• التاريخ : الخميس 23 محرم 1432

ما هو الجهاز التوزيع ؟


           


  
  
  
  
  
فبالنسبة إلى مجالات التوزيع منيت الانسانية على مر التاريخ بألوان من الظلم ، لقيام التوزيع تارة : على أساس فردي بحت ، وأخرى على أساس لا فردي خالص .
  
فكان الأول تعديا على حقوق الجماعة وكان الثاني بخسا لحقوق الفرد .
  
وقد وضع الاسلام جهاز التوزيع للمجتمع الإسلامي بالشكل الذي تلتقي فيه حقوق الفرد بحقوق الجماعة .
  
فلم يحل بين الفرد وحقه واشباع ميوله الطبيعية ، كما لم يسلب الجماعة كرامتها ولم يهدد حياتها ، وبذلك امتاز عن أجهزة التوزيع في الإسلام يتكون من أداتين رئيسيتين ، وهما : العمل والحاجة .
  
ولكل من الأداتين دورهما الفعال في الحقل العام للثروة الاجتماعية .
  
وسوف نتناول كلا من الأداتين بالدرس ، لنعرف دورها الذي تؤديه في مجال التوزيع ، مع المقارنة بين مكانة العمل والحاجة في جهاز التوزيع الإسلامي للثروة ، ومكانتهما في التصاميم والنظريات الأخرى للتوزيع ،

التي تقوم على أسس شيوعية واشتراكية ورأسمالية .
  
دور العمل في التوزيع لكي نعرف دور العمل في التوزيع ، يجب أن ندرس الصلة الاجتماعية بين العمل والثروة التي ينتجها .
  
فالعمل ينصب على مختلف المواد الطبيعية : فيستخرج المعدن من الأرض ، ويقتطع الخشب من الأشجار ، ويغوص على اللؤلؤ في البحر ، ويصطاد طائرا من الجو . . إلى غير ذلك من الثروات الذي نعالجه بهذا الصدد

هو : ماذا تكتسب المادة من طابع اجتماعي بسبب العمل ؟ وما هي علاقة العامل بالثروة التي حصل عليها عن طريق عمله ؟ .
   
فهناك الرأي القائل : بانقطاع الصلة الاجتماعية بين العمل و ( العامل ) وموضوعه ، فليس للعمل أو العامل من حق إلا في إشباع حاجته مهما كان عمله ، لأن العمل ليس إلا وظيفة اجتماعية يؤديها الفرد للمجتمع ،

فيكافئه عليها المجتمع بضمان حاجاته .
  
ويتفق هذا الرأي مع وجهة نظر الاقتصاد الشيوعي ، فان الاقتصاد الشيوعي ينظر إلى المجتمع بوصفه كائنا كبيرا يذوب فيه الأفراد ، ويحتل كل فرد منه موضع الخلية في الكائن العضوي الواحد .
  
وعلى أساس هذه النظرة التي تصهر الأفراد في البوتقة الاجتماعية البرى ، وتذيبهم في العملاق الكبير . . لا تبدو الإعمال التي يقوم بها أفراد المجتمع أعمالا لأفراد ، لأن الأفراد قد ذابوا جميعا ضمن الكائن الكبير .
  
فتنقطع بذلك صلة العامل بنتائج عمله ، ويصبح المجتمع هو العامل الحقيقي والمالك لنتاج عمل الأفراد جميعا ، وليس للأفراد إلا إشباع حاجاتهم ، وفقا للصيغة الشيوعية - التي مرت بنا سابقا في دراستنا للمادية

التاريخية - : ( من كل وفقا لطاقته ولكل وفقا لحاجته ) .
   
وأما الإسلام فيختلف عن الاقتصاد الشيوعي والاشتراكي معا . فهو يخالف الشيوعية في قطعها الصلة بين عمل الفرد ونتائج عمله ، وتأكيدها على المجتمع بوصفه المالك الوحيد لنتائج أعمال الأفراد جميعا ، لأن

الإسلام لا ينظر إلى المجتمع بصفته كائنا كبيرا يختفي من وراء الأفراد ، ويحركها في هذا الاتجاه وذاك ، بل ليس المجتمع إلا الكثرة الكاثرة من الأفراد فالنظرة الواقعية إنما تنصب على الأفراد بوصفهم بشرا يتحركون

ويعملون ، فلا يمكن بحال من الأحوال أن تنقطع الصلة بين العامل ونتيجة عمله .
  
ويختلف الإسلام أيضا عن الاقتصاد الاشتراكي ، القائل : ان الفرد هو الذي يمنح المادة قيمتها التبادلية بعمله ، فالمواد الطبيعية كالخشب والمعادن وغير ذلك من ثروات الطبيعة . . لا تستمد قيمتها - في رأي الإسلام

- من العمل ، بل قيمة كل مادة حصيلة الرغبة الاجتماعية العامة في الحصول عليها ، كما أوضحنا ذلك في دراستنا للمادية التاريخية .
   
وإنما العمل في نظر الإسلام سبب لملكية العامل لنتيجة عمله ، وهذه الملكية الخاصة القائمة على أساس العمل ، تعبير عن ميل طبيعي في الإنسان إلى تملك نتائج عمله ، ومرد هذا الميل إلى السيطرة على

نتائج العمل ومكاسبه ، وبذلك تكون الملكية القائمة على أساس العمل حقا للانسان نابعا من مشاعره الأصيلة ، وحتى المجتمعات التي تحدثنا الشيوعية عن انعدام الملكية الخاصة فيها ، لا تدحض حق الملكية

القائم على أساس العمل بوصفه تعبيرا عن ميل أصيل في الإنسان . . وإنما تعني أن العمل في تلك المجتمعات كان يجمل طابعا اشتراكيا ، فكانت الملكية القائمة على أساسه اشتراكية أيضا .
   
فالحقيقة هي الحقيقة ، والميل الطبيعي إلى التملك على أساس العمل ثابت على أي حال ، وإن اختلفت نوعية الملكية لاختلاف شكل العمل : من ناحية كونه فرديا أو اجتماعيا . فالعمل إذن أساس لتملك العامل

في نظر الإسلام ، وعلى هذا الأساس فهو أداة رئيسية في جهاز التوزيع الإسلامي ، لأن كل عامل يحظى بالثروات الطبيعية التي يحصل عليها بالعمل ، ويمتلكها وفقا لقاعدة : إن العمل سبب الملكية . وهكذا

نستطيع أن نستخلص في النهاية المواقف المذهبية المختلفة ، من الصلة الاجتماعية بين الفرد العامل ونتيجة عمله . فالقاعدة الشيوعية في هذا المجال : ( إن العمل سبب لتملك المجتمع لا الفرد ) .
   
والقاعدة الاشتراكية : ( إن العمل سبب لقيمة المادة ، وبالتالي سبب تملك العامل لها ) .
  
والقاعدة الإسلامية : ( إن العمل سبب لتملك العامل للمادة ، وليس سببا لقيمتها ) .
   
فالعامل حين يستخرج اللؤلؤ لا يمنحه بعمله هذا قيمته وإنما يملكه بهذا العمل.
  
  
  
  
   
كتاب اقتصادنا - لسيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) صفحة:  333 - 336.
Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved