهم و مششتهم، و هشمت
عظامهم و التقمتهم، فقوموا بنا ننظر إلى تلك الأفاعي المبعوثة لنصرة سلمان. فقام رسول الله ص و أصحابه إلى تلك الدار، و قد
اجتمع إليها جيرانها من اليهود و المنافقين لما سمعوا ضجيج القوم بالتقام الأفاعي لهم، و إذا هم خائفون منها نافرون من قربها.
فلما جاء رسول الله ص خرجت كلها  ]من  [البيت إلى شارع المدينة، و كان شارعا ضيقا، فوسعه الله تعالى، و جعله عشرة أضعافه. ثم
نادت الأفاعي السلام عليك يا محمد يا سيد الأولين و الآخرين، السلام عليك يا علي يا سيد الوصيين، السلام على ذريتك الطيبين
الطاهرين الذين جعلوا على الخلق قوامين، ها نحن سياط هؤلاء المنافقين  ]الذين  [قلبنا الله تعالى أفاعي بدعاء هذا المؤمن
«سلمان».  ]ف  [قال رسول الله ص الحمد لله الذي جعل  ]من أمتي  [من يضاهي بدعائه عند كفه، و عند انبساطه. نوحا نبيه.
تفسيرالإمام العسكري ص : 72
ثم نادت الأفاعي يا رسول الله قد اشتد غضبنا على هؤلاء الكافرين، و أحكامك و أحكام وصيك علينا جائزة في ممالك رب العالمين، و
نحن نسألك أن تسأل الله تعالى أن يجعلنا من أفاعي جهنم التي نكون فيها لهؤلاء معذبين كما كنا لهم في هذه الدنيا ملتقمين. فقال
رسول الله ص قد أجبتكم إلى ذلك، فألحقوا بالطبق الأسفل من جهنم بعد أن تقذفوا ما في أجوافكم من أجزاء أجسام هؤلاء الكافرين
ليكون أتم لخزيهم، و أبقى للعار عليهم إذا كانوا بين أظهرهم مدفونين، يعتبر بهم المؤمنون المارون بقبورهم يقولون هؤلاء
الملعونون المخزيون بدعاء ولي محمد سلمان الخير من المؤمنين. فقذفت الأفاعي ما في بطونها من أجزاء أبدانهم، فجاء أهلوهم
فدفنوهم، و أسلم كثير من الكافرين، و أخلص كثير من المنافقين، و غلب الشقاء على كثير من الكافرين و المنافقين، فقالوا هذا سحر
مبين. ثم أقبل رسول الله ص على سلمان فقال يا أبا عبد الله أنت من خواص إخواننا المؤمنين، و من أحباب قلوب ملائكة الله
المقربين، إنك في ملكوت السماوات و الحجب و الكرسي و العرش و ما دون ذلك إلى الثرى، أشهر في فضلك عندهم من الشمس
الطالعة في يوم لا غيم فيه و لا قتر، و لا غبار في الجو، أنت من أفاضل الممدوحين بقوله « الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ»
تفسيرالإمام العسكري ص : 73
قوله عز و جل وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
36- قال الإمام ع ثم وصفهم بعد  ]ذلك  [فقال وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ يعني بإتمام ركوعها و سجودها، و حفظ مواقيتها و حدودها، و
صيانتها عما يفسدها و ينقضها
37- ثم قال  ]الإمام  [ع حدثني أبي عن أبيه ع أن رسول الله ص كان من خيار أصحابه  ]عنده  [أبو ذر الغفاري، فجاءه ذات يوم فقال يا
رسول الله إن لي غنيمات قدر ستين شاة، أكره أن أبدو فيها، و أفارق حضرتك و خدمتك، و أكره أن أكلها إلى راع فيظلمها و يسيء
رعايتها فكيف أصنع فقال رسول الله ص أبد فيها.  ]فبدا فيها  [فلما كان في اليوم السابع جاء إلى رسول الله ص، فقال رسول الله ص
يا أبا ذر. فقال لبيك يا رسول الله. قال ما فعلت غنيماتك فقال يا رسول الله إن لها قصة عجيبة.  ]ف  [قال و ما هي قال يا رسول الله بينا
أنا في صلاتي إذ عدا الذئب على غنمي، فقلت يا رب صلاتي، يا رب غنمي، فأثرت صلاتي على غنمي فأخطر الشيطان ببالي يا «أبا ذر أين
أنت إن عدت الذئاب على غنمك و أنت تصلي فأهلكتها كلها، و ما يبقى لك في الدنيا ما تتعيش به» فقلت للشيطان يبقى لي توحيد
الله تعالى، و الإيمان بمحمد رسول الله ص، و موالاة أخيه سيد الخلق بعده علي بن أبي طالب ع، و موالاة الأئمة الهادين الطاهرين
من
تفسيرالإمام العسكري ص : 74
ولده، و معاداة أعدائهم، و كلما فات من الدنيا بعد ذلك جلل. فأقبلت على صلاتي، فجاء ذئب، فأخذ حملا و ذهب به و أنا أحس به، إذا
أقبل على الذئب أسد فقطعه نصفين، و استنقذ الحمل و رده إلى القطيع، ثم ناداني يا أبا ذر أقبل على صلاتك، فإن الله تعالى قد
وكلني بغنمك إلى أن تصلي. فأقبلت على صلاتي، و قد غشيني من التعجب ما لا يعلمه إلا الله تعالى حتى فرغت منها فجاءني الأسد و
قال لي امض إلى محمد ص فأخبره أن الله تعالى قد أكرم صاحبك الحافظ لشريعتك، و وكل أسدا بغنمه يحفظها. فتعجب من  ]كان  [
حول رسول الله ص. فقال رسول الله ص صدقت يا أبا ذر، و لقد آمنت به أنا و علي و فاطمة و الحسن و الحسين (صلوات الله عليهم
أجمعين). فقال بعض المنافقين هذا بمواطاة بين محمد و أبي ذر، يريد أن يخدعنا بغروره. و اتفق منهم عشرون رجلا و قالوا نذهب إلي
غنمه و ننظر إليها، و ننظر إليه إذا صلى، هل يأتي الأسد و يحفظ غنمه، فيتبين بذلك كذبه. فذهبوا و نظروا و  ]إذا  [أبو ذر قائم
يصلي، و الأسد يطوف حول غنمه و يرعاها و يرد إلى القطيع ما شذ عنه منها، حتى إذا فرغ من صلاته ناداه الأسد هاك قطيعك مسلما،
وافر العدد سالما. ثم ناداهم الأسد  ]يا  [معاشر المنافقين أنكرتم لولي محمد و علي و آله الطيبين و المتوسل إلى الله تعالى بهم أن
يسخرني  ]الله  [ربي لحفظ غنمه، و الذي
تفسيرالإمام العسكري ص : 75
أكرم محمدا و آله الطيبين الطاهرين لقد جعلني الله طوع يدي أبي ذر حتى لو أمرني بافتراسكم و هلاككم لأهلكتكم و الذي لا يحلف
بأعظم منه لو سأل الله بمحمد و آله الطيبين ص أن يحول البحار دهن زنبق و بان و الجبال مسكا و عنبرا و كافورا، و قضبان
الأشجار قضب الزمرد، و الزبرجد لما منعه الله تعالى ذلك. فلما جاء أبو ذر إلى رسول الله ص قال له رسول الله يا أبا ذر إنك أحسنت
طاعة الله، فسخر الله لك من يطيعك في كف العوادي عنك، فأنت من أفضل من مدحه الله عز و جل بأنه يقيم الصلاة
قوله عز و جل وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
38- قال الإمام ع يعني وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ من الأموال، و القوى في الأبدان و الجاه، و المقدار. يُنْفِقُونَ يؤدون من الأموال الزكوات،
و يجودون بالصدقات، و يحتملون الكل يؤدون الحقوق اللازمات كالنفقة في الجهاد إذا لزم و إذا استحب، و كسائر النفقات
الواجبات على الأهلين و ذوي الأرحام القريبات و الآباء و الأمهات و كالنفقات المستحبات على من لم يكن فرضا عليهم النفقة من
سائر القرابات، و كالمعروف بالإسعاف و القرض، و الأخذ بأيدي الضعفاء و الضعيفات. و يؤدون من قوى الأبدان المعونات كالرجل
يقود ضريرا، و ينجيه من مهلكة أو يعين مسافرا أو غير مسافر على حمل متاع على دابة قد سقط عنها، أو كدفع عن
تفسيرالإمام العسكري ص : 76
مظلوم  ]قد  [قصده ظالم بالضرب أو بالأذى. و يؤدون الحقوق من الجاه بأن يدفعوا به عن عرض من يظلم بالوقيعة فيه، أو يطلبوا
حاجة بجاههم لمن  ]قد  [عجز عنها بمقداره. فكل هذا إنفاق مما رزقه الله تعالى
 ]في أن الأعمال لا تقبل إلا بالولاية  [
39- قال الإمام ع أما الزكاة فقد قال رسول الله ص من أدى الزكاة إلى مستحقها، و قضى الصلاة على حدودها، و لم يلحق بهما من
الموبقات ما يبطلهما جاء يوم القيامة يغبطه كل من في تلك العرصات حتى يرفعه نسيم الجنة إلى أعلى غرفها و علاليها بحضرة من
كان يواليه من محمد و آله الطيبين الطاهرين. و من بخل بزكاته و أدى صلاته، فصلاته محبوسة دوين السماء إلى أن يجيء  ]حين  [
زكاته، فإن أداها جعلت كأحسن الأفراس مطية لصلاته، فحملتها إلى ساق العرش فيقول الله عز و جل سر إلى الجنان، و اركض فيها
إلى يوم القيامة، فما انتهى إليه ركضك فهو (كله بسائر ما تمسه لباعثك) فيركض فيها على أن كل ركضة مسيرة سنة في قدر لمحة
بصره من يومه إلى يوم القيامة، حتى ينتهي  ]به  [إلى حيث ما شاء الله تعالى، فيكون ذلك كله له، و مثله عن يمينه و شماله، و أمامه و
خلفه، و فوقه و تحته. و إن بخل بزكاته و لم يؤدها، أمر بالصلاة فردت إليه، و لفت كما يلف الثوب
تفسيرالإمام العسكري ص : 77
الخلق، ثم يضرب بها وجهه، و يقال  ]له  [يا عبد الله ما تصنع بهذا دون هذا قال فقال أصحاب رسول الله ص ما أسوأ حال هذا  ]و الله  [
قال رسول الله ص أ و لا أنبئكم بمن هو أسوأ حالا من هذا قالوا بلى يا رسول الله. قال رجل حضر الجهاد في سبيل الله تعالى، فقتل
مقبلا غير مدبر، و الحور العين يتطلعن إليه، و خزان الجنان يتطلعون  ]إلى  [ورود روحه عليهم  ]و أملاك السماء  [و أملاك الأرض
يتطلعون  ]إلى  [نزول حور العين إليه، و الملائكة خزان الجنان، فلا يأتونه. فتقول ملائكة الأرض حوالي ذلك المقتول ما بال الحور
 ]العين  [لا ينزلن إليه و ما بال خزان الجنان لا يردون عليه فينادون من فوق السماء السابعة يا أيتها الملائكة، انظروا إلى آفاق
السماء  ]و  [دوينها. فينظرون، فإذا توحيد هذا العبد  ]المقتول  [و إيمانه برسول الله ص، و صلاته و زكاته، و صدقته، و أعمال بره كلها
محبوسات دوين السماء، و قد طبقت آفاق السماء كلها كالقافلة العظيمة قد ملأت ما بين أقصى المشارق و المغارب، و مهاب الشمال
و الجنوب تنادي أملاك تلك الأفعال الحاملون لها، الواردون بها ما بالنا لا تفتح لنا أبواب السماء لندخل إليها بأعمال هذا الشهيد
فيأمر الله عز و جل بفتح أبواب السماء، فتفتح، ثم ينادي هؤلاء الأملاك ادخلوها إن قدرتم. فلا تقلها أجنحتهم، و لا يقدرون على
الارتفاع بتلك الأعمال. فيقولون يا ربنا لا نقدر على الارتفاع بهذه الأعمال.
تفسيرالإمام العسكري ص : 78
فيناديهم منادي ربنا عز و جل يا أيتها الملائكة لستم حمالي هذه الأثقال  ]الصاعدين بها  [إن حملتها الصاعدين بها مطاياها التي ترفعها
إلى دوين العرش، ثم تقرها في درجات الجنان. فتقول الملائكة يا ربنا ما مطاياها فيقول الله تعالى و ما الذي حملتم من عنده فيقولون
توحيده لك، و إيمانه بنبيك. فيقول الله تعالى فمطاياها موالاة علي أخي نبيي، و موالاة الأئمة الطاهرين، فإن أتيت فهي الحاملة
الرافعة الواضعة لها في الجنان. فينظرون فإذا الرجل مع ما له من هذه الأشياء، ليس له موالاة علي بن أبي طالب و الطيبين من آله، و
معاداة أعدائهم. فيقول الله تبارك و تعالى للأملاك الذين كانوا حامليها اعتزلوها، و الحقوا بمراكزكم من ملكوتي ليأتها من هو أحق
بحملها، و وضعها في موضع استحقاقها. فتلحق تلك الأملاك بمراكزها المجعولة لها. ثم ينادي منادي ربنا عز و جل يا أيتها الزبانية
تناوليها، و حطيها إلى سواء الجحيم، لأن صاحبها لم يجعل لها مطايا من موالاة علي و الطيبين من آله ع. قال  ]رسول الله ص  [
فتناول تلك الأملاك، و يقلب الله عز و جل تلك الأثقال أوزارا و بلايا على باعثها لما فارقتها مطاياها من موالاة أمير المؤمنين ع و
نادت تلك الملائكة إلى مخالفته لعلي ع، و موالاته لأعدائه. فيسلطها الله عز و جل و هي في صورة الأسود على تلك الأعمال، و هي
كالغربان