• التاريخ : الجمعة 26 شعبان 1431

في القرآن التأويل والتنزيل


           

"تأويل القرآن" وردت في ثلاث آيات هي

1- ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّه1.

2- ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ2.

3- ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى إلى قوله تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ3.

التأويل مأخوذ من الأول بمعنى الرجوع، ويراد من التأويل الشيء الذي ترجع الآية اليه. والتنزيل يقابل التأويل وهو المعنى الواضح للآية الذي لا يحتاج إلى ارجاعه إلى شيء آخر.


معنى التأويل عند المفسرين والعلماء


اختلف المفسرون في معنى التأويل اختلافا شديدا، وبعد الفحص في أقوالهم يمكن ارجاعها الى اكثر من عشرة، الا أن المشهور فيه قولان:

1- قول القدماء، ومحصل كلامهم أن التفسير والتأويل بمعنى واحد وهما مترادفان. وعليه فلكل الآيات القرآنية تأويل، وبمقتضى قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّه يختص العلم بالآيات المتشابهة بالله عز شأنه.

ومن هنا ذهب جماعة من القدماء إلى أن الآيات المتشابهة هي الحروف المقطعة التي في أوائل السور، لأنه لاتعرف آية تخفى معناها على الناس الا هذه الحروف. ولكننا في فصول سابقة بحثنا عن هذا بشيء من التفصيل وذكرنا وجه عدم صحته.

وعلى أي حال لما نفى القرآن الكريم علم تأويل بعض الآيات عن غير الله تعالى، وليس لنا آية لا يعرف تأويلها أي يخفى معناها على الكل كما ذكروا ولم تكن الحروف المقطعة التي في أوائل السور هي الآيات المتشابهة.. لهذه الوجوه ترك المتأخرون هذا القول الذي ذهب اليه القدماء.

2- قول المتأخرين، وهو أن "التأويل" المعنى خلاف الظاهر الذي يقصد من الكلام. وعليه فليس لكل الآيات تأويل، وانما يختص ذلك بالآيات المتشابهة التي لا يحيط بعلمها الا الله، كالآيات الظاهرة في الجسيمة والمجيء والاستواء والرضا والسخط والأسف وغيرها من الأوصاف المنسوبة اليه جل جلاله وكذلك الآيات الظاهرة في نسبة الذنب إلى الرسل والأنبياء المعصومين عليهم السلام.

بلغ هذا القول من الاشتهار بحيث أصبحت لفظة "التأويل" كالحقيقة الثانية في المعنى خلاف الظاهر، فان تأويل الآيات القرآنية في المباحث الكلامية والخصام العقائدي يعني هذا المعنى بالذات، كما أن حمل الآية على خلاف ظاهر معناها بدليل يسمونه "التأويل" موضوع دائر على الألسن مع أنه لا يخلو من تناقض4.

هذا القول مع شهرته العظيمة ليس بصحيح، ولا ينطبق على الآيات القرآنية، لأنه:

أولا:الآيتان المنقولتان في الفصل السابق ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ و﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ * وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ظاهرتان أن كل في الآيات لها تأويل ولا يختص ذلك بالآيات المتشابهة كما يبدو من هذا القول.

وثانيا: لازم هذا القول وجود آيات في القرآن يشتبه الناس في فهم مدلولها الحقيقي ولا يعلمه الا الله تعالى. ومثل هذا الكلام الذي لايدل على مدلوله لايعد كلاما بليغا فكيف بتحديه للبلغاء في بلاغته.

وثالثا: بناء على هذا القول لاتتم حجية القرآن الكريم، لأنه حسب احتجاج الآية الكريمة ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، احدى الدلائل على أن القرآن ليس من كلام البشر عدم وجود اختلاف معنوي ومدلولي بين الآيات مع بعد أزمان نزولها وتباين ظروف النزول واسبابه وما يظهر من الاختلاف بين بعض الآيات في بادىء النظر يرتفع بالتفكر والتدبر في الآيات.

ولو فرضنا أن كمية كبيرة من الآيات المسماة بـ"المتشابهات" تختلف مع كمية أخرى تسمى بـ"المحكمات" ونرفع الاختلاف بينها بأن نذهب إلى أن ظاهرها غير مراد وما يراد منها معان لا يعلمها الا الله تعالى.. هكذا رفع الاختلاف لايدل علىأن القرآن ليس من كلام البشر.

وهكذا لو رفعنا الاختلاف بصرف ظاهر كل آية يخالف مضمونها أو يناقض الآيات المحكمة، فأولناها حسب اصطلاح المتأخرين بأن حملناها على معنى خلاف الظاهر.

ورابعا: لا دليل اطلاقا على أن المراد من "التأويل" في آية المحكم والمتشابه هو المعنى خلاف الظاهر، كما لم يقصد مثل هذا المعنى في الآيات التي ذكرت فيها لفظة التأويل، فمثلا:

في قصة يوسف عليه السلام عبر في ثلاثة مواضع5 عن تعبير الرؤيا بكلمة "التأويل"، وظاهر أن تعبير الرؤيا ليس معنى خلاف الظاهر للرؤيا بل هو حقيقة خارجية ترى في النوم بشكل مخصوص، كأن رأى يوسف تعظيم أبيه وأمه واخوته بشكل سجدة الشمس والقمر والنجوم له، ورأى ملك مصر سنوات القحط في صورة سبع بقرات عجاف يأكلن سبعا سمانا، ورأى صاحبا يوسف في السجن الصلب وخدمة الملك في صورة عصر الخمر وحمل الخبز على الرأس تأكل الطير منه.

وفي قصة موسى والخضر، بعد ان يخرق السفينة ويقتل الغلام ويقيم الجدار، يحتج عليه موسىفي كل مرة فيذكر له السر الكامن وراء أعماله ويسميه "التأويل". ومعلوم أن حقيقة الاعمال والنظر الحقيقي في انجازها كالروح لها سميت بالتأويل، وليست هي المعنى خلاف الظاهر لها.

ويقول تعالى بشأن الوزن والوكيل: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً6.

وواضح أنه يريد من التأويل في الكيل والوزن وضعا اقتصاديا خاصا يوجد في السوق بواسطة البيع والشراء والنقل والانتقال. والتأويل بهذا المعنى ليس معنى خلاف الظاهر من الكيل والوزن، بل هو حقيقة خارجية، وروح أوجدت في الكيل والوزن تقوى وتضعف بواسطة استقامة المعاملة وعدم استقامتها.

ويقول تعالى في موضع آخر: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ... ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً7. من الواضح أن المراد من التأويل في هذه الآية هو ثبات الوحدة واقامة علاقات روحية في المجتمع، وهذه حقيقة خارجية وليست معنى خلاف الظاهر لردع النزاع.

وهكذا المواضع الأخرى من القرآن الكريم الواردة فيها لفظة "التأويل"، وهي مع ما سبق ستة عشر موضعا. ففي كل هذه المواضع لا يمكن أخذ التأويل بمعنى "المدلول خلاف الظاهر"، بل هو معنى آخر يلائم ايضا مع التأويل الواردة في آية المحكم والمتشابه كما سنذكره في الفصل الآتي. ولهذا لا موجب لتفسير "التأويل" في الآية المذكورة بمعنى "المدلول خلاف الظاهر".


المعنى الحقيقي للتأويل في عرف القرآن


ملخص ما نستفيده من الآيات الوارد فيها لفظ "التأويل" وقد سبق ذكر بعضها أنه ليس من قبيل المعنى الذي هو مدلول اللفظ. فان من الواضح أن ما نقل في سورة يوسف من رؤياه وتأويله لا يدل اللفظ الذي يشرح الرؤيا على تأويله دلالة لفظية، ولو كانت تلك الدلالة من قبيل خلاف الظاهر. وهكذا في قصة موسى والخضر عليهما السلام، فان ألفاظ القصة لاتدل على التأويل الذي ذكره الخضر لموسى. كما أنه في آية ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ لا تدل هاتين الجملتين دلالة لفظية على وضع اقتصادي خاص هو التأويل للأمر الوارد فيها. وفي آية ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ لا تدل الآية دلالة لفظية على تأويله الذي هو الوحدة الاسلامية... وهكذا دواليك في الآيات الاخرى لو أمعنا النظر فيها.

بل في الرؤيا تأويله حقيقة خارجية رآها الراؤون في صورة خاصة، وفي قصة موسى و الخضر تأويل الخضر حقيقة تنبع منها اعماله التي عملها، والأمر في آية الكيل والوزن تأويله مصلحة عامة تنبع منه، وآية رد النزاع إلى الله والرسول أيضا شبيهة بما ذكرناه.

فتأويل كل شيء حقيقة ينبع ذلك الشيء منها وذلك الشيء بدوره يحقق التأويل، كما أن صاحب التأويل بقاؤه بالتأويل وظهوره في صاحبه.

وهذا المعنى جار في القرآن الكريم، لأن هذا الكتاب المقدس يستمد من منابع حقائق ومعنويات قطعت أغلال المادية والجسمانية، وهي أعلى مرتبة من الحس والمحسوس وأوسع من قوالب الألفاظ والعبارات التي هي نتيجة حياتنا المادية.

ان هذه الحقائق والمعنويات لايمكن التعبير عنها بألفاظ محدودة، وانما هي الفات للبشرية من عالم الغيب إلى ضرورة استعدادهم للوصول إلى السعادة بواسطة الالتزام بظواهر العقائد الحقة والأعمال الصالحة، ولا طريق للوصول إلى تلك السعادة الا بهذه الظواهر، وعندما ينتقل الانسان إلى العالم الآخر تتجلى له الحقائق المكشوفة، وهذا ما يدل عليه آيتا سورتي الأعراف ويونس المذكورتان.

والى هنا يشير أيضا قوله تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ8.

انطباق الآية على "التأويل" بالمعنى الذي ذكرناه واضح لا غبار عليه، وخاصة لأنه قال "لعلكم تعقلون" ولم يقل "لعلكم تعقلونه"، لأن علم التأويل خاص بالله تعالى كما جاء في آية المحكم والمتشابه "وما يعلم تأويله الا الله"، ولهذا عندما تريد الآية أن تذكر المنحرفين الذين يتبعون المتشابهات، فتصفهم بأنهم يبتغون الفتنة والتأويل ولم تصفهم بأنهم يجدون التأويل.

فاذا "التأويل" هو حقيقة أو حقائق مضبوطة في أم الكتاب ولايعلمها الا الله تعالى وهي مما اختص بعالم الغيب.

وقال تعالى أيضا في آيات اخرى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ9.

يظهر جليا من هذه الآيات أن للقرآن الكريم مقامان: مقام مكنون محفوظ من المس، ومقام التنزيل الذي يفهمه كل الناس.

والفائدة الزائد التي نستفيدها من هذه الآيات ولم نجدها في الآيات السابقة هي الاستثناء الوارد في قوله "الا المطهرون" الدال على أن هناك بعض من يمكن أن يدرك حقائق القرآن وتأويله. وهذا الاثبات لاينافي النفي الوارد في قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ، لأن ضم احداهما إلى الأخرى ينتج الاستقلال والتبعية، أي يعرف منها استقلال علمه تعالى بهذه الحقائق ولا يعرفها أحد الا باذنه عز شأنه وتعليم منه.

وعلم التأويل شبيه فيما ذكرناه بعلم الغيب الذي اختص بالله تعالى في كثير من الآيات، وفي آية استثنى العباد المرضيون فاثبت لهم العلم به، وهي قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُول10. فمن مجموع الكلمات في علم الغيب نستنتج أنه بالاستقلال خاص بالله تعالى ولا يطلع عليه أحد الا باذنه عز وجل.

نعم، المطهرون هم الذين يلمسون الحقيقة القرآنية ويصلون إلى غور معارف القرآن كا تدل عليه الآيات التي ذكرناها. ولو ضممنا هذه إلى قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا11 الوارد حسب أحاديث متواترة في حق أهل البيت عليهم السلام نعلم أن النبي وأهل بيته هم المطهرون العالمون بتأويل القرآن الكريم.


القرآن الناسخ والمنسوخ


بضمن آيات الأحكام الواردة في القرآن آيات احتلت أحكامها مكان أحكام كانت موضوعة في آيات سابقة، فأنهت مفعولها ولم تعد تلك الأحكام معمولا بها. وتسمى الآيات السابقة بـ"المنسوخ" والآيات اللاحقة بـ"الناسخ".

فمثلا في بداية مبعث الرسول أمر المسلمون بمداراة أهل الكتاب في قوله تعالى ﴿فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ12. وبعد مدة أنهي هذا الحكم وأمروا بالقتال معهم في قوله ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَاب13.

والنسخ الذي يدور على ألسنتنا حقيقته هي: وضع قانون لمصلحة ما والعمل به ثم ظهور الخطأ في ذلك والغاؤه ووضع قانون جديد مكانه.

لكن لا يمكن نسبة مثل هذا النسخ الدال على الجهل، والخطأ إلى الله تعالى المنزه عن كل جهل وخطأ، ولا يوجد هكذا نسخ في الآيات الكريمة الخالية عن وجود أي اختلاف بينها.

بل النسخ في القرآن معناه: انتهاء زمن اعتبار الحكم المنسوخ. ونعني بهذا أن للحكم الأول كانت مصلحة زمنية محدودة وأثر مؤقت خاص تعلن الآية الناسخة انتهاء ذلك الزمن المحدود وزوال الأثر.

ونظرا إلى أن الآيات نزلت في مناسبات طي ثلاث وعشرين سنة من السهولة بمكان تصور اشتمالها على هكذا أحكام.

ان وضع حكم موقت في حين لم تتم مقتضيات الحكم الدائم، ثم وضع الحكم الدائم وابدال الحكم الموقت به، شيء ثابت لا اشكال فيه. كما يفهم هذا أيضا ما ورد في القرآن الكريم حول فلسفة النسخ. قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ  * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ14.


الجري والانطباق في القرآن


القرآن الكريم كتاب دائم لكل الازمان وتسري احكامه على كل الناس، فيجري في الغائب كما يجري في الحاضر وينطبق على الماضي والمستقبل كما ينطبق على الحال. مثلا الآيات النازلة في حكم على أحد المؤمنين بشروط خاصة في عصر النبوة يسري ذلك الحكم على غيره لو توفرت تلك الشروط في العصور التالية أيضا، والآيات التي تمدح أو تذم بعض من يتحلى بصفات ممدوحة أو مذمومة تشمل من يتحلى بها ممن لم يعاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

فاذا مورد نزول آية مالا يكون مخصصا لتلك الآية نفسها. ونعني بذلك لو نزلت في شخص أو أشخاص معينين لا تكون الآية جامدة في ذلك الشخص أو أولئك الأشخاص، بل تسري في كل من يشترك مع أولئك في الصفات التي كانت موردا لتلك الآية.

هذا هو الذي يسمى في ألسنة الأحاديث بـ"الجري" قال الأمام الباقر عليه السلام، في حديثه للفضيل بن يسار، عندما سأله عن هذه الرواية: ما في القرآن آية الا ولها ظهر وبطن وما فيها حرف الا وله حد ولكل حد مطّلع، مايعني بقوله: ظهر وبطن؟ قال عليه السلام: ظهره تنزيله وبطنه تأويله، منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد، يجري كما يجري الشمس والقمر كلما جاء منه شيء وقع. الحديث15.


وفي بعض الأحاديث يعتبر بطن القرآن يعني انطباقه بموارد وجدت بالتحليل مثل الجري16.

*القران في الاسلام، دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع، ط3، ص39-52.


 

1- آل عمران:7.
2- الأعراف:53.
3- يونس:39.
4- لأن تأويل الآية مع الاعتراف بأن التأويل لايحيط بعلمه الا الله تعالى عمل مناقض، ولكن هؤلاء ذكروا ذلك بعنوان أنه احتمال في الآية.
5- ذكر رؤيا يوسف عليه السلام في الآية الثالثة من سورة يوسف اذ قال يوسف لأبيه يا أبت اني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين". وذكر تأويل رؤياه في الآية 100 على لسان يوسف حينما رأى أبيه وأمه بعد سنين من الفراق "ورفع ابويه على العرش وخرّوا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا".
ورؤيا ملك مصر مذكور في الآية 43 "وقال الملك اني أرى سبع بقرات يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات.
وتأويله مذكور في الآية 47 49 على لسان يوسف "قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله الا قليلا مما تأكلون. ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن الا قليلا مما تحصنون. ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون".
ورؤيا صاحبي يوسف في السجن مذكور في الآية 36 ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما اني أراني أعصر خمرا وقال الآخر اني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه".
وتأويله مذكور في الاية 41 على لسان يوسف يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضى الأمر الذي فيه تستفتيان".
6- الاسراء:35.
7- النساء:59.
8- الزخرف: 1،2،3،4.
9- الواقعة: 77،78،79،80.
10- الجن:27.
11- الأحزاب: 33.
12- البقرة: 39.
13- التوبة: 29.
14- النحل: 102.
15- تفسير العياشي 1/10.

16- أنظر المصدر السابق1/11.

Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved