بعدى

[2]

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي طهر ألسنة أولياءه عن اللغو و الغيبة و النميمة و زكى نفوسهم عن الاخلاق الدنية و

الشيم الذميمة و الصلاة على نبيه المصطفى المبعوث بالشريعة الحنيفة و الملة القويمة و على عترته الطاهرة التي هي على منهاجه

مقيمة و بسنته عليمة و عن رذائل الاخلاق معصومة و بمكارمها موسومة و بعد فلما رأيت أكثر أهل هذا العصر ممن يتسم بالعلم و

يتصف بالفضل و ينسب إلى العدالة و يترشح للرئاسة يحافظون على أداء الصلوات و الدءوب في الصيام و كثير من العبادات و

القربات و يجتنبون جملة من المحرمات كالزناء و

[3]

شرب الخمر و نحوهما من القبائح الظاهرات ثم هم مع ذلك يصرفون كثيرا من أوقاتهم و يتفكهون في مجالسهم و محاوراتهم و

يغذون نفوسهم بتناول أعراض إخوانهم من المؤمنين و نظرائهم من المسلمين و لا يعدونه من السيئات و لا يحذرون معه من مؤاخذة

جبار السماوات في سبب إقدام الناس على الغيبة و السبب المقدم لهم على ذلك دون غيره من المعاصي الواضحة إما الغفلة عن

تحريمه و ما ورد فيه من الوعيد و المناقشة في الايات و الروايات و هذا هو السبب الاقل لاهل الغفلات و إما لان مثل ذلك في

المعاصي لا يخل عرفا بمراتبهم و منازلهم من الرئاسات لخفاء هذا النوع من المنكر على من يرومون المنزلة عنده من أهل الجهالات

و لو وسوس إليهم الشيطان أن اشربوا الخمر أو ازنوا بالمحصنات ما أطاعوه لظهور فحشه عند العامة و سقوط محلهم به لديهم بل

عند متعاطي الرذائل الواضحات و لو راجعوا عقولهم و استضاءوا بأنوار بصائرهم لوجدوا بين المعصيتين

[4]

فرقا بعيدا و تفاوتا شديدا بل لا نسبة بين المعاصي المستلزمة للاخلال بحق الله سبحانه على الخصوص و بين ما يتعلق مع ذلك بحق

العبيد خصوصا أعراضهم فإنها أجل من أموالهم و أشرف و متى شرف الشيء عظم الذنب في انتهاكه مع ما يستلزمه من الفساد الكلي

كما ستقف عليه إنشاء الله أحببت أن أصنع في هذه الرسالة جملة من الكلام على الغيبة و بما ورد فيها من النهي في الكتاب و السنة

و الاثر و دلالة العقل عليه و سميتها كشف الريبة عن أحكام الغيبة و أتبعتها بما يليق بها من النميمة و بعض أحكام الحسد و ختمتها

بالحث على التواصل و التحابب و المراحمة و رتبتها على مقدمة و فصول و خاتمة أما المقدمة ففي تعريفها و جملة من الترهيب منها

فنقول الغيبة بكسر الغين المعجمة و سكون الياء المثناة التحتانية و فتح الباء الموحدة اسم لقولك اغتاب فلان فلانا إذا وقع في

غيبته و المصدر الاغتياب يقال اغتابه اغتيابا و الاسم الغيبة هذا بحسب المعنى اللغوي و أما بحسب الاصطلاح فلها تعريفان أحدها

المشهور و هو ذكر

[5]

الانسان حال غيبته بما يكره نسبته إليه مما يعد نقصانا في العرف بقصد الانتقاص و الذم  ]و  [فاحترز بالقيد الاخير و هو قصد

الانتقاص عن ذكر العيب للطبيب مثلا أو لاستدعاء الرحمة من السلطان في حق الزمن و الاعمى بذكر نقصانهما و يمكن الغناء عنه بقيد

كراهته نسبته إليه و الثاني التنبيه على ما يكره نسبته إلى آخره و هو أعم من الاول لشمول مورده اللسان و الاشارة و الحكاية و

غيرها و هو أولى لما سيأتي من عدم قصر الغيبة على اللسان و قد جاء على المشهور

قول النبي ص هل تدرون ما الغيبة  ]فقالوا  [قالوا الله و رسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره قيل أ رأيت إن كان في أخي ما أقول

قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته و إن لم يكن فيه فقد بهته

و ذكر عنده ص رجل فقالوا ما أعجزه فقال ص اغتبتم صاحبكم فقالوا يا رسول الله قلنا ما فيه قال ص إن قلتم ما ليس فيه فقد بهتموه

و تحريم الغيبة في الجملة إجماعي بل هو كبيرة موبقة للتصريح بالتوعيد  ]لتوعد  [عليها بالخصوص في الكتاب و السنة و قد نص

الله تعالى على ذمها في كتابه

[6]

و شبه صاحبها بأكل لحم أخيه الميتة فقال وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ

و قال النبي ص كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه

و الغيبة تناول العرض و قد جمع بينه و بين الدم و المال

و قال ص لا تحاسدوا و لا تباغضوا و لا يغتب بعضكم بعضا و كونوا عباد الله إخوانا

و عن جابر و أبي سعيد الخدري قالا قال ص إياكم و الغيبة فإن الغيبة أشد من الزناء إن الرجل قد يزني  ]و  [فيتوب فيتوب الله عليه

و إن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه

و في خبر معاذ الطويل المشهور عن النبي ص أن الحفظة تصعد بعمل العبد و له نور كشعاع الشمس حتى إذا بلغ السماء الدنيا و

الحفظة تستكثر عمله و تزكيه فإذا انتهى إلى الباب قال الملك الموكل بالباب اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه أنا صاحب الغيبة

أمرني ربي أن لا أدع عمل من يغتاب الناس يتجاوزني إلى ربي

و عن أنس قال ص مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون وجوههم بأظافيرهم فقلت يا جبرئيل من

[7]

هؤلاء قال هؤلاء الذين يغتابون الناس و يقعون في أعراضهم

و قال البراء خطبنا رسول الله حتى أسمع العواتق في بيوتها فقال يا معشر من آمن بلسانه و لم يؤمن بقلبه لا تغتابوا المسلمين و لا

تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته و من تتبع الله عورته يفضحه و لو في جوف بيته

و قال سليمان بن جابر أتيت رسول الله ص فقلت علمني خيرا ينفعني الله به قال لا تحقرن من المعروف شيئا و لو أن تصب من دلوك

في إناء المستقي و إن تلقى أخاك ببشر حسن و إذا أدبر فلا تغتابه

و عن أنس قال خطبنا رسول الله ص فذكر الربا و عظم شأنه فقال إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من

ست و ثلاثين زنية يزنيها الرجل و إن أربى الربا عرض الرجل المسلم و قال جابر كنا مع رسول الله ص فأتى على قبرين يعذب

صاحبهما فقال إنهما لا يعذبان في كبيرة أما أحدهما فكان يغتاب الناس و أما الاخر فكان لا يتنزه من بوله و دعا ص بجريدة رطبة أو

جريدتين

[8]

فكسرهما ثم أمر بكل كسرة فغرست على قبر فقال ص إما إنه سيهون من عذابهما ما كانتا رطبين أو ما لم تيبسا

و قال أنس أمر رسول الله ص الناس بصوم يوم و قال لا يفطرن أحد حتى آذن له فصام الناس حتى إذا أمسوا جعل الرجل يجيء و

يقول يا رسول الله ظلت صائما فأذن لي لافطر فأذن له  ]لا لرجل و الرجل  [حتى جاء رجل فقال يا رسول الله فتاتان من أهلك ظلتا

صائمتين و إنهما تستحيان أن تأتيانك فأذن لهما أن تفطرا فأعرض عنه ثم عاوده فأعرض عنه ثم عاوده فقال ص إنهما لم تصوما و كيف

صام من ظل هذا اليوم يأكل لحوم الناس اذهب مرهما إن كانتا صائمتين أن تستقيئا فرجع إليهما فأخبرهما فاستقاءتا فقاءت كل

واحدة منهما علقة من دم فرجع إلى النبي ص فأخبره فقال ص و الذي نفس محمد ص بيده لو بقيتا في بطونهما لاكلتهما النار و في

رواية أنه لما أعرض عنه جاءه بعد ذلك و قال يا رسول الله إنهما و الله لقد ماتتا أو كادتا أن تموتا فقال ص ايتوني بهما فجاءتا و دعا

بعس أو قدح فقال لاحداهما قئي فقاءت من

[9]

قيح و دم صديد حتى ملات القدح و قال ص للاخرى قئي فقاءت كذلك فقال ص إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما و أفطرتا عما حرم

الله عليهما جلست إحداهما إلى الاخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس

و روي مرفوعا من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب إليه لحمه في الاخرة فقيل له كله ميتا كما أكلته حيا فيأكله فيصيح و يكلح

و لما رجم رسول الله الرجل في الزناء قال رجل لصاحبه هذا أقعص كما يقعص الكلب فمر النبي ص معهما بجيفة فقال انهشا منها

فقالا يا رسول الله ننهش من جيفة فقال ص ما أصبتما من أخيكما أنتن من هذه

و قال الصادق ع الغيبة حرام على كل مسلم و إنها لتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب

و روى الصدوق بإسناده إلى الصادق عن آبائه عن علي ع قال قال رسول الله أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الاذى يسقون من

الحميم في الجحيم ينادون بالويل و الثبور يقول أهل النار بعضهم لبعض ما بال هؤلاء الاربعة قد آذونا على ما بنا من الاذى فرجل

معلق على تابوت من جمر و رجل يجري

[10]

معاه و رجل يسيل فوه دما و قيحا و رجل يأكل لحمه فيقال لصاحب التابوت ما بال الابعد فقد آذانا على ما بنا من الاذى فيقول إن

الابعد مات و في عنقه أموال الناس لم يجد لها في نفسه أداء و لا وفاء ثم يقال للذي يجري معاه ما بال الابعد قد آذانا على ما بنا من

الاذى فيقول إن الابعد كان لا يبالي أين أصاب البول من جسده ثم يقال للذي يسيل فوه قيحا و دما ما بال الابعد قد آذانا على ما بنا

من الاذى فقال إن الابعد كان يحاكي ينظر إلى كل كلمة خبيثة فيشيدها و يحاكي بها ثم يقال للذي يأكل لحمه ما بال الابعد قد آذانا

على ما بنا من الاذى فقال إن الابعد كان يأكل لحوم الناس بالغيبة و يمشي بالنميمة

و بإسناده عن النبي ص من مشى في غيبة أخيه و كشف عورته كانت أول خطوة خطاها وضعها في جهنم و كشف الله عورته على رءوس

الخلائق و من اغتاب مسلما بطل صومه و نقض وضوؤه فإن مات و هو كذلك مات و هو مستحل لما حرم الله

و عن أبي عبد الله ع قال قال رسول الله ص الغيبة أسرع في دين الرجل

[11]

المسلم من الاكلة في جوفه

قال قال رسول الله ص الجلوس في المسجد انتظارا للصلاة عبادة ما لم يحدث فقيل يا رسول الله و ما الحدث قال الاغتياب

و روى ابن أبي عمير عن أبي عبد الله ع قال ع من قال في مؤمن ما رأته عيناه و سمعته أذناه فهو من الذين قال الله عز و جل إِنَّ الَّذِينَ

يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ

و عن المفضل بن عمر قال قال أبو عبد الله ع من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه و هدم مروته ليسقطه من أعين الناس أخرجه

الله من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان

و أوحى الله عز و جل إلى موسى بن عمران أن المغتاب إذا تاب فهو آخر من يدخل الجنة و إن لم يتب فهو أول من يدخل النار

و روي أن عيسى ع مر و الحواريون على جيفة كلب فقال الحواريون ما أنتن ريح هذا فقال عيسى ع ما أشد بياض أسنانه كأنه ينهاهم

عن غيبة الكلب و ينبههم على أنه لا يذكر من خلق الله إلا أحسنه

و قيل في تفسير قوله تعالى وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَة لُمَزَة الهمزة الطعان في الناس و اللمزة

[12]

الذي يأكل لحوم الناس و قال الحسن و الله الغيبة أسرع في دين المؤمن من الاكلة في جسده و قال بعضهم أدركنا السلف لا يرون

العبادة في الصوم و لا في الصلاة و لكن في الكف عن أعراض الناس و اعلم أن السبب الموجب للتشديد في أمر الغيبة و جعلها أعظم

من كثير من المعاصي الكبيرة هو اشتمالها على المفاسد الكلية المنافية لغرض الحكيم سبحانه بخلاف باقي المعاصي فإنها مستلزمة

لمفاسد جزئية بيان ذلك أن المقاصد المهمة للشارع اجتماع النفوس على هم واحد و طريقة واحدة و هي سلوك سبيل الله بسائر

وجوه الاوامر و النواهي و لا يتم ذلك إلا بالتعاون و التعاضد بين أبناء النوع الانساني و ذلك يتوقف على اجتماع همهم و تصافي

بواطنهم و اجتماعهم على الالفة و المحبة حتى يكونوا بمنزلة عبد واحد في طاعة مولاه و لن يتم ذلك إلا بنفي الضغائن و الاحقاد و

الحسد و نحوه و كانت الغيبة من كل منهم لاخيه مثيرة لضغنه و مستدعية منه لمثلها في حقه لا جرم

[13]

كانت ضد المقصود الكلي للشارع و كانت مفسدة كلية فلذلك أكثر الله و رسوله من النهي عنها و الوعيد عليها و بالله التوفيق و حيث

أتينا على ما يحتاج إليه في المقدمة فلنشرع في الفصول

الفصل الاول في أقسامها

لما عرفت أن المراد منها ذكر أخيك بما يكرهه منه لو بلغه أو الاعلام به أو التنبيه عليه كان ذلك شاملا لما يتعلق بنقصان في بدنه أو

نسبه أو خلقه أو فعله أو قوله أو دينه أو دنياه حتى في ثوبه و داره و دابته و قد أشار الصادق ع إلى ذلك بقوله

وجوه الغيبة تقع بذكر عيب في الخلق و الفعل و المعاملة و المذهب و الجهل و أشباهه

فالبدن كذكرك فيه العمش و الحول و العور و القرع و القصر و الطول و السواد و الصفرة و جميع ما يتصور أن يوصف به مما يكرهه

و أما النسب بأن يقول أبوه فاسق أو خبيث أو خسيس أو إسكاف أو تاجر أو حائك أو جاهل أو نحو ذلك مما يكرهه كيف كان و أما

الخلق بأن يقول إنه سيئ الخلق محيل متكبر مرائي شديد الغضب جبان ضعيف القلب و نحو ذلك و أما في أفعاله

[14]

المتعلقة بالدين كقولك سارق كذاب شارب الخمر خائن ظالم متهاون للصلاة لا يحسن الركوع و السجود و لا يحترز من النجاسات

ليس بارا بوالديه لا يحرس نفسه من الغيبة و التعرض لاعراض الناس و أما فعله المتعلق بالدنيا كقولك قليل الادب متهاون بالناس لا

يرى لاحد عليه حقا كثير الكلام كثير الاكل نئوم يجلس في غير موضعه و نحو ذلك و أما في ثوبه كقولك إنه واسع الكم طويل

الذيل وسخ الثياب و نحو ذلك و اعلم أن ذلك لا يقصر على اللسان بل التلفظ به إنما حرم لان فيه تفهيم الغير نقصان أخيك و

تعريفه بما يكرهه فالتعريض به كالتصريح و الفعل فيه كالقول و الاشارة و الرمز و الايماء و الغمز و اللمز و الكتابة و الحركة و كل

ما يفهم المقصود داخل في الغيبة مساوي للسان في المعنى الذي حرم التلفظ به لاجله و من ذلك

ما روي عن عائشة أنها قالت دخلت علينا امرأة فلما ولت أومأت بيدي أي قصيرة قال ص اغتبتيها

و من ذلك المحاكاة بأن يمشي متعارجا أو كما يمشي فهو غيبة بل أشد

[15]

من الغيبة لانه أعظم في التصوير و التفهيم و كذلك الغيبة بالكتاب فإن الكتاب كما قيل أحد اللسانين و من ذلك ذكر المصنف

شخصا معينا و تهجين كلامه في الكتاب إلا أن يقترن به شيء من الاعذار المحوجة إلى ذكره كمسائل الاجتهاد التي لا يتم الغرض من

الفتوى و إقامة الدليل على المطلوب إلا بتزييف كلام الغير و نحو ذلك و يجب الاقتصار على ما يندفع به الحاجة في ذلك و ليس منه

قوله قال قوم كذا ما لم يصرح بشخص معين و منها أن يقول الانسان بعض من مر بنا اليوم أو بعض من رأيناه حاله كذا إذا كان

المخاطب معهم ليفهم منه شخصا معينا لان المحذور تفهيمه دون ما به التفهم فأما إذا لم يفهم عنه جاز

كان رسول الله ص إذا كره من إنسان شيئا قال ما بال أقوام يفعلون كذا و كذا و لا يعين

و من أضر أنواع الغيبة غيبة المتسمين بالفهم و العلم المراءين فإنهم يفهمون المقصود على صفة أهل الصلاح و التقوى ليظهروا

من أنفسهم التعفف عن الغيبة و يفهمون المقصود و لا يدرون بجهلهم أنهم جمعوا بين فاحشتين الرياء و الغيبة و

[16]

ذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول الحمد لله الذي لم يبتلنا بحب الرئاسة أو حب الدنيا أو بالتكيف بالكيفية الفلانية أو يقول

نعوذ بالله من قلة الحياء أو من سوء التوفيق أو نسأل الله أن يعصمنا من كذا بل مجرد الحمد على شيء إذا علم منه اتصاف المحدث

عنه بما ينافيه و نحو ذلك فإنه يغتابه بلفظ الدعاء و سمت أهل الصلاح و إنما قصده أن يذكر عيبه بضرب من الكلام المشتمل على

الغيبة و الرياء و دعوى الخلاص من الرذائل و هو عنوان الوقوع فيها بل في أفحشها و من ذلك أنه قد يقدم مدح من يريد غيبته

فيقول ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في العبادات و لكن قد اعتراه فتور و ابتلي بما يبتلى به كلنا و هو قلة الصبر فيذكر نفسه

بالذم و مقصوده أن يذم غيره و أن يمدح نفسه بالتشبه بالصالحين في ذم أنفسهم فيكون مغتابا مرائيا مزكيا نفسه فيجمع بين ثلاث

فواحش و هو يظن بجهله أنه من الصالحين المتعففين عن الغيبة هكذا يلعب الشيطان بأهل الجهل إذا اشتغلوا بالعلم أو العمل من

غير أن

[17]

يتقنوا الطريق فيتبعهم و يحبط بمكايده عملهم و يضحك عليهم و يسخر منهم و من ذلك أن يذكر ذاكر عيب إنسان فلا ينتبه له بعض

الحاضرين فيقول سبحان الله ما أعجب هذا حتى يصغى الغافل إلى المغتاب و يعلم ما يقوله فيذكر الله سبحانه و يستعمل اسمه

آلة في تحقيق خبثه و باطله و هو يمن على الله بذكره جهلا و غرورا و من ذلك أن يقول جرى من فلان كذا أو ابتلي بكذا بل يقول جرى

لصاحبنا أو صديقنا كذا تاب الله عليه و علينا يظهر الدعاء له و التألم و الصداقة و الصحبة و الله مطلع على خبث سريرته و فساد

ضميره و هو بجهله لا يدري أنه قد تعرض لمقت أعظم مما يتعرض له الجهال إذا جاهروا بالغيبة و من أقسامها الخفية الاصغاء إلى

الغيبة على سبيل التعجب فإنه أنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة فيزيد فيها فكأنه يستخرج منه الغيبة بهذا

الطريق فيقول عجبت مما ذكرته ما كنت أعلم بذلك إلى الان ما كنت أعرف من فلان ذلك يريد بذلك تصديق المغتاب و استدعاء الزيادة

منه باللطف

[18]

و التصديق لها غيبة بل الاصغاء إليها بل السكوت عند سماعها

قال رسول الله ص المستمع أحد المغتابين

و قال علي ع السامع للغيبة أحد المغتابين

و مراده السامع على قصد الرضا و الايثار لا على وجه الاتفاق أو مع القدرة على الانكار و لم يفعل و وجه كون المستمع و السامع على

ذلك الوجه مغتابين مشاركتهما للمغتاب في الرضا و تكيف ذهنهما بالتصورات المذمومة التي لا ينبغي و إن اختلفا في أن أحدهما قائل

و الاخر قابل لكن كل واحد منهما صاحب آلة عليه أما أحدهما فذو لسان يعبر عن نفس قد تنجست بتصور الكذب و الحرام و العزم

عليه و أما الاخر فذو سمع تقبل عنه النفس تلك الاثار عن إيثار و سوء اختيار فتألفها و تعتادها فتمكن من جوهرها سموم عقارب

الباطل و من ذلك قيل السامع شريك القائل و قد تقدم في الخبر السالف ما يدل عليه حيث قال للرجلين اللذين قال أحدهما اقعص

الرجل كما يقعص الكلب انهشا من هذه الجيفة فجمع بينهما مع أن أحدهما قائل و الاخر

[19]

سامع فالمستمع لا يخرج من إثم الغيبة إلا بأن ينكر بلسانه فإن خاف فبقلبه و إن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام غيره فلم

يفعله لزمه و لو قال بلسانه اسكت و هو يشتهي ذلك بقلبه فذلك نفاق و فاحشة أخرى زائدة لا يخرجه عن الاثم ما لم يكرهه بقلبه

و قد روي عن النبي ص أنه قال من أذل عنده مؤمن و هو يقدر على أن ينصره أذله الله يوم القيامة على رءوس الخلائق

و عن أبي الدرداء قال قال رسول الله ص من رد الخلائق عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن يرد عن عرضه يوم القيامة

و قال أيضا من رد عن عرض أخيه بالغيبة كان حقا على الله أن يعتقه من النار

و روى الصدوق بإسناده إلى رسول الله ص أنه قال من تطول على أخيه في غيبة سمعها عنه في مجلس فردها عنه رد الله عنه ألف باب

من الشر في الدنيا و الاخرة و إن هو لم يردها و هو قادر على ردها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة

و بإسناده إلى الباقر ع أنه قال من اغتيب عنده أخوه المؤمن

[20]

فنصره و أعانه نصره الله في الدنيا و الاخرة و من لم ينصره و لم يدفع عنه و هو يقدر على نصرته و عونه حفظه الله في الدنيا و

الاخرة

و اعلم أنه كما يحرم على الانسان سوء القول في المؤمن و أن يحدث غيره بلسانه بمساوئ الغير كذلك يحرم عليه سوء الظن و أن

يحدث نفسه بذلك و المراد من سوء الظن المحرم عقد القلب و حكمه عليه بالسوء من غير يقين و أما الخواطر و حديث النفس فهو

معفو عنه كما أن الشك أيضا معفو عنه قال الله تعالى اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ فليس لك أن تعتقد في غيرك سوء

إلا إذا انكشف لك بعيان لا يحتمل التأويل و ما لم تعلمه ثم وقع في قلبك فالشيطان يلقيه إليك فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق

الفساق و قد قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَة فلا يجوز تصديق إبليس و

من هنا جاء في الشرع أن من علمت في فيه رائحة الخمر لا يجوز أن يحكم عليه بشربها و لا يحده عليه لامكان أن يكون تمضمض به و

مجه أو حمل عليه

[21]

قهرا و ذلك أمر ممكن فلا يجوز إساءة الظن بالمسلم

و قد قال النبي ص إن الله تعالى حرم من المسلم دمه و ماله و أن يظن به ظن السوء

فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به الدم و المال و هو متيقن مشاهدة أو بينة عادلة أو ما جرى مجراهما من الامور المفيدة

لليقين أو الثبوت الشرعي

و عن أبي عبد الله ع إذا اتهم المؤمن أخاه ينماث الايمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء

و عنه من اتهم أخاه في دينه فلا حرمة بينهما

و عنه ع قال قال أمير المؤمنين في كلام له ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه و لا تظن بكلمة خرجت من أخيك سوء

و أنت تجد لها في الخير محملا

و طريق معرفة ما يخطر في قلب من ذلك هل هو ظن سوء أو اختلاج و شك أن تختبر نفسك فإن كانت قد تغيرت و نفر قلبك عنه نفورا

و استثقلته و فترت عن مراعاته و تفقده و إكرامه و الاهتمام بحاله و الاغتمام بسببه غير ما كان أولا فهو أمارة عقد الظن

و قد قال ع ثلاثة في المؤمن و له منها مخرج فمخرجه من سوء الظن

[22]

أن لا تحققه

أي لا تحقق في نفسه بعقد و لا فعل لا في القلب و لا في الجوارح أما في القلب فبتغيره إلى النفرة و الكراهة و في الجوارح بالعمل

بموجبه و الذي ينبغي فعله عند خطور خاطر سوء على مؤمن أن يزيد في مراعاته و يدعو له بالخير فإن ذلك يغيظ الشيطان و يدفعه

عنك فلا يلقي إليك بعد ذلك خاطر سوء خيفة من اشتغالك بالدعاء و المراعاة و هو ضد مقصوده و مهما عرفت هفوة من مؤمن فانصحه

في السر و لا يخدعنك الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه و إذا وعظته فلا تعظه و أنت مسرور باطلاعك على نقصه لينظر إليك بعين

التعظيم و أنت تنظر إليه بعين الاستصغار و ترتفع عنه بدالة الوعظ بل يكن قصدك تخليصه من الاثم و أنت حزين كما تحزن على

نفسك إذا أدخل عليك نقصان و ينبغي أن يخطر بقلبك إن تركه ذلك من غير نصيحتك أحب إليك من تركه بالنصيحة فإذا أنت فعلت

ذلك كنت قد جمعت بين أجر الوعظ و أجر الغم بمصيبته و أجر الاعانة له على دينه و من ثمرات سوء الظن التجسس فإن

[23]

القلب لا يقنع بالظن و يطلب التحقيق فيشتغل بالتجسس و هو أيضا منهي عنه قال الله تعالى وَ لا تَجَسَّسُوا و قد نهى الله سبحانه في

هذه الاية الواحدة عن الغيبة و سوء الظن و التجسس و معنى التجسس أن لا تترك عباد الله تحت ستر الله فيتوصل إلى الاطلاع و

هتك الستر حتى ينكشف لك ما لو كان مستورا عنك كان أسلم لقلبك و لدينك فتدبر ذلك راشدا و بالله التوفيق

الفصل الثاني في العلاج الذي يمنع الانسان عن الغيبة

اعلم أن مساوئ الاخلاق كلها إنما تعالج بمعجون العلم و العمل و إنما علاج كل علة بمضاد سببها فلنبحث عن سبب الغيبة أولا ثم

نذكر علاج كف اللسان عنها على وجه يناسب علاج تلك الاسباب فنقول جملة ما ذكروه من الاسباب الباعثة على الغيبة عشرة أشياء قد

نبه الصادق ع إجمالا

بقوله أصل الغيبة يتنوع بعشرة أنواع شفاء غيظ و مساعدة قوم و تصديق خبر بلا كشفه و تهمة و سوء ظن و حسد و سخرية و

تعجب و تبرم و تزين

و نحن نشير إليها مفصلة الاول تشفي الغيظ و ذلك إذا جرى

[24]

سبب غضب به عليه فإذا هاج غضبه يشفي بذكر مساوئه و سبق اللسان إليه بالطبع إن لم يكن دين ورع و قد يمتنع من تشفي الغيظ

عند الغضب فيتحقق في الباطن فيصير حقدا ثابتا فيكون سببا دائما لذكر المساوئ فالحقد و الغضب من البواعث العظيمة على الغيبة

بعدى

قبلى