[1]
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم قال عبد الله بن إسماعيل الكاتب سامحه الله الحمد لله و أشهد أن لا إله إلا الله شهادة مخلص لجنابه في
الاشهاد راج لحبائه يوم الاشهاد و أشهد أن محمدا عبده و رسوله صفوة صفوته و خيرة خيرته صلى الله عليه و على الغرر من آله صلاة
فارة عن حصر العدد قارة في حصن الذخائر و العدد. و بعد فإن من سلف من الافاضل جمع ما اتفق له من أسباب نزول آيات من الكتاب
المجيد في رضي الله من خليقته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع و فروع دوحته و قد رأيت لائقا أن يضم إلى ذلك شيء مما ورد في
مناقبهم من التنزيل و توابع ذلك ليبين فضل السادات على غيرهم بالتفضيل للسالك مقتصرا على رواية من لا يتهم على المنافين في
محبتهم أو يطعن عليه في درايته قاصدا إلى ما حضرني مما رواه أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي في كتابه كشف البيان أو رواه
علي بن أحمد الواحدي في تأليفه الوسيط في تفسير القرآن و إن اتفق غير هذا خلوا من ممارسة العناء و تتبع مدى الغايات في أقوال
العلماء أثبته و في القليل من رواية هذين الشخصين إيضاح لما أغفلته اعتبارا بها أنه إذا دلت الجزئيات
[2]
على الغرض فما علمك بكليها و إذا سالت فروع الشوامخ يزداد وسميها فما جزمك بأساسها عند روي وليها و بالله التوفيق و العصمة.
فمن ذلك في سورة البقرة قال أبو إسحاق الثعلبي في آخر سورة البقرة عند قوله تعالى إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ
بِهِ اللّهُ ما صورته روت الرواة بألفاظ مختلفة
قال لما نزلت هذه الاية جاء أبو بكر و عمر و عبد الرحمن بن عوف و معاذ بن جبل و ناس من الانصار إلى النبي ص فجثوا على الركب و
قالوا يا رسول الله ما نزلت آية أشد علينا من هذه الاية إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه و إن له الدنيا و ما فيها
و إنا لمأخوذون بما نحدث به أنفسنا هلكنا و الله و كلفنا من العمل ما لا نطيق قال النبي ص فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل
لموسى ع سمعنا و عصينا فقولوا سمعنا و أطعنا فقالوا سمعنا و أطعنا و اشتد ذلك عليهم فمكثوا بذلك حولا فأنزل الله تعالى الفرج
و الراحة بقوله لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلّا وُسْعَها الاية فنسخت هذه الاية التي قبلها فقال رسول الله ص إن الله تعالى قد تجاوز لامتي ما
حدثوا به أنفسهم ما لم يعلموا أو يتكلموا به
قال عبد الله بن إسماعيل سامحه الله تعالى إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع بات على فراش رسول الله ص بأمره لم يتهمه في
رسم و لم يناظره في حكم حسب ما رواه الثعلبي و غيره متلقيا أخطار المنية بمهجته مستريحا إلى خشونة الموت و وحشته و لا يقال
إن
[3]
حديث النفس لا يمكن التخلص منه بخلاف الصبر على الموت فإن كثيرا لم يحيدوا عنه لان الجواب بما أن الله تعالى كامل و الكامل
لا يكلف بالمحال و لا يأمر بالسعي مع تعذر المجال فإن كان القائل ما عرف هذا فالاشكال عليه بعدم معرفته و إن كان عرف فالاشكال
وارد في وصف الله تعالى عمدا بغير صفته و إن كان شاكا فالاشكال بعدم المعرفة موجود و لو فرضنا كونه تعالى مكلفا بالمحال
فالحرج عند رسم الله تعالى حصل و هو محذور ثم إن الحديث الذي يجري في النفس المشار إليه في القصة مشعر بشدة ما تجري في
النفس و هو بعد إظهار الاسلام و إعلانه عند الاعتبار محذور كبير صعب و أما قول من قال إن الاية منسوخة بما أشار إليه فممنوع إن
كان بنى على أن الاية الاولى مضمونها التكليف بما لا تصل القدرة إليه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا إنما أمر تخييرا و نهى تحذيرا
و كلف كما قال العارف ص يسيرا. و من كتاب الكشف و البيان عند قوله تعالى ما كانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ
قال روى الاعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال لما كان يوم بدر و جيء بالاسرى قال رسول الله ص ما
تقولون في هؤلاء فقال أبو بكر يا رسول الله قومك و أهلك استبقهم و استأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم و خذ منهم فدية تكون لنا
قوة على الكفار قال عبد الله بن مسعود فلما كان من الغد جئت رسول الله ص فإذا هو و أبو بكر قاعدان
[4]
يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت و صاحبك فإن وجدت بكاء بكيت و إن لم أجد بكاء تباكيت فقال رسول الله
ص أبكي للذي عليه أصحابك في أخذهم الفداء و لقد عرض علي عذابكم أدنى إلي من هذه الشجرة شجرة قريبة من نبي الله
و من سورة الحجرات عند قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَ رَسُولِهِ
قال أبو إسحاق الثعلبي و أخبرني ابن فتحويه حدثنا عمر بن الخطاب حدثنا عبد الله بن الفضل حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثني
هشام بن يوسف عن ابن جريح أخبرني ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبرهم قال قدم ركب من بني تميم على النبي ص فقال أبو
بكر يا رسول الله أمر القعقاع بن معبد بن زرارة و قال عمر أمر الاقرع بن حابس فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي و قال عمر ما أردت إلا
خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَ رَسُولِهِ
قال عبد الله بن إسماعيل هاتان القصتان و ما يجري في بابيهما منبه على خلاف ما يذهب إليه قوم من أن رسول الله ص كان يستبقي
أبا بكر عنده حيث الولايات تارة و حيث الحروب أخرى لاجل استنباط الاراء منه و أخذ التهذيب عنه إذ قد بان بالاولى ثمرة رأي الاول
قرب العذاب من أصحاب رسول الله ص و في الاخرى نهيه و نهي الثاني عن أن يقدموا بين يديه حسما لمادة رأي لا تحمد عاقبته
[5]
و لا تشكر مغبته
فصل
يوافق هذا ما روي من أن رسول الله ص لما بعث عليا في بعض شئونه قال يا رسول الله ترسلني في الامر فأكون فيه كالسكة المحماة
في العين أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فقال بل الشاهد يرى ما لا يراه الغائب
ثقة منه بسداد مقاصده و شرف مصادره و موارده و كيف يليق من عاقل أن يقول إن رسول الله ص كان محتاجا إلى رأي سواه مع تأييده
بتدبير الله فيما أولاه مع وفور تجاربه المتقنة و فنون أغراضه السديدة المتباينة ثم لو جاز أن يكون محتاجا كما ذكره الغلاة في
محبة أصحابهم إلى مشاورة من ذكروه لما جاز أن يكون في الاوقات المتكررة مستفيدا منهم آخذا عنهم ثم إن الذي ذكره الغلاة شيء
لم يبرهنوا عليه و لم يشيروا بأمارة عليه بل ساقهم الغلو إلى أن رموا رسول الله ص بسهام النقص ليكملوا أصحابهم و ينزهوا
أحبابهم و إذا اعتبرت رأيت الامارات المقتضية لترك الاخلاد إلى من وقعت الاشارة إليه نقصه في الرأي حسب ما تضمنته هاتان
القصتان و غيرهما أو نقصهما في معاني الشجاعة حسب ما دلت عليه القصص الخيبرية و الاحدية و الحنينية و غيرهن فرأى رسول
الله ص تخلفهم عن مقارعة الابطال و ملاقاة الرجال أحوط في بقاء الاسلام و انتظامه و أمر في فتل حيله و إبرامه و وكل الحروب إلى
فرسان النزال و بهم القتال أمير المؤمنين علي
[6]
ابن أبي طالب ع و من سلك مقصرا شرعته و أم عاجزا محجته
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها و إن شمرت يوما له الحرب شمرا
و يحمي إذا ما الموت كان لقاؤه سرى الشبر يحمي الانف أن يتأخرا
كليث هزبر راح يحمي ذماره رمته المنايا قصدها فتقطرا
و هذا هو الجواب عما يذكرونه بالتخصيص من قعوده مع رسول الله ص على العريش يوم بدر إذ كان لذلك اليوم جامعا لرجال الكفاح
و فرسان الصياح لامعا بشبا الرماح كالحا عن أنياب الاخطار و فناء الاعمار و قتام البوار يليق من لا يرهب الموت و يحن إليه و
يشتاق إلى لقاء الله و يعطف عليه
أغر كمصباح الظلام تخاله إذا سار في ليل الدجى قمرا بدرا
و يأخذ رايات الطعان بحقها فيوردها بيضا و يصدرها حمرا
فإن قيل فإن لم تدل هذه الصحبة على الاختصاص المنبئ عن فضله فلتدل صحبة الغار قلت ممنوع إذ من الجائز أن تكون تلك الصحبة
لغير ذلك من أمور متعددة حكمية أو لانس أثمره دوح الطبيعة الجبلية
و قد تألف العين الدجى و هو قيدها و يرجى شفاء السم و السم قاتل
و يمكن أن يكون المراد من قوله تعالى في آخر الاية إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ مع قوله في أولها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي يا من آمن ظاهرا
اتق الله إن كنت آمنت بالله باطنا ليتطابق الكلام و الله أعلم و من طريف ما تضمنته القصة قول أحد الرجلين للاخر ما أردت إلا
خلافي و قوله ما أردت
[7]
إلا خلافك بيان الاستطراف أنهما لما راما تدبير الخلافة صفت النيات و خلصت الطويات و صارت أيديهما عليها واحدة و عزماتهما في
تأسيس قواعدها صادرة واردة
فصل
و من سورة براءة ما رواه أبو إسحاق في كتاب الكشف و البيان من كون علي ع أخذ ما حمل رسول الله ص مع أبي بكر بإذن رسول الله
ص من سورة براءة و هو أربعون من صدرها بعد ما توجه إلى مكة فكان أخذها منه بذي الحليفة و إن رسول الله ص قال
لا يبلغ عني غيري أو رجل مني
قال عبد الله بن إسماعيل إنك إذا اعتبرت هذه القصة ظهر لك منها ما ظهر لغيرك من أرباب العقول من كون من أخذت منه ليس محلا
قابلا للاختصاص به و الاخلاد إليه و التعويل في أسرار الله تعالى و تدبير ملته عليه إذ كان من هبط عن بعض الرتبة أولى بالهبوط عن
جملتها و أن لا ينزل من الدرجة العالية في ذروتها و منبه على أن الاختصاص بأكمل المراتب و أسمى المناصب العازل و إن ربعه أولى
بالمجد الاهل و منبه أن ذلك عن تدبير مدبر الوجود و هو أبلغ في المقصود و إنما قلت ذلك لان الله تعالى قال عن رسول الله وَ ما
يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحى و إذا كان الامر على هذه القضية فإن الامر بإعطائه الايات
[8]
عارف بما يؤول إليه الحال من أخذها ممن أخذت منه جهارا على أظهر الحالات و ذلك عين القصد لابانة نقصه و كمال من أخذها
ليقرأها بنية إخلاصه و يقينه و براعة تبيينه و شجاعة قلبه و حماسة دينه و من ذلك غزاة حنين و قول الاول لن نغلب اليوم من قلة
فهزم أصحاب رسول الله ص و كانوا اثني عشر ألفا عدا أمير المؤمنين ع و العباس بن عبد المطلب في آخرين قليلين لم يكن القائل
منهم هذا المعنى من قوله منقول من كتاب المفضل بن سلمة في تفسير القرآن و إذا اعتبرت هذه القصة عجبت مما تضمنته و حوته من
كون من أشار إليه لم يعرف له يوم في جهاد فرق فيه الكتائب و أردى فيه المقاتب و قتل فيه الاقران و اصطلم فيه الشجعان و ما
اكتفى بذلك حتى كان بكلمته مع أعداء الله ألبا على الاسلام عظيما و خطبا جسيما لو لا ما أيد الله تعالى به الاسلام من السيوف
الهاشمية و المقامات العلية العلوية و من شركها في بعض معانيها و الفضل لمن كان في خيل الجلاد في هواديها مصطلما مهج
الكماية كاشفا غيابات الملمات
شديد مضاء البأس يغني لقاؤه إذا زحموه بالقنا و القنابل
و من تفسير الثعلبي في تفسير سورة قاف روى بإسناده عن واصل عن أبي وائل قال و لما كان أبو بكر يقبض قالت عائشة
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما و ضاق بها الصدر
فقال أبو بكر يا بنية لا تقولي ذلك و لكنه كما قال الله تعالى و جاءت سكرة الحق بالموت
[9]
فصل
قال عبد الله بن إسماعيل اعتبر كيف خلا المذكور من حفظ كتاب الله تعالى و لما شرع في تلاوة آية غيرها عن وضعها و تكلم بها على
غير قاعدتها و ربما جعل الغلاة ذلك قراءة له لخصوصية به و لئن صح جعل كل غلط قراءة أدى ذلك إلى نسخ الكتاب جملة نعوذ بالله
من الغلو من الدين المنبعث عن الهوى المردي و به نستعين من سورة النساء من كتاب الكشف عند قوله تعالى وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا قال
المصنف الثعلبي و أخبرنا عبد الله بن حامد أخبرنا محمد بن خالد حدثنا داود بن سليمان حدثنا عبد بن حميد حدثنا حجر بن عبيد عن
العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي إن أبا بكر سئل عن قوله تعالى وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا قال أي سماء تظلني و أي أرض تقلني إذا قلت في
كتاب الله ما لا أعلم و قد روي أن عمر اشتبه عليه ذلك أيضا و قال عند الحديث في هذا تكلف. قال عبد الله بن إسماعيل إذا تأملت
صورة هذه القصة عجبت من غبن الزمن مولانا أمير المؤمنين ص كما عجبت من قبل من قصد الحيف إليه بيان ما اندرج عليه هذا
الكلام اعلم أن هذه الكلمة التي قصر العلم عنها كلمة لا شبهة عربية شهيرة بين الاواخر فضلا عن الاوائل و الذي استعجمت عليه
عربي هذا نقص في العروبية منه و هو أجلى جلاه و أظهر معناه فكيف بما عدا ذلك من علوم كسبية و فوائد نقلية هذا فيما يرجع إلى
المذكور و أما مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص
[10]
فإن الواحدي روى عند قوله تعالى وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
أن رسول الله ص قال لامير المؤمنين علي ع إن الله تعالى أمرني أن أدنيك و لا أقصيك و أن أعلمك و تعي و حق على الله أن تعي
و كفى بذلك دليلا على ما حواه من قحم الفضائل و صواب القول الفاضل جبلية كانت المعارف أو كسبية عقلية أو نقلية و بيان هذه
صواب الرواية و صحتها و تحقيقها عن رسول الله ص و صراحتها أنه ع كان البحر المتلاطم عند جمود الاذهان الخطيب المصقع عند
كلال اللسان و اضطراب الجنان يستخرج من أصداف القرائح جواهرها و يستنبط من عيونها زاخرها و يتقلد من حلي عقودها فاخرها و
يستطلع من أفق أسرارها بدورها و يستوضح من أكناف عرصاتها شذورها فلسانه و سنانه في المضاء سيان و جنانه و بيانه أخوان
توأمان
لكشف ستور الدارعين سنانه و للقصة الطخياء تجلو مناطقه
له قدم في المجد تخترق الثرى رسوخا و بالعرش المحلق عاتقه
أخو العزم رب الحزم ندب إذا ونى سريع رمته بالفتور عوائقه
و مما يبرهن غبن العترة فيما بدأت به من القصة
أن أبا عمر الزاهد حكى أن أمير المؤمنين ع قال لابن عباس إذا كان بعد العشاء الاخرة فالقني في الجبان فلحقه فمضى في تفسير
لفظة الحمد و هي خمسة أحرف من بعد العشاء إلى طلوع الفجر ثم قال له قم إلى وضوئك
و مما يلحق بهذا قوله عليه السلام
فو الله لا تسألوني عن آية في كتاب الله عز و جل نزلت في
[11]
ليل أو نهار أو سهل أو جبل إلا أخبرتكم
و مما يلحق بهذا قوله ع
لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم و بين أهل الزبور بزبورهم و بين أهل الانجيل بإنجيلهم
و غيره خفي عنه لفظة عربية في الكتاب المنزل على النبي المبعوث إليه فاعتبر هذا المعنى لتثبت ما نبهت من الغبن في تقدم المشار
إليه عليه
غبن له حدق الانصاف ناكبة عزوبها الدهر بالجريال تنسكب
و مما يلحق بهذا ما روي من أن الفضل بن مروان كاتب الحسن بن وهب قرأ على المعتصم كتابا فسأله عن الكلا فقال لا أدري فقال سل
عنه فلما سأل عنه رجع إلى المعتصم فقيل سألت عنه فقال هو العشب فأمر له بمائة ألف درهم فانصرف إلى الحسن بن وهب فأخبره
فقال له الحسن لو ضربك مائة ألف سوط على قلة فهمك كان أعود عليك مما أعطاك على جهلك. قال عبد الله بن إسماعيل إن الحسن
استفظع و أنف أن يكون كاتب من كتابه يجهل ما جهله من معنى الكلمة العربية و هما بعيدا العهد من مخالطة أربابها و كاتبه تبع
تبع لبعض البرية فاستحسن العقلاء الاستفظاع و ساعدوا عليه و رأوا الفضل بمقام نقص فيما انتهت حاله إليه فكيف و لا يأنف ملك
البرية من أن يلي أكمل مراتب خدمته جاهل بكلمة من لغة قومه و قبيلته و هذا أيضا يؤكد الغبن لعارف المسلمين و خطيبهم و فصيح
قريش و نجيبهم مقلد الحق أعناق بعيدهم و قريبهم بما شرع
[12]
لهم من سنن الفوائد و مهد لهم من مستوعر شريف المقاصد
فإن لم يكن للفضل ثم مزية على الجهل فالجهد الطويل من الغبن
قال عبد الله بن إسماعيل تصرفت بقولي الجهد تنزيها لمن استشهدت عنه عن صورة الكلمة الخافية قصة موضحة عن الغبن أيضا روي
عن الواقدي أن أبا بكر و عمر جاءا دار عثمان بن شيبة طالبين مفتاح الكعبة فقالت أمه خذ المفتاح فإن تأخذه أنت أحب إلي من أن
تأخذه تميم و عدي و قال الواحدي عن جماعة المفسرين إن أمير المؤمنين ع أخذه من عثمان قسرا ثم رده اختيارا قال ذلك عند قوله
تعالى إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها و من جنس هذا ما روي من أن رسول الله ص كان يمشي بين أبي بكر و خالد بن
سعيد إذ مر بقبر أبي أحيحة أبي خالد فقال أبو بكر يا رسول الله إن هذا لقبر رجل عظيم الجمرة يوم القيامة فقال خالد و الله يا
رسول الله ما سرني أنه كأبي قحافة و أنه في أعلى عليين فضحك رسول الله ص حتى رد بيده على فيه ثم قال يا أبا بكر لا تؤذين
مسلما بكافر
فصل
و من كتاب الكشف و البيان عند قوله تعالى في سورة النساء يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ و قال محمد بن سيرين
نزلت هذه الاية و النبي ص في مسيره إلى حجة الوداع و إلى جنبه حذيفة و إلى جنب حذيفة عمر و لقاها النبي ص حذيفة
[13]
فلقاها حذيفة عمر فلما استخلف عمر سأل حذيفة عنها رجاء أن يكون عنده تفسيره فقال له حذيفة و الله إنك لاحمق إن ظننت أن
إمارتك تحملني على أن أحدثك فيها بما لم أحدث يومئذ لقانيها رسول الله ص فلقيتكها كما لقانيها و الله لا أزيدك عليها شيئا أبدا
فقال عمر لم أرد هذا رحمك الله ثم قال عمر اللهم من كنت بينتها له فإنها لم تبين و من فهمها فإني لم أفهمها و قال طارق بن شهاب
أخذ عمر كتفا و جمع أصحاب رسول الله ص و قال لاقضين في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورها فخرجت حينئذ حية من البيت
فتفرقوا فقالوا لو أراد الله أن يتم هذا الامر لاتمه قال و خطب عمر الناس يوم الجمعة فقال إني و الله لا أدع بعدي شيئا هو أهم إلي
من الكلالة سألت النبي ص عنها فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها حتى طعن في فخذي و قال تكفيك آية السيف. قال عبد الله بن
إسماعيل رحمه الله تعالى إنك إذا اعتبرت هذا النقص في القريحة تارة و في الكسب أخرى و قرنت إلى ما نطق به معلوم السيرة و
نبهت عليه آنفا من حال أمير المؤمنين ع عجبت و رأيت أن كل مغبون إذا فكر سأل بما جرى إذ كيف تقلبت به الحال لا يدانى به
مظلمة مولانا أمير المؤمنين ص و أن غبنه مغمور فيما انساق أمر مولانا إليه و أقرر هذا مبالغا فأقول إن الله تعالى قال في آخر الاية
يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا أي لئلا تضلوا إذا عرفت هذا تنبهت على
[14]
أن الفهم بطيء إذ مع كون الارادة الالهية متعلقة بالافهام ما فهم من فهم و لا دري من درى فكيف به عند شيء لا يقترن بهذه الارادة
الموقظة عين الاذهان الهادية إلى سبيل البيان ثم إن الامر في الاية جلي منصوص عليه فيها و هو إن الكلالة الاخوة حسب ما تضمنته
الاية و أوضحته و إن قيل إنما التبس عليه بمجرد اللغة فيها قلت ممنوع لان أبا بكر كان يقول الكلالة من عدا الولد و كان عمر يقول
من عدا الولد و الوالد فالاشكال عليه إنما كان في موضع الوضوح لا فيما عداه و أيضا فإن بعض الاشياخ الفاضلين حكى عنه أنه لما
جرى حديث الاب عنده قال و ما هذا التكلف إذا عرفت هذا و ما قبله بان لك أن المعنى للمشتبه عليه هو جلي في الاية واضح في
التنزيل أضربنا عن هذا فإن الاية شارحة بنفسها للمراد من الكلالة و كفى بهذا في إيضاح المعنى منها و الذي تقرر أن الاشكال على
المشار إليه كان في غير موضعه حسب ما أشرت إليه كون رسول الله غلظ عليه سؤاله و طعن في فخذه فلو كان الامر محتملا للسؤال
ما كان لطف الرسول و رأفته و مؤيد تسليكه قاضيا بالغيض و الطعن لفخذه ثم إن الله تعالى لما عرف ما عزم عليه من تفسير الكلالة
أخرج حية منعت من ذلك علما منه بما تئول الحال من الخلل إليه و أزيدك في تعرف معنى الغبن فأقول ظاهر و لا خلاف في أن الثاني
كان كثير التعلم من مولانا أمير المؤمنين ع و الاخذ عنه و الاستفادة منه تارة في التدبيرات الدنيوية و تارة في المسائل الشرعية أما
في التدبيرات الدنيوية فإنه لما تخيل لعمر المسير
[15]
إلى العراق للغزو منعه و عرفه وجه المصلحة في ذلك فاتبعه و من جنس ذلك ما جرى في عزمه على أخذ مال الكعبة لتقوية المجاهدين
و هذا التنبيه جار في باب الدين و هذا المعنى باب وسيع جدا و من غريبه قصة أثبتها من خاطري و قد تختلف صورتها مروية عن
الحكم بن مروان عن خير بن حبيب قال نزلت بعمر بن الخطاب نازلة قام لها و قعد و ترنح و تفطر ثم قال أيها الناس ما عندكم فيها
قالوا يا أمير المؤمنين أنت المرجع و إليك المفزع قال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً. قال عبد الله بن
إسماعيل عرف أنهم مدحوه بغير صفته و حلوه بغير حليته فلما رأى قول الاستهزاء منهم قال فقال لهم أما و الله إنكم لتعرفون ابن
نجدتها الخبير بها قالوا و من ذاك كأنك تشير إلى علي بن أبي طالب ع فقال فأنى يعدل به عنه و هل طفحت حرة بمثله قالوا فلو
دعوته فأتاك قال هناك شمخ من هاشم و لحمة من الرسول و أثرة من علم يؤتى لها و لا يأتي قال فتوجهوا إليه فوجدوه في بستان له
يتركل على مسحاة و هو يقرأ أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيّ يُمْنى و دموعه تهمي على خديه فتركوه حتى
فرغ من بكائه ثم سأله عمر المسألة فأصدر إليه جوابها فلوى عمر يديه و قال أما و الله إن الحق أرادك و لكن قومك أبوا عليك فقال
له أمير المؤمنين خفض عليك من هنا و هنا أبا حفص إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً فأظلم وجهه كأنما ينظر من ليل. و من أفراد مسلم أن
عمر سأل أبا أوفى عما قرأ به رسول الله ص
[16]
في صلاة العيد فقلت اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ و ق وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ. قال عبد الله بن إسماعيل رحمه الله تعالى إذا اعتبرت هذه القصة تأكد
الغبن بيان ذلك إنه إما أن يكون للمشار إليه نية في تحصيل الاحكام الشرعية أو لا فإن كان الاول فأين هذه الفطنة من قريحة من
كان تلميذه المقصر عنه يسمع الكلام فيحفظه بمجرد قريحته من غير قصد إلى حفظه أو غرض في إحرازه و إن كان الثاني من كونه لا
نية له في نقل الاحكام الشرعية أشد في غبن من كان في عكس هذه النقائص تماما و في روح الفضائل إماما و لمتفرقها في أقطار
الفلوات قلوب الخواص نظاما
ففيه ما فيهم لا يمترون به و ليس في القوم ما فيه من الحسن
علمه في مجلس واحد ألف حديث حسب الحاسب
كل حديث من أحاديثه يفتح ألفا عجب العاجب
من كان إلف أحمد يوم الوغا جلدة بين العين و الحاجب
و من ذلك نهيه عن المغالاة في المهور حتى نبهته المرأة بقوله تعالى وَ إِنْ... آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً فقال كلكم
أفقه من عمر حتى النساء. و من الجمع بين الصحيحين من مسند عمار بن ياسر أنه قال لمجنب لا تصل فنبهه عمار بأنهما كانا في
سرية فلم يصل عمر أما أنا فتمعكت في
[17]
التراب
فقال رسول الله ص ما صورته إنما يكفيك أن تضرب بيديك ثم تنفخ ثم تمسح وجهك و كفيك
و اللفظ الاول لي. قال عبد الله بن إسماعيل إذا اعتبرت هذه القصة تأكد عجبك لوجوه منها أن آية التيمم مذكورة في سورة شهيرة
متلوة متكررة فكيف خفيت عمن خفيت عنه و منها ما يرجع إلى القريحة و كون هذه القصة جرت له و جرى فيها تردد و بعدت منه إذ
المسائل إذا تردد فيها النزاع حفظتها القرائح الجامدة و احتوت عليها نيران الفطنة الخامدة. و من كتاب أبي إسحاق عند قوله تعالى
في سورة براءة وَ السّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ ما صورته و يروى أن عمر بن الخطاب قرأ و السابقون الاولون من
المهاجرين و الانصار الذين اتبعوهم بإحسان برفع الراء و بغير واو في الذين فقال له أبي بن كعب إنما هو و الانصار و الذين بالواو
فعاودوه مرارا فقال أبي و الله لقد قرأتها على رسول الله وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسان و إنك يومئذ تبيع القرص ببقيع الفرقد فقال
صدقت حفظتم و نسينا و تفرغتم و شغلنا و شهدتم و غبنا ثم قال عمر لابي أ فيهم الانصار قال نعم و لم يستأمر الخطاب و لا بنيه
فقال عمر كنت أظن إنا قد رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا الغرض من هذه القصة. قال عبد الله بن إسماعيل و إذا اعتبرت ما حوته هذه
القصة تأكدت المعرفة بغبن مولانا أمير المؤمنين ع في تقدم هذا عليه بيان ذلك عدم المعرفة بتنزيل هذه الاية ثم بيان كون أبي قال
له إني قرأتها
[18]
على رسول الله ص و أنت تبيع القرص ببقيع الفرقد فصدقه و كان ذلك قريبا من موت رسول الله ص إذ سورة براءة آخر ما نزل من
السورة فانظر كيف تقلبت الحال حتى صار مع ضعف الوسائل تارة بالنقص في العلوم و تارة بعدم البسالة و تارة برقة الحال و تارة
بمناظرته في أن التنزيل كما قال و ليس الامر كذا إلى أن صار رئيسا لمن زلت طائفة من العقول لشرفه فتوهمته إلها معبودا و ربا
موجودا نعوذ بالله تعالى من مقالتهم و سوء طريقتهم و مما يشبه قول أبي في بيع القرص ما روي أن أبا بكر حض الناس على الجهاد
فتثاقلوا قال عمر لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً الاية فقال له خالد بن سعيد بن العاص يا ابن أم عمر أ لنا تضرب أمثال المنافقين و الله لقد
أسلمت و أن لبني عدي صنما إذا جاعوا أكلوه و إذا شبعوا استأنفوه. و مما يلحق بهذا ما روي من أن نسوة رأين عمر راكبا و معاوية
ماشيا فقلن أ لا تعجبن عمر راكب و ابن هند ماش. و من ذلك ما رواه المؤرخون من كونه حفظ سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة و قيل
في سبعة عشر سنة و من روى الرواية الاولى قال إنه لما حفظها نحر جزورا. قال عبد الله بن إسماعيل إن القول في هذا كما قيل في
جنسه من أنه إن كان هذا قدر القريحة فغريب أو قدر الاهتمام فعجيب و يمكن أن يقال إن نحر الجزور يدل على الاول لان النحر يدل
على شدة السرور بحفظها
[19]
و شدة السرور بحفظها أمارة اهتمامه بها فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ. و من ذلك ما روي أن عمر علل إخراج ولده عبد الله من الشورى
لانه عجز عن طلاق امرأته و صورة ذلك أنه طلقها حائضا
| بعدى |
قبلي |