• التاريخ : الأربعاء 22 محرم 1432

الفرق بين المذهب الاقتصادي والقانون المدني


           

  
  
ما هو الفرق بين المذهب الاقتصادي والقانون المدني مع التوضيح
  
  
  
  
  
كما عرفنا أن المذهب الاقتصادي يختلف عن علم الاقتصاد ، كذلك يجب أن نعرف الفرق بين المذهب الاقتصادي والقانون المدني أيضا ، فإن المذهب هو : مجموعة من النظريات الأساسية التي تعالج مشاكل الحياة

الاقتصادية.
  
والقانون المدني هو : التشريع الذي ينظم تفصيلات العلاقات المالية بين الأفراد وحقوقهم الشخصية والعينية .
  
وعلى هذا الأساس لا يمكن أن يعتبر المذهب الاقتصادي لمجتمع نفس قانونه المدني .   
فالرأسمالية مثلا بوصفها المذهب الاقتصادي لدول كثيرة في العالم ليست هي نفس القوانين المدنية في تلك الدول ، ولذا قد تختلف دولتان رأسماليتان في تشريعاتهما القانونية ، تبعا لاتجاهات رومانية وجرمانية -

مثلا - مختلف في التشريع بالرغم من وحدة المذهب الاقتصادي فيهما ، لأن تلك التشريعات القانونية ليست من المذهب الرأسمالي .
   
فليس من الرأسمالية - باعتبارها مذهبا اقتصاديا - الأحكام التي ينظم بها القانون المدني في الدولة الرأسمالية عقود المقايضة من بيع وإيجار وقرض مثلا .
  
فلو قدمت هذه الأحكام باعتبارها المضمون الرأسمالي للمذهب ، كان ذلك ينطوي على التباس وخلط بين النظريات الأساسية والتفصيلات التشريعية ، بين المذهب والقانون ، أي بين النظريات الأساسية لرأسمالية

في حرية التملك ، وحرية التصرف ، وحرية الاستثمار ، وبين التشريعات القانونية التي ترتكز على أساسها تلك المبادئ الرأسمالية في الحرية .
   
ولأجل هذا يكون من الخطأ أن يقدم الباحث الإسلامي مجموع من أحكام الإسلام - التي هي في مستوى القانون المدني حسب مفهومه اليوم - ويعرضها طبقا للنصوص التشريعية والفقهية بوصفها مذهبا اقتصاديا

إسلاميا ، كما يصنع بعض الكتاب المسلمين ، حين يحاولون دراسة المذهب الاقتصادي في الإسلام ، فيتحدثون عن مجموعة من تشريعات الإسلام التي نظم بها الحقوق المالية والمعاملات ، كالأحكام الشرعية

بشأن البيع والإيجار والشركة والغش والقمار وما إليها من تشريعات ، فإن هؤلاء كمن يريد أن يدرس ويحدد المذهب الاقتصادي للمجتمع في ( انكلترة ) مثلا ، فيقتصر في دراسته على القانون المدني لتلك البلاد وما

يضمه من تشريعات ، بدلا عن استعراض الرأسمالية ومبادئها الأساسية في حرية التملك والتصرف والاستثمار ، وما تعبر عنه هذا المبادئ من مفاهيم وقيم .
  
ونحن حين نؤكد على ضرورة التمييز بين الكيان النظري للمذهب الاقتصادي ، وبين القانون المدني ، لا نحاول بذلك قطع الصلة بينهما ، بل نؤكد في نفس الوقت على العلاقة المتينة التي تربط المذهب بالقانون ،

بوصفها جزئين من بناء نظري كامل للمجتمع .
   
ولنأخذ لأجل التوضيح مثالا على ذلك من المذهب الرأسمالي الحر في الاقتصاد ، وعلاقاته بالقوانين المدنية على صعيدها النظري والواقعي ، لتتجسد لنا الصلة بين المذهب والقانون ، ومدى تأثر القانون نظريا وواقعيا

بالنظريات المذهبية .
   
ففي مجال الحقوق الشخصية من القانون المدني، نستطيع أن نفهم أثر المذهب فيه ، إذا عرفنا أن نظرية الالتزام - وهي حجر الزاوية في القانون المدني - قد استمدت محتواها النظري من طبيعة المذهب

الرأسمالي ، في الفترة التي طغت فيها الأفكار الرأسمالية على الحرية الاقتصادية، وسيطرت مبادئ الاقتصاد الحر على التفكير العام ، فكان من نتيجة ذلك ظهور مبدأ سلطان الإرادة في نظرية الالتزام ، الذي يحمل

الطابع المذهبي للرأسمالية إذ يؤكد - تبعا لإيمان الرأسمالية بالحرية واتجاهها الفردي - على أن الإرادة الخاصة للفرد هي وحدها مصدر جميع الالتزامات والحقوق الشخصية ، ويرفض القول بوجود أي حق لفرد على

آخر ، أو لجماعة على فرد ، ما لم تكمن وراءه إرادة حرة يتقبل الفرد بموجبات ثبوت الحق عليه بملء حريته . ومن الواضح أن رفض أي حق على الشخص ما لم ينشئ ذلك الشخص الحق على نفسه بملء إرادته ،

ليس إلا نقلا أمينا للمضمون الفكري للمذهب الرأسمالي - وهو الحرية الاقتصادية - من الحقل المذهبي الاقتصادي إلى الحقل القانوني ، ولذا نجد أن نظرية الالتزام حين تقام على أساس مذهبي آخر في الاقتصاد ،

تختلف عن ذلك ، وقد يتضاءل دور الإرادة فيها حينئذ إلى حد بعيد .
   
ومن مظاهر نقل المضمون النظري للمذهب الرأسمالي إلى التفصيلات التشريعية على الصعيد القانوني : سماح القانون المدني القائم على أساس رأسمالي في تنظيماته ، لعقود البيع والقرض والإيجار ، ببيع

كمية عاجلة من الحنطة بكمي أكبر منها تدفع بعد ذلك ، وبإقراض المال بفائدة معينة بنسبة مئوية ، وباستئجار الرأسمالي عمالا يستخدمهم في استخراج البترول من الأرض بالوسائل التي يملكها لكي يتملك ذلك

البترول . . إن القانون حين يجيز كل ذلك ، إنما يستمد في الحقيقة مبررات هذا الجواز من النظريات الرأسمالية للمذهب ، الذي يرتكز القانون عليه .
   
والأمر نفسه نجده أيضا في مجال الحقوق العينية من القانون المدني : فحق الملكية وهو الحق العيني الرئيسي ، ينظمه القانون وفقا للموقف العام الذي يتخذه المذهب الاقتصادي من توزيع الثروة ، فالرأسمالية

المذهبية فرضت على الطابق الفوقي في البناء الرأسمالي ، أن يسمح للأفراد بملكية المعادن تطبيقا لحرية التملك ، وأن يقدم مصلحة الفرد في الانتفاع بنا يملك على أي اعتبار آخر ، فلا يمنع الفرد عن ممارسة

أمواله بالطريقة التي تحلو له مهما كان أثر ذلك على الآخرين ما دامت الملكية والحرية حقا طبيعيا للفرد ، وليست وظيفة اجتماعية يمارسها الفرد ضمن الجماعة .
   
وحين أخذ دور الحرية الاقتصادية يتضاءل ، ومفهوم الملكية الخاصة يتطور ، بدأت القوانين المدنية تمنع عن تملك الفرد لبعض الثروات أو المرافق الطبيعية ، ولا تسمح له بالإساءة في استعمال حقه في التصرف

والانتفاع بماله .
    
فهذا كله يجلي علاقة التبعية بين القانون المدني والمذهب ، إلى درجة يجعل من الممكن التعرف على المذهب وملامحه الأصيلة عن طريق القانون المدني .
   
فالشخص الذي لم يتح له الاطلاع المباشر على المذهب الاقتصادي لبلد ما ، يمكنه أن يرجع إلى قانونه المدني ، لا بوصفه المذهب الاقتصادي ، فان المذهب غير القانون ، بل باعتباره البناء العلوي للمذهب والطابق

الفوقي الذي يعكس محتوى المذهب وخصائصه العامة ، ويمكنه عندئذ في ضوء دراسة القانون المدني للبلد ، أن يعرف بسهولة كون البلد رأسماليا أو اشتراكيا ، بل وحتى الدرجة التي يؤمن البلد بها من الرأسمالية

والاشتراكية .
    
 
  
  
  
  
   
المصدر : اقتصادنا - لسيد الشهيد محمد باقر الصدر (رضوان الله تعالى عليه) - الصفحة: 411 - 412.
Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved