• التاريخ : الأربعاء 22 محرم 1432

الفرق بين المذهب الاقتصادي وعلم الاقتصاد


           

  
 
ما هو الفرق بين المذهب الاقتصادي وعلم الاقتصاد مع الشرح بالمثال ؟
 
  
  
  
 
أن المذهب الاقتصادي للمجتمع عبارة عن الطريقة التي يفضل المجتمع اتباعها في حياته الاقتصادية وحل مشاكلها العملية.
  
وعلم الاقتصاد هو العلم الذي يتناول تفسير الحياة الاقتصادية وأحداثها وظواهرها ، وربط تلك الأحداث والظواهر بالأسباب والعوامل العامة التي تتحكم فيا .
  
وهذا القدر من التمييز بين المذهب والعلم وإن كان يشير إلى الفارق الجوهري بينهما ، ولكنه لم يعد يكفي في الوقت الذي نحاول أن نكتشف مذهبا اقتصاديا معينا بالذات ، أو ان نكون عنه فكرة محددة .
  
فقد استخدمنا ذلك التمييز الأساسي بين المذهب والعلم ، لنتيح للقارئ أن يعرف نوعية الاقتصاد الإسلامي الذي ندرسه ، ويدرك في ضوء ذلك التمييز أن الإقتصاد الإسلامي مذهب وليس علما ، لأنه الطريقة التي يفضل الإسلام اتباعها في الحياة الاقتصادية ، وليس تفسيرا يشرح فيه الإسلام أحداث الحياة الاقتصادية وقوانينها .
   
ولتحقيق هذا الغرض والتأكيد على الطابع المذهبي للاقتصاد الإسلامي ، كان يكفي أن نقول عن المذهب : أنه طريقة ، وعن العلم : أنه تفسير ، لنعرف أن الاقتصاد الإسلامي مذهب لا علم .
   
حسنا ، ولكنا الآن يجب أن نعرف عن المذهب الاقتصادي أكثر من هذا ، لنستطيع أن نضبط في ضوء مفهومنا عنه المجالات التي يعمل فيها ، ثم نفحص كل ما يتصل من الإسلام بتلك المجالات .
  
ففي أي حقل يعمل المذهب الاقتصادي ؟ ، وإلى أي مدى يمتد ؟ ، وما هي الصفة العامة التي نجدها في كل فكر اقتصادي مذهبي ، لنجعل من تلك الصفة علامة فارقة للأفكار المذهبية في الإسلام ، التي نحاول جمعها وتنسيقها في إطراد واحد ؟ إن هذه الأسئلة تتطلب أن نعطي للمذهب المتميز عن العلم مفهوما محددا ، قادرا على الجواب عن كل هذه الأسئلة ، ولا يكفي بهذا الصدد القول : بأن المذهب مجرد طريقة .
   
إن هناك من يعتبر مجال المذهب مقتصرا على توزيع الثروة فحسب ، فلا علاقة للمذهب بالإنتاج ، لأن عملية إنتاج الحنطة أو النسيج مثلا تتحكم فيها القوانين العلمية ، ومستوى المعرفة البشرية بعناصر الإنتاج وخصائصها وقواها ، ولا تختلف عملية إنتاج الحنطة أو النسيج باختلاف طبيعة المذهب الاقتصادي .
   
فعلم الاقتصاد هو : علم قوانين الإنتاج .
   
والمذهب الاقتصادي هو : فن توزيع الثروة .
   
وكل بحث يتعلق بالإنتاج وتحسينه وإيجاد وسائله وتحسينها فهو من علم الاقتصاد ، وذو صفة عالمية لا تتفاوت فيه الأمم تبعا لاختلاف مبادئها ومفاهيمها الاجتماعية ، ولا يختص به مبدأ دون مبدأ .
   
وكل بحث يبين الثروة وتملكها والتصرف فيها فهو بحث مذهبي ، ومن النظام الاقتصادي وليس من علم الاقتصاد ولا يرتبط به ، وإنما يرتبط بإحدى وجهات النظر في الحياة التي تتبعناها المذاهب المختلفة من رأسمالية واشتراكية وإسلام .
    
وهذا الفصل بين العلم والمذهب - علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي - على أساس اختلاف المجال الذي يمارسه أحدهما عن مجال الآخر .
   
ينطوي على خطأ كبير ، لأنه يؤدي إلى اعتبار الصفة المذهبية والصفة العلمية نتيجتين لنوعية المجال المدروس .
    
فإذا كان البحث في الإنتاج فهو بحث علمي ، وإذا كان في التوزيع فهو بحث مذهبي .
  
مع أن العلم والمذهب مختلفان في طريقة البحث وأهدافه ، لا في موضوعه ومجالاته .
   
فالبحث المذهبي يظل مذهبيا ومحافظا على طابعه ما دام يلتزم طريقته وأهدافه الخاصة ، ولو تناول الإنتاج نفسه . كما أن البحث العلمي لا يفقد طبيعته العملية إذا تكلم عن التوزيع ودرسه بالطريقة والأهداف التي تتناسب مع العلم .
  
ولأجل ذلك نجد أن فكرة التخطيط المركزي للإنتاج - التي تتيح للدولة الحق في وضع سياسة الإنتاج والإشراف عليه - هي إحدى النظريات . المذهبية المهمة ، التي تعتبر من مقومات بعض المذاهب أو الأنظمة الاشتراكية ، أو ذات الاتجاه الاشتراكي ، مع أننا نعلم أن التخطيط المركزي للإنتاج والسماح لهيئة عليا كالدولة بممارسة هذا التخطيط .
  
لا يعني تملك تلك الهيئة لوسائل الإنتاج ، ولا يتصل بمسألة توزيع هذه الوسائل على الأفراد .
   
ففكرة التخطيط المركزي للإنتاج إذن فكرة مذهبية ، تتصف بالمذهب الاقتصادي ، وليست بحثا علميا بالرغم من أنها تعالج الإنتاج لا التوزيع .
  
وعلى العكس قد نجد كثيرا من الأفكار التي تعالج قضايا التوزيع تندرس في علم الاقتصاد ، بالرغم من صلتها بالتوزيع دون الإنتاج ف - ( ريكاردو ) حين كان يقرر مثلا : أن نصيب العمال من الثروة المنتجة ، الذي يتمثل فيها يتقاضونه من أجور ، لا يزيد بحال من الأحوال عن القدر الذي يتمثل فيما يتقاضونه من أجور ، لا يزيد بحال من الأحوال عن القدر الذي يتيح لهم معيشة الكفاف . . لم يكن يقصد بذلك أن يقرر شيئا مذهبيا ولا أن يطلب من الحكومات فرضه نظاما اقتصاديا للأجور ، كنظام الملكية الخاصة والحرية الاقتصادية ، وإنما كان يحاول أن يشرح الواقع الذي يعيشه العمال والنتيجة الحتمية لهذا الواقع ، بالرغم من عدم تبني الدولة لفرض حد أعلى من الأجور ، وإيمانها بالحرية الاقتصادية بوصفها دولة رأسمالية . فالمذهب والعلم يدخلان في كل تلك المجالات ويدرسان الإنتاج والتوزيع معا ، ولكن هذا يجب أن لا يؤدي بنا إلى عدم التمييز بينهما أو الخلط بين الطابع العلمي والمذهبي في البحث الاقتصادي ، الأمر الذي مني به بعض أولئك الذين يؤكدون على عدم وجود اقتصاد في الإسلام ، إذ لم يتح لهم أن يميزوا بشكل حاسم بين العلم والمذهب ، فظنوا أن القول بوجود اقتصاد إسلامي يستهدف ادعاء أن الإسلام سبق المفكرين الغربيين في الإبداع العلمي للاقتصاد السياسي ، وظنوا أيضا أن القول بوجود اقتصاد إسلامي يعني أننا سوف نجد لدى الإسلام فكرا اقتصاديا ، وبحثا علميا في قوانين الحياة الاقتصادية من إنتاج وتوزيع وغيرهما ، نظير ما نجد في بحوث ( آدم سميت ) و ( ريكاردو ) ومن إليهما من أقطاب الاقتصاد السياسي ، ولما كنا لا نجد في الإسلام بحوثا من هذا القبيل ، فليس الاقتصاد الإسلامي إلا أسطورة وخيالا مجنحا .
    
ويمكن لهؤلاء أن يتنازلوا عن تأكيدهم على عدم وجود اقتصاد إسلامي إذا عرفوا بوضوح ، الفرق بين المذهب الاقتصادي وعلم الإقتصاد أو ما يسمى بالاقتصاد السياسي ، وعرفوا : أن الاقتصاد الإسلامي مذهب وليس علما .
   
فالمذهب الاقتصادي يشمل كل قاعدة أساسية في الحياة الاقتصادية ، تتصل بفكرة : ( العدالة الاجتماعية ) .
  
والعلم يشمل كل نظرية تفسر واقعا من الحياة الاقتصادية ، بصورة منفصلة عن فكرة مسبقة أو مثل أعلى للعدالة .
  
ففكرة العدالة هي الحد الفاصل بين المذهب والعلم ، والعلامة الفارقة التي تمييز بها الأفكار المذهبية عن النظريات العلمية ، لأن فكرة العدالة نفسها ليست علمية ، ولا أمرا حسيا قابلا للقياس والملاحظة ، أو خاضعا للتجربة بالوسائل العلمية ، وإنما العدالة تقدير وتقويم خلقي .
   
فأنت حين تريد أن تعرف مدى العدالة في نظام الملكية الخاصة ، أو تصدر حكما على نظام الفائدة الذي تقوم على أساسه المصارف بأنه نظام عادل أو ظالم . . لا تلجأ إلى نفس الأساليب والمقاييس العلمية التي تستخدمها حينما تريد قياس حرارة الجو ، أو درجة الغليان في مائع معين ، لأن الحرارة والتبخر ظاهرتان قيم خلقية ومثل عليا ، خارجة عن حدود القياس المادي .
    
فالعدالة إذن ليست فكرة علمية بذاتها ، وهي لذلك حين تندمج بفكرة تدمغها بالطابع المذهبي وتميزها عن التفكير العلمي .
   
فمبدأ الملكية الخاصة ، أو الحرية الاقتصادية ، أو إلغاء الفائدة أو تأميم وسائل الإنتاج . . كل ذلك يندرج في المذهب ، لأنه يرتبط بفكرة العدالة ، وأما قانون تناقص الغلة ، وقانون العرض والطلب ، أو القانون الحديدي للأجور . . فهي قوانين علمية ، لأنها ليست بصدد تقويم تلك الظواهر الاقتصادية .
   
فقانون تناقض الغلة لا يحكم بأن هذا التناقص عادل أو ظالم ، وإنما يكشف عنه بوصفه حقيقة موضوعية ثابتة ، كما أن قانون العرض والطلب لا يبرر ارتفاع الثمن بسبب قلة العرض أو زيادة الطلب على أساس مفهوم معين عن العدالة ، وإنما يبرز الترابط موضوعيا بين الثمن وكمية العرض والطلب ، باعتباره ظاهرة من الظواهر الحتمية للسوق الرأسمالية ، وكذلك الأمر في قانون الأجور الحديدي ، فهو يشرح الواقع المحتوم للعمال الذي يجعلهم دائما لا يحصلون في المجتمع الرأسمالي إلا على معيشة الكفاف ، بقطع النظر ما كانت ظالة نصيب العمال في التوزيع تتفق مع العدالة أو لا .
  
فكل القوانين العملية لا ترتكز على فكرة العدالة ، وإنما ترتكز على استقراء الواقع وملاحظة مختلف ظواهره المتنوعة، وعلى العكس من ذلك القواعد المذهبية التي تجسد دائما فكرة معينة للعدالة .
   
   
   
   
   
اقتصادنا - السيد محمد باقر الصدر - ص 359 - 363
Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved