مقدمة الكتاب:

بقلم العلاّمة الكبير حجة الاسلام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء

بسم الله الرحمن الرحيم

 وله العظمة والكبرياء، وخالص الحمد والثناء، والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد سيّد الانبياء، وآله سادة الاصفياء (وبعد) فحقاً أنّ لكل شيء من الكائنات ميزاناً يعرف به قدره ومعياره، وجوهره ونجاره، وميزان كلّ شيء بحسبه. وموازين الرجال التي تعرف بها أقدارها، وتشع بها أنوارها، هي أعمالها وآثارها، وشرف مساعيها، وفيض أياديها، وسمّو همّتها، وعميم منفعتها وقيامها بالامر الواجب، ونهوضها بأداء اللازم، وإقدامها على ما تقاعس عنه الفحول ووقفت دونه عزائم اُولي العقول.

ولقد مرّ على الطائفة الحقّة الامامية ثلاثة عشر قرناً وفي كل قرن من العلماء والعظماء المؤلّفون بعامة العلوم وشتى أنواع الفنون، وقد خلفوا من أصناف التصانيف وآلاف التآليف، ما لا يحصى عددهم وعدد مؤلّفاتهم غير خالقهم، ولقد كان من الحري بل اللازم أن يقوم في كل عصر مَنْ يضبط أسماء علمائه ومؤلّفاتهم حتى تتصل سلسلة الاعصار بعضها ببعض وتعرف مؤلّفات أساطين هذه الطائفة الوضّائة المجد بثقافتها وعلومها وآدابها ومعارفها والتي يمكن أن يقال أنّه ليس في طوائف الاسلام طائفة أعظم منها في العلوم آثاراً ومآثراً، وأبعد منه قدماً وتقدماً وإقداماً ، وأوسع منها دائرة معارف ودورة عوارف، ولكن كان ومن المؤسف أن مآثر علمائها لا تزال مجهولة حتّى لاهل العلم من أبنائها فضلاً عن عوامها وعامّة أغيارها من سائر المذاهب والملل، ولم ينهض في غضون هذه المدّة المتطاولة والقرون المترامية من يقوم بهذه الخدمة الجليلة لاُمّته وأعاظم ملّته بل لخدمة العلم والتاريخ وفي ذمّة الوفاء والفضيلة.

نعم تعدي في هذه الاواخر فضلاء الروم فكتب كتابه المعروف (بكشف الظنون) وهو غير واف بضبط كتب أبناء جلدته وعلماء طائفته فضلاً عن غيرهم، دع عنك ما وقع فيه من غرايب الاشتباهات وعجائب الاغاليط ـ يعرف ذلك أهل المعرفة، والمتخصصون بهذه الصفة ـ والقصاري أن هذه الاُمنية أعني اُمنية تأليف كتاب واسع يتكفّل باحصاء مؤلّفات علمائنا الامامية رضوان الله عليهم ويستوعب ما يمكن ضبطه حسب الجهد والطاقة من مؤلّفاتهم لم تزل حسرة في نفوس الاكابر والعلماء الاماثل ممن أدركناهم، وقد قام في عصرنا هذا بعض الكَتبة في الاقطار النائية فألّف في هذا الموضوع ما لا يغني ولا يسمن لعدم وفائه بالبغية المقصودة والضالّة المنشودة، الى أن بعث الله روح الهمّة والنشاط وصدق العزيمة في نفس العالم العلاّمة الحبر جامع العلم والورع ومحيي السنّة ومميت البدع أخينا وخليلنا في الله الشيخ آقا بزرگ الطهراني أيده الله وسدده وأمده بخصوص عناياته وخاصّة ألطافه، فشمّر عن ساعد الهمّة ونهض بتلك الخدمة وجدّ في المسعى وجاء بكتاب جمع فأوعى بعد أن تكلّف مشقة الاسفار وجاب الاقطار وصرف كثيراً من عمره الشريف في الفحص والتنقيب في المكتبات المشهورة والكتب الدارسة المطمورة وقد نظرنا بعض أجزائه فوجدناه وافياً بالغرض، ملتقطاً للجواهر نابذاً الفضول والعرض حاوياً لضبط ما شذ وندر وما شاع واشتهر فعرفنا مقدار علوّ همّته وشرف مساعيه، وجليل عمله وما عاناه في هذا السبيل من المشاق وتحمل ما لا يطاق، وإليه تعالى نرغب بأن يعينه على إكمال هذا المشروع الجليل والموضوع الجميل والعمل النافع فإنه من الاثار الخالدة والحسنات الدائمة (والباقيات الصالحات خير عند ربّك ثواباً وخير أملاً) والامل بسائر المؤمنين على اختلاف طبقاتهم أن يقدروا قدر هذه الخدمة الكبرى، ساعين في نشر هذا الكتاب وتعميم الانتفاع به والابتهاج بظهوره وصدوره ومنه جلّ شأنه نستمد المعونة والتوفيق للجميع إن شاء الله... كتبه بأنامله الداثرة

محمد الحسين آل كاشف الغطاء

شوال سنة 1341  

 

حياة المؤلف

لا اُريد أن أمثل لك في كلمتي هذه إلا نفسية كبيرة تأبى لها الهمّة القعساء إلاّ الذروة والسنام من كلّ فضيلة، ولا أصف إلاّ شخصية بارزة لا تقتنع لها المآثر إلاّ بالخلود حتّى أنّك إذا وقفت عليها وقوف مستشف للحقيقة تجد حياة ثمينة كرسها المترجم في صالح اُمّته فأبقى لها كياناً خالداً وصحيفة بيضاء ترتل حروفها الحقب والاعوام.

بالرغم من عبقرية (علماء الشيعة) في العلوم بأسرها، وتهالكهم في تدوين المعقول والمنقول، وحرصهم على ضبط ولائد الافكار، واتقان مباني الفلسفة، وترصيف مباحث الكلام، وترتيب دروس الاخلاق، ونضد قواعد الفقه، وضم حلقات التفسير وتنسيق طبقات الرجال، وجمع شذرات الحديث، وتأليف شوارد السير، ونظم جواهر الادب، وتقفيتهم كل مأثرة بمثلها.

بالرغم من تلكم الجهود المتواصلة، قد أوشكت أن تذهب آثارهم القيّمة ادراج الرياح بين اُناس حناق على الحقيقة يتحرون تشويه سمعة القوم وستر فضائلهم وآخرين متساهلين عن الاشارة بها لاسباب كانت تقضي بذلك في ظروف قاسية وسلطات شديدة الكلب وأضغان محتدمة وأغراض مستهدفة، على ذلك نسلت أجيال ودهور وكتب الشيعة لا تنسج عليها إلاّ عناكب النسيان، وتتدهور بها الاحوال إلى هوّة الاهمال.

نعم نجمت بين هاتيك الكوارث والهنابث كتب ثمينة كافلة لذكريات علماء الشيعة وذكر تآليفهم لكن فيها ما لا يفي إلا ببعض القصد وما حجبته الظروف عن النشور على أن الغاية في أكثرها التبسط في سير المترجمين وجاء ذكر الكتب مستطرداً مما توخاه مؤلّفوها وأما كتاب يعنى فيه بسرد المؤلّفات واستيفاء مايتسنّى للباحث تذكاره منها فلم نجد منه إلا طفائف محدودة أو مخدجة.

هنالك أغرار بسطاء لا يتلقون الحقائق إلاّ ممّن لا كفاءة له من مستشرق متطفل على علوم المسلمين، أو متحيز الى فئة تضمر عداء للقوم وتنظر إليهم بمؤخر عينها يتحرون الحقيقة من هؤلاء كمن يتطلب الدرياق من فقم الافعى، فمن جرّاء ذلك طالما لاكت أشداق قوم ودارت بين لهوات آخرين (أن الشيعة ليس لها مؤلفات يستفيد بها خلفهم في شتى العلوم ولا جرم أنهم متطفلون على موائد غيرهم متسولون من البُعداء متكففون في علومهم) هذا وعندهم من علوم آل البيت(عليهم السلام) في كل باب ما تخضع له الاعناق وتخبت به القلوب وتعنو لها النفوس.

مضت على ذلك أدوار لا ينشر للشيعة ما ينمّ عن فضلهم الباهر وعقليتهم الناضجة، وربما شفع ذلك بنشر ما هم منه براء من عزو مختلق وشنعة مكذوبة تولعوا بهاتيك السفاسف كأنهم يحدثون عن احدى الاُمم البائدة التي لم تبق لها الايام أثراً، أو يخبرون عن حثالة من حشوة الناس وساقة الاُمم لم يدع لهم الجهل المطبق من يدفع عن شرفها، هذا وهم نصف الاُمّة وفيهم الفلاسفة والعلماء والساسة والملوك والكتّاب والمؤلّفون وصاغة القول ومداره الكلام.

من تلق منهم تلق كهلاً أو فتى علم الهدى بحر الندى المورودا

في الاونة الاخيرة قيض المولى سبحانه فذاً من أفذاذ الاُمّة وأوحدياً من عباقرة المسلمين للبرهنة على هذه الدعوى، ألا وهو العلاّمة الاكبر حجة الاسلام الشيخ «محمّد المحسن» الرازي المتولد في الحادي عشر من ربيع الاوّل سنة (1293 هـ) نزيل سامراء حرم الامامين العسكريين(عليهما السلام) مدرسة آية الله المجدد الشيرازي(قدس سره) ، قيضه المولى ومعه حافز من الضمير الحرّ والحفاظ المرّ وبيمينه (كتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) يملي على العالم كلّه ما لامته من المجد الغابر والسؤدد الحاضر والشرف الوضاح بنشر العلم واقتناء الفضائل، ألا وهو هذا الكتاب الذي يزفّه الطبع إلى القرّاء الكرام (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) وينهي إلى الملا أن الشيعة لم يقصروا عن إخوانهم من فرق الاسلام في التحلّي بالعلوم والحكم ولا أنهم وانون في كلاءة نواميس الدين وبث تعاليم الحنيفية البيضاء أو السعي في مناجح الاُمّة، وهذه كتبهم تشهد لهم بذلك وتراغم من يسر لهم حسواً في ارتغاء وتكبح سورة المرجفين بهم والمفترين عليهم.

نهض شيخنا المترجم لهذه المهمّة منذ سنة (1329 هـ) بعزم لا يكهمه الفشل ونشاط لا يفله الكلل مثابراً على العمل معانياً فيه أتعاباً وجهوداً من تجول في البلاد وتطلع على المكتبات وسير للكتب والفهارس وتحرّ لكل ما يتوصل به إلى ضالّته المنشودة من سعي متواصل وعمل يردف بعضه بعضاً حتّى طوى على ذلك إلى الوقت الحاضر سنة (1355 هـ) ستة وعشرين عاماً، فكان من ولائد هاتيك المساعي المشكورة هذا الكتاب الضخم القيّم الذي سوف يتم طبعه في عشرة مجلدات أو يزيد مستوعباً لجميع الحروف وافياً للغرض، وإن كان من المتعذر عادة الاحاطة بجميع كتب الشيعة مع تفرقها في مناحي شتى وأقطار شاسعة، لكن شيخنا المؤلف لم يعده ما تصل إليه يد التنقيب ويتسنى للباحث النقيد تذكاره، وبذلك كانت له عند الاُمّة جمعاء يد واجبة يجب عليها شكرها ما دار الملوان، وإلى المولى سبحانه نبتهل في أن ينتهي هذا النشر إلى غاية الكتاب بتمام مجلداته حتّى يعم الانتفاع به وإن كان الخواص انتفعوا به قبل هذا ، فقد جعله العلاّمة الامين العاملي أحد مصادر كتابه (أعيان الشيعة) وكذلك غيره من المؤلفين.

لم يقف سعي شيخنا المترجم وراء صالح قومه على حد، فليس هذا الكتاب وحيداً ممّا أفرغه في قالب التأليف وإن كان فذاً في بابه، فله لكل قرن من القرون الهجرية منذ القرن الرابع حتّى القرن الحاضر كتاب منفرد مفرد في موضوعه أفاض القول فيها في تراجم أعيان تلكم الايام الخالية وذكر مآثرهم وآثارهم الخالدة وإليك أسماؤها:

1 ـ نوابغ الرواه في رابعة المآت.

2 ـ إزاحة الحلك الدامس بالشموس المضيئة في القرن الخامس.

3 ـ الثقاة العيون في سادس القرون.

4 ـ الانوار الساطعة في المائة السابعة.

5 ـ الحقائق الراهنة في تراجم أعيان المائة الثامنة.

6 ـ الضياء اللامع في عباقرة القرن التاسع.

7 ـ إحياء الداثر من مآثر أهل القرن العاشر.

8 ـ الروضة النضرة في علماء المائة الحادية عشرة.

9 ـ الكواكب المنتثرة في القرن الثاني بعد العشرة.

10 ـ الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة.

11 ـ نقباء البشر في القرن الرابع عشر.

وله كتاب «مصفى المقال في مصنفي علم الرجال» أطراه العلاّمة المامقاني(رحمه الله) في تنقيح المقال وذكر انّ عدّة المترجمين فيه يقرب من خمسمائة رجل وكلّها حافلة بذكريات خلت عن كثير منها المعاجم والكتب، ولكن المؤلّف تمكن من الحصول عليها بفضل بحثه المتتابع ومثابرته المعلومة فأعاد إلى تلكم الحلقات البائدة حياة أبديه، وله كتاب «هدية الرازي إلى المجدد الشيرازي» ضم بين دفتيه حياة الامام المجدد علم العلم والدّين سيّد الطائفة وزعيمها المقدس السيّد ميرزا محمّد حسن الشيرازي نزيل سامراء المتوفّى سنة (1312 هـ) ، وكتاب «ضياء المفازات في طرق مشايخ الاجازات» و «الدرّ النفيس في تلخيص رجال التأسيس» و «محصل مطلع البدور في تلخيص ما فيه من المنثور» و «الياقوت المزدهر في تلخيص رياض الفكر» و «مشجرة في الانساب» و «تشجير كتاب حديقة النسب» للعلاّمة أبي الحسن الافتوني.

لم يعطف المترجم على هذه المواضيع المهمة إلاّ بعد تكميل نفسه بالعلوم الدينية من الفقه واُصوله وتهذيبها بالملكات الفاضلة وتمرينها بالاداب الشرعية منذ قدم العراق وحط رحله بالنجف الاشرف سنة (1313 هـ) إلى سنة (1329 هـ) التي هاجر فيها إلى سامراء وأخذ العلم عن الفطاحل الاعلام، المحقق المولى محمّد كاظم الخراساني، والعلاّمة الحبر الشيخ الشريعة الاصفهاني، وآية الله السيّد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، وكتب تقرير أبحاثهم في الفقه واُصوله، وفي سامراء اختصّ بالتلمذة على الزعيم المقدّم آية الله المجاهد ميرزا محمّد تقي الشيرازي، وله رسائل اُخرى تأسيسية، منها «النقد اللطيف في نفي التحريف من القرآن الشريف» و «تعريف الانام في ترجمة المدينة والاسلام» إلى الفارسية وتهذيبه وتبويبه، نشر شطر منه في مجلة (درة النجف) النجفية سنة (1327 هـ).

ولشيخنا المترجم الرواية عن جماعة من حجج الاسلام وعمد الدين وأركانه نذكر أسمائهم حسب ترتيب وفياتهم كما ذكرهم كذلك في إجازته للكاتب، الحاج ميرزا حسين النوري، المولى علي النهاوندي، الشيخ محمّد طه نجف، السيد المرتضى الكشميري، الحاج ميرزا حسين الخليلي، المولى محمّد كاظم الخراساني ، الحاج السيد أحمد الرازي الحائري، الشيخ محمّد صالح آل طعان البحراني، ميرزا محمّد علي المدرس الرشتي، الشيخ علي الخاقاني، السيّد محمد علي الشاه عبدالعظيمي، شيخ الشريعة الاصفهاني، الشيخ موسى بن جعفر الكرمانشاهي، السيّد أبو تراب الخوانساري، الشيخ عليّ بن الشيخ محمّد رضا كاشف الغطاء، السيّد أبو محمّد الحسن الصدر قدّس الله أسرارهم، السّيد ناصر حسين اللكهنوي دامت بركاته، ولكلّ منهم طرق ضافية الذيول مثبتة في مظانها، وللمترجم إجازات كثيرة للعلماء والافاضل المعاصرين تربو على الثلاثين ولنا منه إجازة مبسوطة ذات فوائد جمة بطرقه هذه كلها.

وكانت له رحلتان خلال تلكم المدد الى إيران تطلب فيهما ما وسعه من مواضيع كتبه.

لم نتحر الاستقصاء في هذه الترجمة بذكر كلّ ما يتعلّق بها وإنما أردنا إيقاف القرّاء على شيء ممّا هو دخيل في الغرض هاهنا وإلاّ فدون فضل صاحبها منقطع الوصف والبيان...

محمد علي الغروي الاوردبادي