• التاريخ : الأحد 6 ذوالقعده 1433

ضرورة الإستئناس بالقرآن والتدبر فيه


           

 
 
 
(قال الإمام علي؛ أمير المؤمنين(ع)، لشخص قد ارتكب سرقة قد جيء به إليه: كم من القرآن تجيد؟ فقرأ الشخص المذنب آية من سورة البقرة، فقال له الإمام (ع): (قد وهبتُ يدك بسورة البقرة)!
لم يكن هذا تمييزاً في غير محله؛ بل هو عمل وإجراء متميز ارتكز على مكانة سورة البقرة وكان من أجل توقير القرآن الكريم، فالإمام علي(ع) كان لا يجامل أحداً بشأن المبادئ والقيم والمعايير ولهذا كان يقوم بإجراء الحدود الشرعية في حق من ارتكب خطيئة الفسق والفجور ولم يلاحظ في ذلك المكاسب الشخصية أو المصالح الذاتية، في حين أنه وفي موقف مشابه نراه يغمض عينيه(ع) من أجل القرآن؛ فيعرض عن إجراء حدّ السرقة في حق المذنب والمجرم، هذا هو أمير المؤمنين(ع)؛ أي أنه يسير ويتحرك على أساس القيم الإلهية ولا يأبه بشيء آخر، دون ذلك، هذا هو عدل علي بن أبي طالب(ع))[1].
(الإستئناس بالقرآن، يقوّي ويعمّق المعرفة الإسلامية في أفكارنا، بل وإن الشقاء والتعاسة التي أصيبت بها المجتمعات الإسلامية ناتجة عن الإبتعاد من القرآن وحقائقه ومعارفه الجمة، فالذين لا يدركون المعاني القرآنية والمفاهيم المكنونة فيه من المسلمين، ولم يستأنسوا بالقرآن الكريم؛ فإنّ أوضاعهم واضحة للجميع وحتى الذين لا يفهمون القرآن ـ ولو كانوا من العرب ومن أهل لسان القرآن ـ لعدم التدبر في الآيات القرآنية، فهؤلاء أيضاً لم يتعرفوا على الحقائق القرآنية ولم يستأنسوا بها، لهذا فالكل مثلاً يعمل بأن هذه الآية تقرأ في الدول العربية وبواسطة العرب أنفسهم: ﴿لَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾[2]، أي أن الله عزوجل لم يسمح لهم أن يكونوا تحت سيطرة واستيلاء الكفار، ويحتقرون، لكن المشكلة هي أنهم لا يطبقون هذه الآية الكريمة، لأنهم لا يلتفتون ولا يتدبرون في هذه الآيات القرآنية، لهذا نرى التخلّف لا يبرح الدول والمجتمعات الإسلامية).
(ولابد من فهم الإسلام كما هو وبشكل صحيح، كما انعكس في النصوص الإسلامية الأصيلة ولابد أن نتفهم الإسلام ونتعلم القرآن ونستفيد من هديه وصراطه كثيراً، لأن القرآن هو: (تبيان لكل شيء)؛ القرآن دليل واضح وبيان ناصع وخط مستقيم، لكن هناك عوامل وعناصر في المجتمعات الإسلامية تلقّن المفكرين والمثقفين بأن لابد من معرفة الإسلام بالأساليب والآليات الغربية وعن طريق العلوم والمعارف الغربية، حيث أن هذا التلقين والإيحاء، يعتبر استمراراً للإستيلاء الفكري للغرب وغزو الثقافة الغربية التي تخاف وتتحفظ من انتشار الأيدلوجية الإسلامية في العالم؛ أليس كذلك؟! بطبيعة الحال فإن جميع هذه المعارف، تؤدي إلى وعي أكثر للإنسان المسلم وتزوده بفهم وإدراك أفضل، لكن الإسلام لابد أن يؤخذ ويُستنبَط من الإسلام ذاته ولابد من كشف الحقائق الإسلامية من نصوص الإسلام الأصيلة؛ ولابد من التعرف على الإسلام بنفس المصطلحات الإسلامية، عندها سنفهم الإسلام كما هو، ثم لابد أن نقوم بتطبيقه والعمل به).
(أيها الشباب والناشئة الأعزاء! يا من تتعلمون القرآن! إعلموا أنكم قد وفّرتم لأنفسكم كنزاً لا ينفذ للتفكير والبحث؛ وهذا شيء مهم وقيّم للغاية، قد لا يمكنكم استنباط واستنتاج المفاهيم والمعارف العميقة للآيات القرآنية في سنين الشباب وقد لا تفهمون الآيات بشكل صحيح، بل قد لا تدركون من القرآن إلاّ بعض الأشياء القليلة والظاهرية ولكن عندما يزداد مستوى المعلومات والتقدم العلمي لديكم، ستستفيدون أكثر فأكثر من الآيات التي بقيت في ذاكرتكم ونُقشت على أذهانكم، إذ أن حضور وتواجد القرآن على خلفيّة ذهن الإنسان، يعدّ نعمة كبيرة جداً في حد ذاتها. وهناك فرق شاسع بين الذي يقلّب الآيات ويطالع الفهارس القرآنية ليرى هل توجد في هذا الصدد أو ذاك آية تلائم هذا الموضوع أو ذاك، أم لا؟ قياساً بالشخص الذي يستذكر الآيات القرآنية في ذهنه وقلبه وهي تتراءى أمامه، فيستخرج ويستنبط من القرآن ما يحتاج إليه وفي أي مجال من المعارف الإسلامية وبإمكانه أن يفكر ويتأمل في تلك الآيات. أجل إنّ الإستئناس بالقرآن أيام عهد الطفولة ثم الصباوة حتى فترة الشباب، نعمة عظيمة للغاية.
بطبيعة الحال، تعتبر المعرفة الأولية بالألفاظ والظواهر القرآنية هي الخطوة الأولى وهي في حدّ ذاتها ضرورية وإذا لم يمارس الطلبة في الحوزات العلمية والعاكفين على دراسة القرآن، هذه الخطوة، فستصبح الخطوات الأخرى عسيرة عليهم وفي بعض الأوقات مستحيلة، فاليوم ترون بأنّ هناك أشخاص يتكلمون حول الإسلام ويلقون المحاضرات هنا وهناك ويدّعون أشياء كثيرة لا تتعلق بالإسلام؛ لماذا؟ لأنهم لم يتعرفوا على المعارف الإسلامية ونصّ القرآن والسنة، ولابد للإنسان أن يتعرف على نص القرآن الكريم والسنة؛ أي الأحاديث النبوية وكلام الأئمة المعصومين (عليهم السلام)؛ حتى تتيسر له قضية إدراك المعارف الدينية، حتى ولو أراد أن يتعمق في هذه المعارف حقاً. إذن هذه هي الخطوة الأولى وفي نفس الوقت الخطوة الضرورية في هذا المجال).
(إن أنتم فكرتم وتأملتم في الآيات القرآنية، عندها ستتقوى إرادتكم وسيرتفع مستوى مقاومتكم أكثر مما عليه الآن. لأن هذه الآيات القرآنية، هي التي تمكنت في الأيام السالفة أن تربي بعض الأشخاص الذين كافحوا التكتل العالمي للكفر والظلم والظلمات، وهي تلك المعارف التي دفعت بشعبنا العظيم وجهزته ليواجه العالم المتطور تقنياً والمظلم أخلاقياً، هذه هي الجاهلية المتطورة وجاهلية القرن العشرين ـ ونحن نأمل أن يقترب شعبنا يوماً عن يوم إلى القرآن والحقائق أكثر فأكثر).
(هذا الشهر (رمضان) هو شهر الصيام، شهر نزول القرآن والإستئناس بالقرآن، شهر العبادة والدعاء والمناجاة ـ لأن الدعاء هو مخ وروح العبادة ـ شهر الإستغفار والتوبة والعدول عن السبل المرفوضة من قبل الباري المتعال وشهر رعاية التقوى الإلهية؛ شهر الجهاد ـ حيث أن غزوة بدر حصلت في هذا الشهر المبارك، في السنة الثانية للهجرة وفتح مكة أيضاً كان في السنة الثامنة للهجرة والبدء بغزوة حنين حدثت في نفس السنة؛ فهو شهر الجهاد مع النفس ومحاربة مع الشيطان والجهاد مع أعداء الله؛ شهر الإستعداد وشهر ادّخار التقوى؛ شهر صلة الرحم، شهر الصدق والبر مع الإخوة في الإيمان، شهر التعرف على العلوم الدينية والتدبر في القرآن وخلاصة الموضوع هو أنه شهر توفير رأس المال في الحركة الإلهية على امتداد عام كامل، ونأمل أن نكون قد قضينا الأيام الماضية بأعمال تطابق وتلائم مقتضيات هذا الشهر وأن نقدّر الأيام المقبلة منه أكثر من ذي قبل ونتخذ القرار الصارم والإجراء الحاسم فيما يتعلق بالنفس الأمّارة والإنصياع للأحكام الإلهية وكيفية السلوك والتصرف مع الناس والتدبر في القرآن الكريم والقطع والعزم على مجاهدة النفس).
(لابد للإنسان أن يلتفت ـ في حياته الفردية والإجتماعية ـ إلى الوسائل التي هيئها الله عزوجل له، ليعبّر بها نفسه ويقترب من الغاية السامية ثم يستفيد من الإمكانات التي جعلها الله عزوجل تحت اختيار المؤمنين للوصول إلى الهدف المنشود).
(المقصود من التقوى ، هو أن يراقب الإنسان مثل هذه الأمور ـ وكما سمعتم هذا مراراً وتكراراً ـ فإن أحد الأهداف المهمة والمتداولة لشهر رمضان هي اكتساب التقوى: ﴿لعلكم تتقون﴾[3]، وأنا بالذات عندما أرى الأعمال التي قد اهتمّ بها الشارع المقدس في شهر رمضان؛ أي صيام الشهر وتلاوة القرآن الكريم وقراءة الأدعية المأثورة والتوسلات التي نتشبث عن طريقها بعناية الباري تعالى والإستغفار، أجل الإستغفار! وما أشعر به أنا وهو مهم علينا كثيراً، هو الإستغفار، أي طلب المغفرة، طلب العفو من رب العالمين على ما صدر منّا نتيجة القصور والجهل ولا سامح الله نتيجة التقصير والتعمد في ارتكاب الذنوب)[4].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] لقاء القائد (حفظه الله) مع قطاعات مختلفة من أبناء الشعب بمناسبة ذكرى مولد الإمام علي(ع) في 5/9/1375هـ.ش (26/11/1996م).
[2] النساء، الآية: 141.
[3] البقرة: 183.
[4] كلمة قائد الثورة الإسلامية المعظم في خطبتي صلاة الجمعة بطهران، 26/10/1376هـ.ش، 1997م.
 
 
 
المصدر: مؤسسة قدر الولاية الثقافية
Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved