تفسيرالإمام العسكري ص : 9
المقدمة
بسم الله
الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و صلى الله على سيدنا محمد و آله
]الطاهرين [و سلم تسليما كثيرا. ]أما بعد [قال
محمد بن
علي بن محمد بن جعفر بن دقاق
حدثني الشيخان الفقيهان أبو الحسن محمد بن أحمد بن
علي بن الحسن بن شاذان و أبو محمد جعفر بن أحمد بن علي القمي (ره) قالا
حدثنا
الشيخ الفقيه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (ره) قال
أخبرنا أبو الحسن محمد بن القاسم
المفسر الأسترآباذي الخطيب (ره) قال حدثني أبو
يعقوب يوسف بن محمد بن زياد و أبو الحسن علي بن محمد بن سيار و كانا من
الشيعة
الإمامية قالا كان أبوانا إماميين، و كانت الزيدية هم الغالبون بأسترآباذ، و كنا في
إمارة الحسن بن زيد العلوي الملقب
بالداعي إلى الحق إمام الزيدية، و
كان
تفسيرالإمام العسكري ص : 10
كثير الإصغاء إليهم، يقتل الناس
بسعاياتهم، فخشينا على أنفسنا، فخرجنا بأهلينا إلى حضرة الإمام أبي محمد الحسن بن
علي بن
محمد أبي القائم ع، فأنزلنا عيالاتنا في بعض الخانات، ثم استأذنا على
الإمام الحسن بن علي ع فلما رآنا قال مرحبا بالآوين إلينا،
الملتجئين إلى
كنفنا، قد تقبل الله تعالى سعيكما، و آمن روعكما و كفاكما أعداءكما، فانصرفا آمنين
على أنفسكما و أموالكما.
فعجبنا من قوله ذلك لنا، مع أنا لم نشك في صدق مقاله.
فقلنا فما ذا تأمرنا أيها الإمام أن نصنع في طريقنا إلى أن ننتهي إلى بلد
خرجنا
من هناك، و كيف ندخل ذلك البلد و منه هربنا، و طلب سلطان البلد لنا حثيث و وعيده
إيانا شديد فقال ع خلفا علي ولديكما
هذين لأفيدهما العلم الذي يشرفهما الله
تعالى به، ثم لا تحفلا بالسعاة، و لا بوعيد المسعى إليه، فإن الله عز و جل (يقصم
السعاة)
و يلجئهم إلى شفاعتكم فيهم عند من قد هربتم منه. قال أبو يعقوب و أبو
الحسن فأتمرا لما أمرا، و ]قد [خرجا و خلفانا هناك، و كنا
نختلف
إليه، فيتلقانا ببر الآباء و ذوي الأرحام الماسة.
تفسيرالإمام العسكري ص :
11
فقال لنا ذات يوم إذا أتاكما خبر كفاية الله عز و جل أبويكما و إخزائه
أعداءهما و صدق وعدي إياهما، جعلت من شكر الله عز و جل
أن أفيدكما تفسير القرآن
مشتملا على بعض أخبار آل محمد ص فيعظم الله تعالى بذلك شأنكما. قالا ففرحنا و قلنا
يا ابن رسول الله
فإذا نأتي (على جميع) علوم القرآن و معانيه قال ع كلا، إن
الصادق ع علم ما أريد أن أعلمكما بعض أصحابه ففرح بذلك، و قال يا
ابن رسول الله
ص قد جمعت علم القرآن كله فقال ع قد جمعت خيرا كثيرا، و أوتيت فضلا واسعا، لكنه مع
ذلك أقل قليل ]من [أجزاء
علم القرآن، إن الله عز و جل يقول «قُلْ
لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ
تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ
مَدَداً» و يقول «وَ لَوْ
أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ
بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ» و هذا علم القرآن
و
معانيه، و ما أودع من عجائبه، فكم ترى مقدار ما أخذته من جميع هذا ]القرآن
[و لكن القدر الذي أخذته، قد فضلك الله تعالى به
على كل من لا يعلم
كعلمك، و لا يفهم كفهمك. قالا فلم نبرح من عنده حتى جاءنا فيج قاصد من عند أبوينا
بكتاب يذكر فيه أن الحسن
بن زيد العلوي قتل رجلا بسعاية أولئك الزيدية، و
استصفى ماله
تفسيرالإمام العسكري ص : 12
ثم أتته الكتب من النواحي و
الأقطار المشتملة على خطوط الزيدية بالعذل الشديد، و التوبيخ العظيم يذكر فيها أن
ذلك المقتول
كان من أفضل زيدي على ظهر الأرض، و أن السعاة قصدوه لفضله و ثروته.
فتنكر لهم، و أمر بقطع آنافهم و آذانهم، و أن بعضهم قد
مثل به لذلك و آخرين قد
هربوا. و أن العلوي ندم و استغفر، و تصدق بالأموال الجليلة بعد أن رد أموال ذلك
المقتول على ورثته، و
بذل لهم أضعاف دية ]وليهم [المقتول و
استحلهم. فقالوا أما الدية فقد أحللناك منها، و أما الدم فليس إلينا إنما هو إلى
المقتول، و
الله الحاكم. و أن العلوي نذر لله عز و جل أن لا يعرض للناس في
مذاهبهم. و في كتاب أبويهما أن الداعي إلى الحق «الحسن بن
زيد» قد أرسل إلينا
ببعض ثقاته بكتابه و خاتمه و أمانه، و ضمن لنا رد أموالنا و جبر النقص الذي لحقنا
فيها و أنا صائران إلى البلد، و
متنجزان ما وعدنا. فقال الإمام ع إن وعد الله
حق. فلما كان اليوم العاشر جاءنا كتاب أبوينا أن الداعي إلى الحق قد وفى لنا بجميع
عداته، و أمرنا بملازمة الإمام العظيم البركة، الصادق الوعد. فلما سمع الإمام ع
]بهذا [قال هذا حين إنجازي ما وعدتكما من تفسير
القرآن، ثم قال ع
]قد [وظفت لكما كل يوم شيئا منه تكتبانه، فالزماني و واظبا علي يوفر
الله تعالى من السعادة حظوظكما. فأول ما
أملى علينا أحاديث في فضل القرآن و
أهله، ثم أملى علينا التفسير بعد ذلك، فكتبنا في مدة مقامنا عنده، و ذلك سبع سنين،
نكتب في
كل يوم منه مقدار ما
تفسيرالإمام العسكري ص : 13
ننشط له.
فكان أول ما أملى علينا و كتبناه ]قال الإمام ع [
]فضل القرآن
[
1- حدثني أبي علي بن محمد، عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن موسى، عن
أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد الصادق،
عن أبيه الباقر محمد بن علي عن
أبيه علي بن الحسين زين العابدين عن أبيه الحسين بن علي سيد المستشهدين عن أبيه
أمير
المؤمنين و سيد الوصيين، و خليفة رسول رب العالمين، و فاروق الأمة، و باب
مدينة الحكمة، و وصي رسول الرحمة «علي بن أبي
طالب» ص عن رسول رب العالمين، و
سيد المرسلين، و قائد الغر المحجلين و المخصوص بأشرف الشفاعات في يوم الدين صلى
الله
عليه و آله أجمعين قال حملة القرآن المخصوصون برحمة الله، الملبسون نور
الله، المعلمون كلام الله، المقربون عند الله، من
والاهم فقد والى الله، و من
عاداهم فقد عادى الله و يدفع الله عن مستمع القرآن بلوى الدنيا، و عن قارئه بلوى
الآخرة. و الذي نفس
محمد بيده، لسامع آية من كتاب الله عز و جل و هو معتقد أن
المورد له عن الله تعالى محمد، الصادق في كل أقواله، الحكيم في كل
أفعاله
المودع ما أودعه الله تعالى من علومه أمير المؤمنين عليا ع، المعتقد للانقياد له
فيما يأمر و يرسم أعظم أجرا من ثبير ذهب
يتصدق به من لا يعتقد هذه الأمور بل
]تكون [صدقته وبالا عليه.
تفسيرالإمام العسكري ص : 14
و
لقارئ آية من كتاب الله معتقدا لهذه الأمور أفضل مما دون العرش إلى أسفل التخوم
يكون لمن لا يعتقد هذا الاعتقاد، فيتصدق به،
بل ذلك كله وبال على هذا المتصدق
به. ثم قال أ تدرون متى يتوفر على هذا المستمع و هذا القارئ هذه المثوبات العظيمات
إذا لم
يغل في القرآن ]إنه كلام مجيد [و لم يجف عنه، و لم يستأكل
به و لم يراء به. و قال رسول الله ص عليكم بالقرآن فإنه الشفاء
النافع، و
الدواء المبارك ]و [عصمة لمن تمسك به، و نجاة لمن ]ا
[تبعه، لا يعوج فيقوم، و لا يزيغ فيشعب و لا تنقضي عجائبه، و لا
يخلق على
كثرة الرد. ]و [اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات،
أما إني لا أقول «الم» عشر، و لكن أقول
«الألف» عشر، و «اللام» عشر، و «الميم»
عشر. ثم قال رسول الله ص أ تدرون من المتمسك الذي (بتمسكه ينال) هذا الشرف
العظيم هو الذي أخذ القرآن و تأويله عنا أهل البيت، أو عن وسائطنا السفراء عنا
إلى شيعتنا، لا عن آراء المجادلين و قياس
القائسين. فأما من قال في القرآن
برأيه، فإن اتفق له مصادفة صواب، فقد جهل في أخذه عن غير أهله، و كان كمن سلك طريقا
مسبعا
من غير حفاظ يحفظونه فإن اتفقت له السلامة، فهو لا يعدم من العقلاء و
الفضلاء الذم ]و العذل [و التوبيخ و إن اتفق له افتراس
السبع
]له [فقد جمع إلى هلاكه سقوطه عند الخيرين الفاضلين و عند العوام
الجاهلين.
تفسيرالإمام العسكري ص : 15
و إن أخطأ القائل في القرآن برأيه
فقد تبوأ مقعده من النار، و كان مثله كمثل من ركب بحرا هائجا بلا ملاح، و لا سفينة
صحيحة، لا
يسمع بهلاكه أحد إلا قال هو أهل لما لحقه، و مستحق لما أصابه. و قال
ص ما أنعم الله عز و جل على عبد بعد الإيمان بالله أفضل من
العلم بكتاب الله و
المعرفة بتأويله. و من جعل الله له في ذلك حظا، ثم ظن أن أحدا لم يفعل به ما فعل به
قد فضل عليه فقد حقر
(نعم الله) عليه
]فضل العالم بتأويل القرآن و
العالم برحمته [
2- و قال رسول الله ص في قوله تعالى «يا أَيُّهَا النّاسُ
قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَ هُدىً
وَ رَحْمَةٌ
لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ
فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ» قال رسول الله ص «فضل الله عز و جل»
القرآن و
العلم بتأويله «و رحمته» توفيقه لموالاة محمد و آله الطيبين، و معاداة
أعدائهم. ثم قال رسول الله ص و كيف لا يكون ذلك خيرا مما
يجمعون، و هو ثمن
الجنة و نعيمها، فإنه يكتسب بها رضوان الله تعالى الذي هو أفضل من الجنة و يستحق
بها الكون بحضرة محمد
و آله الطيبين الذي هو أفضل من الجنة. ]و [إن
محمدا و آله الطيبين أشرف زينة في الجنان.
تفسيرالإمام العسكري ص :
16
ثم قال ص يرفع الله بهذا القرآن و العلم بتأويله، و بموالاتنا أهل البيت و
التبري من أعدائنا أقواما، فيجعلهم في الخير قادة، تقص
آثارهم، و ترمق أعمالهم
و يقتدى بفعالهم، و ترغب الملائكة في خلتهم، و بأجنحتها تمسحهم، و في صلواتها
]تبارك عليهم، و [
تستغفر لهم ]حتى [كل رطب و يابس
]يستغفر لهم [حتى حيتان البحر و هوامه ]سباع الطير [و سباع
البر و أنعامه، و السماء و
نجومها.
]آداب قراءة القرآن [
3-
ثم قال الحسن أبو محمد الإمام ع أما قوله الذي ندبك ]الله [إليه، و
أمرك به عند قراءة القرآن «أعوذ بالله ]السميع العليم [
من الشيطان
الرجيم» فإن أمير المؤمنين ع قال إن قوله «أعوذ بالله» أي أمتنع بالله، «السميع»
لمقال الأخيار و الأشرار و لكل
المسموعات من الإعلان و الإسرار «العليم» بأفعال
الأبرار و الفجار، و بكل شيء ما كان و ما يكون ]و ما لا يكون [أن لو
كان كيف
كان يكون «من الشيطان الرجيم» (و الشيطان) هو البعيد من كل خير
«الرجيم» المرجوم باللعن، المطرود من بقاع الخير و
الاستعاذة هي ]م
[ما قد أمر الله به عباده عند قراءتهم القرآن، فقال «فَإِذا قَرَأْتَ
الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ
لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ
مُشْرِكُونَ»
تفسيرالإمام العسكري ص : 17
و من تأدب بأدب الله عز و جل
أداه إلى الفلاح الدائم، و من استوصى بوصية الله كان له خير الدارين
]سد
الأبواب عن المسجد دون باب علي ع [
4- أ لا أنبئكم ببعض أخبارنا قالوا بلى
يا ابن أمير المؤمنين. قال إن رسول الله ص لما بنى مسجده بالمدينة و أشرع فيه بابه،
و
أشرع المهاجرون و الأنصار (أبوابهم) أراد الله عز و جل إبانة محمد و آله
الأفضلين بالفضيلة، فنزل جبرئيل ع عن الله تعالى بأن
سدوا الأبواب عن مسجد رسول
الله ص قبل أن ينزل بكم العذاب. فأول من بعث إليه رسول الله ص يأمره بسد الأبواب
العباس بن
عبد المطلب فقال سمعا و طاعة لله و لرسوله، و كان الرسول معاذ بن
جبل. ثم مر العباس بفاطمة ع فرآها قاعدة على بابها، و قد
أقعدت الحسن و الحسين
ع، فقال لها ما بالك قاعدة انظروا إليها كأنها لبوة بين يديها جرواها تظن أن رسول
الله ص يخرج عمه، و
يدخل ابن عمه. فمر بهم رسول الله ص فقال لها ما بالك قاعدة
قالت أنتظر أمر رسول الله ص بسد الأبواب. فقال لها إن الله تعالى
أمرهم بسد
الأبواب، و استثنى منهم رسوله و ]إنما [أنتم نفس رسول الله ثم إن عمر
بن الخطاب جاء فقال إني أحب النظر إليك يا
رسول الله إذا مررت إلى مصلاك، فأذن
لي في فرجة أنظر إليك منها فقال ص قد أبى الله عز و جل ذلك. قال فمقدار ما أضع عليه
وجهي.
قال قد أبى الله ذلك. قال فمقدار ما أضع ]عليه [إحدى عيني.
قال قد أبى الله ذلك، و لو
تفسيرالإمام العسكري ص : 18
قلت قدر طرف إبرة
لم آذن لك، و الذي نفسي بيده ما أنا أخرجتكم و لا أدخلتهم، و لكن الله أدخلهم و
أخرجكم. ثم قال ص لا ينبغي
لأحد يؤمن بالله و اليوم الآخر أن يبيت في هذا
المسجد جنبا إلا محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و المنتجبون من آلهم،
الطيبون من أولادهم. قال ع فأما المؤمنون فقد رضوا و سلموا، و أما المنافقون
فاغتاظوا لذلك و أنفوا، و مشى بعضهم إلى بعض
يقولون ]فيما بينهم [أ
لا ترون محمدا لا يزال يخص بالفضائل ابن عمه ليخرجنا منها صفرا و الله لئن أنفذنا
له في حياته لنأبين عليه
بعد وفاته و جعل عبد الله بن أبي يصغي إلى مقالتهم، و
يغضب تارة، و يسكن أخرى و يقول لهم إن محمدا ص لمتأله، فإياكم و
مكاشفته، فإن
من كاشف المتأله انقلب خاسئا حسيرا، و ينغص عليه عيشه و إن الفطن اللبيب من تجرع
على الغصة لينتهز الفرصة.
فبينا هم كذلك إذ طلع ]عليهم [رجل من
المؤمنين يقال له زيد بن أرقم، فقال لهم يا أعداء الله أ بالله تكذبون، و على رسوله
تطعنون و دينه تكيدون و الله لأخبرن رسول الله ص بكم. فقال عبد الله بن أبي و
الجماعة و الله لئن أخبرته بنا لنكذبنك، و لنحلفن
]له [فإنه إذا
يصدقنا، ثم و الله لنقيمن عليك من يشهد عليك عنده بما يوجب قتلك أو قطعك أو حدك.
]قال ع [فأتى زيد رسول الله
ص فأسر إليه ما كان من عبد الله بن أبي
و أصحابه فأنزل الله عز و جل
تفسيرالإمام العسكري ص : 19
(وَ لا تُطِعِ
الْكافِرِينَ) المجاهرين لك يا محمد فيما دعوتهم إليه من الإيمان بالله، و الموالاة
لك و لأوليائك و المعاداة لأعدائك. (وَ
الْمُنافِقِينَ) الذين يطيعونك في
الظاهر، و يخالفونك في الباطن (وَ دَعْ أَذاهُمْ) بما يكون منهم من القول السيئ فيك
و في ذويك (وَ
تَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ) في إتمام أمرك و إقامة حجتك. فإن المؤمن
هو الظاهر ]بالحجة [و إن غلب في الدنيا، لأن العاقبة له لأن غرض
المؤمنين في كدحهم في الدنيا إنما هو الوصول إلى نعيم الأبد في الجنة، و ذلك
حاصل لك و لآلك و لأصحابك و شيعتهم. ثم إن
رسول الله ص لم يلتفت إلى ما بلغه
عنهم، و أمر زيدا فقال ]له [إن أردت أن لا يصيبك شرهم و لا ينالك مكرهم
فقل إذا أصبحت
«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» فإن الله يعيذك من شرهم، فإنهم
شياطين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. و إذا أردت
أن يؤمنك بعد ذلك من
الغرق و الحرق و السرق فقل إذا أصبحت «بسم الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله
«بسم الله» ما شاء
الله لا يسوق الخير إلا الله «بسم الله» ما شاء الله، ما
يكون من نعمة فمن الله، «بسم الله» ما شاء الله لا حول و لا قوة إلا بالله
العلي العظيم «بسم الله» ما شاء الله ]و [صلى الله على محمد و آله
الطيبين». فإن من قالها ثلاثا إذا أصبح أمن من الحرق و الغرق و
السرق حتى يمسي.
و من قالها ثلاثا إذا أمسى أمن من الحرق و الغرق و السرق حتى
يصبح
تفسيرالإمام العسكري ص : 20
و إن الخضر و إلياس ع يلتقيان في كل
موسم، فإذا تفرقا تفرقا عن هذه الكلمات. و إن ذلك شعار شيعتي، و به يمتاز أعدائي من
أوليائي
يوم خروج قائمهم ص. قال الباقر ع لما أمر العباس بسد الأبواب، و أذن
لعلي ع في ترك بابه جاء العباس و غيره من آل محمد ص
فقالوا يا رسول الله ما بال
علي يدخل و يخرج فقال رسول الله ص ذلك إلى الله فسلموا له تعالى حكمه، هذا جبرئيل
جاءني عن الله
عز و جل بذلك. ثم أخذه ما كان يأخذه إذا نزل عليه الوحي ثم سرى
عنه فقال يا عباس يا عم رسول الله إن جبرئيل يخبرني عن الله
جل جلاله أن عليا
لم يفارقك في وحدتك، و أنسك في وحشتك، فلا تفارقه في مسجدك لو رأيت عليا و هو يتضور
على فراش محمد ص
واقيا روحه بروحه، متعرضا لأعدائه، مستسلما لهم أن يقتلوه شر
قتلة لعلمت أنه يستحق من محمد الكرامة و التفضيل، و من الله
تعالى التعظيم و
التبجيل إن عليا قد انفرد عن الخلق في البيتوتة على فراش محمد و وقاية روحه بروحه
فأفرده الله تعالى دونهم
بسلوكه في مسجده لو رأيت عليا يا عم رسول الله و عظيم
منزلته عند رب العالمين، و شريف محله عند ملائكته المقربين، و عظيم
شأنه في
أعلى عليين لاستقللت ما تراه له هاهنا. إياك يا عم رسول الله و أن تجد له في قلبك
مكروها فتصير كأخيك أبي لهب فإنكما
شقيقان. يا عم رسول الله لو أبغض عليا أهل
السماوات و الأرضين لأهلكهم الله ببغضه، و لو أحبه الكفار أجمعون لأثابهم الله عن
محبته بالخاتمة المحمودة بأن يوفقهم للإيمان
تفسيرالإمام العسكري ص :
21
ثم يدخلهم الجنة برحمته. يا عم رسول الله إن شأن علي عظيم، إن حال علي جليل،
إن وزن علي ثقيل ]و [ما وضع حب علي في ميزان
أحد إلا رجح على
سيئاته، و لا وضع بغضه في ميزان أحد إلا رجح على حسناته. فقال العباس قد سلمت و
رضيت يا رسول الله. فقال
رسول الله ص يا عم انظر إلى السماء. فنظر العباس، فقال
ما ذا ترى يا عباس فقال أرى شمسا طالعة نقية من سماء صافية جلية. فقال
رسول
الله ص يا عم رسول الله إن حسن تسليمك لما وهب الله عز و جل لعلي ]من
[الفضيلة أحسن من هذه الشمس في ]هذه [
السماء، و عظم بركة هذا
التسليم عليك أعظم و أكثر من عظم بركة هذه الشمس على النبات و الحبوب و الثمار حيث
تنضجها و
تنميها و ]تربيها [، و اعلم أنه قد صافاك بتسليمك لعلي
قبيلة من الملائكة المقربين أكثر عددا من قطر المطر و ورق الشجر و رمل
عالج، و
عدد شعور الحيوانات و أصناف النباتات، و عدد خطى بني آدم و أنفاسهم و ألفاظهم و
ألحاظهم كل يقولون اللهم صل على
العباس عم نبيك في تسليمه لنبيك فضل أخيه علي.
فاحمد الله و اشكره، فلقد عظم ربحك، و جلت رتبتك في ملكوت السماوات.
سورة الحمد
قوله عز و جل بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
] -5 قال الإمام ع
[«الله» هو الذي يتأله إليه عند الحوائج و الشدائد كل مخلوق ]و
[عند انقطاع الرجاء من كل من دونه و تقطع
الأسباب من جميع من سواه فيقول
بِسْمِ اللّهِ ]الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [أي أستعين على أموري كلها بالله
الذي لا تحق العبادة
تفسيرالإمام العسكري ص : 22
إلا له، المغيث إذا
استغيث، و المجيب إذا دعي.
6- قال الإمام ع و هو ما قال رجل للصادق ع يا ابن
رسول الله دلني على الله ما هو فقد أكثر المجادلون علي و حيروني. فقال ]له
[يا
عبد الله هل ركبت سفينة قط قال بلى. فقال هل كسرت بك حيث لا سفينة
تنجيك و لا سباحة تغنيك قال بلى. قال فهل تعلق قلبك
هنالك أن شيئا من الأشياء
قادر على أن يخلصك من ورطتك قال بلى. قال الصادق ع فذلك الشيء هو الله القادر على
الإنجاء حين لا
منجي، و على الإغاثة حين لا مغيث
]الافتتاح بالتسمية
عند كل فعل [
7- و قال الصادق ع و لربما ترك في افتتاح أمر بعض شيعتنا «
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» فيمتحنه الله بمكروه، لينبهه على شكر الله
تعالى و الثناء عليه، و يمحو عنه وصمة تقصيره عند تركه قول بِسْمِ اللّهِ
]الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [. لقد دخل عبد الله بن يحيى على أمير
المؤمنين ع و بين يديه كرسي فأمره بالجلوس، فجلس عليه، فمال به حتى سقط على
رأسه، فأوضح عن عظم رأسه و سال الدم
تفسيرالإمام العسكري ص : 23
فأمر
أمير المؤمنين ع بماء، فغسل عنه ذلك الدم. ثم قال ادن مني فدنا منه، فوضع يده على
موضحته و قد كان يجد من ألمها ما لا صبر
]له [معه و مسح يده عليها
و تفل فيها ]فما هو إلا أن فعل ذلك [حتى اندمل و صار كأنه لم يصبه شيء
قط. ثم قال أمير المؤمنين ع يا
عبد الله، الحمد لله الذي جعل تمحيص ذنوب شيعتنا
في الدنيا بمحنهم لتسلم ]لهم [طاعاتهم و يستحقوا عليها ثوابها. فقال
عبد
الله بن يحيى يا أمير المؤمنين ]و [إنا لا نجازي بذنوبنا إلا
في الدنيا قال نعم أ ما سمعت قول رسول الله ص الدنيا سجن المؤمن، و
جنة الكافر
يطهر شيعتنا من ذنوبهم في الدنيا بما يبتليهم ]به [من المحن، و بما
يغفره لهم، فإن الله تعالى يقول (وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ
مُصِيبَة فَبِما
كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِير) حتى إذا وردوا القيامة، توفرت عليهم
طاعاتهم و عباداتهم. و إن أعداء محمد و
أعداءنا يجازيهم على طاعة تكون منهم في
الدنيا و إن كان لا وزن لها لأنه لا إخلاص معها حتى إذا وافوا القيامة، حملت عليهم
ذنوبهم و بغضهم لمحمد ص و آله و خيار أصحابه، فقذفوا لذلك في النار. و لقد سمعت
محمدا ص يقول إنه كان فيما مضى قبلكم
رجلان أحدهما مطيع ]لله مؤمن
[و الآخر كافر به مجاهر بعداوة أوليائه و موالاة أعدائه، و لكل واحد منهما
ملك عظيم في قطر من
الأرض، فمرض الكافر فاشتهى سمكة في غير أوانها، لأن ذلك
الصنف من السمك كان في ذلك الوقت في اللجج حيث لا يقدر عليه،
ف آيسته
الأطباء من نفسه و قالوا ]له [استخلف على ملكك من يقوم به، فلست بأخلد
من أصحاب
تفسيرالإمام العسكري ص : 24
القبور، فإن شفاءك في هذه السمكة
التي اشتهيتها، و لا سبيل إليها. فبعث الله ملكا و أمره أن يزعج ]البحر ب
[تلك السمكة إلى حيث
يسهل أخذها فأخذت له ]تلك السمكة
[فأكلها، فبرأ من مرضه، و بقي في ملكه سنين بعدها. ثم إن ذلك المؤمن مرض في
وقت كان
جنس ذلك السمك بعينه لا يفارق الشطوط التي يسهل أخذه منها، مثل علة
الكافر، و اشتهى تلك السمكة، و وصفها له الأطباء.
فقالوا طب نفسا، فهذا أوانها
تؤخذ لك فتأكل منها، و تبرأ. فبعث الله ذلك الملك و أمره أن يزعج جنس تلك السمكة
]كله [من
الشطوط إلى اللجج لئلا يقدر عليه فيؤخذ حتى مات المؤمن من
شهوته، لعدم دوائه. فعجب من ذلك ملائكة السماء و أهل ذلك البلد
]في الأرض
[حتى كادوا يفتنون لأن الله تعالى سهل على الكافر ما لا سبيل إليه، و عسر على
المؤمن ما كان السبيل إليه سهلا.
فأوحى الله عز و جل إلى ملائكة السماء و إلى
نبي ذلك الزمان في الأرض أني أنا الله الكريم المتفضل القادر، لا يضرني ما أعطي، و
لا ينفعني ما أمنع، و لا أظلم أحدا مثقال ذرة، فأما الكافر فإنما سهلت له أخذ
السمكة في غير أوانها، ليكون جزاء على حسنة كان
عملها، إذ كان حقا علي أن لا
أبطل لأحد حسنة حتى يرد القيامة و لا حسنة في صحيفته، و يدخل النار بكفره. و منعت
العابد تلك
السمكة بعينها، لخطيئة كانت منه أردت تمحيصها عنه بمنع تلك الشهوة،
إعدام ذلك الدواء، ليأتين و لا ذنب عليه، فيدخل الجنة.
فقال عبد الله بن يحيى
يا أمير المؤمنين قد أفدتني و علمتني، فإن رأيت أن
تفسيرالإمام العسكري ص
: 25
تعرفني ذنبي الذي امتحنت به في هذا المجلس، حتى لا أعود إلى مثله. قال تركك
حين جلست أن تقول « بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»
فجعل الله ذلك لسهوك
عما ندبت إليه تمحيصا بما أصابك. أ ما علمت أن رسول الله ص حدثني عن الله عز و جل
أنه قال كل أمر ذي
بال لم يذكر «بسم الله» فيه فهو أبتر. فقلت بلى بأبي أنت و
أمي لا أتركها بعدها. قال إذا تحصن بذلك و تسعد. ثم قال عبد الله بن
يحيى يا
أمير المؤمنين ما تفسير « بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» قال إن العبد إذا
أراد أن يقرأ أو يعمل عملا ]و [يقول ]بسم الله أي
بهذا الاسم
أعمل هذا العمل. فكل أمر يعمله يبدأ فيه ب [« بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ
الرَّحِيمِ» فإنه يبارك له فيه.
8- قال الإمام محمد بن علي الباقر ع دخل محمد
بن ]علي بن [مسلم بن شهاب الزهري على علي بن الحسين زين العابدين ع و
هو
كئيب حزين فقال له زين العابدين ع ما بالك مهموما مغموما قال يا ابن رسول
الله هموم و غموم تتوالى علي لما امتحنت ]به [من
جهة حساد (نعمتي،
و الطامعين) في، و ممن أرجوه و ممن قد أحسنت إليه فيخلف
ظني.
تفسيرالإمام العسكري ص : 26
فقال له علي بن الحسين ]زين
العابدين [ع احفظ عليك لسانك تملك به إخوانك. قال الزهري يا ابن رسول الله
إني أحسن إليهم بما
يبدر من كلامي. قال علي بن الحسين ع هيهات هيهات إياك و أن
تعجب من نفسك بذلك و إياك أن تتكلم بما يسبق إلى القلوب
إنكاره، و إن كان عندك
اعتذاره، فليس كل من تسمعه نكرا أمكنك أن توسعه عذرا. ثم قال يا زهري من لم يكن
عقله من أكمل ما فيه،
كان هلاكه من أيسر ما فيه. ثم قال يا زهري و ما عليك أن
تجعل المسلمين ]منك [بمنزلة أهل بيتك فتجعل كبيرهم منك بمنزلة
والدك، و تجعل صغيرهم ]منك [بمنزلة ولدك، و تجعل تربك منهم بمنزلة
أخيك، فأي هؤلاء تحب أن تظلم و أي هؤلاء تحب أن تدعو
عليه و أي هؤلاء تحب أن
تهتك ستره. و إن عرض لك إبليس لعنه الله بأن لك فضلا على أحد من أهل القبلة فانظر
إن كان أكبر منك
فقل قد سبقني بالإيمان و العمل الصالح، فهو خير مني و إن كان
أصغر منك، فقل قد سبقته بالمعاصي و الذنوب فهو خير مني و إن
كان تربك فقل أنا
على يقين من ذنبي، و في شك من أمره، فما لي أدع يقيني لشكي و إن رأيت المسلمين
يعظمونك و يوقرونك و
يبجلونك فقل هذا فضل أحدثوه و إن رأيت منهم (جفاء و
انقباضا عنك فقل هذا الذي) أحدثته فإنك إذا فعلت ذلك، سهل الله عليك
عيشك، و
كثر أصدقاؤك، و قل أعداؤك، و فرحت بما يكون من برهم، و لم تأسف على ما يكون من
جفائهم.
تفسيرالإمام العسكري ص : 27
و اعلم أن أكرم الناس على الناس من
كان خيره عليهم فائضا، و كان عنهم مستغنيا متعففا، و أكرم الناس بعده عليهم من كان
عنهم
متعففا، و إن كان إليهم محتاجا، فإنما أهل الدنيا (يعشقون الأموال)، فمن
لم يزاحمهم فيما يعشقونه كرم عليهم، و من لم
يزاحمهم فيها و مكنهم منها أو من
بعضها كان أعز ]عليهم [و أكرم.
9- قال ع ثم قام إليه رجل فقال يا
ابن رسول الله أخبرني ما معنى «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» فقال علي بن
الحسين ع حدثني أبي،
عن أخيه، عن أمير المؤمنين ع أن رجلا قام إليه فقال يا
أمير المؤمنين أخبرني عن بِسْمِ «اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» ما معناه فقال ع إن
قولك «الله» أعظم الأسماء من أسماء الله تعالى و هو الاسم الذي لا ينبغي أن
يتسمى به غير الله، و لم يتسم به مخلوق. فقال
الرجل فما تفسير قوله تعالى
«الله» فقال ع هو الذي يتأله إليه عند الحوائج و الشدائد كل مخلوق، عند انقطاع
الرجاء من جميع
من دونه، و تقطع الأسباب من كل من سواه و ذلك أن كل مترئس في
هذه الدنيا أو متعظم فيها، و إن عظم غناؤه و طغيانه و كثرت
حوائج من دونه إليه،
فإنهم سيحتاجون حوائج لا يقدر عليها هذا المتعاظم. و كذلك هذا المتعاظم يحتاج حوائج
لا يقدر عليها
فينقطع إلى الله عند ضرورته و فاقته، حتى إذا كفى همه، عاد إلى
شركه. أ ما تسمع الله عز و جل يقول «قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ
عَذابُ
اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّاعَةُ أَ غَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِنْ
كُنْتُمْ
تفسيرالإمام العسكري ص : 28
صادِقِينَ بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ
فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَ تَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ» فقال
الله تعالى لعباده أيها الفقراء إلى رحمتي إني
قد ألزمتكم الحاجة إلي في كل
حال، و ذلة العبودية في كل وقت، فإلي فافزعوا في كل أمر تأخذون به و ترجون تمامه، و
بلوغ غايته،
فإني إن أردت أن أعطيكم لم يقدر غيري على منعكم و إن أردت أن
أمنعكم لم يقدر غيري على إعطائكم ]فأنا أحق من سئل، و أولى من
تضرع إليه
[فقولوا عند افتتاح كل أمر عظيم أو صغير « بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ
الرَّحِيمِ» أي أستعين على هذا الأمر بالله الذي لا تحق العبادة
لغيره، المغيث
إذا استغيث، ]و [المجيب إذا دعي «الرحمن» الذي يرحم ببسط الرزق علينا
«الرحيم» بنا في أدياننا و دنيانا و آخرتنا
خفف الله علينا الدين، و جعله سهلا
خفيفا، و هو يرحمنا بتمييزنا من أعدائه. ثم قال رسول الله ع من أحزنه أمر تعاطاه
فقال « بِسْمِ
اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» و هو مخلص لله عز و جل و يقبل
بقلبه إليه، لم ينفك من إحدى اثنتين إما بلوغ حاجته الدنياوية و أما ما يعدله
عنده، و يدخر لديه، و ما عند الله خير و أبقى للمؤمنين.
تفسيرالإمام العسكري ص : 29
]فضل فاتحة الكتاب [
10- و
قال الحسن ]بن علي [ع قال أمير المؤمنين ع و إن «بِسْمِ اللّهِ
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» آية من فاتحة الكتاب، و هي سبع آيات تمامها
بسم الله
الرحمن الرحيم. ]قال [سمعت رسول الله ص يقول إن الله عز و جل قال لي يا
محمد «وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ
الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ»
فأفرد الامتنان ]علي [بفاتحة الكتاب، و جعلها بإزاء القرآن العظيم و إن
فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش. و
إن الله تعالى خص بها محمدا ص و شرفه
]بها [و لم يشرك معه فيها أحدا من أنبيائه ما خلا سليمان ع فإنه أعطاه
منها «بسم الله
الرحمن الرحيم» أ لا ترى أنه يحكي عن بلقيس حين قالت «إِنِّي
أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللّهِ
الرَّحْمنِ
الرَّحِيمِ» إلا فمن قرأها معتقدا لموالاة محمد و آله الطيبين،
منقادا لأمرهم، مؤمنا بظاهرهم و باطنهم، أعطاه الله عز و جل بكل حرف
منها حسنة،
كل حسنة منها أفضل له من الدنيا و ما فيها من أصناف أموالها و خيراتها و من استمع
قارئا يقرؤها كان له قدر ثلث ما
للقارئ، فليستكثر أحدكم من هذا الخير المعرض
لكم، فإنه غنيمة لا يذهبن أوانه، فتبقى في قلوبكم الحسرة.
تفسيرالإمام العسكري ص : 30
قوله عز و جل الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ
الْعالَمِينَ
]تفسير الحمد [
11- قوله تعالى «الْحَمْدُ لِلّهِ
رَبِّ الْعالَمِينَ» قال الإمام ع جاء رجل إلى الرضا ع فقال يا ابن رسول الله
أخبرني عن قوله عز و جل
«الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» ما تفسيره قال ع
لقد حدثني أبي، عن جدي عن الباقر، عن زين العابدين ع أن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين
ع فقال أخبرني عن قوله عز و جل «الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» ما
تفسيره فقال «الْحَمْدُ لِلّهِ» هو أن عرف الله عباده بعض نعمه عليهم
جملا، إذ
لا يقدرون على معرفة جميعها بالتفصيل، لأنها أكثر من أن تحصى أو تعرف فقال لهم
قولوا «الحمد لله» على ما أنعم به
علينا. (رَبِّ الْعالَمِينَ) و هم الجماعات
من كل مخلوق، من الجمادات، و الحيوانات فأما الحيوانات، فهو يقلبها في قدرته، و
يغذوها
من رزقه، و يحوطها بكنفه و يدبر كلا منها بمصلحته. و أما الجمادات فهو
يمسكها بقدرته، يمسك ما اتصل منها أن يتهافت، و يمسك
المتهافت منها أن يتلاصق و
يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، و يمسك الأرض أن تنخسف إلا بأمره، إنه
بعباده رءوف
رحيم. قال ع و (رَبِّ الْعالَمِينَ) مالكهم و خالقهم و سائق
أرزاقهم، إليهم، من حيث يعلمون، و من حيث لا يعلمون.
تفسيرالإمام العسكري ص
: 31
فالرزق مقسوم، و هو يأتي ابن آدم على أي سيرة سارها من الدنيا، ليس لتقوى
متق بزائدة، و لا لفجور فاجر بناقصة، و بينه و بينه ستر
و هو طالبه. و لو أن
أحدكم يفر من رزقه لطلبه رزقه كما يطلبه الموت. قال ]أمير المؤمنين ع
[فقال الله تعالى لهم قولوا «الحمد
لله» على ما أنعم به علينا، و ذكرنا
به من خير في كتب الأولين من قبل أن نكون. ففي هذا إيجاب على محمد و آل محمد لما
فضله و
فضلهم، و على شيعتهم أن يشكروه بما فضلهم ]به على غيرهم
[
]تفضيل أمة محمد على جميع الأمم [
و ذلك أن رسول الله ص
قال لما بعث الله عز و جل موسى بن عمران و اصطفاه نجيا و فلق له البحر فنجى بني
إسرائيل، و أعطاه
التوراة و الألواح رأى مكانه من ربه عز و جل فقال يا رب لقد
أكرمتني بكرامة لم تكرم بها أحدا قبلي. فقال الله عز و جل يا موسى أ ما
علمت أن
محمدا أفضل عندي من جميع ملائكتي و جميع خلقي قال موسى يا رب فإن كان محمد أكرم
عندك من جميع خلقك، فهل في
آل الأنبياء أكرم من آلي قال الله عز و جل يا موسى أ
ما علمت أن فضل آل محمد على جميع آل النبيين كفضل محمد على جميع
المرسلين فقال
يا رب فإن كان آل محمد عندك كذلك، فهل في صحابة الأنبياء أكرم ]عندك
[من صحابتي
تفسيرالإمام العسكري ص : 32
قال الله عز و جل يا موسى
أ ما علمت أن فضل صحابة محمد ص على جميع صحابة المرسلين كفضل آل محمد على جميع آل
النبيين و
]ك [فضل محمد على جميع المرسلين فقال موسى يا رب فإن كان
محمد و آله و صحبه كما وصفت، فهل في أمم الأنبياء أفضل عندك
من أمتي ظللت عليهم
الغمام، و أنزلت عليهم المن و السلوى و فلقت لهم البحر فقال الله تعالى يا موسى أ
ما علمت أن فضل أمة
محمد على جميع الأمم كفضلي على جميع خلقي قال موسى يا رب
ليتني كنت أراهم. (فأوحى الله تعالى إليه) يا موسى إنك لن
تراهم، فليس هذا أوان
ظهورهم، و لكن سوف تراهم في الجنة جنات عدن و الفردوس بحضرة محمد في نعيمها
يتقلبون، و في خيراتها
يتبحبحون أ فتحب أن أسمعك كلامهم قال نعم يا إلهي
]نداء الرب سبحانه و تعالى أمة محمد (ص) [
قال ]الله جل
جلاله [قم بين يدي، و اشدد مئزرك قيام العبد الذليل بين يدي السيد الملك
الجليل، ففعل ذلك موسى. فنادى
]الملك [ربنا عز و جل يا أمة محمد.
فأجابوه كلهم، و هم في أصلاب آبائهم و أرحام أمهاتهم «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك
لك
لبيك إن الحمد و النعمة و الملك لك لا شريك لك
لبيك».
تفسيرالإمام العسكري ص : 33
قال فجعل الله تعالى تلك الإجابة
منهم شعار الحج. ثم نادى ربنا عز و جل يا أمة محمد إن قضائي عليكم أن رحمتي سبقت
غضبي، و
عفوي قبل عقابي، فقد استجبت لكم من قبل أن تدعوني، و أعطيتكم من قبل أن
تسألوني، من لقيني منكم بشهادة أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له و أن محمدا
عبده و رسوله، صادق في أقواله، محق في أفعاله و أن علي بن أبي طالب أخوه و وصيه من
بعده و وليه،
يلتزم طاعته ]كما يلتزم طاعة [محمد و أن أولياءه
المصطفين الأخيار المطهرين المباينين بعجائب آيات الله و دلائل حجج الله من
بعدهما أولياؤه، أدخلته جنتي، و إن كانت ذنوبه مثل زبد البحر. قال فلما بعث
الله عز و جل نبينا محمد ص قال يا محمد «وَ ما كُنْتَ
بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ
نادَيْنا» أمتك بهذه الكرامة. ثم قال عز و جل لمحمد ص قل الحمد لله رب العالمين على
ما اختصني به من هذه
الفضيلة. و قال لأمته ]و [قولوا أنتم الحمد
لله رب العالمين على ما اختصنا به من هذه الفضائل.
تفسيرالإمام العسكري ص
: 34
قوله عز و جل الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
12- قال الإمام ع «الرَّحْمنِ»
العاطف على خلقه بالرزق، لا يقطع عنهم مواد رزقه، و إن انقطعوا عن طاعته.
«الرَّحِيمِ» بعباده
المؤمنين في تخفيفه عليهم طاعاته و بعباده الكافرين في
الرفق بهم في دعائهم إلى موافقته. قال و إن أمير المؤمنين ع قال
«الرحمن» هو
العاطف على خلقه بالرزق. قال و من رحمته أنه لما سلب الطفل قوة النهوض و التغذي جعل
تلك القوة في أمه، و رققها
عليه لتقوم بتربيته و حضانته، فإن قسا قلب أم من
الأمهات أوجب تربية هذا الطفل ]و حضانته [على سائر المؤمنين، و لما سلب
بعض
الحيوانات قوة التربية لأولادها، و القيام بمصالحها، جعل تلك القوة في
الأولاد لتنهض حين تولد و تسير إلى رزقها المسبب لها.
قال ع و تفسير قوله عز و
جل «الرَّحْمنِ» أن قوله «الرَّحْمنِ» مشتق من الرحمة سمعت رسول الله ص يقول قال
الله عز و جل أنا
«الرحمن». و هي ]من [الرحم شققت لها اسما من
اسمي، من وصلها وصلته، و من قطعها قطعته. ثم قال علي ع أ و تدري ما هذه الرحم
التي من وصلها وصله الرحمن، و من قطعها قطعه الرحمن فقيل يا أمير المؤمنين حث
بهذا كل قوم على أن يكرموا أقرباءهم
تفسيرالإمام العسكري ص : 35
و يصلوا
أرحامهم. فقال لهم أ يحثهم على أن يصلوا أرحامهم الكافرين، و أن يعظموا من حقره
الله، و أوجب احتقاره من الكافرين
قالوا لا، و لكنه حثهم على صلة أرحامهم
المؤمنين. قال فقال أ وجب حقوق أرحامهم، لاتصالهم ب آبائهم و أمهاتهم قلت بلى
يا أخا
رسول الله. قال فهم إذن إنما يقضون فيهم حقوق الآباء و الأمهات. قلت بلى
يا أخا رسول الله ص. قال ف آباؤهم و أمهاتهم إنما غذوهم
في الدنيا و وقوهم
مكارهها، و هي نعمة زائلة، و مكروه ينقضي، و رسول ربهم ساقهم إلى نعمة دائمة لا
تنقضي، و وقاهم مكروها
مؤبدا لا يبيد، فأي النعمتين أعظم قلت نعمة رسول الله ص
أعظم و أجل و أكبر. قال فكيف يجوز أن يحث على قضاء حق من صغر
]الله
[حقه، و لا يحث على قضاء حق من كبر ]الله [حقه قلت لا يجوز ذلك.
قال فإذا حق رسول الله ص أعظم من حق الوالدين، و حق
رحمه أيضا أعظم من حق
رحمهما، فرحم رسول الله ص أولى بالصلة، و أعظم في القطيعة. فالويل كل الويل لمن
قطعها، و الويل
كل الويل لمن لم يعظم حرمتها. أ و ما علمت أن حرمة رحم رسول
الله ص حرمة رسول الله، و أن حرمة رسول الله حرمة الله تعالى، و
أن الله أعظم
حقا من كل منعم سواه، و أن كل منعم سواه إنما أنعم حيث قيضه لذلك ربه، و وفقه له. أ
ما علمت ما قال الله تعالى
لموسى بن عمران قلت بأبي أنت و أمي ما الذي قال
له
تفسيرالإمام العسكري ص : 36
قال ع قال الله تعالى يا موسى أ تدري ما
بلغت برحمتي إياك فقال موسى أنت أرحم بي من أبي و أمي. قال الله تعالى يا موسى و
إنما
رحمتك أمك لفضل رحمتي، فأنا الذي رققتها عليك، و طيبت قلبها لتترك طيب
وسنها لتربيتك، و لو لم أفعل ذلك بها لكانت هي و
سائر النساء سواء.
]ما يكون كفارة للذنوب [
يا موسى أ تدري أن عبدا من عبادي يكون
له ذنوب و خطايا تبلغ أعنان السماء فأغفرها له، و لا أبالي قال يا رب و كيف لا
تبالي قال
تعالى لخصلة شريفة تكون في عبدي أحبها، و هي أن يحب إخوانه الفقراء
المؤمنين، و يتعاهدهم، و يساوي نفسه بهم، و لا يتكبر
عليهم. فإذا فعل ذلك غفرت
له ذنوبه، و لا أبالي. يا موسى إن الفخر ردائي و الكبرياء إزاري، من نازعني في شيء
منهما عذبته بناري.
يا موسى إن من إعظام جلالي إكرام العبد الذي أنلته حظا من
]حطام [الدنيا عبدا من عبادي مؤمنا، قصرت يده في الدنيا، فإن تكبر
عليه فقد استخف بعظيم جلالي.
تفسيرالإمام العسكري ص :
37
]الحث على صلة رحم رسول الله ص [
ثم قال أمير المؤمنين ع إن
الرحم التي اشتقها الله عز و جل من رحمته بقوله أنا «الرحمن» هي رحم محمد ص، و إن
من إعظام الله
إعظام محمد ص و إن من إعظام محمد ص إعظام رحم محمد، و إن كل مؤمن
و مؤمنة من شيعتنا هو من رحم محمد و إن إعظامهم من
إعظام محمد ص. فالويل لمن
استخف بشيء من حرمة محمد ص، و طوبى لمن عظم حرمته، و أكرم رحمه و وصلها.
قوله
عز و جل الرَّحِيمِ
13- قال الإمام ع و أما قوله تعالى «الرَّحِيمِ» (فإن أمير
المؤمنين ع قال) رحيم بعباده المؤمنين، و من رحمته أنه خلق مائة رحمة، و
جعل
منها رحمة واحدة في الخلق كلهم، فبها يتراحم الناس، و ترحم الوالدة ولدها، و تحنو
الأمهات من الحيوانات على أولادها.
]شفاعة المؤمنين [
فإذا كان
يوم القيامة أضاف هذه الرحمة ]الواحدة [إلى تسعة و تسعين رحمة فيرحم
بها أمة محمد ص، ثم يشفعهم فيمن يحبون له
الشفاعة من أهل الملة حتى أن الواحد
ليجيء إلى مؤمن من الشيعة، فيقول اشفع لي. فيقول و أي حق لك علي فيقول سقيتك يوما
ماء. فيذكر ذلك، فيشفع له، فيشفع فيه، و يجيئه آخر فيقول إن لي عليك حقا، فاشفع
لي. فيقول و ما حقك علي فيقول استظللت بظل
جداري ساعة في يوم حار. فيشفع له،
فيشفع فيه، و لا يزال يشفع
تفسيرالإمام العسكري ص : 38
حتى يشفع في
جيرانه و خلطائه و معارفه، فإن المؤمن أكرم على الله مما تظنون.
قوله عز و جل
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
14- قال الإمام ع (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) أي قادر على
إقامة يوم الدين، و هو يوم الحساب، قادر على تقديمه على وقته، و تأخيره بعد
وقته، و هو المالك أيضا في يوم الدين، فهو يقضي بالحق، لا يملك الحكم و القضاء
في ذلك اليوم من يظلم و يجور، كما في الدنيا
من يملك الأحكام. قال و قال أمير
المؤمنين ع (يَوْمِ الدِّينِ) هو يوم الحساب. و قال سمعت رسول الله ص يقول أ لا
أخبركم بأكيس
الكيسين و أحمق الحمقى قالوا بلى يا رسول الله. قال أكيس الكيسين
من حاسب نفسه، و عمل لما بعد الموت، و إن أحمق الحمقى
من اتبع نفسه هواها، و
تمنى على الله تعالى الأماني. فقال الرجل يا أمير المؤمنين و كيف يحاسب الرجل نفسه
قال إذا أصبح ثم
أمسى رجع إلى نفسه فقال يا نفس إن هذا يوم مضى عليك لا يعود
إليك أبدا، و الله تعالى يسألك عنه فيما أفنيتيه فما الذي عملت
فيه أ ذكرت الله
أم حمدتيه أ قضيت حوائج مؤمن أ نفست عنه كربة أ حفظتيه بظهر الغيب في أهله و ولده أ
حفظتيه بعد الموت في
مخلفيه أ كففت عن غيبة أخ مؤمن بفضل جاهك أ أعنت مسلما ما
الذي صنعت فيه فيذكر ما كان منه.
تفسيرالإمام العسكري ص : 39
فإن ذكر
أنه جرى منه خير، حمد الله تعالى، و كبره على توفيقه، و إن ذكر معصية أو تقصيرا،
استغفر الله تعالى، و عزم على ترك
معاودته، و محا ذلك عن نفسه بتجديد الصلاة
على محمد و آله الطيبين، و عرض بيعة أمير المؤمنين علي ع على نفسه، و قبوله لها، و
إعادة لعن أعدائه و شانئيه و دافعيه عن حقه. فإذا فعل ذلك قال الله عز و جل لست
أناقشك في شيء من الذنوب مع موالاتك
أوليائي، و معاداتك أعدائي
قوله عز و
جل إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ
15- قال الإمام ع (إِيّاكَ
نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ) قال الله تعالى قولوا يا أيها الخلق المنعم
عليهم. «إياك نعبد» أيها المنعم علينا،
و نطيعك مخلصين مع التذلل و الخضوع بلا
رياء، و لا سمعة. وَ «إِيّاكَ نَسْتَعِينُ» منك نسأل المعونة على طاعتك لنؤديها كما
أمرت،
و نتقي من دنيانا ما نهيت عنه، و نعتصم من الشيطان الرجيم، و من سائر
مردة الجن و الإنس من المضلين، و من المؤذين الظالمين
بعصمتك.
16- و قال
سئل أمير المؤمنين ع من العظيم الشقاء قال رجل ترك الدنيا للدنيا، ففاتته الدنيا و
خسر الآخرة، و رجل تعبد و اجتهد
و صام رئاء الناس فذاك الذي حرم لذات الدنيا، و
لحقه التعب الذي لو كان به مخلصا لاستحق ثوابه، فورد الآخرة و هو يظن أنه قد
عمل ما يثقل به ميزانه، فيجده هباء منثورا.
تفسيرالإمام العسكري ص :
40
قيل فمن أعظم الناس حسرة قال من رأى ماله في ميزان غيره، و أدخله الله به
النار، و أدخل وارثه به الجنة. قيل فكيف يكون هذا
قال كما حدثني بعض إخواننا عن
رجل دخل إليه و هو يسوق فقال له يا أبا فلان ما تقول في مائة ألف في هذا الصندوق ما
أديت منها
زكاة قط، و لا وصلت منها رحما قط قال فقلت فعلام جمعتها قال لجفوة
السلطان، و مكاثرة العشيرة، و تخوف الفقر على العيال، و
لروعة الزمان. قال ثم
لم يخرج من عنده حتى فاضت نفسه. ثم قال علي