8- باب مدح الصبر و ترك الشكوى و اليقين و الرضا بالبلوى
121- عن أبي بصير عن أبي عبد الله ع قال ما من مؤمن إلا و هو مبتلى ببلاء منتظر به ما هو أشد منه فإن صبر على البلية التي هو فيها عافاه الله من البلاء الذي ينتظر به و إن لم يصبر و جزع نزل به من البلاء المنتظر أبدا حتى يحسن صبره و عزاؤه
122- عن محمد بن سنان عن أبي الحسن ع قال من اغتم كان للغم أهلا فينبغي للمؤمن أن يكون بالله و بما صنع راضيا
123- عن أبي خليفة عن أبي عبد الله ع قال ما قضى الله لمؤمن قضاء فرضي به إلا جعل الله له الخيرة فيما يقضي
124- عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ع قال إن الله بعدله و حكمته و علمه جعل الروح و الفرح في اليقين و الرضا عن الله و جعل الهم و الحزن في الشك و السخط فارضوا عن الله و سلموا لأمره
125- عن أبي حمزة الثمالي عن أبي عبد الله ع قال من ابتلي من شيعتنا فصبر عليه كان له أجر ألف شهيد
126- عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله ع قال لا تعدن مصيبة أعطيت عليها الصبر و استوجبت عليها من الله ثوابا بمصيبة إنما المصيبة التي يحرم صاحبها أجرها و ثوابها إذا لم يصبر عند نزولها
127- روى أحمد بن محمد البرقي في كتابه الكبير عن أبي عبد الله ع قال قد عجز من لم يعد لكل بلاء صبرا و لكل نعمة شكرا و لكل عسر يسرا اصبر نفسك عند كل بلية و رزية في ولد أو في مال فإن الله إنما يفيض جاريته ]يقيض عاريته [و هبته ليبلو شكرك و صبرك
128- عن أبي بصير عن أبي عبد الله ع قال إن الله أنعم على قوم فلم يشكروا فصارت عليهم وبالا و ابتلى قوما بالمصائب فصبروا فصارت عليهم نعمة
129- و عنه ع أنه قال لم يستزد في محبوب بمثل الشكر و لم يستنقص من مكروه بمثل الصبر
130- عن ابن مسكان عن أبي عبد الله ع قال إن أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله
131- و قال علي بن الحسين زين العابدين ع الرضا بمكروه القضاء من أعلى درجات اليقين
132- و قال ع من صبر و رضي عن الله فيما قضى عليه فيما أحب و كره لم يقض الله عليه فيما أحب أو كره إلا ما هو خير له
133- عن أبي بصير عن أبي عبد الله ع قال ما من شيء إلا و له حد قلت فما حد اليقين قال ألا يخاف شيئا
134- عن يونس بن عمار قال سمعت أبا عبد الله ع يقول أيما مؤمن شكا حاجته و ضره إلى كافر أو إلى من يخالفه على دينه فإنما شكا ]الله [إلى عدو من أعداء الله و أيما مؤمن شكا حاجته و ضره و حاله إلى مؤمن مثله كانت شكواه إلى الله عز و جل
135- عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ع قال قال رسول الله ص كفى باليقين غنى و بالعبادة شغلا
136- عن أمير المؤمنين ع أنه قال أيها الناس سلوا الله اليقين و ارغبوا إليه في العافية فإن أجل النعم العافية و خير ما دام في القلب اليقين و المغبون من غبن دينه و المغبوط من حسن يقينه
137- عن سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن الرضا عن أبيه عن آبائه ع أنه قال رفع إلى رسول الله ص قوم في بعض غزواته فقال من القوم قالوا مؤمنون يا رسول الله قال ما بلغ من إيمانكم قالوا الصبر عند البلاء و الشكر عند الرخاء و الرضا بالقضاء فقال رسول الله ص حلماء علماء كادوا من الفقه أن يكونوا أنبياء إن كنتم كما تقولون فلا تبنوا ما لا تسكنون و لا تجمعوا ما لا تأكلون و اتقوا الله الذي إليه ترجعون
138- عن جابر الجعفي عن أبي عبد الله ع أنه قال يا أخا جعفي إن اليقين أفضل من الإيمان و ما من شيء أعز من اليقين
139- و عن أمير المؤمنين ع أنه قال لا يجد رجل طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه و ما أخطأه لم يكن ليصيبه
140- عن علي بن سويد عن أبي الحسن الأول ع قال سألته عن قول الله وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ فقال التوكل على الله درجات فمنها أن تثق به في أمورك كلها فما فعل بك كنت عنه راضيا تعلم أنه لم يؤتك إلا خيرا و فضلا و تعلم أن الحكم في ذلك له فتوكلت على الله بتفويض ذلك إليه و وثقت به فيها و في غيرها
141- و عن أبي جعفر ع قال أحق من خلق الله بالتسليم لما قضى الله من عرف الله و من رضي بالقضاء أتى عليه القضاء و عظم عليه أجره و من سخط القضاء مضى عليه القضاء و أحبط الله أجره
142- عن صفوان الجمال عن أبي الحسن الأول ع قال ينبغي لمن عقل عن الله أن لا يستبطئه في رزقه و لا يتهمه في قضائه
143- عن جابر قال قلت لأبي جعفر ع ما الصبر الجميل قال ذلك صبر ليس فيه شكوى إلى أحد من الناس إن إبراهيم بعث يعقوب إلى راهب من الرهبان عابد من العباد في حاجة فلما رآه الراهب حسبه إبراهيم فوثب إليه فاعتنقه ثم قال له مرحبا بخليل الرحمن فقال له يعقوب إني لست بخليل الرحمن و لكن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم قال له الراهب فما الذي بلغ بك ما أرى من الكبر قال الهم و الحزن و السقم قال فما جاز عتبة الباب حتى أوحى الله إليه يا يعقوب شكوتني إلى العباد فخر ساجدا عند عتبة الباب يقول رب لا أعود فأوحى الله إليه إني قد غفرت لك فلا تعد إلى مثلها فما شكا شيئا مما أصابه من نوائب الدنيا إلا أنه قال يوما إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللّهِ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
144- عن ربعي بن عبد الله عن أبي عبد الله ع قال إن الصبر و البلاء ليستبقان إلى المؤمن فيأتيه البلاء و هو صبور و إن الجزع و البلاء ليستبقان إلى الكافر فيأتيه البلاء و هو جزوع
145- عن يونس قال سألت أبا الحسن الرضا ع عن الإيمان و الإسلام فقال قال أبو جعفر إنما هو الإسلام و الإيمان فوقه بدرجة و التقوى فوق الإيمان بدرجة و اليقين فوق التقوى بدرجة و لم يقسم بين الناس شيء أقل من اليقين قال قلت فأي شيء اليقين قال التوكل على الله و التسليم لله و الرضا بقضاء الله و التفويض إلى الله قلت ما تفسير ذلك قال هكذا قال أبو جعفرع
146- عن عبد الله بن سنان قال سمعت أبا عبد الله ع يقول الإيمان في القلب و اليقين خطرات
147- و قال أمير المؤمنين ع إن للنكبات غايات لا بد أن تنتهي إليها فإذا أحكم على أحدكم لها فليطأطئ لها و يصبر حتى تجوز فإن أعمال الحيلة فيها عند إقبالها زائد في مكروهها
148- و كان يقول الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فمن لا صبر له لا إيمان له
149- و كان يقول الصبر ثلاثة الصبر على المصيبة و الصبر على الطاعة و الصبر على المعصية
150- و قال أبو عبد الله ع الصبر صبران الصبر على البلاء حسن جميل و أفضل منه الصبر على المحارم
151- عن سيف بن عميرة قال قال أبو عبد الله ع اتقوا الله و اصبروا فإنه من لم يصبر أهلكه الجزع و إنما ]أما [هلاكه في الجزع أنه إذا جزع لم يؤجر
152- عن ميمون القداح عن أبي عبد الله ع قال قال علي ص ما أحب أن لي بالرضا في موضع القضاء حمر النعم
9- باب في أخلاق المؤمنين و علامات الموحدين
153- عن جابر بن عبد الله أن أمير المؤمنين ع قال من كنوز الجنة البر و إخفاء العمل و الصبر على الرزايا و كتمان المصائب
154- عن أبي عبد الله ع قال ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال وقور عند الهزاهز صبور عند البلاء شكور عند الرخاء قانع بما رزقه الله لا يظلم الأعداء و لا يتحامل الأصدقاء بدنه منه في تعب و الناس منه في راحة إن العلم خليل المؤمن و الحلم وزيره و الصبر أمير جنوده و الرفق أخوه و اللين والده
155- عن عباد بن صهيب قال سمعت أبا عبد الله ع يقول لا يجمع الله لمنافق و لا لفاسق حسن السمت و الفقر و حسن الخلق أبدا
156- عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله ع قال إن شيعة علي ع كانوا خمص البطون ذبل الشفاه أهل رأفة و علم و حلم يعرفون بالرهبانية فأعينوا على ما أنتم عليه بالورع و الاجتهاد و الصبر
157- عن أبي جعفر ع عن أمير المؤمنين ع قال ما ابتلي المؤمن بشيء هو أشد عليه من خصال ثلاث يحرمهن قيل و ما هن قال المواساة في ذات يده و الإنصاف من نفسه و ذكر الله كثيرا أما إني لا أقول لكم سبحان الله و الحمد لله و لكن ذكر الله عند ما أحل له و ذكر الله عند ما حرم عليه
158- و عن أمير المؤمنين ع قال قال رسول الله ص أربع من كن فيه أكمل إيمانه و إن كان من قرنه إلى قدمه خطايا الصدق و أداء الأمانة و الحياء و حسن الخلق
159- عن أبي الحسن الرضا ع قال لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون فيه ثلاث خصال سنة من ربه و سنة من نبيه و سنة من وليه فأما السنة من ربه فكتمان السر و أما السنة من نبيه فمداراة الناس و أما السنة من وليه فالصبر في البأساء و الضراء
160- عن الحذاء عن أبي جعفر ع قال سمعته يقول أما و الله إن أحب أصحابي إلي أورعهم و أكتمهم لحديثنا و إن أسوأهم عندي حالا و أمقتهم إلي الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا و يروي عنا فلم يعقله و لم يقبله قلبه اشمأز منه و جحده و كفر بمن دان به و هو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج و إلينا أسند فيكون بذلك خارجا عن ولايتنا
161- عن أبي بصير عن أبي عبد الله ع قال قال علي ع إن لأهل الدين علامات يعرفون بها صدق الحديث و أداء الأمانة و الوفاء بالعهد و صلة للأرحام و رحمة للضعفاء و قلة موافاة النساء و بذل المعروف و حسن الخلق و سعة الحلم و اتباع العلم و ما يقرب إلى الله زلفى و طوبى لهم و حسن م آب
162- عن ابن بكير عن أبي عبد الله ع قال إنا لنحب من كان عاقلا فهما فقيها حليما مداريا صبورا صدوقا وفيا إن الله خص الأنبياء بمكارم الأخلاق فمن كان فيه فليحمد الله على ذلك و من لم يكن فيه فليفزع إلى الله و ليسأله إياها قال قلت جعلت فداك ما هي قال الورع و القناعة و الصبر و الشكر و الحلم و الحياء و السخاء و الشجاعة و الغيرة و صدق الحديث و البر و أداء الأمانة
163- عن أبي عبد الله ع قيل له من أكرم الخلق على الله قال من إذا أعطي شكر و إذا ابتلي صبر
164- و عن أبي عبد الله ع قال لا يصلح المؤمن إلا على ثلاث خصال التفقه في الدين و حسن التقدير في المعيشة و الصبر على النائبة
165- و عن أبي عبد الله ع قال المؤمن لا يغلبه فرجه و لا يفضحه بطنه
166- عن الحلبي قال قلت لأبي عبد الله ع أي الخصال بالبر أكمل قال وقار بلا مهابة و سماحة بلا طلب مكافاة و تشاغل بغير متاع الدنيا
167- عن المفضل عن أبي عبد الله ع قال قال الله عز و جل افترضت على عبادي عشرة فرائض إذا عرفوها أسكنتهم ملكوتي و أبحتهم جناني أولها معرفتي و الثانية معرفة رسولي إلى خلقي و الإقرار به و التصديق له و الثالثة معرفة أوليائي و أنهم الحجج على خلقي من والاهم فقد والاني و من عاداهم فقد عاداني و هم العلم فيما بيني و بين خلقي و من أنكرهم أصليته ]أدخلته [ناري و ضاعفت عليه عذابي و الرابعة معرفة الأشخاص الذين أقيموا من ضياء قدسي و هم قوام قسطي و الخامسة معرفة القوام بفضلهم و التصديق لهم و السادسة معرفة عدوي إبليس و ما كان من ذاته و أعوانه و السابعة قبول أمري و التصديق لرسلي و الثامنة كتمان سري و سر أوليائي و التاسعة تعظيم أهل صفوتي و القبول عنهم و الرد إليهم فيما اختلفتم فيه حتى يخرج الشرح منهم و العاشرة أن يكون هو و أخوه في الدين شرعا سواء فإذا كانوا كذلك أدخلتهم ملكوتي و آمنتهم من الفزع الأكبر و كانوا عندي في عليين
168- عن أبي المقدام قال قال أبو جعفر ع يا أبا المقدام إنما شيعة علي المنازلون ]المتباذلون [في ولايتنا المتحابون في مودتنا المتزاورون لإحياء أمرنا الذين إذا غضبوا لم يظلموا و إذا رضوا لم يسرفوا بركة على من جاوروا سلم لمن خالطوا
169- و عن مهزم الأسدي عن أبي عبد الله ع قال إن من شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه و لا شحمة أذنه و لا يمتدح بنا معلنا و لا يواصل لنا مبغضا و لا يخاصم لنا وليا و لا يجالس لنا عائبا قال قلت فكيف أصنع بهؤلاء المتشيعة قال فيهم التمحيص و فيهم التمييز و فيهم التبديل تأتي عليهم سنون تفنيهم و طاعون يقتلهم و اختلاف يبددهم شيعتنا من لا يهر هرير الكلب و لا يطمع طمع الغراب و لا يسأل و إن مات جوعا قلت و أين أطلب هؤلاء قال اطلبهم في أطراف الأرض أولئك الخفيض عيشهم المنتقل دارهم إذا شهدوا لم يعرفوا و إذا غابوا لم يفتقدوا و إن مرضوا لم يعادوا و إن خطبوا لم يزوجوا و إن رأوا منكرا ينكروا و إن يخاطبهم جاهل سلموا و إن لجأ إليهم ذو حاجة منهم رحموا و عند الموت هم لا يحزنون و في القبور يتزاورون لم تختلف قلوبهم و إن رأيتهم اختلف بهم البلدان
170- و روي أن صاحبا لأمير المؤمنين ع يقال له همام و كان رجلا عابدا فقام إليه و قال له يا أمير المؤمنين صف لي المتقين كأني أنظر إليهم فتثاقل ع عن جوابه ثم قال يا همام اتق الله و أحسن فإن الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون فلم يقنع همام بذلك القول حتى عزم عليه فقال له أسألك بالذي أكرمك و خصك و حباك و فضلك بما آتاك لما وصفتهم لي فقام أمير المؤمنين فحمد الله و أثنى عليه و صلى على النبي ص ثم قال أما بعد فإن الله سبحانه خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم آمنا عن معصيتهم لأنه لا يضره معصية من عصاه منهم و لا ينفعه طاعة من أطاعه منهم فقسم بينهم معيشتهم و وضعهم في الدنيا مواضعهم فالمتقون فيها هم أهل الفضائل منطقهم الصواب و ملبسهم الاقتصاد و مشيهم التواضع خصوا الله عز و جل بالطاعة فخصوا غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم واقفين أسماعهم على العلم النافع لهم نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزل في الرخاء رضا عن الله بالقضاء و لو لا الآجال التي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب و خوفا من العقاب عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم فهم و الجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون و هم و النار كمن قد رآها فهم فيها معذبون قلوبهم محزونة و شرورهم مأمونة و أجسادهم نحيفة و حوائجهم خفيفة و أنفسهم عفيفة و معونتهم في الإسلام عظيمة صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة و تجارة مربحة يسرها لهم رب كريم أرادتهم الدنيا فلم يريدوها و طلبتهم فأعجزوها و أسرتهم ففدوا أنفسهم منها أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلون به ترتيلا يحزنون به أنفسهم و يستثيرون به دواء دائهم و يهيج أحزانهم بكاء على ذنوبهم و وجع كلوم حوائجهم فإذا مروا ب آية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا و تطلعت إليها أنفسهم شوقا و ظنوا أنها نصب أعينهم و إذا مروا ب آية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم و أبصارهم و اقشعرت منها جلودهم و وجلت منها قلوبهم و ظنوا أن صهيل جهنم و زفيرها و شهيقها في أصول آذانهم فهم حانون على أوساطهم يمجدون جبارا عظيما مفترشون جباههم و أكفهم و ركبهم و أطراف أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم و أما النهار فحلماء علماء بررة أتقياء قد براهم الخوف بري القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى و ما بالقوم من مرض و يقول قد خولطوا و لقد خالطهم أمر عظيم إذا هم ذكروا عظمة الله و شدة سلطانه مع ما يخالطهم من ذكر الموت و أهوال القيامة فوضح ذلك قلوبهم و طاشت له حلومهم و ذهلت عنه عقولهم و اقشعرت منها جلودهم و إذا استقالوا من ذلك بادروا إلى الله بالأعمال الزاكية لا يرضون لله من أعمالهم بالقليل و لا يستكثرون له الجزيل فهم لأنفسهم متهمون و من أعمالهم مشفقون إن زكي أحدهم خاف مما يقال له فيقول أنا أعلم بنفسي من غيري و ربي أعلم مني بنفسي اللهم لا تؤاخذني بما يقولون و اجعلني خيرا مما يظنون و اغفر لي ما لا يعلمون فإنك علام الغيوب و ستار العيوب فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين و حزما في لين و إيمانا
في يقين و حرصا في علم و فهما في فقه و علما في حلم و شفقة في نفقة و كسبا في رفق و قصدا في غنى و خشوعا في عبادة و تجملا في فاقة و صبرا في شدة و رحمة للمجهود و إعطاء في حق و رفقا في كسب و طلبا في حلال و نشاطا في هدى و تحرجا عن طمع و برا في استقامة و اعتصاما عند شهوة لا يغتره ثناء من جهله و لا يدع إحصاء عمله مستبطئ لنفسه في العمل يعمل الأعمال الصالحة و هو على وجل يمسي و همه الشكر و يصبح و شغله الذكر يبيت حذرا و يصبح فرحا حذرا من الغفلة و فرحا لما أصاب من الفضل و الرحمة إن استصعبت عليه نفسه فيما يذكره لم يعطها سؤلها فيما يحب فرحه فيما يخلد و يطول و قرة عينه فيما لا يزول و رغبته فيما يبقى و زهادته فيما يفنى يمزج الحلم بالعلم و العلم بالعقل و القول بالعمل تراه بعيدا كسله دائما نشاطه قريبا أمله قليلا زلله متوقعا أجله خاشعا قلبه ذاكرا ربه قانعة نفسه منزورا أكله مستغيبا جهله سهلا أمره حريزا دينه ميتة شهوته مكظوما غيظه صافيا خلقه آمنا فيه جاره ضعيفا كبره قانعا بالذي قدر له متينا صبره محكما أمره كثيرا ذكره لا يحدث بما يؤتمن عليه الأصدقاء و لا يكتم شهادة الأعداء و لا يعمل شيئا من الحق رياء و لا يتركه حياء الخير منه مأمول و الشر منه مأمون إن كان في الغافلين كتب في ]من [الذاكرين و إن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين يعفو عمن ظلمه و يعطي من حرمه و يصل من قطعه لا يعزب حلمه و لا يعجل فيما يريبه و يصفح عما قد تبين له بعيدا فحشه لينا قوله غائبا شكوه حاضرا معروفه صادقا قوله حسنا فعله مقبلا خيره مدبرا شره فهو في الزلازل وقور و في المكاره صبور و في الرخاء شكور لا يحيف على من يبغض و لا يأثم فيمن يحب و لا يدعي ما ليس له و لا يجحد حقا هو عليه يعترف بالحق قبل أن يشهد به عليه لا يضيع ما استحفظ و لا ينسى ما ذكر و لا يتنابز بالألقاب و لا يبغي على أحد و لا يهم بالحسد و لا يضار بالجار و لا يشمت بالمصاب مؤد للأمانات سريع إلى الصلوات بطيء عن المنكرات يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر لا يدخل في الأمور بجهل و لا يخرج من الحق بعجز إن صمت لم يغمه الصمت و إن نطق لم يقل خطأ و إن ضحك لم يعل صوته قانع بالذي قدر له لا يجمع به الغيظ و لا يغلبه الهوى و لا يقهره الشح و لا يطمع فيما ليس له يخالط الناس ليعلم و يصمت ليسلم و يسأل ليفهم و يتجر ليغنم لا ينتصب للخير ليفخر به و لا يتكلم به ليتجبر على من سواه نفسه منه في عناء و الناس منه في راحة أتعب نفسه لآخرته و أراح الناس من نفسه إن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو المنتقم له بعده عمن يتباعد منه زهد و نزاهة و دنوه ممن دنا منه لين و رحمة ليس تباعده بكبر و لا عظمة و لا دنوه بمكر و لا خديعة قال فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها فقال أمير المؤمنين أما و الله لقد كنت أخافه عليه ثم قال هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها
171- و روي أن رسول الله ص قال لا يكمل المؤمن إيمانه حتى يحتوي على مائة و ثلاث خصال فعل و عمل و نية و باطن و ظاهر فقال أمير المؤمنين علي ع يا رسول الله ما يكون المائة و ثلاث خصال فقال يا علي من صفات المؤمن أن يكون جوال الفكر جوهري الذكر كثيرا علمه عظيما حلمه جميل المنازعة كريم المراجعة أوسع الناس صدرا و أذلهم نفسا ضحكه تبسما و اجتماعه تعلما مذكر الغافل معلم الجاهل لا يؤذي من يؤذيه و لا يخوض فيما لا يعنيه و لا يشمت بمصيبة و لا يذكر أحدا بغيبة بريئا من المحرمات واقفا عند الشبهات كثير العطاء قليل الأذى عونا للغريب و أبا لليتيم بشره في وجهه و خوفه في قلبه مستبشرا بفقره أحلى من الشهد و أصلد من الصلد لا يكشف سرا و لا يهتك سترا لطيف الجهات حلو المشاهدة كثير العبادة حسن الوقار لين الجانب طويل الصمت حليما إذا جهل عليه صبورا على من أساء إليه يجل الكبير و يرحم الصغير أمينا على الأمانات بعيدا من الخيانات إلفه التقى و خلقه الحياء كثير الحذر قليل الزلل حركاته أدب و كلامه عجب مقيل العثرة و لا يتبع العورة وقورا صبورا رضيا شكورا قليل الكلام صدوق اللسان برا مصونا حليما رفيقا عفيفا شريفا لا لعان و لا نمام و لا كذاب و لا مغتاب و لا سباب و لا حسود و لا بخيل هشاشا بشاشا لا حساس و لا جساس يطلب من الأمور أعلاها و من الأخلاق أسناها مشمولا لحفظ الله مؤيدا بتوفيق الله ذا قوة في لين و عزمه في يقين لا يحيف على من يبغض و لا يأثم فيمن يحب صبور في الشدائد لا يجور و لا يعتدي و لا يأتي بما يشتهي الفقر شعاره و الصبر ثاره
قليل المئونة كثير المعونة كثير الصيام طويل القيام قليل المنام قلبه تقي و عمله زكي إذا قدر عفا و إذا وعد وفى يصوم رغبا و يصلي رهبا و يحسن في عمله كأنه ينظر إليه غض المطوف سخي الكف لا يرد سائلا و لا يبخل بنائل متواصلا إلى الإخوان مترادفا للإحسان يزن كلامه و يخرس لسانه لا يغرق في بغضه و لا يهلك في محبته لا يقبل الباطل من صديقه و لا يرد الحق من عدوه لا يتعلم إلا ليعلم و لا يعلم إلا ليعمل قليلا حقده كثيرا شكره يطلب النهار معيشته و يبكي الليل على خطيئته إن سلك مع أهل الدنيا كان أكيسهم و إن سلك مع أهل الآخرة كان أورعهم لا يرضى في كسبه بشبهة و لا يعمل في دينه برخصة لطيف ]يعطف [على أخيه بزلته و يرعى ما مضى من قديم صحبته